Ibn 'Atiyya · Tafsir · in Arabic
ص
Sad
The Letter "Saad" · Meccan · 88 ayahs
38:1–5Page 453
صٓۚ وَٱلۡقُرۡءَانِ ذِي ٱلذِّكۡرِ ١
Ṣād.1 By the Qur’ān containing reminder...2
بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي عِزَّةٖ وَشِقَاقٖ ٢
But those who disbelieve are in pride and dissension.
كَمۡ أَهۡلَكۡنَا مِن قَبۡلِهِم مِّن قَرۡنٖ فَنَادَواْ وَّلَاتَ حِينَ مَنَاصٖ ٣
How many a generation have We destroyed before them, and they [then] called out; but it was not a time for escape.
وَعَجِبُوٓاْ أَن جَآءَهُم مُّنذِرٞ مِّنۡهُمۡۖ وَقَالَ ٱلۡكَٰفِرُونَ هَٰذَا سَٰحِرٞ كَذَّابٌ ٤
And they wonder that there has come to them a warner [i.e., Prophet Muḥammad (ﷺ)] from among themselves. And the disbelievers say, "This is a magician and a liar.
أَجَعَلَ ٱلۡأٓلِهَةَ إِلَٰهٗا وَٰحِدًاۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيۡءٌ عُجَابٞ ٥
Has he made the gods [only] one God? Indeed, this is a curious thing."
(p-٣١٩)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ ص
هَذِهِ السُورَةُ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿ص والقُرْآنِ ذِي الذِكْرِ﴾ ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في عِزَّةٍ وشِقاقٍ﴾ ﴿كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ فَنادَوْا ولاتَ حِينَ مَناصٍ﴾ ﴿وَعَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهم وقالَ الكافِرُونَ هَذا ساحِرٌ كَذّابٌ﴾ ﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾
قَرَأ الحَسَنُ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ أبِي إسْحَقَ: "صادِ" بِكَسْرِ الدالِ، عَلى أنَّهُ أمْرٌ مِن: صادى يُصادِي إذا ضاهى وماثَلَ، أيْ صارَ كالصَدى الَّذِي يَحْكِي الصِياحَ، والمَعْنى: ماثِلِ القُرْآنَ بِعَمَلِكَ، وقارِنْهُ بِطاعَتِكَ، وهَكَذا فَسَّرَ الحَسَنُ، أيِ: انْظُرْ أيْنَ عَمَلُكَ مِنهُ؟
وقالَ الجُمْهُورُ: إنَّهُ حَرْفُ المُعْجَمِ المَعْرُوفُ، ويَدْخُلُهُ ما يَدْخُلُ سائِرَ أوائِلِ السُوَرِ مِنَ الأقْوالِ، ويَخْتَصُّ هَذا المَوْضِعُ بِأنْ قالَ بَعْضُ الناسِ: مَعْناهُ: صَدَقَ مُحَمَّدٌ ﷺ، وقالَ الضَحّاكُ: مَعْناهُ: صَدَقَ اللهُ، وقالَ مُجاهِدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ: هو مِفْتاحُ أسْماءِ اللهِ "صَمَدٌ، صادِقُ الوَعْدِ، صانِعُ المَصْنُوعاتِ".
وقَرَأها الجُمْهُورُ بِسُكُونِ الدالِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحَقَ - بِخِلافٍ عنهُ - بِكَسْرِ الدالِ وتَنْوِينِها [صادٍ]، عَلى القَسَمِ، كَما تَقُولُ: اللهِ لَأفْعَلَنَّ، وحَكى الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ (p-٣٢٠)أبِي إسْحاقَ: بِدُونِ تَنْوِينٍ، وألْحَقَهُ بِقَوْلِ العَرَبِ: حاثِ باثِ، وخازِ بازِ، وقَرَأ فِرْقَةٌ مِنها عِيسى بْنُ عُمَرَ: [صادَ] بِفَتْحِ الدالِ، وكَذَلِكَ يَفْعَلُ في نُطْقِهِ بِكُلِّ الحُرُوفِ، يَقُولُ: قافَ، ونُونَ، ويَجْعَلُها كَأيْنَ ولَيْتَ، قالَ الثَعْلَبِيُّ: "وَقِيلَ مَعْناهُ: صادَ مُحَمَّدٌ القُلُوبَ، بِأنِ اسْتَمالَها لِلْإيمانِ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ص والقُرْآنِ ذِي الذِكْرِ﴾ قَسَمٌ، وقالَ السُدِّيُّ، وابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: مَعْناهُ: ذِي الشَرَفِ الباقِي المُخَلَّدِ، وقالَ قَتادَةُ، والضَحّاكُ: ذِي التَذْكِرَةِ لِلنّاسِ والهِدايَةِ لَهُمْ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: ذِي الذِكْرِ لِلْأُمَمِ والقَصَصِ والغُيُوبِ. وأمّا جَوابُ القَسَمِ فاخْتُلِفَ فِيهِ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: الجَوابُ في قَوْلِهِ: "ص" ؛ إذْ هو بِمَعْنى: صَدَقَ مُحَمَّدٌ، أو صَدَقَ اللهُ، وقالَ الكُوفِيُّونَ والزَجّاجُ: الجَوابُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أهْلِ النارِ﴾ [ص: ٦٤]، وقالَ بَعْضُ البَصْرِيِّينَ - ومِنهُمُ الأخْفَشُ -: الجَوابُ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ كُلٌّ إلا كَذَّبَ الرُسُلَ﴾ [ص: ١٤].
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذانِ القَوْلانِ بِعِيدانِ.
وقالَ قَتادَةُ، والطَبَرِيُّ: الجَوابُ مُقَدَّرٌ قَبْلَ "بَلْ"، وهَذا هو الصَحِيحُ، تَقْدِيرُهُ: "والقُرْآنِ ما الأمْرُ كَما يَزْعُمُونَ"، ونَحْوُ هَذا مِنَ التَقْدِيرِ، فَتَأمَّلْهُ. وحَكى الزَجّاجُ عن (p-٣٢١)قَوْمٍ أنَّ الجَوابَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ﴾ وهَذا مُتَكَلَّفٌ جِدًّا.
و"العِزَّةُ" هُنا: المُعازَّةُ والمُغالَبَةُ. و"الشِقاقُ" نَحْوُهُ، أيْ: هم في شِقٍّ، والحَقُّ في شِقٍّ.
و"كَمْ" لِلتَّكْثِيرِ، وهي خَبَرٌ فِيهِ مِثالٌ ووَعِيدٌ، وهي في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ"أهْلَكْنا"، و"القَرْنُ": الأُمَّةُ مِنَ الناسِ يَجْمَعُها زَمَنٌ واحِدٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْرِيرُهُ مِرارًا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "فَنادَوْا"﴾ مَعْناهُ: مُسْتَغِيثِينَ، والمَعْنى أنَّهم فَعَلُوا ذَلِكَ بَعْدَ المُعايَنَةِ فَلَمْ يَنْفَعْ ذَلِكَ، ولَمْ يَكُنْ في وقْتِ نَفْعٍ، "وَلاتَ" بِمَعْنى: لَيْسَ، واسْمُها مُقَدَّرٌ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، تَقْدِيرُهُ: ولاتَ الحِينُ حِينَ مَناصٍ، وهي "لا" لَحِقَتْها تاءٌ، كَما لَحِقَتْ "رُبَّتَ وثُمَّتَ"، قالَ الزَجّاجُ: وهي كَتاءِ جَلَسَتْ وقامَتْ، تاءُ الحُرُوفِ كَتاءِ الأفْعالِ دَخَلَتْ عَلى ما لا يُعْرَبُ في الوَجْهَيْنِ، ولا تُسْتَعْمَلُ (لا) مَعَ التاءِ إلّا في الحِينِ والزَمانِ والوَقْتِ ونَحْوِهُ، فَمِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ ولاتَ ساعَةَ مَندَمِ
وقالَ الآخَرُ:
؎ تَذَكَّرَ حُبَّ لَيْلى لاتَ حِينًا ∗∗∗ ∗∗∗ وأضْحى الشَيْبُ قَدْ قَطَعَ القَرِينا
(p-٣٢٢)وَأنْشَدَ بَعْضُهُمْ:
؎ طَلَبُوا صُلْحَنا ولاتَ أوانٍ ∗∗∗ ∗∗∗ فَأجَبْنا أنْ لَيْسَ حِينَ بَقاءِ
وأنْشَدَ الزَجّاجُ بِكَسْرِ التاءِ، وهَذا كَثِيرٌ، وقِراءَةُ الجُمْهُورِ فَتْحُ التاءِ مِن "لاتَ" والنُونِ مِن "حِينَ"، ورُوِيَ عن عِيسى كَسْرُ التاءِ مِن "لاتِ" ونَصْبُ النُونِ مِن "حِينَ"، ورُوِيَ عنهُ أيْضًا كَسْرُ النُونِ مِنها.
واخْتَلَفُوا في الوَقْفِ عَلى "لاتَ"، فَذَكَرَ الزَجّاجُ أنَّ الوَقْفَ بِالتاءِ، ووَقَفَ الكِسائِيُّ بِالهاءِ، ووَقَفَ قَوْمٌ - واخْتارَهُ أبُو عُبَيْدٍ - عَلى لا وجَعَلُوا التاءَ مَوْصُولَةً بِحِينَ، فَقالُوا، "لا تَحِينَ"، وذَكَرَ أبُو عُبَيْدٍ أنَّها كَذَلِكَ في مُصْحَفِ عُثْمانَ، ويَحْتَجُّ لِهَذا بِقَوْلِ أبِي وجْزَةَ:
؎ العاطِفُونَ تَحِينَ ما مِن عاطِفٍ ∗∗∗ ∗∗∗ والمُطْعِمُونَ زَمانَ ما مِن مُطْعِمِ
(p-٣٢٣)يَمْدَحُ آلَ الزُبَيْرِ. وقَرَأ بَعْضُ الناسِ: "لاتَ حِينُ" بِرَفْعِ النُونِ مِن: حِينَ عَلى إضْمارِ الخَبَرِ.
و"المَناصُ": المَفَرُّ، ناصَ يَنُوصُ، إذا فاتَ وفَرَّ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: المَعْنى: لَيْسَ بِحِينِ نَزْوٍ ولا فِرارٍ، ضَبَطَ القَوْمُ.
والضَمِيرُ في ﴿ "وَعَجِبُوا"﴾ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ، واسْتَغْرَبُوا أنْ نُبِّئَ بِشْرٌ مِنهم فَأنْذَرَهم وحَذَّرَهُمْ، وأنْ وحَّدَ الإلَهَ، وقالُوا: كَيْفَ يَكُونُ إلَهٌ واحِدٌ يَرْزُقُ الجَمِيعَ ويَنْظُرُ في كُلِّ أمْرِهِمْ؟
(p-٣٢٤)وَ"عُجابٌ" بِناءُ مُبالَغَةٍ، كَما قالُوا: سَرِيعٌ وسِراعٌ، وهَذا كَثِيرٌ، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ السُلَمِيُّ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ: "عُجّابٌ" بِشَدِّ الجِيمِ، ونَحْوُهُ قَوْلُ الراجِزِ:
؎ جاؤُوا بِصَيْدٍ عَجَبٍ مِنَ العَجَبْ ∗∗∗ ∗∗∗ أُزَيْرِقِ العَيْنَيْنِ طُوّالِ الذَنَبْ
وقَدْ قالُوا: رَجُلٌ كِرامٌ، أيْ كِرِيمٌ.
38:6–9Page 453
وَٱنطَلَقَ ٱلۡمَلَأُ مِنۡهُمۡ أَنِ ٱمۡشُواْ وَٱصۡبِرُواْ عَلَىٰٓ ءَالِهَتِكُمۡۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيۡءٞ يُرَادُ ٦
And the eminent among them went forth, [saying], "Continue, and be patient over [the defense of] your gods. Indeed, this is a thing intended.1
مَا سَمِعۡنَا بِهَٰذَا فِي ٱلۡمِلَّةِ ٱلۡأٓخِرَةِ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا ٱخۡتِلَٰقٌ ٧
We have not heard of this in the latest religion.1 This is not but a fabrication.
أَءُنزِلَ عَلَيۡهِ ٱلذِّكۡرُ مِنۢ بَيۡنِنَاۚ بَلۡ هُمۡ فِي شَكّٖ مِّن ذِكۡرِيۚ بَل لَّمَّا يَذُوقُواْ عَذَابِ ٨
Has the message been revealed to him out of [all of] us?" Rather, they are in doubt about My message. Rather, they have not yet tasted My punishment.
أَمۡ عِندَهُمۡ خَزَآئِنُ رَحۡمَةِ رَبِّكَ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡوَهَّابِ ٩
Or do they have the depositories of the mercy of your Lord, the Exalted in Might, the Bestower?1
قوله عزّ وجلّ:
﴿وانْطَلَقَ المَلأُ مِنهم أنِ امْشُوا واصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكم إنَّ هَذا لَشَيْءٌ يُرادُ﴾ ﴿ما سَمِعْنا بِهَذا في المِلَّةِ الآخِرَةِ إنْ هَذا إلا اخْتِلاقٌ﴾ ﴿أأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِكْرُ مِن بَيْنِنا بَلْ هم في شَكٍّ مِن ذِكْرِي بَلْ لَمّا يَذُوقُوا عَذابِ﴾ ﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ العَزِيزِ الوَهّابِ﴾
رُوِيَ في قَصَصِ هَذِهِ الآيَةِ «أنَّ أشْرافَ قُرَيْشٍ وجَماعَتِهِمُ اجْتَمَعُوا عِنْدَ مَرَضِ أبِي طالِبٍ عَمِّ النَبِيِّ ﷺ، فَقالُوا: إنَّ مِنَ القَبِيحِ عَلَيْنا أنْ يَمُوتَ أبُو طالِبٍ ونُؤْذِي مُحَمَّدًا بَعْدَهُ فَتَقُولُ العَرَبُ: تَرَكُوهُ مُدَّةَ عَمِّهِ فَلَمّا ماتَ آذَوْهُ، ولَكِنْ لِنَذْهَبْ إلى أبِي طالِبٍ فَلْيُنْصِفْنا مِنهُ، ولِيَرْبِطَ بَيْنَنا وبَيْنَهُ رَبْطًا، فَنَهَضُوا إلَيْهِ، فَقالُوا: يا أبا طالِبٍ، إنَّ مُحَمَّدًا يَسُبُّ ويُسَفِّهُ آراءَنا وآراءَ آبائِنا، ونَحْنُ لا نُقارُّهُ عَلى ذَلِكَ، ولَكِنِ افْصِلْ بَيْنَنا وبَيْنَهُ في حَياتِكَ، بِأنْ يُقِيمَ في مَنزِلِهِ يَعْبُدُ رَبَّهُ الَّذِي يَزْعُمُ، ويَدَعُ آلِهَتَنا وسَبَّها، ولا يَعْرِضُ لِأحَدٍ مِنّا بِشَيْءٍ مِن هَذا، فَبَعَثَ أبُو طالِبٍ في مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، فَقالَ: يا مُحَمَّدُ، إنَّ قَوْمَكَ قَدْ دَعَوْكَ إلى النَصَفَةِ، وهي أنْ تَدَعَهم وتَعْبُدَ رَبَّكَ وحْدَكَ، فَقالَ: أوَ غَيْرَ ذَلِكَ يا عَمِّ؟ قالَ وما هُوَ؟ قالَ: يُعْطُونَنِي كَلِمَةً تَدِينُ لَهم بِها العَرَبُ، وتُؤَدِّي (p-٣٢٥)إلَيْهِمُ الجِزْيَةَ بِها العَجَمُ، قالُوا: وما هي فَإنَّنا نُبادِرُ إلَيْها؟ قالَ: لا إلَهَ إلّا اللهُ، فَنَفَرُوا عِنْدَ ذَلِكَ، وقالُوا: ما يُرْضِيكَ مِنّا غَيْرُ هَذا؟ قالَ: واللهُ لَوْ أعْطَيْتُمُونِي الأرْضَ ذَهَبًا ومالًا،» وفي رِوايَةٍ: «لَوْ جَعَلْتُمُ الشَمْسَ في يَمِينِي، والقَمَرَ في شِمالِي ما أرْضانِي مِنكم غَيْرُها، فَقامُوا عِنْدَ ذَلِكَ، وبَعْضُهم يَقُولُ: "أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا، إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عُجابٌ"» ويُرَدِّدُونَ هَذا المَعْنى، وعَقَبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ يَقُولُ: ﴿امْشُوا واصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ﴾ الآيَةُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ
وجَلَبْتُ هَذا الخَبَرَ تامَّ المَعْنى، وفي بَعْضِ رِواياتِهِ زِيادَةٌ ونُقْصانٌ، والغَرَضُ مُتَقارِبٌ.
«وَلَمّا ذَهَبُوا قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: يا عَمِّ، قُلْ: لا إلَهَ إلّا اللهُ، كَلِمَةً أشْهَدُ لَكَ بِها عِنْدَ اللهِ، فَقالَ: واللهِ لَوْلا أنْ تَكُونَ سُبَّةً في بَنِيَّ بَعْدِي لَأقْرَرْتُ بِها عَيْنَكَ، وماتَ وهو يَقُولُ: عَلى مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، فَنَزَلَتْ في ذَلِكَ: ﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ ولَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ [القصص: ٥٦].»
فَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وانْطَلَقَ المَلأُ مِنهُمْ﴾ عِبارَةٌ عن خُرُوجِهِمْ عن أبِي طالِبٍ، وانْطِلاقِهِمْ مِن ذَلِكَ الجَمْعِ، هَذا قَوْلُ جَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي عِبارَةٌ عن إذاعَتِهِمْ لِهَذِهِ الأقاوِيلِ، فَكَأنَّهُ كَما يَقُولُ الناسُ: انْطَلَقَ الناسُ بِالدُعاءِ لِلْأمِيرِ، ونَحْوَهُ، أيِ: اسْتَفاضَ كَلامُهم بِذَلِكَ، و"المَلَأُ": الأشْرافُ والرُؤُوسُ الَّذِينَ يَسُدُّونَ مَسَدَّ الجَمِيعِ في الآراءِ ونَحْوِهُ.
وقَوْلُهُ: ﴿أنِ امْشُوا﴾، "أنِ" مُفَسِّرَةٌ لا مَوْضِعَ لَها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِإسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ، أيْ: بِأنْ، فَهي بِتَقْدِيرِ المَصْدَرِ، كَأنَّهُ قالَ: وانْطَلَقَ المَلَأُ مِنهم بِقَوْلِهِمُ: امْشُوا، ومَعْنى الآيَةِ أنَّهُ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: امْشُوا واصْبِرُوا عَلى كُلِّ أمْرِ آلِهَتِكم. وذَهَبَ بَعْضُ الناسِ إلى أنَّ قَوْلَهُمُ: ﴿ "امْشُوا"﴾ هو دُعاءٌ بِكَسْبِ الماشِيَةِ، وفي (p-٣٢٦)هَذا ضَعْفٌ؛ لِأنَّهُ كانَ يَلْزَمُ أنْ تَكُونَ الألِفُ مَقْطُوعَةً؛ لِأنَّهُ يُقالُ: "أمْشى الرَجُلُ" إذا صارَ صاحِبَ ماشِيَةٍ، وأيْضًا فَهَذا المَعْنى غَيْرُ مُتَمَكِّنٍ في الآيَةِ، وإنَّما المَعْنى: سِيرُوا عَلى طَرِيقَتِكم ودُومُوا عَلى سَيْرِكُمْ، أو يَكُونُ المَعْنى أمْرًا مِن نَقْلِ الأقْدامِ، قالُوهُ عِنْدَ انْطِلاقِهِمْ، وهو في مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "وانْطَلَقَ المَلَأُ مِنهم يَمْشُونَ أنِ اصْبِرُوا". وقَوْلُهُمْ: ﴿إنَّ هَذا لَشَيْءٌ يُرادُ﴾ يُرِيدُونَ ظُهُورَ مُحَمَّدٍ ﷺ وعُلُوَّهُ بِالنُبُوَّةِ، أيْ: يُرادُ مِنّا الِانْقِيادُ لَهُ.
وقَوْلُهُمْ: ﴿ما سَمِعْنا بِهَذا﴾ يُرِيدُونَ بِمِثْلِ هَذِهِ المَقالَةِ أنَّ الإلَهَ واحِدٌ. واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في قَوْلِهِمْ: ﴿فِي المِلَّةِ الآخِرَةِ﴾، فَقالَ مُجاهِدٌ: أرادُوا مِلَّتَهم ونِحْلَتَهُمُ الَّتِي العَرَبُ عَلَيْها، ويُقالُ لِكُلِّ ما تَتَّبِعُهُ أُمَّةٌ: مِلَّةٌ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُدِّيُّ: أرادَ مِلَّةَ النَصارى.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ
وذَلِكَ مُتَّجِهٌ لِأنَّها مِلَّةٌ شَهِيرٌ فِيها التَثْلِيثُ، وأنَّ الإلَهَ لَيْسَ بِواحِدٍ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْنى قَوْلِهِمْ: ﴿ما سَمِعْنا﴾ أيْ: ما سَمِعْنا أنَّهُ يَكُونُ مِثْلَ هَذا، ولا أنَّهُ يُقالُ في المِلَّةِ الآخِرَةِ الَّتِي كُنّا نَسْمَعُ أنَّها تَكُونُ في آخِرِ الزَمانِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ
وذَلِكَ أنَّهُ قَبْلَ مَبْعَثِهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ كانَ الناسُ يَسْتَشْعِرُونَ خُرُوجَ نَبِيٍّ وحُدُوثَ مِلَّةٍ ودِينٍ، ويَدُلُّ عَلى صِحَّةِ هَذا ما رُوِيَ مِن قَوْلِ الأحْبارِ أُولِي الصَوامِعِ، وما رُوِيَ عن شِقٍّ وسَطِيحٍ، وما كانَتْ بَنُو إسْرائِيلَ تَعْتَقِدُ مِن أنَّهُ يَكُونُ مِنهم. وقَوْلُهُمْ: ﴿إنْ هَذا إلا اخْتِلاقٌ﴾ إشارَةٌ إلى جَمِيعِ ما يُخْبِرُ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ عَنِ اللهِ تَعالى.
ثُمَّ قالُوا: عَلى جِهَةِ التَقْرِيرِ مِن بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، ومُضَمَّنٌ ذَلِكَ الإنْكارُ، ﴿عَلَيْهِ الذِكْرُ مِن بَيْنِنا بَلْ﴾. بِمَعْنى: نَحْنُ الأشْرافُ الأعْلامُ، فَلِمَ خُصَّ هَذا؟ وكَيْفَ يَصِحُّ هَذا؟ فَرَدَّ اللهُ تَعالى قَوْلَهم بِما تَقْتَضِيهِ "بَلْ"؛ لِأنَّ المَعْنى لَيْسَ تَخْصِيصُ اللهِ وإنْعامُهُ جارِيًا عَلى شَهَواتِهِمْ، ﴿بَلْ هم في شَكٍّ مِن ذِكْرِي﴾، أيْ في رَيْبٍ أنَّ هَذا التَذْكِيرَ بِاللهِ حَقٌّ. ثُمَّ تَوَعَّدَهم بِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ لَمّا يَذُوقُوا عَذابِ﴾، أيْ: لَوْ ذاقُوهُ لَتَحَقَّقُوا أنَّ هَذِهِ الرِسالَةَ حَقٌّ، أيْ هم لِجَهالَتِهِمْ لا يُبَيِّنُ لَهُمُ النَظَرُ، وإنَّما يُبَيِّنُ لَهم مُباشَرَةُ العَذابِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "أمْ أُنْزِلَ" بِمِيمٍ بَيْنَ الهَمْزَتَيْنِ.
ثُمَّ وقَّفَهُمُ احْتِجاجًا عَلَيْهِمْ، أعِنْدَهم رَحْمَةُ اللهِ وخَزائِنُها الَّتِي فِيها الهُدى والنُبُوءَةُ وكُلُّ (p-٣٢٧)فَضْلٍ، فَيَكُونُ لَهم تَحَكُّمٌ في الرِسالَةِ وغَيْرِها مِن نِعَمِ اللهِ؟ و"أمْ" هُنا، لَمْ تُعادِلْها ألِفٌ، فَهي المَقْطُوعَةُ الَّتِي مَعْناها إضْرابٌ عَنِ الكَلامِ الأوَّلِ واسْتِفْهامٌ، وقَدَّرَها سِيبَوَيْهِ بـِ "بَلْ والألِفِ"، كَقَوْلِ العَرَبِ: "إنَّها لِإبِلٌ أمْ شاءٌ". والخَزائِنُ لِلرَّحْمَةِ مُسْتَعارَةٌ، كَأنَّ المَعْنى: مَوْضِعُ جَمْعِها وحِفْظِها، مِن حَيْثُ كانَتْ ذَخائِرُ البَشَرِ تَحْتاجُ إلى ذَلِكَ خُوطِبَ في الرَحْمَةِ بِما يَنْحُو إلى ذَلِكَ، وقالَ الطَبَرِيُّ: يَعْنِي بِالخَزائِنِ المَفاتِيحَ. واللهُ تَعالى أعْلَمُ.
38:10–14Page 453
أَمۡ لَهُم مُّلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَاۖ فَلۡيَرۡتَقُواْ فِي ٱلۡأَسۡبَٰبِ ١٠
Or is theirs the dominion of the heavens and the earth and what is between them? Then let them ascend through [any] ways of access.1
جُندٞ مَّا هُنَالِكَ مَهۡزُومٞ مِّنَ ٱلۡأَحۡزَابِ ١١
[They are but] soldiers [who will be] defeated there among the companies [of disbelievers].
كَذَّبَتۡ قَبۡلَهُمۡ قَوۡمُ نُوحٖ وَعَادٞ وَفِرۡعَوۡنُ ذُو ٱلۡأَوۡتَادِ ١٢
The people of Noah denied before them, and [the tribe of] ʿAad and Pharaoh, the owner of stakes,1
وَثَمُودُ وَقَوۡمُ لُوطٖ وَأَصۡحَٰبُ لۡـَٔيۡكَةِۚ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلۡأَحۡزَابُ ١٣
And [the tribe of] Thamūd and the people of Lot and the companions of the thicket [i.e., people of Madyan]. Those are the companies.1
إِن كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ ٱلرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ ١٤
Each of them denied the messengers, so My penalty was justified.
قوله عزّ وجلّ:
﴿أمْ لَهم مُلْكُ السَماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما فَلْيَرْتَقُوا في الأسْبابِ﴾ ﴿جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الأحْزابِ﴾ ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ وعادٌ وفِرْعَوْنُ ذُو الأوتادِ﴾ ﴿وَثَمُودُ وقَوْمُ لُوطٍ وأصْحابُ الأيْكَةِ أُولَئِكَ الأحْزابُ﴾ ﴿إنْ كُلٌّ إلا كَذَّبَ الرُسُلَ فَحَقَّ عِقابِ﴾
"أمْ" في هَذِهِ الآيَةِ مُعادِلَةٌ لِلْألِفِ المَقْدَّرَةِ في "أمْ" الأُولى، وكَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ في هَذِهِ الآيَةِ: أمْ لَهم هَذا المُلْكُ فَتَكُونَ النُبُوءَةُ والرِسالَةُ عَلى اخْتِيارِهِمْ ونَظَرِهِمْ، ﴿فَلْيَرْتَقُوا في الأسْبابِ﴾ إنْ كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ، أيْ: إلى السَماءِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما. و"الأسْبابُ" كُلُّ ما يُتَوَصَّلُ بِهِ إلى الأشْياءِ، وهي هُنا بِمَعْنى الحِبالِ والسَلالِمِ. وقالَ قَتادَةُ: أرادَ أبْوابَ السَماءِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ﴾، اخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في الإشارَةِ بِـ"هُنالِكَ" إلى ما هِيَ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: أشارَ إلى الِارْتِقاءِ في الأسْبابِ، أيْ: هَؤُلاءِ القَوْمُ إنْ رامُوا ذَلِكَ جُنْدٌ مَهْزُومٌ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ
وهَذا قَوِيٌّ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: الإشارَةُ بِـ"هُنالِكَ" إلى حِمايَةِ الأصْنامِ وعَضُدِها، أيْ: هَؤُلاءِ القَوْمُ جُنْدٌ مَهْزُومٌ في هَذِهِ السَبِيلِ، وقالَ مُجاهِدٌ: الإشارَةُ بِـ"هُنالِكَ" إلى يَوْمِ بَدْرٍ، وكانَ غَيْبًا أعْلَمَ اللهُ بِهِ عَلى لِسانِ رَسُولِهِ ﷺ أنَّ جُنْدَ المُشْرِكِينَ يُهْزَمُونَ، فَخَرَجَ في بَدْرٍ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: الإشارَةُ إلى مَن حَضَرَ عامَ الخَنْدَقِ بِالمَدِينَةِ. وقَوْلُهُ: ﴿مِنَ الأحْزابِ﴾، أيْ: مِن جُمْلَةِ أحْزابِ الأُمَمِ الَّذِينَ تَعَصَّبُوا في الباطِلِ وكَذَّبُوا الرُسُلَ فَأخَذَهُمُ اللهُ تَعالى.
(p-٣٢٨)وَ"ما"، في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿جُنْدٌ ما هُنالِكَ﴾ زائِدَةٌ مُؤَكِّدَةٌ، وفِيها تَخْصِيصٌ.
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذِي الأوتادِ﴾ [الفجر: ١٠]، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ: سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ كانَتْ لَهُ أوتادٌ وخَشَبٌ يُلْعَبُ لَهُ بِها وعَلَيْها، وقالَ السُدِّيُّ: كانَ يَقْتُلُ الناسَ بِالأوتادِ يَشُدُّهم في الأرْضِ بِها، وقالَ الضَحّاكُ: أرادَ المَبانِيَ العِظامَ الثابِتَةَ. وهَذا أظْهَرُ الأقْوالِ، كَما يُقالُ لِلْجِبالِ أوتادٌ لِثُبُوتِها، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ لَهُ: "ذُو الأوتادِ" عِبارَةٌ عن كَثْرَةِ أخْبِيَتِهِ وعِظَمِ عَساكِرِهِ، ونَحْوٌ مِن هَذا قَوْلُهُمْ: "أهْلُ العَمُودِ". وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "لَيْكَةِ"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "الأيْكَةِ"، وقَدْ تَقَدَّمَ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّ هَؤُلاءِ المَذْكُورِينَ هُمُ الأحْزابُ، وضَرَبَ بِهِمُ المَثَلَ لِقُرَيْشٍ في أنَّهم كَذَّبُوا، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّ عِقابَهُ حَقٌّ عَلى جَمِيعِهِمْ، أيْ فَكَذَلِكَ يَحِقُّ عَلَيْكم أيُّها المُكَذِّبُونَ بِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "إنْ كُلٌّ لَمّا"، وحَكى أبُو عَمْرٍو الدانِي أنَّ فِيها: "إنْ كُلُّهم إلّا كَذَّبَ".
38:15–20Page 453
وَمَا يَنظُرُ هَٰٓؤُلَآءِ إِلَّا صَيۡحَةٗ وَٰحِدَةٗ مَّا لَهَا مِن فَوَاقٖ ١٥
And these [disbelievers] await not but one blast [of the Horn]; for it there will be no delay.1
وَقَالُواْ رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا قَبۡلَ يَوۡمِ ٱلۡحِسَابِ ١٦
And they say, "Our Lord, hasten for us our share [of the punishment] before the Day of Account."
ٱصۡبِرۡ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَٱذۡكُرۡ عَبۡدَنَا دَاوُۥدَ ذَا ٱلۡأَيۡدِۖ إِنَّهُۥٓ أَوَّابٌ ١٧
Be patient over what they say and remember Our servant, David, the possessor of strength; indeed, he was one who repeatedly turned back [to Allāh].
إِنَّا سَخَّرۡنَا ٱلۡجِبَالَ مَعَهُۥ يُسَبِّحۡنَ بِٱلۡعَشِيِّ وَٱلۡإِشۡرَاقِ ١٨
Indeed, We subjected the mountains [to praise] with him, exalting [Allāh] in the [late] afternoon and [after] sunrise.
وَٱلطَّيۡرَ مَحۡشُورَةٗۖ كُلّٞ لَّهُۥٓ أَوَّابٞ ١٩
And the birds were assembled, all with him repeating [praises].
وَشَدَدۡنَا مُلۡكَهُۥ وَءَاتَيۡنَٰهُ ٱلۡحِكۡمَةَ وَفَصۡلَ ٱلۡخِطَابِ ٢٠
And We strengthened his kingdom and gave him wisdom and discernment in speech.
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَما يَنْظُرُ هَؤُلاءِ إلا صَيْحَةً واحِدَةً ما لَها مِن فَواقٍ﴾ ﴿وَقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الحِسابِ﴾ ﴿اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذا الأيْدِ إنَّهُ أوّابٌ﴾ ﴿إنّا سَخَّرْنا الجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالعَشِيِّ والإشْراقِ﴾ ﴿والطَيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أوّابٌ﴾ ﴿وَشَدَدْنا مُلْكَهُ وآتَيْناهُ الحِكْمَةَ وفَصْلَ الخِطابِ﴾
﴿ "يَنْظُرُ"﴾ بِمَعْنى: يَنْتَظِرُ، وهَذا إخْبارٌ مِنَ اللهِ تَعالى لِرَسُولِهِ ﷺ، صَدَّقَهُ الوُجُودُ، فالصَيْحَةُ - عَلى هَذا التَأْوِيلِ - عِبارَةٌ عن جَمِيعِ ما نابَهم مِن قَتْلٍ وأسْرٍ وغَلَبَةٍ، وهَذا كَما تَقُولُ: صاحَ فِيهِمُ الدَهْرُ، وقالَ قَتادَةُ: تَوَعَّدَهم بِصَيْحَةِ القِيامَةِ والنَفْخِ في الصُورِ، قالَ الثَعْلَبِيُّ: رُوِيَ هَذا التَفْسِيرُ مَرْفُوعًا إلى النَبِيِّ ﷺ. وقالَتْ طائِفَةٌ: تَوَعَّدَهم تَعالى (p-٣٢٩)بِصَيْحَةٍ يُهْلَكُونَ بِها في الدُنْيا، وعَلى هَذَيْنَ التَأْوِيلَيْنِ فَمَعْنى الكَلامِ أنَّهم بِمَدْرَجِ عُقُوبَةٍ، وتَحْتَ أمْرٍ خَطِيرٍ، ما يَنْتَظِرُونَ فِيهِ إلّا الهَلَكَةَ، ولَيْسَ مَعْناهُ التَوَعُّدُ بِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ يَنْتَظِرُهُ مُحَمَّدٌ ﷺ فِيهِ كالتَأْوِيلِ الأوَّلِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "فَواقٍ"﴾ بِفَتْحِ الفاءِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وابْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ: "فُواقٍ" بِضَمِّ الفاءِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وغَيْرُهُ: هُما بِمَعْنًى واحِدٍ، أيْ: ما لَها مِنَ انْقِطاعٍ وعَوْدَةٍ، بَلْ هي مُتَّصِلَةٌ حَتّى مَهْلِكَهُمْ، ومِنهُ: "فَواقُ الحَلْبَةِ": المُهْلَةُ الَّتِي بَيْنَ الشَخْبَتَيْنِ، وجَعَلُوهُ مِثْلَ قَصاصِ الشِعْرِ وقُصاصِهِ، وغَيْرُ ذَلِكَ، ومِنهُ الحَدِيثُ عَنِ النَبِيِّ ﷺ: « "مَن رابَطَ فَوْقَ ناقَةٍ حَرَّمَ اللهُ جَسَدَهُ عَلى النارِ".» وقالَ ابْنُ زَيْدٍ، وأبُو عُبَيْدَةَ، ومُؤَرِّجٌ، والفَرّاءُ: المَعْنى مُخْتَلِفٌ، الضَمُّ كَما تَقَدَّمَ مِن مَعْنى فَواقٍ، والفَتْحُ بِمَعْنى الإفاقَةِ، أيْ: ما يَكُونُ لَهم بَعْدَ هَذِهِ الصَيْحَةِ إفاقَةٌ ولا اسْتِراحَةٌ، فَفَواقٌ مِثْلَ جَوابٌ، مِن أجابَ.
ثُمَّ ذَكَرَ عَزَّ وجَلَّ عنهم أنَّهم قالُوا: ﴿رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الحِسابِ﴾، والقِطُّ: الحَظُّ والنَصِيبُ، والقِطُّ أيْضًا: الصَكُّ والكِتابُ مِنَ السُلْطانِ بِصِلَةٍ ونَحْوُهُ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى:
؎ ولا المَلِكُ النُعْمانُ يَوْمَ لَقِيتَهُ ∗∗∗ بِغِبْطَتِهِ يُعْطِي القُطُوطَ ويَأْفِقُ
(p-٣٣٠)وَهُوَ مِن، قَطَطْتُ، أيْ: قَطَعْتُ. واخْتَلَفَ الناسُ في "القِطِّ" هُنا، ما أرادُوا بِهِ؟ فَقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: أرادُوا بِهِ: عَجِّلْ لَنا نَصِيبَنا مِنَ الخَيْرِ والنَعِيمِ في دُنْيانا، وقالَ أبُو العالِيَةِ، والكَلْبِيُّ: أرادُوا: عَجِّلْ لَنا صُحُفَنا بِأيْمانِنا، وذَلِكَ لَمّا سَمِعُوا في القُرْآنِ أنَّ الصُحُفَ تُعْطى يَوْمَ القِيامَةِ بِالأيْمانِ والشَمائِلِ قالُوا ذَلِكَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وغَيْرُهُ: أرادُوا ضِدَّ هَذا مِنَ العَذابِ ونَحْوِهُ، فَهَذا نَظِيرُ قَوْلِهِمْ: ﴿فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَماءِ﴾ [الأنفال: ٣٢]. وقالَ السُدِّيُّ: المَعْنى: أرِنا مَنازِلَنا في الجَنَّةِ حَتّى نُتابِعَكَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ
وعَلى كُلِّ تَأْوِيلٍ، فَكَلامُهم خَرَجَ عَلى جِهَةِ الِاسْتِخْفافِ والهَزْءِ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ ما عُلِمَ مِن كُفْرِهِمْ واسْتَمَرَّ، ولَفْظُ الآيَةِ يُعْطِي إقْرارًا بِيَوْمِ الحِسابِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾، أيْ: مِن هَذِهِ الأقاوِيلِ الَّتِي يُرِيدُونَ بِها الِاسْتِخْفافَ، ولا تَلْتَفِتْ إلَيْها، ﴿واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذا الأيْدِ﴾ في الدِينِ والصَدْعِ بِهِ، فَتَأسَّ بِهِ وتَأيَّدْ كَما تَأيَّدَ، و"الأيْدِ": القُوَّةُ، وهي في داوُدَ مُتَضَمِّنَةٌ قُوَّةَ البَدَنِ وقُوَّتَهَ عَلى الطاعَةِ. و"الأوّابُ": الرَجّاعُ إلى طاعَةِ اللهِ تَعالى، وقالَهُ مُجاهِدٌ وابْنُ زَيْدٍ، وفَسَّرَهُ السُدِّيُّ بِالمُسَبِّحِ، وذَكَرَ الثَعْلَبِيُّ أنَّ أبا هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: « "الزُرْقَةُ يُمْنٌ"،» وكانَ داوُدُ أزْرَقَ، وأخْبَرَ تَبارَكَ وتَعالى عَمّا وهَبَ لِداوُدَ مِنَ الكَرامَةِ في أنْ سَخَّرَ الجِبالَ مَعَهُ تُسَبِّحُ، وظاهِرُ الآيَةِ عُمُومُ الجِبالِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ هي الجِبالُ الَّتِي كانَ فِيها وعِنْدَها، وتَسْبِيحُ الجِبالِ هُنا حَقِيقَةٌ. و"الإشْراقُ": وقْتُ ضِياءِ الشَمْسِ وارْتِفاعِها، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: "أشْرِقْ ثَبِيرُ كَيْما نُغِيرُ"، أيِ: ادْخُلْ في الشُرُوقِ. وُفي (p-٣٣١)هَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ كانَتْ صَلاةُ بَنِي إسْرائِيلَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: صَلاةُ الضُحى عِنْدَنا هي صَلاةُ الإشْراقِ، وهي في هَذِهِ الآيَةِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ "والطَيْرَ"﴾ عَطْفٌ عَلى "الجِبالَ"، أيْ: وسَخَّرْنا الطَيْرَ، و"مَحْشُورَةً" نَصْبٌ عَلى الحالِ، ومَعْناهُ: مَجْمُوعَةٌ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: [والطَيْرُ مَحْشُورَةٌ] بِالرَفْعِ فِيهِما، والضَمِيرُ في "لَهُ" قالَتْ فِرْقَةٌ: هو عائِدٌ عَلى اللهِ تَعالى، فـَ "كُلٌّ" عَلى هَذا يُرادُ بِهِ:داوُدُ، والجِبالُ، والطَيْرُ. وقالَتْ فِرَقٌ: هو عائِدٌ عَلى داوُدَ عَلَيْهِ السَلامُ، و"كُلٌّ": الجِبالُ والطَيْرُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَشَدَدْنا مُلْكَهُ﴾ عِبارَةٌ عامَّةٌ لِجَمِيعِ ما وهَبَهُ اللهُ تَعالى مِن قُوَّةٍ وخَيْرٍ ونِعْمَةٍ، وقَدْ خَصَّصَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ في ذَلِكَ أشْياءَ دُونَ أشْياءَ، فَقالَ السُدِّيُّ ؛ بِالجُنُودِ، وقالَ آخَرُونَ: بِهَيْبَةٍ جَعَلَها اللهُ تَعالى لَهُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "وَشَدَدْنا"﴾ بِتَخْفِيفِ الدالِّ الأُولى، ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ: (شَدَّدْنا) بِشَدِّها عَلى المُبالَغَةِ. و﴿الحِكْمَةَ﴾: الفَهْمُ في الدِينِ وجَوْدَةُ النَظَرِ، هَذا قَوْلُ فِرْقَةٍ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: أرادَ بِـ (الحِكْمَةِ) النُبُوَّةَ، وقالَ أبُو العالِيَةِ: الحِكْمَةُ؛ العِلْمُ الَّذِي لا تَرُدُّهُ العُقُولُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٌ رَحِمَهُ اللهُ:
هِيَ عَقائِدُ البُرْهانِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في "فَصْلِ الخِطابِ"، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والسُدِّيُّ: هو فَصْلُ القَضاءِ بَيْنَ الناسِ بِالحَقِّ وإصابَتُهُ وفَهْمُهُ. وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، (p-٣٣٢)وَشُرَيْحٌ، والشَعْبِيُّ: هو إيجابُ اليَمِينِ عَلى المُدَّعى عَلَيْهِ، والبَيِّنَةِ عَلى المُدَّعِي، وقالَ زِيادٌ، والشَعْبِيُّ أيْضًا: أرادَ قَوْلَ: "أمّا بَعْدُ"، فَإنَّهُ أوَّلُ مَن قالَها.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ
والَّذِي يُعْطِيهِ لَفْظُ الآيَةِ أنَّ اللهَ تَعالى آتاهُ أنَّهُ كانَ إذا خاطَبَ في نازِلَةٍ فَصَّلَ المَعْنى وأوضَحَهُ، وبَيَّنَهُ، لا يَأْخُذُهُ في ذَلِكَ حَصَرٌ ولا ضَعْفٌ، وهَذِهِ صِفَةٌ قَلِيلٌ مَن يُدْرِكُها، فَكانَ كَلامُهُ عَلَيْهِ السَلامُ فَصْلًا، وقَدْ قالَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى في صِفَةِ القُرْآنَ: ﴿إنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ [الطارق: ١٣]، ويَزِيدُ مُحَمَّدٌ ﷺ عَلى هَذِهِ الدَرَجَةِ بِالإيجازِ في العِبارَةِ، وجَمْعِ المَعانِي الكَثِيرَةِ في اللَفْظِ اليَسِيرِ، وهَذا هو الَّذِي تَخَصَّصَ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ بِهِ في قَوْلِهِ: « "وَأُعْطِيتُ جَوامِعَ الكَلِمِ"،» فَإنَّها في الخِلالِ الَّتِي لَمْ يُؤْتَها أحَدٌ قَبْلَهُ، وذِكْرُ "جَوامِعِ الكَلِمِ" مَعْدُودٌ ومُسَلَّمٌ لَهُ ﷺ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences