Ibn 'Atiyya · Tafsir · in Arabic
الشورى
Ash-Shuraa
The Consultation · Meccan · 53 ayahs
42:1–5Page 483
حمٓ ١
Ḥā, Meem.
عٓسٓقٓ ٢
ʿAyn, Seen, Qāf.1
كَذَٰلِكَ يُوحِيٓ إِلَيۡكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكَ ٱللَّهُ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٣
Thus has He revealed to you, [O Muḥammad], and to those before you - Allāh, the Exalted in Might, the Wise.
لَهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۖ وَهُوَ ٱلۡعَلِيُّ ٱلۡعَظِيمُ ٤
To Him belongs whatever is in the heavens and whatever is in the earth, and He is the Most High, the Most Great.1
تَكَادُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ يَتَفَطَّرۡنَ مِن فَوۡقِهِنَّۚ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمۡدِ رَبِّهِمۡ وَيَسۡتَغۡفِرُونَ لِمَن فِي ٱلۡأَرۡضِۗ أَلَآ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ ٥
The heavens almost break from above them,1 and the angels exalt [Allāh] with praise of their Lord and ask forgiveness for those on earth. Unquestionably, it is Allāh who is the Forgiving, the Merciful.
(p-٤٩٨)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةُ الشُورى
هَذِهِ السُورَةُ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ مِن أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ، وقالَ مُقاتِلٌ: فِيها مَدَنِيٌّ: [قَوْلُهُ تَعالى] ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ﴾ [الشورى: ٢٣] إلى قَوْلِهِ: ﴿بِذاتِ الصُدُورِ﴾ [الشورى: ٢٤]، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ إذا أصابَهُمُ البَغْيُ﴾ [الشورى: ٣٩] إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٤١]، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما في كِتابِ الثَعْلَبِيِّ: إنَّ ﴿حم﴾ [غافر: ١] ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللهِ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ [غافر: ٢] هَذِهِ الحُرُوفُ بِأعْيانِها نَزَلَتْ في كُلِّ كُتُبِ اللهِ تَعالى المُنَزَّلَةِ عَلى كُلِّ نَبِيٍّ أنْزَلَ عَلَيْهِ الكِتابَ، ولِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ اللهُ﴾.
قوله عزّ وجلّ:
﴿حم﴾ ﴿عسق﴾ ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ اللهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿لَهُ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ وهو العَلِيُّ العَظِيمُ﴾ ﴿تَكادُ السَماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ والمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ويَسْتَغْفِرُونَ لِمَن في الأرْضِ ألا إنَّ اللهَ هو الغَفُورُ الرَحِيمُ﴾
فُصِلَتْ: [حم] مِن [عسق] ولَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ بِـ[كهيعص] لِتُجْرِيَ هَذِهِ مَجْرى الحَوامِيمِ أخَواتِها، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "حم عسق"، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: [حم سق] بِسُقُوطِ "عَيْنٍ"، والأقْوالُ في هَذِهِ كالأقْوالِ في أوائِلِ السُورِ، ورَوى حُذَيْفَةُ حَدِيثًا في هَذا مُضَمِّنُهُ «أنَّهُ سَيَكُونُ في هَذِهِ الأُمَّةِ مَدِينَتانِ يَشُقُّهُما نَهْرٌ بِالمَشْرِقِ، تَهْلَكُ إحْداهُما لَيْلًا ثُمَّ تُصْبِحُ الأُخْرى سالِمَةً، فَيَجْتَمِعُ فِيها جَبابِرَةُ المَدِينَتَيْنِ مُتَعَجِّبِينَ مِن سَلامَتِها، فَتَهْلَكُ مِنَ اللَيْلَةِ القابِلَةِ،» وأنَّ "حم" مَعْناهُ: حُمَّ هَذِهِ الأمْرُ، و"عَيْنٌ" مَعْناهُ: (p-٤٩٩)عَدْلًا مِنَ اللهِ، و"سِينُ": سَيَكُونُ ذَلِكَ، و"قافٌ": مَعْناهُ: يَقَعُ ذَلِكَ بِهِمْ. ورُوِيَ أنَّ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ كانَ يَسْتَفِيدُ عِلْمَ الفِتَنِ والحُرُوبِ مِن هَذِهِ الأحْرُفِ الَّتِي في أوائِلِ السُورِ.
والكافُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "كَذَلِكَ"﴾ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، والإشارَةُ بِـ"ذَلِكَ" تَخْتَلِفُ بِحَسَبِ الأقْوالِ في الحُرُوفِ، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "يُوحِي" بِالياءِ عَلى إسْنادِ الفِعْلِ إلى اللهِ تَعالى، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، والأعْرَجِ، وأبِي جَعْفَرٍ، والجَحْدَرِيِّ، وعِيسى، وطَلْحَةَ، والأعْمَشِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ، والأعْشى عن أبِي بَكْرٍ عن عاصِمٍ: "نُوحِي" بِنُونِ العَظَمَةِ، ويَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "اللهُ"﴾ ابْتِداءً وخَبَرُهُ ﴿ "العَزِيزُ"،﴾ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خَبَرَهُ: ﴿لَهُ ما في السَماواتِ﴾، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحْدَهُ: "يُوحى" بِالياءِ وفَتْحِ الحاءِ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، وهي قِراءَةُ مُجاهِدٍ، والتَقْدِيرُ: يُوحى إلَيْكَ القُرْآنُ، يُوحِيهِ اللهُ تَعالى، وكَما قالَ الشاعِرُ:
؎ لِيُبْكَ يَزِيدُ ضارَعٌ لِخُصُومَةٍ
ومَنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾ [النور: ٣٦] ﴿رِجالٌ﴾ [النور: ٣٧]، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإلى (p-٥٠٠)الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ﴾ يُرِيدُ: مِنَ الأنْبِياءِ الَّذِينَ نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ الكُتُبُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهُ ما في السَماواتِ﴾ أيِ المُلْكِ والخَلْقِ والِاخْتِراعِ، و"العَلِيُّ" مِن عُلُوِّ القَدْرِ والسُلْطانِ، و"العَظِيمُ" كَذَلِكَ، ولَيْسَ بِعُلُوِّ مَسافَةً ولا عِظَمَ جِرْمٍ، تَعالى اللهُ عن ذَلِكَ. وقَرَأ نافِعٌ، والكِسائِيُّ: "يَكادُ" بِالياءِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، وأبُو عَمْرُو، وعاصِمٌ: "تَكادُ" بِالتاءِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، ونافِعٌ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، وقَتادَةُ: "يَتَفَطَّرْنَ" مِن "التَفَطُّرِ"، وهو مُطاوِعُ "فَطَّرَ"، وقَرَأ أبُو عَمْرُو، وعاصِمٌ، والحَسَنُ، والأعْرَجُ، وأبُو رَجاءٍ، والجَحْدَرِيُّ: [يَنْفَطِرْنَ] مِن "الانْفِطارِ"، وهو مُطاوِعُ "فَطَّرَ"، والمَعْنى فِيهِما: يَتَصَدَّعْنَ ويَتَشَقَّقْنَ مِن سُرْعَةِ جَرْيِهِنَّ خُضُوعًا وخَشْيَةً مِن سُلْطانِ اللهِ تَعالى، وتَعْظِيمًا لَهُ وطاعَةً، وما وقَعَ لِلْمُفَسِّرِينَ هُنا مِن ذِكْرِ الثُقْلِ ونَحْوَهُ مَرْدُودٌ، وذَلِكَ لِأنَّ اللهَ تَعالى لا يُوصَفُ بِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن فَوْقِهِنَّ﴾ أيْ: مِن أعْلاهُنَّ، وقالَ الأخْفَشُ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ: الضَمِيرُ لِلْكُفّارِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
والمَعْنى: مِن فَوْقِ الفِرَقِ والجَماعاتِ المُلْحِدَةِ الَّتِي مِن أجْلِ أقْوالِها تَكادُ السَماواتُ يَتَفَطَّرْنَ، فَهَذِهِ الآيَةُ - عَلى هَذا - كالآيَةِ الَّتِي في ﴿ "كهيعص"،﴾ [مريم: ١] وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: مِن فَوْقِ الأرْضِينَ، إذْ قَدْ جَرى ذِكْرُ الأرْضِ، وذَكَرَ الزَجّاجُ أنَّهُ قُرِئَ: "يَتَفَطَّرُنَّ مِمَّنْ فَوْقَهُنَّ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ قِيلَ: مَعْناهُ: يَقُولُونَ سُبْحانَ اللهِ، وقِيلَ مَعْناهُ: يُصَلُّونَ لِرَبِّهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن في الأرْضِ﴾، قالَتْ فِرْقَةٌ: هَذا مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ تَعالى في آيَةٍ أُخْرى: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر: ٧].
(p-٥٠١)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ النَسْخَ لا يَتَصَوَّرُ في الأخْبارِ.
وقالَ السُدِّيُّ ما مَعْناهُ: إنَّ ظاهَرَ الآيَةِ العُمُومُ، ومَعْناها الخُصُوصُ في المُؤْمِنِينَ، فَكَأنَّهُ قالَ: ويَسْتَغْفِرُونَ لِمَن في الأرْضِ مِنَ المُؤْمِنِينَ، إذِ الكُفّارُ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللهِ والمَلائِكَةُ والناسُ أجْمَعِينَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ هي عَلى عُمُومِها، لَكِنَّ اسْتِغْفارَ المَلائِكَةِ لَيْسَ بِطَلَبِ غُفْرانِ اللهِ تَعالى لِلْكَفَرَةِ عَلى أنْ يَبْقَوْا كَفَرَةً، وإنَّما اسْتِغْفارُهم لَهم بِمَعْنى طَلَبِ الهِدايَةِ الَّتِي تُؤَدِّي إلى الغُفْرانِ لَهُمْ، وكَأنَّ المَلائِكَةَ تَقُولُ: اللهُمَّ، اهْدِ أهْلَ الأرْضِ واغْفِرْ لَهُمْ، ويُؤَيِّدُ هَذا التَأْوِيلُ تَأْكِيدَهُ صِفَةَ الغُفْرانِ والرَحْمَةَ لِنَفْسِهِ بِالِاسْتِفْتاحِ، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألا إنَّ اللهَ هو الغَفُورُ الرَحِيمُ﴾، أيْ لَمّا كانَ الِاسْتِغْفارُ لِجَمِيعِ مَن في الأرْضِ يَبْعُدُ أنْ يُجابَ رَجّى عَزَّ وجَلَّ بِأنِ اسْتَفْتَحَ الكَلامَ تَهْيِئَةً لِنَفْسِ السامِعِ، فَقالَ تَعالى: ألا إنَّ اللهَ هو الَّذِي يَطْلُبُ هَذا مِنهُ إذْ هَذِهِ أوصافُهُ، وهو سُبْحانَهُ أهْلُ المَغْفِرَةِ.
42:6–9Page 483
وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِۦٓ أَوۡلِيَآءَ ٱللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيۡهِمۡ وَمَآ أَنتَ عَلَيۡهِم بِوَكِيلٖ ٦
And those who take as allies other than Him - Allāh is [yet] Guardian over them; and you, [O Muḥammad], are not over them a manager -
وَكَذَٰلِكَ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ قُرۡءَانًا عَرَبِيّٗا لِّتُنذِرَ أُمَّ ٱلۡقُرَىٰ وَمَنۡ حَوۡلَهَا وَتُنذِرَ يَوۡمَ ٱلۡجَمۡعِ لَا رَيۡبَ فِيهِۚ فَرِيقٞ فِي ٱلۡجَنَّةِ وَفَرِيقٞ فِي ٱلسَّعِيرِ ٧
And thus We have revealed to you an Arabic Qur’ān that you may warn the Mother of Cities [i.e., Makkah] and those around it1 and warn of the Day of Assembly, about which there is no doubt. A party will be in Paradise and a party in the Blaze.
وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَهُمۡ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ وَلَٰكِن يُدۡخِلُ مَن يَشَآءُ فِي رَحۡمَتِهِۦۚ وَٱلظَّٰلِمُونَ مَا لَهُم مِّن وَلِيّٖ وَلَا نَصِيرٍ ٨
And if Allāh willed, He could have made them [of] one religion, but He admits whom He wills1 into His mercy. And the wrongdoers have not any protector or helper.
أَمِ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِۦٓ أَوۡلِيَآءَۖ فَٱللَّهُ هُوَ ٱلۡوَلِيُّ وَهُوَ يُحۡيِ ٱلۡمَوۡتَىٰ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٩
Or have they taken protectors [or allies] besides Him? But Allāh - He is the Protector, and He gives life to the dead, and He is over all things competent.
قوله عزّ وجلّ:
﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أولِياءَ اللهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ ﴿وَكَذَلِكَ أوحَيْنا إلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ القُرى ومَن حَوْلَها وتُنْذِرَ يَوْمَ الجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَعِيرِ﴾ ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَعَلَهم أُمَّةً واحِدَةً ولَكِنْ يُدْخِلُ مَن يَشاءُ في رَحْمَتِهِ والظالِمُونَ ما لَهم مَن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ ﴿أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أولِياءَ فاللهُ هو الوَلِيُّ وهو يُحْيِي المَوْتى وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
هَذِهِ آيَةُ تَسْلِيَةٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ، ووَعِيدٍ لِلْكُفّارِ، وإزالَةٍ عَنِ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ جَمِيعَ الكَلَفِ سِوى التَبْلِيغِ فَقَطْ، لِئَلّا يَهْتَمُّ بِعَدَمِ إيمانِ قُرَيْشٍ وغَيْرِهِمْ، فَقالَ تَعالى لِنَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: إنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الأصْنامَ والأوثانَ أولِياءَ مَن دُونِ اللهِ، اللهُ هو الحَفِيظُ عَلَيْهِمْ كَفَّرَهُمُ، المُحْصِي لِأعْمالِهِمِ، المُجازِي لَهم عَلَيْها بِعَذابِ الآخِرَةِ، وأنْتَ فَلَسْتَ بِوَكِيلٍ عَلَيْهِمْ ولا مُلازِمٍ لِأمْرِهِمْ حَتّى يُؤْمِنُوا، و"الوَكِيلُ": المُقِيمُ عَلى الأمْرِ، وما في هَذا اللَفْظِ مِن مُوادَعَةٍ فَهو مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَيْفِ.
(p-٥٠٢)ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أوحَيْنا إلَيْكَ﴾، أيْ: وكَما قَضَيْنا أمْرَكَ هَكَذا وأمْضَيْناهُ في هَذِهِ الصُورَةِ، كَذَلِكَ أوحَيْنا إلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا مُبَيِّنًا لَهُمْ، لا يَحْتاجُونَ مَعَهُ إلى آخَرَ سِواهُ؛ إذْ فَهْمُهُ مُتَأتٍّ لَهُمْ، ولَمْ يُكَلِّفْكَ إلّا إنْذارَ مَن ذُكِرَ، و"أُمُّ القُرى" هي مَكَّةُ، والمُرادُ أهْلُ مَكَّةَ، ولِذَلِكَ عَطَفَ "مَن" عَلَيْها، وهي في الأغْلَبِ لِمَن يَعْقِلُ، و"يَوْمَ الجَمْعِ" هو يَوْمُ القِيامَةِ، واقْتَصَرَ في "تُنْذِرَ" عَلى المَفْعُولِ الأوَّلِ لِأنَّ المَعْنى: وتُنْذَرُ أُمُّ القُرى العَذابَ وتُنْذِرُ الناسَ يَوْمَ الجَمْعِ، لِاجْتِماعِ أهْلِ الأرْضِ بِأهْلِ السَماءِ، أو لِاجْتِماعِ بَنِي آدَمَ لِلْعَرْضِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ أيْ في نَفْسِهِ وذاتِهِ، وارْتِيابُ الكُفّارِ بِهِ لا يُقَيِّدُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "فَرِيقٌ" مُرْتَفِعٌ عَلى خَبَرِ الِابْتِداءِ المُضْمَرِ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: هم فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَعِيرِ.
ثُمَّ قَوّى تَبارَكَ وتَعالى تَسْلِيَةَ نَبِيِّهِ ﷺ بِأنْ عَرَّفَهُ أنَّ الأمْرَ مَوْقُوفٌ عَلى مَشِيئَةِ اللهِ مِن إيمانِهِمْ أو كُفْرِهِمْ، وأنَّهُ لَوْ أرادَ كَوْنَهم أُمَّةً واحِدَةً لَجَمَعَهم عَلَيْهِ، ولَكِنَّهُ يُدْخِلُ مَن سَبَقَتْ لَهُ السَعادَةُ عِنْدَهُ في رَحْمَتِهِ، ويُيَسِّرُهُ في الدُنْيا لِعَمَلِ أهْلِ السَعادَةِ، وإنَّ الظالِمِينَ بِالكُفْرِ المُيَسَّرِينَ لِعَمَلِ الشِقْوَةِ ما لَهم مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "أمِ اتَّخَذُوا"﴾ كَلامٌ مُنْقَطِعٌ مِمّا قَبْلَهُ، ولَيْسَتْ مُعادَلَةً، ولَكِنَّ الكَلامَ كَأنَّهُ أضْرَبَ عن حُجَّةٍ لَهم أو مُقالَةٍ مُقَرَّرَةٍ، فَقالَ: بَلِ اتَّخَذُوا، هَذا مَشْهُورُ قَوْلِ النَحْوِيِّينَ في مِثْلِ هَذا، وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ "أمْ" هَذِهِ هي بِمَنزِلَةِ ألْفِ الِاسْتِفْهامِ دُونَ تَقْدِيرِ إضْرابٍ، ثُمَّ أثْبَتَ تَعالى الحُكْمَ بِأنَّهُ عَزَّ وجَلَّ هو الوَلِيُّ الَّذِي تَنْفَعُ وِلايَتَهُ، وأنَّهُ هو الَّذِي يُحْيِي المَوْتى ويَحْشُرُهم إلى الآخِرَةِ ويَبْعَثُهم مِن قُبُورِهِمْ، وأنَّ قُدْرَتَهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ تُعْطِي هَذا وتَقْتَضِيهِ.
42:10–12Page 483
وَمَا ٱخۡتَلَفۡتُمۡ فِيهِ مِن شَيۡءٖ فَحُكۡمُهُۥٓ إِلَى ٱللَّهِۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبِّي عَلَيۡهِ تَوَكَّلۡتُ وَإِلَيۡهِ أُنِيبُ ١٠
And in anything over which you disagree - its ruling is [to be referred] to Allāh. [Say], "That is Allāh, my Lord; upon Him I have relied, and to Him I turn back."1
فَاطِرُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ جَعَلَ لَكُم مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ أَزۡوَٰجٗا وَمِنَ ٱلۡأَنۡعَٰمِ أَزۡوَٰجٗا يَذۡرَؤُكُمۡ فِيهِۚ لَيۡسَ كَمِثۡلِهِۦ شَيۡءٞۖ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ ١١
[He is] Creator of the heavens and the earth. He has made for you from yourselves, mates, and among the cattle, mates; He multiplies you thereby. There is nothing like unto Him,1 and He is the Hearing, the Seeing.2
لَهُۥ مَقَالِيدُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ يَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقۡدِرُۚ إِنَّهُۥ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ ١٢
To Him belong the keys of the heavens and the earth. He extends provision for whom He wills and restricts [it]. Indeed He is, of all things, Knowing.
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إلى اللهِ ذَلِكُمُ اللهِ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإلَيْهِ أُنِيبُ﴾ ﴿فاطِرُ السَماواتِ والأرْضِ جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا ومِنَ الأنْعامِ أزْواجًا يَذْرَؤُكم فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وهو السَمِيعُ البَصِيرُ﴾ ﴿لَهُ مَقالِيدُ السَماواتِ والأرْضِ يَبْسُطُ الرِزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾
المَعْنى: قُلْ يا مُحَمَّدُ: وما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ أيُّها الناسُ مِن تَكْذِيبٍ وتَصْدِيقٍ وإيمانٍ (p-٥٠٣)وَكُفْرٍ وغَيْرِ ذَلِكَ، فالحُكْمُ فِيهِ والمُجازاةُ عَلَيْهِ لَيْسَتْ إلَيَّ ولا بِيَدِي، وإنَّما ذَلِكَ إلى اللهِ الَّذِي صِفاتُهُ ما ذَكَرَ مِن إحْياءِ المَوْتى والقُدْرَةِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، ثُمَّ قالَ: ذَلِكُمُ اللهُ رَبِّي، وعَلَيْهِ تَوَكُّلِي، وإلَيْهِ إنابَتِي ورُجُوعِي، وهو فاطِرُ السَماواتِ والأرْضِ، أيْ مُخْتَرِعُها وخالِقُها، شَقَّ بَعْضُها مِن بَعْضٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا﴾ يُرِيدُ: زَوَجَ الإنْسانِ الأُنْثى، وبِهَذِهِ النِعْمَةِ اتَّفَقَ الذَرْءُ، ولَيْسَتِ الأزْواجُ هاهُنا الأنْواعَ، وأمّا الأزْواجُ المَذْكُورَةُ مَعَ الأنْعامِ فالظاهِرُ أيْضًا والمُتَّسِقُ: أنَّهُ يُرِيدُ إناثَ الذُكْرانِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ الأنْواعَ، والأوَّلُ أظْهَرُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَذْرَؤُكم فِيهِ﴾ أيْ يَخْلُقُكم نَسْلًا بَعْدَ نَسْلٍ، وقَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ والناسُ، فَلَفْظَةُ "ذَرَأ" تَزِيدُ عَلى لَفْظَةِ "خَلَقَ" مَعْنًى آخَرَ لَيْسَ في "خَلَقَ"، وهو تَوالِي الطَبَقاتِ عَلى مَرِّ الزَمانِ، وقَوْلُهُ: "فِيهِ" الضَمِيرُ عَلى "الجَعْلِ" الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿جَعَلَ لَكُمْ﴾، وهَذا كَما تَقُولُ: كَلَّمْتُ زَيْدًا كَلامًا أكْرَمْتُهُ فِيهِ، وقالَ العُتْبِيُّ: الضَمِيرُ لِلتَّزْوِيجِ، ولَفْظَةُ "فِي" مُشْتَرَكَةٌ عَلى مَعانٍ وإنْ كانَ أصْلُها الوِعاءُ، وإلَيْهِ يَرُدُّها النَظَرُ في كُلِّ وجْهٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، الكافُ مُؤَكِّدَةٌ لِلتَّشْبِيهِ، فَنَفْيُ التَشْبِيهِ أوكَدُ ما يَكُونُ، وذَلِكَ أنَّكَ تَقُولُ: زَيْدٌ كَعَمْرُو، وزَيْدٌ مِثْلُ عَمْرُو، فَإذا أرَدْتَ المُبالَغَةَ التامَّةَ قُلْتُ: زَيْدٌ كَمِثْلِ عَمْرُو، ومِن هَذا قَوْلُ أوسِ بْنِ حَجَرٍ:
؎ وقَتْلى كَمِثْلِ جُذُوعِ النَخِيلِ ∗∗∗ تَغَشّاهُمُ مُسْبِلٌ مُنْهَمِرُ
ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ:
؎ سَعْدُ بْنُ زَيْدٍ إذا أبْصَرْتَ فَضْلَهم ∗∗∗ ∗∗∗ ما إنْ كَمِثْلِهِمْ في الناسِ مِن أحَدٍ
(p-٥٠٤)فَجَرَتِ الآيَةُ في هَذا المَوْضِعِ عَلى عُرْفِ كَلامِ العَرَبِ، وتَفْتَرِقُ الآيَةُ مَعَ هَذِهِ الشَواهِدِ في أنَّ الشَواهِدَ مَتى أرَدْتَ أنْ تَتَّبِعَ بِذِهْنِكَ هَذا اللَفْظَ فَتُقَدِّرُ لِلْجُذُوعِ مِثْلًا مَوْجُودًا وتَشْبِهِ القَتْلى بِذَلِكَ المِثْلِ أمْكَنَكَ، أو لا يُمْكِنُكَ هَذا في جِهَةِ اللهِ تَعالى إلّا أنْ تَجْعَلَ المِثْلَ ما يَتَحَصَّلُ في الذِهْنِ مِنَ العِلْمِ بِاللهِ تَعالى، إذِ المَثَلُ والمِثالُ واحِدٌ.
وذَهَبَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ إلى أنَّ المَعْنى: "لَيْسَ كَهَوٍ شَيْءٌ"، وقالُوا: لَفْظَةُ "مِثْلُ" في الآيَةِ تَوْكِيدٌ أو واقِعَةٌ مَوْقِعَ هو.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ومِمّا يُؤَيِّدُ دُخُولَ الكافِ تَأْكِيدًا أنَّها قَدْ تَدْخُلُ عَلى الكافِ نَفْسِها، وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ:
؎ وصالِياتٍ كَكَما يُؤْثَفَيَنْ
، (p-٥٠٥)وَ"المَقالِيدُ": المَفاتِيحُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ. وقالَ مُجاهِدٌ: أصْلُها بِالفارِسِيَّةِ، وهي هاهُنا اسْتِعارَةٌ لَوُقُوعِ كُلِّ أمْرٍ تَحْتَ قُدْرَتِهِ، وقالَ السَدِّيُّ: المَقالِيدُ: الخَزائِنُ، وفي العِبارَةِ -عَلى هَذا- حَذْفُ مُضافٍ، قالَ قَتادَةُ: مَن مَلَكَ مَقالِدَ خَزائِنٍ، فالخَزائِنُ في مُلْكِهِ، وبَسْطُ الرِزْقِ وقَدْرُهُ بَيِّنٌ، وقَدْ مَضى تَفْسِيرُهُ غَيْرَ مَرَّةٍ.
42:13–14Page 484
۞ شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِۦ نُوحٗا وَٱلَّذِيٓ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ وَمَا وَصَّيۡنَا بِهِۦٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰٓۖ أَنۡ أَقِيمُواْ ٱلدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُواْ فِيهِۚ كَبُرَ عَلَى ٱلۡمُشۡرِكِينَ مَا تَدۡعُوهُمۡ إِلَيۡهِۚ ٱللَّهُ يَجۡتَبِيٓ إِلَيۡهِ مَن يَشَآءُ وَيَهۡدِيٓ إِلَيۡهِ مَن يُنِيبُ ١٣
He has ordained for you of religion what He enjoined upon Noah and that which We have revealed to you, [O Muḥammad], and what We enjoined upon Abraham and Moses and Jesus - to establish the religion and not be divided therein. Difficult for those who associate others with Allāh is that to which you invite them. Allāh chooses for Himself whom He wills and guides to Himself whoever turns back [to Him].
وَمَا تَفَرَّقُوٓاْ إِلَّا مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلۡعِلۡمُ بَغۡيَۢا بَيۡنَهُمۡۚ وَلَوۡلَا كَلِمَةٞ سَبَقَتۡ مِن رَّبِّكَ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗى لَّقُضِيَ بَيۡنَهُمۡۚ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُورِثُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡ لَفِي شَكّٖ مِّنۡهُ مُرِيبٖ ١٤
And they did not become divided until after knowledge had come to them - out of jealous animosity between themselves. And if not for a word1 that preceded from your Lord [postponing the penalty] until a specified time, it would have been concluded between them. And indeed, those who were granted inheritance of the Scripture after them are, concerning it, in disquieting doubt.
قوله عزّ وجلّ:
﴿شَرَعَ لَكم مِنَ الدِينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا والَّذِي أوحَيْنا إلَيْكَ وما وصَّيْنا بِهِ إبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى أنْ أقِيمُوا الدِينِ ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلى المُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهم إلَيْهِ اللهُ يَجْتَبِي إلَيْهِ مِنَ يَشاءُ ويَهْدِي إلَيْهِ مِنَ يُنِيبُ﴾ ﴿وَما تَفَرَّقُوا إلا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهم ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ إلى أجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهم وإنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الكِتابَ مِن بَعْدِهِمْ لَفي شَكٍّ مِنهُ مُرِيبٍ﴾
المَعْنى: شَرَعَ اللهُ تَعالى لَكم وبَيَّنَ مَنِ المُعْتَقَداتِ والتَوْحِيدِ ما وصّى بِهِ نُوحًا قَبْلُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "والَّذِي"﴾ عَطْفٌ عَلى "ما"، وكَذَلِكَ ما ذُكِرَ بَعْدَ مِن إقامَةُ الدِينِ مَشْرُوعٌ اتَّفَقَتِ النُبُوّاتُ فِيهِ، وذَلِكَ في المُعْتَقَداتِ أو في جُمْلَةِ أمْرِها مِن أنَّ كُلَّ نُبُوَّةٍ فَإنَّما مُضَمَّنُها مُعْتَقَداتٌ وأحْكامٌ، فَيَجِيءُ المَعْنى عَلى هَذا: شَرَعَ لَكم شِرْعَةً هي كَشِرْعَةِ نُوحٍ وإبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى عَلَيْهِمُ السَلامُ في أنَّها ذاتِ المُعْتَقَداتِ المَشْهُورَةِ الَّتِي هي في كُلِّ نُبُوءَةٍ، وذاتُ أحْكامٍ كَما كانَتْ تِلْكَ كُلُّها، وعَلى هَذا يَتَخَرَّجُ ما حَكاهُ الطَبَرِيُّ عن قَتادَةَ، فَقالَ: ﴿ما وصّى بِهِ نُوحًا﴾ يُرِيدُ: الحَلالُ والحَرامُ، وعَلَيْهِ رَوِيٌّ أنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَلامُ أوَّلُ مَن أتى بِتَحْرِيمِ البَناتِ والأُمَّهاتِ، وأمّا الأحْكامُ بِانْفِرادِها فَهي في الشَرائِعِ مُخْتَلِفَةٌ، وهي المُرادُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكم شِرْعَةً ومِنهاجًا﴾ [المائدة: ٤٨]، و"أنْ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْ أقِيمُوا الدِينَ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعٍ نَصُبُّ بَدَلًا مِن "ما"، ويَجُوزُ في مَوْضِعٍ خَفَّضَ بَدَلًا مِنَ الضَمِيرِ في "بِهِ"، أو في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى خَبَرِ ابْتِداءٍ تَقْدِيرُهُ: ذَلِكَ (p-٥٠٦)أنْ، و[يَجُوزُ] أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً بِمَعْنى: "أيْ" لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ، و"إقامَةُ الدِينِ" هو تَوْحِيدُ اللهِ تَعالى ورَفَضَ ما سِواهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَتَفَرَّقُوا﴾ نَهْيٌ عَنِ المُهْلِكِ مِن تَفَرُّقِ الأنْحاءِ والمَذاهِبِ، والخَيْرُ كُلُّهُ في الأُلْفَةِ واجْتِماعِ الكَلِمَةِ، ثُمَّ أخْبَرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ بِصُعُوبَةِ مَوْقِعِ هَذِهِ الدَعْوَةِ إلى إقامَةِ الدِينِ عَلى المُشْرِكِينَ بِاللهِ تَعالى العابِدِينَ الأصْنامَ. قالَ قَتادَةُ: كُبُرَتْ عَلَيْهِمْ: "لا إلَهَ إلّا اللهَ"، وأبى اللهُ تَعالى إلّا نَصْرَها وإظْهارَها، ثُمَّ سَلّاهُ تَعالى عنهم بِقَوْلِهِ: ﴿اللهُ يَجْتَبِي﴾ أيْ: يَخْتارُ ويَصْطَفِي، قالَهُ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: و"يُنِيبُ" مَعْناهُ: يَرْجِعُ عَنِ الكُفْرِ ويَحْرِصُ عَلى الخَيْرِ ويَطْلُبُهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَتَفَرَّقُوا﴾: عِبارَةٌ يَجْمَعُ خِطابُها كُفّارَ العَرَبِ واليَهُودِ والنَصارى وكُلِّ مَدْعُوٍّ إلى الإسْلامِ، فَلِذَلِكَ حَسُنَ أنْ يُقالَ: "ما تَفَرَّقُوا"، يَعْنِي بِذَلِكَ: أوائِلَ اليَهُودِ والنَصارى، والعِلْمَ الَّذِي جاءَهم هو ما كانَ حَصَلَ في نُفُوسِهِمْ مِن عِلْمِ كُتِبِ اللهِ تَعالى، فَبَغى بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ، وأدّاهُمُ ذَلِكَ إلى الِاخْتِلافِ في الرَأْيِ، و"الكَلِمَةُ السابِقَةُ" قالَ المُفَسِّرُونَ: هي حَتْمُهُ تَعالى القَضاءَ بِأنَّ مُجازاتَهم إنَّما تَقَعُ في الآخِرَةِ، فَلَوْلا ذَلِكَ لَفَصَلَ بَيْنِهِمْ في الدُنْيا وغُلِّبَ المُحِقُّ عَلى المُبْطِلِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الكِتابَ﴾ إشارَةٌ إلى مُعاصِرِي مُحَمَّدٍ ﷺ مِنَ اليَهُودِ والنَصارى، وقِيلَ: هي إشارَةٌ إلى العَرَبِ، و"الكِتابُ": هو القُرْآنُ، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَفِي شَكٍّ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُعَوِّدَ عَلى "الكِتابَ، أو عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ، أو عَلى "الأجَلِ المُسَمّى"، أيْ: في شَكٍّ مِنَ البَعْثِ عَلى قَوْلِ مَن رَأى الإشارَةَ إلى العَرَبِ، ووَصْفُ الشَكِّ بِـ "مُرِيبٍ" مُبالَغَةٌ فِيهِ.
42:15–16Page 484
فَلِذَٰلِكَ فَٱدۡعُۖ وَٱسۡتَقِمۡ كَمَآ أُمِرۡتَۖ وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَآءَهُمۡۖ وَقُلۡ ءَامَنتُ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِن كِتَٰبٖۖ وَأُمِرۡتُ لِأَعۡدِلَ بَيۡنَكُمُۖ ٱللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمۡۖ لَنَآ أَعۡمَٰلُنَا وَلَكُمۡ أَعۡمَٰلُكُمۡۖ لَا حُجَّةَ بَيۡنَنَا وَبَيۡنَكُمُۖ ٱللَّهُ يَجۡمَعُ بَيۡنَنَاۖ وَإِلَيۡهِ ٱلۡمَصِيرُ ١٥
So to that [religion of Allāh] invite, [O Muḥammad],1 and remain on a right course as you are commanded and do not follow their inclinations but say, "I have believed in what Allāh has revealed of scripture [i.e., the Qur’ān], and I have been commanded to do justice among you. Allāh is our Lord and your Lord. For us are our deeds, and for you your deeds.2 There is no [need for] argument between us and you.3 Allāh will bring us together, and to Him is the [final] destination."
وَٱلَّذِينَ يُحَآجُّونَ فِي ٱللَّهِ مِنۢ بَعۡدِ مَا ٱسۡتُجِيبَ لَهُۥ حُجَّتُهُمۡ دَاحِضَةٌ عِندَ رَبِّهِمۡ وَعَلَيۡهِمۡ غَضَبٞ وَلَهُمۡ عَذَابٞ شَدِيدٌ ١٦
And those who argue concerning Allāh after He has been responded to1 - their argument is invalid with their Lord, and upon them is [His] wrath, and for them is a severe punishment.
قوله عزّ وجلّ:
﴿فَلِذَلِكَ فادْعُ واسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ ولا تَتَّبِعْ أهْواءَهم وقُلْ آمَنتُ بِما أنْزَلَ اللهُ مِن كِتابٍ وأُمِرْتُ لأعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللهُ رَبُّنا ورَبُّكم لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكم لا حُجَّةَ بَيْنَنا (p-٥٠٧)وَبَيْنَكُمُ اللهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا وإلَيْهِ المَصِيرُ﴾ ﴿والَّذِينَ يُحاجُّونَ في اللهِ مِن بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهم داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وعَلَيْهِمْ غَضَبٌ ولَهم عَذابٌ شَدِيدٌ﴾
اللامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "فَلِذَلِكَ"﴾ قالَتْ فِرْقَةٌ: هي بِمَنزِلَةِ "إلى"، كَما قالَ تَعالى: ﴿بِأنَّ رَبَّكَ أوحى لَها﴾ [الزلزلة: ٥] أيْ: إلَيْها، كَأنَّهُ قالَ: فَإلى ما وصّى بِهِ الأنْبِياءَ مِنَ التَوْحِيدِ فادْعُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ هي بِمَعْنى "مِن أجْلِ"، كَأنَّهُ قالَ: فَمِن أجْلِ أنَّ الأمْرَ كَذا ولِكَوْنِهِ كَذا، فادْعُ أنْتِ إلى رَبِّكَ وبَلِّغْ ما أُرْسِلْتَ بِهِ.
وخُوطِبَ ﷺ بِأمْرِ الِاسْتِقامَةِ، وهو عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ قَدْ كانَ مُسْتَقِيمًا، بِمَعْنى: دُمْ عَلى اسْتِقامَتِكَ، وهَكَذا الشَأْنُ في كُلِّ مَأْمُورٍ بِشَيْءٍ هو مُتَلَبِّسٌ بِهِ إنَّما مَعْناهُ الدَوامُ، وهَذِهِ الآيَةُ ونَحْوَها كانَتْ نَصْبُ عَيْنِ النَبِيِّ ﷺ، وكانَتْ شَدِيدَةُ المَوْقِعِ مِن نَفْسِهِ، أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿واسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ﴾ لِأنَّها جُمْلَةً تَحْتَها جَمِيعُ الطاعاتِ وتَكالِيفِ النُبُوَّةِ، وفي هَذا المَعْنى قالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "شَيَّبَتْنِي هُودٌ وأخَواتُها"،» فَقِيلَ لَهُ: لِمَ ذَلِكَ؟ فَقالَ: لِأنَّ فِيها ﴿فاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ﴾ [هود: ١١٢]، وهَذا الخِطابُ لَهُ ﷺ بِحَسَبِ قُوَّتِهِ في أمْرِ اللهِ تَعالى، وقالَ هو عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ لِأُمَّتِهِ بِحَسَبِ ضَعْفِهِمِ: « "اسْتَقِيمُوا ولَنْ تُحْصُوا".»
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَتَّبِعْ أهْواءَهُمْ﴾ يَعْنِي: قُرَيْشًا فِيما كانُوا يَهْوَوْنَهُ مِن أنْ يُعَظِّمَ مُحَمَّدٌ ﷺ آلِهَتَهم وغَيْرَ ذَلِكَ، ثُمَّ أمَرَهُ تَبارَكَ وتَعالى أنْ يُؤْمِنَ بِالكُتُبِ المُنَزَّلَةِ قَبْلَهُ مِن عِنْدِ اللهِ تَعالى، وهو أمْرٌ يَعُمُّ سائِرَ أُمَّتِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأُمِرْتُ لأعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾: قالَتْ فِرْقَةٌ: اللامُ" في ﴿ "لأعْدِلَ"﴾ بَمَعْنى: أنْ، لَأنَّ التَقْدِيرَ: بِأنَّ أعْدِلَ بَيْنَكم. وقالَتْ فِرْقَةٌ: المَعْنى: وأمَرْتُ بِما أُمِرْتُ بِهِ مِنَ التَبْلِيغِ والشَرْعِ لِكَيْ أعْدِلَ، فَحَذَفَ مِنَ الكَلامِ ما يَدُلُّ الظاهِرُ عَلَيْهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكُمْ﴾ إلى آخَرِ الآيَةِ مَنسُوخٌ (p-٥٠٨)ما فِيهِ مِن مُوادَعَةٍ بِآيَةِ السَيْفِ. وقَوْلُهُ: ﴿لا حُجَّةَ بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ﴾ أيْ: لا جِدالَ ولا مُناظَرَةَ، قَدْ وضَحَ الحَقُّ وأنْتُمْ تُعانِدُونَ، وفي قَوْلِهِ: ﴿اللهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا﴾ وعِيدٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يُحاجُّونَ في اللهِ﴾: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رِضى اللهُ عنهُما، ومُجاهِدٌ: إنَّها نَزَلَتْ في طائِفَةٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ هَمَّتْ بِرَدِّ الناسِ عَنِ الإسْلامِ وإضْلالِهِمْ ومُجادَلَتِهِمْ بِأنْ قالُوا: كِتابُنا قَبْلَ كِتابِكُمْ، ونَبِيُّنا قَبْلَ نَبِيِّكُمْ، فَدِينُنا أفْضَلُ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ، وقِيلَ: بَلْ نَزَلَتْ في قُرَيْشٍ، لِأنَّها كانَتْ أبَدًا تُحاوِلُ هَذا المَعْنى، وتَطْمَعُ في رَدِّ الجاهِلِيَّةِ، وُ ﴿يُحاجُّونَ في اللهِ﴾ مَعْناهُ: في تَوْحِيدِ اللهِ، أيْ: بِالإبْطالِ والإلْحادِ وما أشْبَهَ، والضَمِيرُ فِي: ﴿مِن بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَعُوَدَ عَلى اللهِ تَعالى، أيْ: بَعْدَ ما دَخَلَ في دِينِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُوَدَ عَلى الدِينِ والشَرْعِ، ويُحْتَمَلَ أنْ يَعُودَ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ، و"داحِضَةٌ" مَعْناهُ: زاهِقَةٌ. والدَحْضُ: الزَلَقُ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences