Ibn 'Atiyya · Tafsir · in Arabic
التكوير
At-Takwir
The Overthrowing · Meccan · 29 ayahs
81:1–14Page 586
إِذَا ٱلشَّمۡسُ كُوِّرَتۡ ١
When the sun is wrapped up [in darkness]
وَإِذَا ٱلنُّجُومُ ٱنكَدَرَتۡ ٢
And when the stars fall, dispersing,
وَإِذَا ٱلۡجِبَالُ سُيِّرَتۡ ٣
And when the mountains are removed
وَإِذَا ٱلۡعِشَارُ عُطِّلَتۡ ٤
And when full-term she-camels1 are neglected
وَإِذَا ٱلۡوُحُوشُ حُشِرَتۡ ٥
And when the wild beasts are gathered
وَإِذَا ٱلۡبِحَارُ سُجِّرَتۡ ٦
And when the seas are filled with flame1
وَإِذَا ٱلنُّفُوسُ زُوِّجَتۡ ٧
And when the souls are paired1
وَإِذَا ٱلۡمَوۡءُۥدَةُ سُئِلَتۡ ٨
And when the girl [who was] buried alive is asked
بِأَيِّ ذَنۢبٖ قُتِلَتۡ ٩
For what sin she was killed
وَإِذَا ٱلصُّحُفُ نُشِرَتۡ ١٠
And when the pages1 are spread [i.e., made public]
وَإِذَا ٱلسَّمَآءُ كُشِطَتۡ ١١
And when the sky is stripped away
وَإِذَا ٱلۡجَحِيمُ سُعِّرَتۡ ١٢
And when Hellfire is set ablaze
وَإِذَا ٱلۡجَنَّةُ أُزۡلِفَتۡ ١٣
And when Paradise is brought near,
عَلِمَتۡ نَفۡسٞ مَّآ أَحۡضَرَتۡ ١٤
A soul will [then] know what it has brought [with it].1
(p-٥٤٤)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ التَكْوِيرِ
وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ مِنَ المُتَأوِّلِينَ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿إذا الشَمْسُ كُوِّرَتْ﴾ ﴿وَإذا النُجُومُ انْكَدَرَتْ﴾ ﴿وَإذا الجِبالُ سُيِّرَتْ﴾ ﴿وَإذا العِشارُ عُطِّلَتْ﴾ ﴿وَإذا الوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ ﴿وَإذا البِحارُ سُجِّرَتْ﴾ ﴿وَإذا النُفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ ﴿وَإذا المَوْءُودَةُ سُئِلَتْ﴾ ﴿بِأيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ ﴿وَإذا الصُحُفُ نُشِرَتْ﴾ ﴿وَإذا السَماءُ كُشِطَتْ﴾ ﴿وَإذا الجَحِيمُ سُعِّرَتْ﴾ ﴿وَإذا الجَنَّةُ أُزْلِفَتْ﴾ ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أحْضَرَتْ﴾
هَذِهِ كُلُّها أوصافُ يَوْمِ القِيامَةِ، و"تَكْوِيرُ الشَمْسِ" هو أنْ تُدارَ ويُذْهَبَ بِها إلى حَيْثُ شاءَ اللهُ، كَما يُدارُ كَوْرُ العِمامَةِ، وعَبَّرَ المُفَسِّرُونَ عن ذَلِكَ بِعِباراتٍ، فَمِنهم مَن قالَ: ذَهَبَ نُورُها، ومِنهم مَن قالَ: رُمِيَ بِها، قالَهُ الرَبِيعُ بْنُ خَيْثَمَ، وغَيْرُ ذَلِكَ مِمّا هو أشْياءٌ تابِعَةٌ لِتَكْوِيرِها. و"انْكِدارُ النُجُومِ" هو انْقِضاضُها وهُبُوطُها مِن مَواضِعِها، ومِنهُ قَوْلُ الراجِزِ:
؎ أبْصَرَ خَرْبانَ فَلاةَ فانْكَدَرَ.. تَقَضِّي البازِي إذا البازِي كَسَرَ
(p-٥٤٥)وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "انْكَدَرَتْ": تَغَيَّرَتْ، مِن قَوْلِهِمْ: ماءٌ كَدِرٌ، أيْ: مُتَغَيِّرُ اللَوْنِ. و"تَسْيِيرُ الجِبالِ" هو قَبْلَ نَسْفِها، وإنَّما ذَلِكَ في صَدْرِ هَوْلِ القِيامَةِ. و: "العِشارُ" جَمْعُ عُشَراءَ، وهي الناقَةُ الَّتِي قَدْ مَرَّ لِحَمْلِها عَشَرَةُ أشْهُرٍ، وهي أنْفَسُ ما عِنْدَ العَرَبِ، وتَهَمُّمْهم بِها عَظِيمٌ لِلرَّغْبَةِ في نَسْلِها، فَإنَّها تُعَطَّلُ عِنْدَ أشَدِّ الأهْوالِ، وقَرَأ مُضَرُ عَنِ اليَزِيدِيِّ: "عُطِّلَتْ" بِتَخْفِيفِ الطاءِ.
و"حَشْرُ الوُحُوشِ" جَمْعُها، واخْتَلَفَ الناسُ في هَذا الجَمْعِ، ما هُوَ؟ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: حُشِرَتْ بِالمَوْتِ؛ لِأنَّها لا تَبْعَثُ القِيامَةَ، ولا يَحْضُرُ القِيامَةَ غَيْرُ الثِقْلَيْنِ، وقالَ قَتادَةُ وجَماعَةٌ: حُشِرَتْ لِلْجَمْعِ يَوْمَ القِيامَةِ، ويَقْتَصُّ لِلْجَمّاءِ مِنَ القَرْناءِ، فَجَعَلُوا ألْفاظَ هَذا الحَدِيثِ حَقِيقَةً لا مَجازًا، مِثالًا في العَدْلِ، وقالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: حُشِرَتْ في الدُنْيا في أوَّلِ هَوْلِ يَوْمِ القِيامَةِ، فَإنَّها تَفِرُّ في الأرْضِ، وتَجْتَمِعُ إلى بَنِي آدَمَ تَأْنِيسًا بِهِمْ. وقَرَأ الحَسَنُ: "حُشِرَتْ" بِشَدِّ الشِينِ عَلى المُبالَغَةِ.
و"تَسْجِيرُ البِحارِ" قالَ قَتادَةُ، والضَحّاكُ: مَعْناهُ: فَرَغَتْ مِن مائِها وذَهَبَ حَيْثُ شاءَ اللهُ تَعالى، وقالَ الحَسَنُ: يَبِسَتْ، وقالَ الرَبِيعُ بْنُ خَيْثَمَ: مَعْناهُ: مُلِئَتْ وفاضَتْ (p-٥٤٦)وَفُجِّرَتْ مِن أعالِيها، وقالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: وسُفْيانُ، ووَهْبٌ، وابْنُ زَيْدٍ: مَعْناهُ: أُضْرِمَتْ نارًا كَما يُسْجَرُ التَنُّورُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: جَهَنَّمُ في البَحْرِ الأخْضَرِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: مَلَكَتْ، وقَيَّدَ اضْطِرابَها حَتّى لا تَخْرُجَ عَلى الأرْضِ بِسَبَبِ الهَوْلِ، فَتَكُونُ اللَفْظَةُ مَأْخُوذَةً مِن "ساجُورِ الكَلْبِ"، وقِيلَ: هَذِهِ مَجازُ نارٍ في جَهَنَّمَ تُسْجَرُ يَوْمَ القِيامَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذِهِ الأقْوالِ مَنصُوصَةً لِأهْلِ العِلْمِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والبَحْرِ المَسْجُورِ﴾ [الطور: ٦]، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو "سَجَرَتْ" بِتَخْفِيفِ الجِيمِ، وقَرَأ الباقُونَ بِشَدِّها، وهي مُتَرَجِّحَةٌ بِكَوْنِ البِحارِ جَمْعًا، كَما قالَ تَعالى: ﴿كِتابًا يَلْقاهُ مَنشُورًا﴾ [الإسراء: ١٣]، وكَما قالَ سُبْحانَهُ: "صُحُفًا مُنَشَّرَةً"، ومِثْلُهُ: "قَصْرٌ مَشَيَّدٌ"، و"بُرُوجٌ مُشَيَّدَةٌ" لِأنَّها جَماعَةٌ، وذَهَبَ قَوْمٌ مِنَ المُلْحِدِينَ إلى أنَّ هَذِهِ الأشْياءَ المَذْكُورَةَ اسْتِعاراتٌ في كُلِّ ابْنِ آدَمَ وأحْوالِهِ عِنْدَ مَوْتِهِ، فالشَمْسُ نَفْسُهُ، والنُجُومُ عَيْناهُ وحَواسُّهُ، والعِشارُ ساقاهُ، وهَذا قَوْلُ سُوءٍ وخَيْمِ غَثٍّ ذاهِبٍ إلى إثْباتِ الرُمُوزِ في كِتابِ اللهِ تَعالى.
و"تَزْوِيجُ النُفُوسِ" هو تَنْوِيعُها؛ لِأنَّ الأزْواجَ هي الأنْواعُ، والمَعْنى: جُعِلَ الكافِرُ مَعَ الكافِرِ، والمُؤْمِنُ مَعَ المُؤْمِنِ، وكُلُّ شَكْلٍ مَعَ شَكْلِهِ، رَواهُ النُعْمانُ بْنُ بَشِيرٍ عَنِ النَبِيِّ ﷺ، وقالَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ، وقالَ: هَذا نَظِيرُ قَوْلِهِ (p-٥٤٧)تَعالى: ﴿وَكُنْتُمْ أزْواجًا ثَلاثَةً﴾ [الواقعة: ٧]، وفي الآيَةِ -عَلى هَذا- حَضٌّ عَلى دَلِيلِ الخَبَرِ، فَقَدْ قالَ ﷺ: « "المَرْءُ مَعَ مَن أحَبَّ"،» وقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "فَلْيَنْظُرْ أحَدُكم مَن يُخالِلْ".» وقالَ اللهُ تَعالى: ﴿الأخِلاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلا المُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧]، وقالَ مُقاتِلُ بْن سُلَيْمانَ: زُوِّجَتْ نُفُوسُ المُؤْمِنِينَ بِزَوْجاتِهِمْ مِنَ الحُورِ وغَيْرِهِنَّ، وقالَ عِكْرِمَةُ، والضَحّاكُ، والشَعْبِيُّ: زُوِّجَتِ الأرْواحُ الأجْسادُ. وقَرَأ عاصِمٌ: "زُوِّجَتْ" غَيْرَ مُدْغَمٍ.
و"المَوْؤُدَةُ" اسْمٌ مَعْناهُ: المُثْقَلُ عَلَيْها، ومِنهُ:"وَلا يَؤُدُهُ"، ومِنهُ: "اتَّئِدْ"، أيْ تُوَقَّرُ واثْقَلْ، وعُرِفَ هَذا الِاسْمُ في البَناتِ اللَواتِي كانَ قَوْمٌ مِنَ العَرَبِ يَدْفِنُونَهُنَّ أحْياءَ، يَحْفِرُ الرَجُلُ شِبْهَ البِئْرِ أوِ القَبْرِ ثُمَّ يَسُوقُ ابْنَتَهُ فَيُلْقِيها فِيها، وإذا كانَتْ صَغِيرَةً جِدًّا خَدَّ لَها في الأرْضِ ودَفْنها، وبَعْضُهم كانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ خَشْيَةَ الإمْلاقِ وعَدَمَ المالِ، وبَعْضُهم غَيْرَةً وكَراهِيَةً لِلْبَناتِ وجَهالَةً، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "المَوْءُودَةُ" بِالهَمْزِ مِن "وَأدَ" في حِرَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَإذا الماوَدَّةُ"، وقَرَأ البَزِّيُّ: "المُؤَوَّدَةُ" بِهَمْزَةٍ (p-٥٤٨)مَضْمُومَةٍ عَلى الواوِ مِثْلَ "المُعَوِّذَةِ"، وقَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ: "المَوَدَّةُ" بِضَمِّ الواوِ الأُولى وتَسْهِيلِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "المَوْدَةُ" بِسُكُونِ الواوِ عَلى وزْنِ "الفَعْلَةِ"، وقَرَأ بَعْضُ السَلَفِ: "المَوَدَّةُ" بِفَتْحِ الواوِ والدالِ المُشَدَّدَةِ، جَعَلَ البِنْتَ مَوَدَّةً، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "سُئِلَتْ"، وهَذا عَلى وجْهِ التَوْبِيخِ لِلْعَرَبِ الفاعِلِينَ ذَلِكَ؛ لِأنَّها تَسْألُ لِيَصِيرَ الأمْرُ إلى سُؤالِ الفاعِلِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ: مَسْؤُولًا عنها مَطْلُوبًا الجَوابُ مِنهُمْ، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ العَهْدَ كانَ مَسْؤُولا﴾ [الإسراء: ٣٤]، وكَما سُئِلَ التُراثُ والحُقُوقُ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وأبُو الضُحى، ومُجاهِدٌ، وجَماعَةٌ كَبِيرَةٌ مِنهُمُ ابْنُ مَسْعُودٍ، والرَبِيعُ بْنُ خَيْثَمَ "سَألَتْ"، ثُمَّ اخْتَلَفَ هَؤُلاءِ، فَقَرَأ أكْثَرُهُمْ: "قَتَلَتْ" بِفَتْحِ اللامِ وسُكُونِ التاءِ "الثانِيَةِ"، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: "قُتِّلَتْ" بِشَدِّ التاءِ عَلى المُبالَغَةِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وجابِرٌ، وأبُو الضُحى، ومُجاهِدٌ: "قَتَلْتُ" بِسُكُونِ اللامِ وضَمِّ التاءَ "الثانِيَةِ"، وقَرَأ الأعْرَجُ: "سِيلَتْ" بِكَسْرِ السِينِ وفَتْحِ اللامِ دُونَ هَمْزٍ. واسْتَدَلَّ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما بِهَذِهِ الآيَةِ في أنَّ أولادَ المُشْرِكِينَ في الجَنَّةِ لِأنَّ اللهَ تَعالى قَدِ انْتَصَرَ لَهم مِن ظُلْمِهِمْ.
و"الصُحُفُ المَنشُورَةُ" قِيلَ: هي صُحُفُ الأعْمالِ تُنْشَرُ لِيَقْرَأ كُلُّ امْرِئٍ كِتابَهُ، وقِيلَ: هي الصُحُفُ الَّتِي تَتَطايَرُ بِالأيْمانِ والشَمائِلِ لِلْجَزاءِ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، والحَسَنُ وأبُو رَجاءٍ، وقَتادَةُ: "نُشِرَتْ" بِتَخْفِيفِ الشِينِ المَكْسُورَةِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "نُشِّرَتْ" بِشَدِّ الشِين عَلى المُبالَغَةِ. و"الكَشْطُ": التَقْشِيرُ، وذَلِكَ كَما يُكْشَطُ جِلْدُ الشاةِ حِينَ تُسْلَخُ، وكَشْطُ السَماءِ هو طَيُّها كَطَيِّ السِجِلِّ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "قُشِطَتْ" بِالقافِ، وهُما بِمَعْنًى واحِدٍ.
و"سُعِّرَتْ" مَعْناهُ: أُضْرِمَتْ نارُها، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ: "سُعِّرَتْ" بِشَدِّ العَيْنِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عن (p-٥٤٩)عاصِمٍ: بِتَخْفِيفِها، وهي قِراءَةُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وقالَ قَتادَةُ: سَعَّرَها غَضَبُ اللهِ عَزَّ وجَلَّ وذُنُوبُ بَنِي آدَمَ.
و"أُزْلِفَتْ" مَعْناهُ: قَرُبَتْ لِيَدْخُلَها المُؤْمِنُونَ، وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ وجَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: إلى هَذَيْنَ ما انْتَهى الحَدِيثُ، وذَلِكَ أنَّ الغَرَضَ المَقْصُودَ بِقَوْلِهِ تَعالى: "وَإذا، وإذا" في جَمِيعِ ما ذَكَرْنا إمّا تَمَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أحْضَرَتْ﴾، أيْ: ما أحْضَرَتْ مِن شَرٍّ فَدَخَلَتْ بِهِ جَهَنَّمَ، أو مِن خَيْرٍ فَدَخَلَتْ بِهِ الجَنَّةَ، و"نَفْسٌ" هُنا اسْمُ جِنْسٍ، أيْ: عَمِلَتِ النُفُوسُ، ووَقَعَ الإفْرادُ لِيُنَبَّهَ الذِهْنُ عَلى حَقارَةِ المَرْءِ الواحِدِ وقِلَّةِ دِفاعِهِ عن نَفْسِهِ.
81:15–29Page 586
فَلَآ أُقۡسِمُ بِٱلۡخُنَّسِ ١٥
So I swear by the retreating stars -
ٱلۡجَوَارِ ٱلۡكُنَّسِ ١٦
Those that run [their courses] and disappear [i.e., set]
وَٱلَّيۡلِ إِذَا عَسۡعَسَ ١٧
And by the night as it closes in1
وَٱلصُّبۡحِ إِذَا تَنَفَّسَ ١٨
And by the dawn when it breathes [i.e., stirs]
إِنَّهُۥ لَقَوۡلُ رَسُولٖ كَرِيمٖ ١٩
[That] indeed, it [i.e., the Qur’ān] is a word [conveyed by] a noble messenger [i.e., Gabriel]
ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي ٱلۡعَرۡشِ مَكِينٖ ٢٠
[Who is] possessed of power and with the Owner of the Throne, secure [in position],
مُّطَاعٖ ثَمَّ أَمِينٖ ٢١
Obeyed there [in the heavens] and trustworthy.
وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجۡنُونٖ ٢٢
And your companion [i.e., Prophet Muḥammad (ﷺ) ] is not [at all] mad.1
وَلَقَدۡ رَءَاهُ بِٱلۡأُفُقِ ٱلۡمُبِينِ ٢٣
And he has already seen him [i.e., Gabriel] in the clear horizon.1
وَمَا هُوَ عَلَى ٱلۡغَيۡبِ بِضَنِينٖ ٢٤
And he [i.e., Muḥammad (ﷺ)] is not a withholder of [knowledge of] the unseen.1
وَمَا هُوَ بِقَوۡلِ شَيۡطَٰنٖ رَّجِيمٖ ٢٥
And it [i.e., the Qur’ān] is not the word of a devil, expelled [from the heavens].
فَأَيۡنَ تَذۡهَبُونَ ٢٦
So where are you going?1
إِنۡ هُوَ إِلَّا ذِكۡرٞ لِّلۡعَٰلَمِينَ ٢٧
It is not except a reminder to the worlds
لِمَن شَآءَ مِنكُمۡ أَن يَسۡتَقِيمَ ٢٨
For whoever wills among you to take a right course.
وَمَا تَشَآءُونَ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٢٩
And you do not will except that Allāh wills - Lord of the worlds.
قوله عزّ وجلّ:
﴿فَلا أُقْسِمُ بِالخُنَّسِ﴾ ﴿الجَوارِ الكُنَّسِ﴾ ﴿واللَيْلِ إذا عَسْعَسَ﴾ ﴿والصُبْحِ إذا تَنَفَّسَ﴾ ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ﴾ ﴿مُطاعٍ ثَمَّ أمِينٍ﴾ ﴿وَما صاحِبُكم بِمَجْنُونٍ﴾ ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ المُبِينِ﴾ ﴿وَما هو عَلى الغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ ﴿وَما هو بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ ﴿فَأيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ ﴿إنْ هو إلا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ ﴿لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَسْتَقِيمَ﴾ ﴿وَما تَشاءُونَ إلا أنْ يَشاءَ اللهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: "فَلا أُقْسِمُ"، إمّا أمْ تَكُونُ "لا" زائِدَةً، وإمّا أنْ يَكُونَ رَدَّ القَوْلِ قُرَيْشٌ في تَكْذِيبِهِمْ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وقَوْلُهُمْ: إنَّهُ ساحِرٌ وكاهِنٌ ونَحْوُ ذَلِكَ، ثُمَّ أقْسَمَ اللهُ تَعالى بِالخُنَّسِ الجَوارِ الكُنَّسِ، فَقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ ذَلِكَ الدَرارِي السَبْعَةُ، الشَمْسُ والقَمَرُ وزُحَلُ وعُطارِدُ والمِرِّيخُ والزَهْرَةُ والمُشْتَرى. وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: المُرادُ الخَمْسَةُ دُونَ الشَمْسِ والقَمَرِ، وذَلِكَ أنَّ هَذِهِ الكَواكِبَ تَخْنِسُ في جَرْيِها أيْ تَتَقَهْقَرُ فِيما تَرى العَيْنُ، وهو جِوارٌ في السَماءِ، وأثْبَتُ يَعْقُوبُ الياءَ في "الجَوارِي" في الوَقْفِ، وحَذَفَها الباقُونَ، وهي تَكْنُسُ في أبْراجِها، أيْ تَسْتَتِرُ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ: المُرادُ النُجُومُ كُلُّها، لِأنَّها تَخْنِسُ وتَكْنُسُ بِالنَهارِ حِينَ تَخْتَفِي، وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ، والنَخْعِيُّ، وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وجَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: المُرادُ "بِالخُنَّسِ الجَوارِ الكُنَّسِ" بَقَرُ الوَحْشِ لِأنَّها تَفْعَلُ هَذِهِ الأفْعالَ في كُنّاسِها، وهي المَواضِعُ الَّتِي تَأْوِي إلَيْها مِنَ الشَجَرِ والغَيْرانِ ونَحْوِهِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ والضَحّاكُ: هي الظِباءُ، وذَهَبَ هَؤُلاءِ في "الخَنْسِ" إلى أنَّهُ مِن صِفَةِ الأُنُوفِ لِأنَّها يَلْزَمُها الخُنَّسُ، وكَذَلِكَ هي بَقَرُ الوَحْشِ أيْضًا، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ: (p-٥٥٠)
؎ سِوى بازِ بَيْضٍ أو غَزالِ صَرِيمَةٍ ∗∗∗ أغَنٍّ مِنَ الخُنْسِ المَناخِرِ تَوْأمِ
"وَعَسْعَسَ اللَيْلُ" في اللُغَةِ إذا كانَ غَيْرَ مُسْتَحْكِمِ الإظْلامِ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: ذَلِكَ في وقْتِ إقْبالِهِ، وبِهِ وقَعَ القَسَمُ، وقالَ عَلِيٌّ، وابْنُ عَبّاسٍ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: ذَلِكَ عِنْدَ إدْبارِهِ وبِهِ وقَعَ القَسَمُ، ويُرَجِّحُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى بَعْدُ: "والصُبْحِ إذا تَنَفَّسَ"، فَكَأنَّهُما حالانِ مُتَّصِلانِ، ويَشْهَدُ لَهُ قَوْلُ عَلْقَمَةَ بْنِ قُرْطٍ:
؎ حَتّى إذا الصُبْحُ لَها تَنَفَّسا ∗∗∗ ∗∗∗ وانْجابَ عنها لَيْلُها وعَسْعَسا
وقالَ أبُو العَبّاسِ المُبَرِّدُ: أقْسَمَ تَعالى بِإقْبالِهِ وإدْبارِهِ مَعًا، قالَ الخَلِيلُ: يُقالُ: عَسْعَسَ اللَيْلُ وسَعْسَعَ إذا أقْبَلَ وأدْبَرَ.
و"تَنَفَّسَ الصُبْحُ": اسْتَطارَ واتَّسَعَ ضَوْءُهُ، وقالَ عِلْوانُ بْنُ قَيْسٍ:
؎ ولَيْلٌ دُجى تَنَفَّسَ فَجْرُهُ لَهم ∗∗∗ بَعْدَ أنْ خالُوهُ لَنْ يَتَنَفَّسا
والضَمِيرُ في "إنَّهُ" لِلْقُرْآنِ، و"الرَسُولُ الكَرِيمُ" في قَوْلِ جُمْهُورِ الناسِ: جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ، وقالَ آخَرُونَ: هو مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ في الآياتِ كُلِّها، والقَوْلُ الأوَّلُ (p-٥٥١)أصَحُّ، و"كَرِيمٍ" في هَذِهِ الآيَةِ يَقْتَضِي رَفْعَ المَذامِّ، ثُمَّ وصَفَهُ تَعالى بِقُوَّةِ مَنحِهِ اللهَ إيّاها.
واخْتَلَفَ الناسُ في تَعَلُّقِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عِنْدَ ذِي العَرْشِ﴾، فَذَهَبَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ إلى تَعَلُّقِهِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: "ذِي قُوَّةٍ"، وذَهَبَ آخَرُونَ إلى أنَّ الكَلامَ تَمَّ في قَوْلِهِ: ﴿ذِي قُوَّةٍ﴾ وتَعَلَّقَ الظَرْفُ بِقَوْلِهِ: "مَكِينٍ"، ومَعْناهُ: لَهُ مَكانَةٌ ورِفْعَةٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُطاعٍ ثَمَّ أمِينٍ﴾ مَعْناهُ: مَقْبُولُ القَوْلِ مُصَدِّقٌ بِقَوْلِهِ مُؤْتَمَنٌ عَلى ما يُرْسِلُ بِهِ ويُؤَدِّيهِ مِن وحْيٍ وامْتِثالِ أمْرٍ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: "ثُمَّ" بِضَمِّ الثاءِ، وذَكَرَ اللهَ تَعالى نَفْسَهُ بِالإضافَةِ إلى عَرْشِهِ تَنْبِيهًا عَلى عِظَمِ مَلَكُوتِهِ.
وأجْمَعَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَما صاحِبُكُمْ﴾ يُرادُ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ، والضَمِيرُ في "رَآهُ" جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ، وهَذِهِ الرُؤْيَةُ الَّتِي كانَتْ بَعْدَ أمْرِ غارِ حِراءَ حِينَ رَآهُ عَلى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَماءِ والأرْضِ، وقِيلَ: هَذِهِ الرُؤْيَةُ الَّتِي رَآهُ عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى في الإسْراءِ، وسَمّى ذَلِكَ المَوْضِعَ أُفُقًا مَجازًا، وقَدْ كانَتْ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ رُؤْيَةٌ ثانِيَةٌ بِالمَدِينَةِ، ولَيْسَتْ هَذِهِ. ووَصَفَ تَعالى الأُفُقَ بِالمُبِينِ لِأنَّهُ كانَ في الشَرْقِ مِن حَيْثُ تَطْلُعُ الشَمْسُ، قالَهُ قَتادَةُ، وأيْضًا فَكُلُّ أُفُقٍ فَهو في غايَةِ البَيانِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما هو عَلى الغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ بِالضادِ بِمَعْنى: بَخِيلٍ، أيْ: يَشِحُّ بِهِ، ولا يَبْلُغُ ما قِيلَ لَهُ ويَبْخَلُ كَما يَفْعَلُ الكاهِنُ حَتّى يُعْطى حُلْوانُهُ. وبِالضادِ هي في خُطُوطِ المَصاحِفِ كُلِّها فِيما قالَهُ الطَبَرِيُّ، وهي قِراءَةُ نافِعٍ، وعاصِمٍ، وابْنِ عامِرٍ، وحَمْزَةَ، وعُثْمانَ بْنِ عَفّانَ، وابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، وأبِي رَجاءٍ، والأعْرَجِ، وأبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ، وجَماعَةٍ وافِرَةٍ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ، وابْنُ عُمَرَ، وابْنُ الزُبَيْرِ، وعائِشَةُ، وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وعُرْوَةُ بْنُ الزُبَيْرِ، ومُسْلِمٌ وابْنُ جُنْدُبٍ، ومُجاهِدٌ، وغَيْرُهُمْ: "بِظَنِينٍ" بِالظاءِ، أيْ بِمُتَّهَمٍ، وهَذا في المَعْنى نَظِيرُ وصْفِهِ بِأمِينٍ، وقِيلَ: مَعْناهُ: بِضَعِيفِ القُوَّةِ، مِن قَوْلِهِمْ: بِئْرٌ ظَنُونٍ إذا كانَتْ قَلِيلَةَ الماءِ، ورَجَّحَ أبُو عُبَيْدٍ قِراءَةَ الظاءِ مُشالَةً لِأنَّ (p-٥٥٢)قُرَيْشًا لَمْ تُبَخِّلْ مُحَمَّدًا ﷺ فِيما يَأْتِي بِهِ وإنَّما كَذَّبَتْهُ فَقِيلَ ما هو بِمُتَّهَمٍ.
ثُمَّ نَفى تَعالى عَنِ القُرْآنِ أنْ يَكُونَ كَلامَ شَيْطانٍ، عَلى ما قالَتْ قُرَيْشٌ: إنَّ مُحَمَّدًا كاهِنٌ، و"رَجِيمٍ" مَعْناهُ مُبْعَدٍ مَرْجُومٍ بِالكَواكِبِ واللَعْنَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "فَأيْنَ تَذْهَبُونَ" تَوْقِيفٌ وتَقْرِيرٌ، عَلى مَعْنى: أيْنَ المَذْهَبُ لِأحَدٍ عن هَذِهِ الحَقائِقِ، و"الذِكْرُ" هُنا مَصْدَرٌ بِمَعْنى التَذْكِرَةِ. ثُمَّ خَصَّصَ تَعالى مَن شاءَ الِاسْتِقامَةَ بِالذِكْرِ تَشْرِيفًا وتَنْبِيهًا وذِكْرًا لِتَكَسُّبِهِمْ أفْعالَ الِاسْتِقامَةِ. ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ تَكَسُّبَ المَرْءِ عَلى العُمُومِ في اسْتِقامَةٍ وغَيْرِها إنَّما يَكُونُ مَعَ خَلْقِ اللهِ تَعالى واخْتِراعِهِ الإيمانَ في صَدْرِ المَرْءِ، ورُوِيَ أنَّهُ نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَسْتَقِيمَ﴾ فَقالَ أبُو جَهْلٍ: هَذا أمْرٌ قَدْ وُكِلَ إلَيْنا، فَإنْ شِئْنا اسْتَقَمْنا وإنْ لَمْ نَشَأْ لَمْ نَسْتَقِمْ، فَنَزَلَتْ: ﴿وَما تَشاءُونَ إلا أنْ يَشاءَ اللهُ﴾ وفي الحَدِيثِ: « "يَقُولُ اللهُ: يا ابْنَ آدَمَ، تُرِيدُ وأُرِيدُ، فَتَتْعَبُ فِيما تُرِيدُ، ولا يَكُونُ إلّا ما أُرِيدُ".»
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [التَكْوِيرِ] والحَمْدُ لِلهِ رَبِّ العالَمِينَ
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences