Ibn 'Atiyya · Tafsir · in Arabic
لقمان
Luqman
Luqman · Meccan · 34 ayahs
31:1–6Page 411
الٓمٓ ١
Alif, Lām, Meem.1
تِلۡكَ ءَايَٰتُ ٱلۡكِتَٰبِ ٱلۡحَكِيمِ ٢
These are verses of the wise1 Book,
هُدٗى وَرَحۡمَةٗ لِّلۡمُحۡسِنِينَ ٣
As guidance and mercy for the doers of good
ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَهُم بِٱلۡأٓخِرَةِ هُمۡ يُوقِنُونَ ٤
Who establish prayer and give zakāh, and they, of the Hereafter, are certain [in faith].
أُوْلَٰٓئِكَ عَلَىٰ هُدٗى مِّن رَّبِّهِمۡۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ٥
Those are on [right] guidance from their Lord, and it is those who are the successful.
وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشۡتَرِي لَهۡوَ ٱلۡحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ بِغَيۡرِ عِلۡمٖ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًاۚ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ عَذَابٞ مُّهِينٞ ٦
And of the people is he who buys the amusement of speech1 to mislead [others] from the way of Allāh without knowledge and who takes it [i.e., His way] in ridicule. Those will have a humiliating punishment.
(p-٤٠)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ لُقْمانَ
هَذِهِ السُورَةُ مَكِّيَّةٌ غَيْرُ آيَتَيْنِ، قالَ قَتادَةُ: أوَّلُهُما ﴿وَلَوْ أنَّما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامٌ﴾ [لقمان: ٢٧].
قوله عزّ وجلّ:
﴿الم﴾ ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ الحَكِيمِ﴾ ﴿هُدًى ورَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَلاةَ ويُؤْتُونَ الزَكاةَ وهم بِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ ﴿وَمِنَ الناسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ لِيُضِلَّ عن سَبِيلِ اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ويَتَّخِذَها هُزُوًا أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾
تَقَدَّمَ القَوْلُ في الحُرُوفِ الَّتِي في أوائِلِ السُوَرِ، وفي تَرْتِيبِ "تِلْكَ" مَعَ كُلِّ قَوْلٍ مِنها. و"الحَكِيمُ" يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مِنَ الحِكْمَةِ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ مِنَ الحُكْمِ. وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: ﴿ "هُدًى ورَحْمَةً"﴾ بِالنَصْبِ عَلى الحالِ مِنَ المُبْهَمِ، ولا يَصِحُّ أنْ تَكُونَ مِنَ "الكِتابِ"؛ لِأنَّهُ مُضافٌ إلَيْهِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِالرَفْعِ عَلى تَقْدِيرِ: هو هُدًى، وخَصَّصَهُ لِلْمُحْسِنِينَ مِن حَيْثُ لَهم نَفْعُهُ، وهم نَظَرُوهُ بِعَيْنِ الحَقِيقَةِ، وإلّا فَهو هُدًى في نَفْسِهِ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "هُدًى وبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ".
ثُمَّ وصَفَ تَعالى المُحْسِنِينَ بِأنَّهُمُ الَّذِينَ عِنْدَهُمُ اليَقِينُ بِالبَعْثِ وبِكُلِّ ما جاءَ بِهِ الرَسُولُ ﷺ، وعِنْدَهم إقامَةُ الصَلاةِ وإيتاءُ الزَكاةِ، ومِن صِفَتِهِمْ ما «قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ سَألَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ عَنِ الإحْسانِ، قالَ: "أنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأنَّكَ تَراهُ، فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإنَّهُ يَراكَ"» الحَدِيثُ.
(p-٤١)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِنَ الناسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ﴾، رُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ في قِرْشِيٍّ اشْتَرى جارِيَةً مُغَنِّيَةً تُغَنِّي بِهِجاءِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وسَبِّهِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ، ورُوِيَ «عن أبِي أُمُامَةَ الباهِلِيِّ أنَّ النَبِيَّ ﷺ قالَ: "شِراءُ المُغَنِّياتِ وبَيْعُهُنَّ حَرامٌ"، وقَرَأ هَذِهِ الآيَةَ،» وقالَ: "فِي هَذا المَعْنى أُنْزِلَتْ عَلَيَّ هَذِهِ الآيَةُ"، وبِهَذا فَسَّرَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وجابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، ومُجاهِدٌ، وقالَ الحَسَنُ: لَهْوُ الحَدِيثِ: المَعازِفُ والغِناءُ.
وقالَ بَعْضُ الناسِ: نَزَلَتْ في النَضْرِ بْنِ الحارِثِ لِأنَّهُ اشْتَرى كُتُبَ رُسْتُمَ واسْفِنْدِيارَ، وكانَ يَخْلُفُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَيُحَدِّثُهم بِتِلْكَ الأباطِيلِ، ويَقُولُ: أنا أحْسَنُ حَدِيثًا مِن مُحَمَّدٍ، وقالَ قَتادَةَ: الشِراءُ في هَذِهِ الآيَةِ مُسْتَعارٌ، وإنَّما نَزَلَتْ في أحادِيثِ قُرَيْشٍ، وتَلَهِّيهِمْ بِأمْرِ الإسْلامِ، وخَوْضِهِمْ في الأباطِيلِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
فَكَأنَّ تَرْكَ ما يَجِبُ فِعْلُهُ، وامْتِثالَ هَذِهِ المُنْكَراتِ شِراءٌ لَها، عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَلالَةَ بِالهُدى﴾ [البقرة: ١٦]. وقَدْ قالَ مُطَرِّفٌ: شِراءُ لَهْوِ الحَدِيثِ (p-٤٢)اسْتِحْبابُهُ، قالَ قَتادَةُ: ولَعَلَّهُ لا يُنْفِقُ فِيهِ مالًا، ولَكِنَّ سَماعَهُ هو شِراؤُهُ، وقالَ الضَحّاكُ: لَهْوُ الحَدِيثِ الشِرْكُ، وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: لَهْوُ الحَدِيثِ الطَبْلُ، وهَذا ضَرْبٌ مِنَ الغِناءِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
والَّذِي يَتَرَجَّحُ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في لَهْوِ حَدِيثٍ مُضافٍ إلى كُفْرٍ، فَلِذَلِكَ اشْتَدَّتْ ألْفاظُ الآيَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿لِيُضِلَّ عن سَبِيلِ اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ويَتَّخِذَها هُزُوًا﴾ والتَوَعُّدِ بِالعَذابِ المُهِينِ. وأمّا لَفْظَةُ الشِراءِ فَمُحْتَمِلَةٌ لِلْحَقِيقَةِ والمَجازِ عَلى ما بَيَّنّا، و"لَهْوُ الحَدِيثِ" كُلُّ ما يُلْهِي مِن غِناءٍ وخَنا ونَحْوِهِ، والآيَةُ باقِيَةُ المَعْنى في أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، ولَكِنْ لَيْسَ لِيَضِلُّوا عن سَبِيلِ اللهِ بِكُفْرٍ، ولا لِيَتَّخِذُوا الآياتِ هَزُّوًا، ولا عَلَيْهِمْ هَذا الوَعِيدُ، بَلْ لِيُعَطِّلَ عِبادَةً، ويُقَطَعُهم زَمَنًا بِمَكْرُوهٍ، ولِكَوْنِهِمْ مِن جُمْلَةِ العُصاةِ، والنُفُوسُ الناقِصَةُ تَرُومُ تَتْمِيمَ ذَلِكَ النَقْصِ بِالأحادِيثِ، وقَدْ جَعَلُوا الحَدِيثَ مِنَ القِرى، وقِيلَ لِبَعْضِهِمْ: أتَمَلُّ الحَدِيثَ؟ فَقالَ: إنَّما يُمَلُّ العَتِيقُ القَدِيمُ المُعادُ؛ لِأنَّ الحَدِيثَ مِنَ الأحادِيثِ فِيهِ الطَرافَةُ الَّتِي تَمْنَعُ مِنَ المَلَلِ.
وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، والحُسْنُ: "لِيُضِلَّ" بِضَمِّ الياءِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو بِفَتْحِها، وفي حَرْفِ أُبَيٍّ: "لِيُضِلَّ الناسَ عن سَبِيلِ اللهِ". وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفَصٌ عن عاصِمٍ: "وَيَتَّخِذَها" بِالنَصْبِ عَطْفًا عَلى "لِيُضِلَّ"، وقَرَأ الباقُونَ: ﴿ "وَيَتَّخِذَها"﴾ بِالرَفْعِ عَطْفًا عَلى ﴿ "يَشْتَرِي".﴾
والضَمِيرُ في "وَيَتَّخِذَها" يُحْتَمَلُ أنْ يُعُودَ عَلى "الكِتابِ الحَكِيمِ" المَذْكُورِ أوَّلًا، ويُحْتَمَلَ أنْ يَعُودَ عَلى "السَبِيلِ"، ويُحْتَمَلَ أنْ يَعُودَ عَلى "الأحادِيثِ"؛ لِأنَّ "الحَدِيثَ" اسْمُ جِنْسٍ بِمَعْنى الأحادِيثِ، وكَذَلِكَ "سَبِيلِ اللهِ" اسْمُ جِنْسٍ، ولِكُلِّ وجْهٍ مِنَ الحَدِيثِ وجْهٌ يَلِيقُ بِهِ مِنَ السَبِيلِ.
31:7–11Page 411
وَإِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِ ءَايَٰتُنَا وَلَّىٰ مُسۡتَكۡبِرٗا كَأَن لَّمۡ يَسۡمَعۡهَا كَأَنَّ فِيٓ أُذُنَيۡهِ وَقۡرٗاۖ فَبَشِّرۡهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ٧
And when Our verses are recited to him, he turns away arrogantly as if he had not heard them, as if there was in his ears deafness. So give him tidings of a painful punishment.
إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَهُمۡ جَنَّٰتُ ٱلنَّعِيمِ ٨
Indeed, those who believe and do righteous deeds - for them are the Gardens of Pleasure,
خَٰلِدِينَ فِيهَاۖ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٗاۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٩
Wherein they abide eternally; [it is] the promise of Allāh [which is] truth. And He is the Exalted in Might, the Wise.
خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ بِغَيۡرِ عَمَدٖ تَرَوۡنَهَاۖ وَأَلۡقَىٰ فِي ٱلۡأَرۡضِ رَوَٰسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمۡ وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٖۚ وَأَنزَلۡنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَنۢبَتۡنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوۡجٖ كَرِيمٍ ١٠
He created the heavens without pillars that you see and has cast into the earth firmly set mountains, lest it should shift with you, and dispersed therein from every creature. And We sent down rain from the sky and made grow therein [plants] of every noble kind.
هَٰذَا خَلۡقُ ٱللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ ٱلَّذِينَ مِن دُونِهِۦۚ بَلِ ٱلظَّٰلِمُونَ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ ١١
This is the creation of Allāh. So show Me what those other than Him have created. Rather, the wrongdoers are in clear error.
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَإذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا ولّى مُسْتَكْبِرًا كَأنْ لَمْ يَسْمَعْها كَأنْ في أُذُنَيْهِ وقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ لَهم جَنّاتُ النَعِيمِ﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها وعْدَ اللهِ حَقًّا وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿خَلَقَ السَماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها وألْقى في الأرْضِ رَواسِيَ أنْ تَمِيدَ بِكم وبَثَّ فِيها مِن كُلِّ (p-٤٣)دابَّةٍ وأنْزَلْنا مِن السَماءِ ماءً فَأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ ﴿هَذا خَلْقُ اللهِ فَأرُونِي ماذا خَلْقُ الَّذِينَ مِن دُونِهِ بَلِ الظالِمُونَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾
هَذِهِ دَلِيلُ كُفْرِ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ هَذِهِ الآيَةُ الَّتِي قَبْلَها. و"الوَقْرُ" في الأُذُنِ: الثِقَلُ الَّذِي يُعَسِّرُ إدْراكَ المَسْمُوعاتِ، وجاءَتِ البِشارَةُ بِالعَذابِ مِن حَيْثُ قُيِّدَتْ ونُصَّ عَلَيْها.
ولَمّا ذَكَرَ عَزَّ وجَلَّ حالَ هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ وتَوَعَّدَهم بِالنارِ عَلى أفْعالِهِمْ عَقَّبَ بِذِكْرِ المُؤْمِنِينَ وما وعَدَهم بِهِ مِن جَنّاتِ النَعِيمِ؛ لِيَتَبَيَّنَ الفَرْقُ. و"وَعْدَ اللهِ" مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِ، و"حَقًّا" مَصْدَرٌ مُؤَكَّدٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُعُوُدَ الضَمِيرُ عَلى "السَماءِ" فَيَكُونَ المَعْنى: أنَّ السَماءَ بِغَيْرِ عَمْدٍ، وأنَّها تَرى كَذَلِكَ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ والناسُ، و"تَرَوْنَها" - عَلى هَذا القَوْلِ - في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ الضَمِيرُ عَلى "العَمْدِ" فَيَكُونَ "تَرَوْنَها" صِفَةٌ لِلْعَمْدِ في مَوْضِعِ خَفْضٍ، ويَكُونُ المَعْنى: إنَّ السَماءَ لَها عَمَدٌ لَكِنْ غَيْرُ مَرْئِيَّةٌ، قالَهُ مُجاهِدٌ، ونَحا إلَيْهِ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما والمَعْنى الأوَّلُ أصَحُّ، والجُمْهُورُ عَلَيْهِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ﴿ "تَرَوْنَها"﴾ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى القَطْعِ، ولا عَمْدَ ثَمَّ.
و"الرَواسِي" هي الجِبالُ الَّتِي ثَبَتَتْ في الأرْضِ، وقَوْلُهُ: ﴿ "أنْ تَمِيدَ"﴾ بِمَعْنى: ألّا تَمِيدَ، والمَيْدُ: التَحَرُّكُ يَمْنَةً ويَسْرَةً وما قَرُبَ مِن ذَلِكَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن كُلِّ زَوْجٍ﴾ أيْ: مِن كُلِّ نَوْعٍ. والزَوْجُ في اللُغَةِ: النَوْعُ والصِنْفُ، ولَيْسَ بِالَّذِي هو ضِدُّ الفَرْدِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "كَرِيمٍ"﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ مَدْحَهُ مِن جِهَةِ إتْقانِ صَنْعَتِهِ وظُهُورِ حُسْنِ الرُتْبَةِ والتَحْكِيمِ لِلصُّنْعِ فِيها، فَيَعُمُّ حِينَئِذٍ جَمِيعَ الأنْواعِ؛ لِأنَّ هَذا المَعْنى في كُلِّها، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ مَدْحَهُ بِكَرَمِ جَوْهَرِهِ، وحُسْنِ مَنظَرِهِ، ومِمّا تَقْضِي لَهُ النُفُوسُ بِأنَّهُ أفْضَلُ مِن سِواهُ حَتّى يَسْتَحِقَّ الكَرَمَ، فَتَكُونُ الأزْواجُ - عَلى هَذا - مَخْصُوصَةً في نَفائِسِ الأشْياءِ ومُسْتَحْسَناتِها، ولَمّا كانَ عِظَمُ المَوْجُوداتِ كَذَلِكَ خَصَّصَ الحُجَّةَ بِها.
وقَوْلُهُ: "أنْبَتْنا" (p-٤٤)يَعُمُّ أنْواعَ الحَيَوانِ وأنْواعَ النَباتِ والمَعادِنِ.
ثُمَّ وقَّفَ تَعالى الكُفّارَ - عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ وإظْهارِ الحُجَّةِ - عَلى أنَّ هَذِهِ الأشْياءَ هي مَخْلُوقاتُ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، ثُمَّ سَألَهم أنْ يُوجِدُوا ما خَلَقَ الأصْنامُ والأوثانُ وغَيْرُهم مِمَّنْ عُبِدَ، أيْ: أنَّهم لَنْ يَخْلُقُوا شَيْئًا، بَلْ هَذا الَّذِي قُرَيْشٌ فِيهِ ضَلالٌ مُبِينٌ، ثُمَّ ذَكَّرَهم بِالصِفَةِ الَّتِي تَعُمُّ مَعَهم سِواهم مِمَّنْ فَعَلَ فِعْلَهم مِنَ الأُمَمِ، وقَوْلُهُ: "ماذا" يَجُوزُ أنْ تَكُونَ "ما" اسْتِفْهامًا في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، و"ذا" خَبَرَها بِمَعْنى "الَّذِي"، والعائِدٌ مَحْذُوفٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ "ما" مُفَعُولَةً بِـ"أرَوْنِي" و"ذا" صِلَةً، و"ما" بِمَعْنى "الَّذِي"، والعائِدُ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ في الوَجْهَيْنِ: خَلَقَهُ.
31:12–13Page 412
وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا لُقۡمَٰنَ ٱلۡحِكۡمَةَ أَنِ ٱشۡكُرۡ لِلَّهِۚ وَمَن يَشۡكُرۡ فَإِنَّمَا يَشۡكُرُ لِنَفۡسِهِۦۖ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٞ ١٢
And We had certainly given Luqmān wisdom [and said], "Be grateful to Allāh." And whoever is grateful is grateful for [the benefit of] himself. And whoever denies [His favor] - then indeed, Allāh is Free of need and Praiseworthy.
وَإِذۡ قَالَ لُقۡمَٰنُ لِٱبۡنِهِۦ وَهُوَ يَعِظُهُۥ يَٰبُنَيَّ لَا تُشۡرِكۡ بِٱللَّهِۖ إِنَّ ٱلشِّرۡكَ لَظُلۡمٌ عَظِيمٞ ١٣
And [mention, O Muḥammad], when Luqmān said to his son while he was instructing him, "O my son, do not associate [anything] with Allāh. Indeed, association [with Him] is great injustice."
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الحِكْمَةَ أنِ اشْكُرْ لِلَّهِ ومَن يَشْكُرْ فَإنَّما يَشْكُرْ لِنَفْسِهِ ومَن كَفَرَ فَإنَّ اللهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ ﴿وَإذْ قالَ لُقْمانُ لابْنِهِ وهو يَعِظُهُ يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللهِ إنَّ الشِرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾
لُقْمانُ رَجُلٌ حَكِيمٌ بِحِكْمَةِ اللهِ تَعالى، وهي الصَوابُ في المُعْتَقَداتِ، والفِقْهُ في الدِينِ والعَمَلِ، واخْتِلَفَ، هَلْ هو نَبِيٌّ مَعَ ذَلِكَ أو رَجُلٌ صالِحٌ فَقَطْ؟
فَقالَ بِنُبُوَّتِهِ عِكْرِمَةُ والشَعْبِيُّ، وقالَ بِصَلاحِهِ فَقَطْ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ، وقالَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما: سَمِعَتِ النَبِيَّ ﷺ يَقُولُ: « "لَمْ يَكُنْ لُقْمانُ نَبِيًّا، ولَكِنْ كانَ عَبْدًا كَثِيرَ التَفْكِيرِ، حَسَنَ اليَقِينِ، أحَبَّ اللهَ فَأحَبَّهُ، فَمَنَّ عَلَيْهِ بِالحِكْمَةِ، وخَيَّرَهُ في أنْ يَجْعَلَهُ خَلِيفَةً يَحْكُمُ بِالحَقِّ، فَقالَ: يا رَبِّ إنْ خَيَّرَتْنِي قَبِلْتُ العافِيَةَ وتَرَكْتُ البَلاءَ، وإنْ عَزَمَتْ عَلَيَّ فَسَمْعًا وطاعَةً فَإنَّكَ سَتَعْصِمُنِي"،» وكانَ قاضِيًا في بَنِي إسْرائِيلَ، نُوبِيًّا أسْوَدَ (p-٤٥)مُشَقَّقَ الرِجْلَيْنِ ذا مَشافِرَ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ لَهُ رَجُلٌ كانَ قَدْ رَعى مَعَهُ الغَنَمَ: ما بَلَغَ بِكَ يا لُقْمانُ ما أرى؟ قالَ: صِدْقُ الحَدِيثِ والصَمْتُ عَمّا لا يَعْنِينِي، وقالَ ابْنُ المُسَيِّبِ: كانَ مَن سُودانِ مِصْرَ، مِنَ النُوبَةِ، وقالَ خالِدُ بْنُ الرَبِيعِ: كانَ نَجّارًا، وقِيلَ: كانَ خَيّاطًا، وقِيلَ: كانَ راعِيًا. وحِكَمُ لُقْمانَ كَثِيرَةٌ مَأْثُورَةٌ، قِيلَ لَهُ: وأيُّ الناسِ شَرٌّ؟ قالَ: الَّذِي لا يُبالِي إنْ رَآهُ الناسُ مُسِيئًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنِ اشْكُرْ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ "أنْ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ، أيْ: بِأنِ اشْكُرْ لِلَّهِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةُ، أيْ: كانَتْ حِكْمَتُهُ دائِرَةً عَلى الشُكْرِ لِلَّهِ تَعالى ومَعانِيهِ. وجَمِيعُ العِباداتِ والمُعْتَقَداتِ داخِلَةٌ في شُكْرِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّ الشاكِرَ حَظُّهُ عائِدٌ عَلَيْهِ، وهو المُنْتَفِعُ بِذَلِكَ، واللهُ تَعالى غَنِيٌّ عَنِ الشُكْرِ، فَلا يَنْفَعُهُ شُكْرُ العِبادِ، حَمِيدٌ في نَفْسِهِ، فَلا يَضُرُّهُ كُفْرُ الكافِرِينَ. و"حَمِيدٌ" بِمَعْنى: مَحْمُودٌ، أيْ: هو مُسْتَحَقٌّ ذَلِكَ بِصِفاتِهِ وذاتِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "وَإذْ قالَ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التَقْدِيرُ: واذْكُرْ إذْ قالَ، واخْتَصَرَ ذَلِكَ لِدَلالَةِ المُتَقَدِّمِ عَلَيْهِ، واسْمُ ابْنِهِ تارانُ. وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ: "يا بُنَيِّ" بِالشَدِّ والكَسْرِ في الياءِ، في الثَلاثَةِ، عَلى إدْغامِ إحْدى الياءَيْنِ في الأُخْرى، وقَرَأ حَفْصٌ، والمُفَضَّلُ عن عاصِمٍ: "يا بُنَيَّ" بِالشَدِّ (p-٤٦)والفَتْحِ في الثَلاثَةِ، عَلى قَوْلِكَ: يا بُنَيّا، ويا غُلامًا. وقَرَأ ابْنُ أبِي بُرَّةَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: "يا بُنَيْ" بِسُكُونِ الياءِ، و"يا بُنَيِّ إنَّها" بِكَسْرِ الياءِ، و"يا بُنَيَّ أقِمِ الصَلاةَ" بِفَتْحِ الياءِ، ورَوى عنهُ قُنْبُلُ بِالسُكُونِ في الأُولى والثالِثَةَ، وبِكَسْرِ الوُسْطى. وظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الشِرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ أنَّهُ مِن كَلامِ لُقْمانَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا مِنَ اللهِ تَعالى مُنْقَطِعًا مِن كَلامِ لُقْمانَ، مُتَّصِلًا بِهِ في تَأْكِيدِ المَعْنى، ويُؤَيِّدُ هَذا الحَدِيثُ المَأْثُورُ: « "أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] أشْفَقَ أصْحابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وقالُوا: أيُّنا لَمْ يَظْلِمْ؟ فَأنْزَلَ اللهُ تَعالى: ﴿إنَّ الشِرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾، فَسَكَنَ إشْفاقُهُمْ".»
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وإنَّما يَسْكُنُ إشْفاقُهم بِأنْ يَكُونَ ذَلِكَ خَبَرًا مِنَ اللهِ تَعالى، وقَدْ يَسْكُنُ الإشْفاقُ بِأنْ يَذْكُرَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ ذَلِكَ عن عَبْدٍ قَدْ وصَفَهُ بِالحِكْمَةِ والسِدادِ.
31:14–15Page 412
وَوَصَّيۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ بِوَٰلِدَيۡهِ حَمَلَتۡهُ أُمُّهُۥ وَهۡنًا عَلَىٰ وَهۡنٖ وَفِصَٰلُهُۥ فِي عَامَيۡنِ أَنِ ٱشۡكُرۡ لِي وَلِوَٰلِدَيۡكَ إِلَيَّ ٱلۡمَصِيرُ ١٤
And We have enjoined upon man [care] for his parents. His mother carried him, [increasing her] in weakness upon weakness, and his weaning is in two years. Be grateful to Me and to your parents; to Me is the [final] destination.
وَإِن جَٰهَدَاكَ عَلَىٰٓ أَن تُشۡرِكَ بِي مَا لَيۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمٞ فَلَا تُطِعۡهُمَاۖ وَصَاحِبۡهُمَا فِي ٱلدُّنۡيَا مَعۡرُوفٗاۖ وَٱتَّبِعۡ سَبِيلَ مَنۡ أَنَابَ إِلَيَّۚ ثُمَّ إِلَيَّ مَرۡجِعُكُمۡ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ١٥
But if they endeavor to make you associate with Me that of which you have no knowledge,1 do not obey them but accompany them in [this] world with appropriate kindness and follow the way of those who turn back to Me [in repentance]. Then to Me will be your return, and I will inform you about what you used to do.
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَوَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وهْنًا عَلى وهْنٍ وفِصالُهُ في عامَيْنِ أنِ اشْكُرْ لِي ولِوالِدَيْكَ إلَيَّ المَصِيرُ﴾ ﴿وَإنْ جاهَداكَ عَلى أنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما وصاحِبْهُما في الدُنْيا مَعْرُوفًا واتَّبِعْ سَبِيلَ مَن أنابَ إلَيَّ ثُمَّ إلَيَّ مَرْجِعُكم فَأُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾
هاتانِ الآيَتانِ اعْتِراضٌ أثْناءَ وصِيَّةِ لُقْمانَ، ووَجَّهَ الطَبَرِيُّ ذَلِكَ بِأنَّها مِن مَعْنى كَلامِ لُقْمانَ، ومِمّا قَصَدَهُ، وذَلِكَ غَيْرُ مُتَوَجِّهٌ؛ لِأنَّ كَوْنَ الآيَتَيْنِ في شَأْنِ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ - حَسَبَ ما ذَكَّرَهُ بَعْدُ - يُضْعِفُ أنْ تَكُونَ مِمّا قالَهُ لُقْمانُ، وإنَّما الَّذِي يُشْبَهُ أنَّهُ اعْتِراضٌ أثْناءَ المَوْعِظَةِ، ولَيْسَ ذَلِكَ بِمُفْسِدٍ لِلْأوَّلِ مِنها ولا لِلْآخَرِ، ولَمّا فَرَغَ مِن هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ (p-٤٧)عادَ إلى المَوْعِظَةِ عَلى تَقْدِيرِ إضْمارِ: "وَقالَ أيْضًا لُقْمانُ"، ثُمَّ اخْتَصَرَ ذَلِكَ لِدَلالَةِ المُتَقَدِّمِ عَلَيْهِ.
وهَذِهِ الآيَةُ شَرَكَ اللهُ تَعالى الأُمَّ والوالِدَ مِنها في رُتْبَةِ الوَصِيَّةِ بِهِما، ثُمَّ خَصَّصَ الأُمَّ بِدَرَجَةِ ذِكْرِ الحَمَلِ، وبِدَرَجَةِ ذِكْرِ الرَضاعِ، فَتَحَصَّلَ لِلْأُمِّ ثَلاثُ مَراتِبَ، ولِلْأبِ واحِدَةٌ، وأشْبَهَ ذَلِكَ «قَوْلُ الرَسُولِ ﷺ - حِينَ قالَ لَهُ رَجُلٌ -: مَن أبَرُّ؟ قالَ: "أُمُّكَ، قالَ: ثُمَّ مِن؟ قالَ: أُمُّكَ، قالَ: ثُمَّ مَن؟ قالَ: أُمُّكَ، قالَ: ثُمَّ مَن؟ قالَ: ثُمَّ أبُوكَ"» فَجُعِلَ لَهُ الرُبْعُ مِنَ المَبَرَّةِ كالآيَةِ.
و﴿وَهْنًا عَلى وهْنٍ﴾ مَعْناهُ: ضَعْفًا عَلى ضَعْفٍ، وقِيلَ: إشارَةٌ إلى مَشَقَّةِ الحَمْلِ ومَشَقَّةِ الوِلادَةِ بَعْدَهُ، وقِيلَ: إشارَةٌ إلى ضَعْفِ الوَلَدِ وضَعْفِ الأُمِّ مَعَهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ أشارَ إلى تَدَرُّجِ حالِها في زِيادَةِ الضَعْفِ، فَكَأنَّهُ لَمْ يُعَيِّنْ ضَعْفَيْنِ، بَلْ كَأنَّهُ قالَ: حَمَلَتْهُ أُمُّهُ والضَعْفُ يَتَزَيَّدُ بَعْدَ الضَعْفِ إلى أنْ يَنْقَضِيَ أمَدُهُ. وقَرَأ عِيسى الثَقَفِيُّ: "وَهْنًا عَلى وهْنٍ" بِفَتْحِ الهاءِ، ورُوِيَتْ عن أبِي عَمْرٍو. وهُما بِمَعْنًى واحِدٍ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "وَفِصالُهُ"،﴾ وقَرَأ الحَسَنُ، والجَحْدَرِيُّ، ويَعْقُوبُ: "وَفَصْلُهُ"، وأشارَ بِالفِصالِ إلى تَحْدِيدِ مُدَّةِ الرَضاعِ، فَعَبَّرَ عنهُ بِغايَتِهِ ونِهايَتِهِ، والناسُ مُجْمِعُونَ "عَلى العامَيْنِ" في مُدَّةِ الرَضاعِ في بابِ الأحْكامِ والنَفَقاتِ، وأمّا في تَحْرِيمِ اللَبَنِ فَحَدَّدَتْ فِرْقَةٌ بِالعامَّيْنِ لا زِيادَةَ ولا نَقْصَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: العامانِ وما اتَّصَلَ بِهِما مِنَ الشَهْرِ ونَحْوِهِ إذا كانَ مُتَّصِلُ الرَضاعِ في حَكَمٍ واحِدٍ يَحْرُمُ، وقالَتْ فَرِقَّةٌ: إنْ فُطِمَ الصَبِيُّ قَبْلَ العامَيْنِ وتَرَكَ اللَبَنَ فَإنَّ ما شَرِبَ بَعْدَ ذَلِكَ في الحَوْلَيْنِ لا يَحْرُمُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنِ اشْكُرْ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التَقْدِيرُ: بِأنِ اشْكُرْ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ (p-٤٨)مُفَسِّرَةً، وقالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: مَن صَلّى الصَلَواتِ الخَمْسَ فَقَدْ شَكَرَ اللهَ تَعالى، ومَن دَعا لِوالِدَيْهِ في أدْبارِ الصَلَواتِ فَقَدْ شَكَرَهُما. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلَيَّ المَصِيرُ﴾ تَوَعُّدٌ أثْناءَ الوَصِيَّةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ جاهَداكَ﴾ الآيَةُ. رُوِيَ أنَّ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ نَزَلَتا في شَأْنِ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ، وذَلِكَ «أنَّ أُمَّهُ - وهي حَمْنَةُ بِنْتُ أبِي سُفْيانَ بْنِ أُمِّيَّةَ - حَلَفَتْ أنْ لا تَأْكُلُ ولا تَشْرَبُ حَتّى يُفارِقَ دِينَهُ ويَرْجِعَ إلى دِينِ آبائِهِ وقَوْمِهِ، فَلَجَّ سَعْدٌ في الإسْلامِ، ويُرْوى أنَّها كانَتْ إذا أجْهَدَها العَطَشُ شَجُّوا فاها، ويُرْوى: شَجَّرُوا، أيْ: فَتَحُوهُ بِعُودٍ ونَحْوِهِ وصَبُّوا ما يَرْمُقُها، فَلَمّا طالَ ذَلِكَ ورَأتْ أنَّ سَعْدًا لا يَرْجِعُ أكَلَتْ،» فَفي هَذِهِ القِصَّةِ نَزَلَتِ الآياتُ، قالَهُ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ والجَماعَةُ مِنَ المُفَسِّرِينَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وواطَأتِ الآيَةُ الأولى بِبِرِّ الوالِدَيْنِ وحُكْمِهِ، ثُمَّ حَكَمَ بِأنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ في الكُفْرِ والمَعاصِي، وجُمْلَةُ هَذا البابِ أنَّ طاعَةَ الوالِدَيْنِ لا تُراعى في رُكُوبِ كَبِيرَةٍ، ولا في تَرْكِ فَرِيضَةٍ عَلى الأعْيانِ، وتَلْزَمُ طاعَتُهُما في المُباحاتِ، وتُسْتَحْسَنُ في تَرْكِ الطاعاتِ النَدْبِ، ومِنهُ أمْرُ جِهادِ الكِفايَةِ، والإجابَةُ لِلْأُمِّ في الصَلاةِ مَعَ إمْكانِ الإعادَةِ، عَلى أنَّ هَذا أقْوى مِنَ النَدْبِ، لَكِنْ يُعَلَّلُ بِخَوْفِ هَلَكَةٍ عَلَيْها ونَحْوِهِ مِمّا يُبِيحُ قَطْعَ الصَلاةِ فَلا يَكُونُ أقْوى مِنَ النَدْبِ، وخالَفَ الحَسَنُ في هَذا التَفْصِيلِ، فَقالَ: إنْ مَنَعَتْهُ أُمُّهُ مِن شُهُودِ العِشاءِ الآخِرَةِ شَفَقَةً فَلا يُطِعْها.
وقَوْلُهُ: ﴿وَصاحِبْهُما في الدُنْيا مَعْرُوفًا﴾ يَعْنِي: الأبَوَيْنِ الكافِرَيْنِ، أيْ: صِلْهُما بِالمالِ، وادْعُهُما بِرِفْقٍ، ومِنهُ «قَوْلُ أسْماءَ بِنْتِ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ - وقَدْ قَدِمَتْ عَلَيْها خالَتُها، وقِيلَ: أُمُّها مِنَ الرَضاعَةِ - فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللهِ، إنَّ أُمِّي قَدِمَتْ عَلَيَّ وهي راغِبَةٌ، أفَأصِلُها؟ قالَ: نَعَمْ،» وراغِبَةٌ، قِيلَ: مَعْناهُ: عَنِ الإسْلامِ.
(p-٤٩)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
والأظْهَرُ عِنْدِي أنَّها راغِبَةٌ في الصِلَةِ، وما كانَتْ لِتَقَدِمَ عَلى أسْماءَ لَوْلا حاجَتُها، ووالِدَةُ أسْماءَ هي قُتَيْلَةُ بِنْتُ عَبْدِ العُزّى بْنِ عَبْدِ أسْعَدَ، وأُمُّ عائِشَةَ وعَبْدِ الرَحْمَنِ هي أُمُّ رُومانَ قَدِيمَةُ الإسْلامِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتَّبِعْ سَبِيلَ مَن أنابَ إلَيَّ﴾ وصِيَّةٌ لِجَمِيعِ العالِمِ، كَأنَّ المَأْمُورَ الإنْسانُ، و"أنابَ" مَعْناهُ: مالَ ورَجَعَ إلى الشَيْءِ، وهَذِهِ سَبِيلُ الأنْبِياءِ والصالِحِينَ، وحَكى النَقّاشُ أنَّ المَأْمُورَ سَعْدٌ، والَّذِي أنابَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وقالَ: «إنَّ أبا بَكْرٍ لَمّا أسَلَمَ أتاهُ سَعْدٌ، وعَبْدُ الرَحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وعُثْمانُ، وطَلْحَةُ، وسَعِيدٌ، والزُبَيْرُ، فَقالُوا: آمَنتَ؟ قالَ: نَعَمْ، فَنَزَلَتْ فِيهِ ﴿أمَّنْ هو قانِتٌ آناءَ اللَيْلِ﴾ [الزمر: ٩]، فَلَمّا سَمِعَها السِتَّةُ آمَنُوا، فَأنْزَلَ اللهُ تَعالى فِيهِمْ ﴿والَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطاغُوتَ أنْ يَعْبُدُوها وأنابُوا إلى اللهِ لَهُمُ البُشْرى﴾ [الزمر: ١٧] إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللهُ﴾ [الزمر: ١٨]». ثُمَّ تَوَعَّدَ عَزَّ وجَلَّ بِالبَعْثِ مِنَ القُبُورِ، والرُجُوعِ لِلْجَزاءِ، والتَوْقِيفِ عَلى صَغِيرِ الأعْمالِ وكَبِيرِها.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences