Ibn 'AtiyyaAl‑Mujadila · 58:1–10

Ibn 'Atiyya · Tafsir · in Arabic

المجادلة

Al-Mujadila

The Pleading Woman · Medinan · 22 ayahs

58:1–2Page 542

قَدۡ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوۡلَ ٱلَّتِي تُجَٰدِلُكَ فِي زَوۡجِهَا وَتَشۡتَكِيٓ إِلَى ٱللَّهِ وَٱللَّهُ يَسۡمَعُ تَحَاوُرَكُمَآۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعُۢ بَصِيرٌ ١

Certainly has Allāh heard the speech of the one who argues [i.e., pleads] with you, [O Muḥammad], concerning her husband and directs her complaint to Allāh. And Allāh hears your dialogue; indeed, Allāh is Hearing and Seeing.

ٱلَّذِينَ يُظَٰهِرُونَ مِنكُم مِّن نِّسَآئِهِم مَّا هُنَّ أُمَّهَٰتِهِمۡۖ إِنۡ أُمَّهَٰتُهُمۡ إِلَّا ٱلَّٰٓـِٔي وَلَدۡنَهُمۡۚ وَإِنَّهُمۡ لَيَقُولُونَ مُنكَرٗا مِّنَ ٱلۡقَوۡلِ وَزُورٗاۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٞ ٢

Those who pronounce ẓihār1 among you [to separate] from their wives - they are not [consequently] their mothers. Their mothers are none but those who gave birth to them. And indeed, they are saying an objectionable statement and a falsehood. But indeed, Allāh is Pardoning and Forgiving.

(p-٢٤٣)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ

تَفْسِيرُ سُورَةِ المُجادَلَةِ

وهِيَ مَدَنِيَّةٌ بِإجْماعٍ، إلّا أنَّ النَقّاشَ حَكى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ما يَكُونُ مِن نَجْوى ثَلاثَةٍ﴾ [المجادلة: ٧] مَكِّيٌّ، ورَوى أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: « "مَن قَرَأ سُورَةَ المُجادَلَةِ كُتِبَ مِن حِزْبِ اللهِ"».

قوله عزّ وجلّ:

﴿قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ في زَوْجِها وتَشْتَكِي إلى اللهُ واللهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما إنَّ اللهُ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ ﴿الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنكم مِن نِسائِهِمْ ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ إنْ أُمَّهاتِهِمْ إلا اللائِي ولَدْنَهم وإنَّهم لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِن القَوْلِ وزُورًا وإنَّ اللهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾

"سَمِعَ اللهُ" عِبارَةٌ عن إدْراكِ المَسْمُوعاتِ عَلى ما هي ما عَلَيْهِ بِأكْمَلِ وُجُوهِ ذَلِكَ دُونَ جارِحَةٍ ولا تَكْيِيفَ ولا تَحْدِيدَ، "تَعالى اللهُ عن ذَلِكَ"، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "قَدْ سَمِعَ" بِالبَيانِ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "قَدْ سَمِعَ" بِالإدْغامِ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "قَدْ يَسْمَعُ اللهُ"، وفِيها "واللهُ قَدْ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما".

واخْتَلَفَ الناسُ في اسْمِ الَّتِي تُجادِلُ، فَقالَ قَتادَةُ: هي خُوَيْلَةُ بِنْتُ ثَعْلَبَةَ، وقِيلَ عن عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ قالَ: هي بِنْتُ حَكِيمٍ، وقالَ بَعْضُ الرُواةِ، وأبُو العالِيَةِ: هي خُوَيْلَةُ بِنْتُ دَلِيجٍ، وقالَ المَهْدَوِيُّ: وقِيلَ: خَوْلَةُ بِنْتُ دَلِيجٍ، وقالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنهُا هي جَمِيلَةٌ، وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: هي خَوْلَةُ بِنْتُ الصامِتِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما فِيها: خَوْلَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ، ومُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: هي خَوْلَةُ بِنْتُ ثَعْلَبَةَ.

قالَ ابْنُ سَلامٍ: "تُجادِلُ": تُقاتِلُ في القَوْلِ، وأصْلُ "الجَدَلِ": القَتْلُ.

(p-٢٤٤)وَأكْثَرُ الرُواةِ عَلى أنَّ الزَوْجَ في هَذِهِ الآيَةِ أوسُ بْنُ الصامِتِ الأنْصارِيُّ، أخُو عُبادَةَ بْنَ الصامِتِ، وحَكى النَقّاشُ -وَهُوَ في المُصَنَّفاتِ- حَدِيثًا «عن سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ البَياضِيِّ أنَّهُ ظاهَرَ مِنِ امْرَأتِهِ إنْ واقَعَها مُدَّةَ شَهْرِ رَمَضانَ، فَواقَعَها لَيْلَةً، فَسَألَ قَوْمَهُ أنْ يَسْألُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ فَأبَوْا وهابُوا ذَلِكَ، وعَظَّمُوا عَلَيْهِ جَرِيرَتَهُ، فَذَهَبَ هو إلى رَسُولِ اللهِ ﷺ بِنَفْسِهِ فَسَألَهُ واسْتَرْشَدَ فَنَزَلَتِ الآيَةُ وقالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: أتُعْتِقُ رَقَبَةً؟ فَقالَ: واللهِ ما أمْلِكُ غَيْرَ رَقَبَتِي، فَقالَ: أتَصُومُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ؟ فَقالَ: يا رَسُولَ اللهِ وهَلْ أتَيْتُ إلّا في الصَوْمِ؟ فَقالَ: أتُطْعِمُ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟ فَقالَ: لا أجِدُ، فَأعْطاهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ صَدَقاتِ قَوْمِهِ فَكَفَّرَ بِها، فَرَجَعَ سَلَمَةُ إلى قَوْمِهِ فَقالَ: إنِّي وجَدْتُ عِنْدَكُمُ الشِدَّةَ والغِلْظَةَ، ووَجَدْتُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ الرُخْصَةَ والرِفْقَ، وقَدْ أعْطانِي صَدَقاتِكم.»

وأمّا ما رَواهُ الجُمْهُورُ في شَأْنِ أوسِ بْنِ الصامِتِ فاخْتِصارُهُ «أنْ أوسًا ظاهَرَ مِنَ امْرَأتِهِ خَوْلَةَ بِنْتَ خُوَيْلِدٍ، وكانَ الظِهارُ في الجاهِلِيَّةِ يُوجِبُ عِنْدَهم فُرْقَةً مُؤَبَّدَةً، قالَهُ أبُو قُلابَةَ وغَيْرُهُ، فَلَمّا فَعَلَ ذَلِكَ جاءَتْ زَوْجَتُهُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللهِ، إنْ أوسًا أكَلَ شَبابِي، ونَثَرْتُ لَهُ بَطْنِي، فَلَمّا كَبُرْتُ وماتَ أهْلِي ظاهَرَ مِنِّي، فَقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ما أراكَ إلّا حُرِّمْتِ عَلَيْهِ، فَقالَتْ يا رَسُولَ اللهِ لا تَفْعَلُ؛ إنِّي وحِيدَةٌ لَيْسَ لِي أهْلٌ سِواهُ، فَراجَعَها رَسُولُ اللهِ ﷺ بِمِثْلِ مَقالَتِهِ، فَراجَعَتْهُ، فَهَذا هو مُجادَلَتُها، وكانَتْ في خِلالِ جِدالِها تَقُولُ: اللهُمَّ إلَيْكَ أشْكُو حالِي وانْفِرادِي وفَقْرِي إلَيْهِ، ورُوِيَ أنَّها كانَتْ تَقُولُ: اللهُمَّ إنَّ لِي مِنهُ صِغارًا إنْ ضَمَمْتُهم إلَيْهِ ضاعُوا، وإنْ ضَمَمْتُهم إلَيَّ جاعُوا، (p-٢٤٥)فَهَذا هو اشْتِكاؤُها إلى اللهِ، فَنَزَلَ الوَحْيُ -عِنْدَ جِدالِها- عَلى رَسُولِ اللهِ ﷺ بِهَذِهِ الآيَةِ، وكانَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنهُا حاضِرَةً لِهَذِهِ القِصَّةِ كُلِّها، فَكانَتْ تَقُولُ: سُبْحانَ مَن وسِعَ سَمْعُهُ الأصْواتَ، لَقَدْ كُنْتُ حاضِرَةً لِهَذِهِ القِصَّةِ كُلِّها، وكانَ بَعْضُ كَلامِ خَوْلَةَ يَخْفى عَلَيَّ، وسَمْعِ اللهُ تَعالى جِدالَها، فَبَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ في أوسٍ وقالَ لَهُ: أتُعْتِقُ رَقَبَةً؟ فَقالَ: واللهِ ما أمْلِكُها، فَقالَ: أتَصُومُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ؟ فَقالَ: واللهِ ما أقْدِرُ أنْ أصْبِرَ إلّا عَلى أكَلاتٍ ثَلاثٍ في اليَوْمِ، ومَتى لَمْ أفْعَلْ ذَلِكَ غَشِيَ بَصَرِي، فَقالَ لَهُ: أتُطْعَمُ؟ فَقالَ لا أجِدُ إلّا أنْ يُعِينَنِي رَسُولُ اللهِ بِمَعُونَةٍ وصَلاةٍ -يُرِيدُ الدُعاءَ-، فَأعانَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِخَمْسَةَ عَشَرَ صاعًا ودَعا لَهُ، وقِيلَ: بِثَلاثِينَ صاعًا، فَكَفَّرَ بِالإطْعامِ وأمْسَكَ أهْلُهُ.»

وفِي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "تَحاوُرُكِ في زَوْجِها"، والمُحاوَرَةُ: مُراجَعَةُ القَوْلِ ومُعاطاتُهُ، وقَرَأ ابْنُ كَثِرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو: "يُظْهِرُونَ" وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ أيْضًا: "يَتَظاهَرُونَ"، وقَرَأ عاصِمٌ، وأبُو جَعْفَرٍ والحَسَنُ، وقَتادَةُ: "يَتَظاهَرُونَ"، بِضَمِّ الياءِ مِن قَوْلِكَ "فاعِلٌ"، وهَذِهِ مُسْتَعْمَلَةٌ جِدًّا، وقَوْلُهُمْ: "الظِهارُ" دَلِيلٌ عَلَيْها، والمُرادُ بِهَذا كُلِّهِ قَوْلُ الرَجُلِ لِأمَراتِهِ: أنْتِ عَلِيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، يُرِيدُ: في التَحْرِيمِ، كَأنَّهُ إشارَةٌ إلى الرُكُوبِ إذْ عَرَفَهُ في ظُهُورِ الحَيَوانِ، وكانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ ذَلِكَ، فَرَدَّ اللهُ تَعالى بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى فِعْلِهِمْ، وأخْبَرَ بِالحَقِيقَةِ مِن أنَّ الأُمَّ هي الوالِدَةُ، وأمّا الزَوْجَةُ فَلا يَكُونُ حُكْمُها حُكْمَ الأُمِّ. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "أُمَّهاتُهُمْ" بِنَصْبِ الأُمَّهاتِ، وقَرَأ عاصِمٌ -فِي رِوايَةِ المُفَضَّلِ عنهُ-: "أُمَّهاتُهُمْ" بِالرَفْعِ، وهَذا عَلى اللُغَتَيْنِ في "ما"، لُغَةُ الحِجازِ ولُغَةُ تَمِيمٍ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "ما هُنَّ بِأُمَّهاتِهِمْ" بِزِيادَةِ باءِ الجَرِّ، وجَعَلَ اللهُ تَعالى القَوْلَ بِالظِهارِ مُنْكَرًا وزُورًا، فَهو مُحَرَّمٌ لَكِنَّهُ، إذا وقَعَ لَزِمَ، هَكَذا قالَ فِيهِ أهْلُ العِلْمِ، لَكِنَّ تَحْرِيمَهُ تَحْرِيمُ المَكْرُوهاتِ جِدًّا، وقَدْ رَجّى اللهُ بَعْدَهُ بِأنَّهُ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ مَعَ الكَفّارَةِ.

58:3–4Page 542

وَٱلَّذِينَ يُظَٰهِرُونَ مِن نِّسَآئِهِمۡ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ فَتَحۡرِيرُ رَقَبَةٖ مِّن قَبۡلِ أَن يَتَمَآسَّاۚ ذَٰلِكُمۡ تُوعَظُونَ بِهِۦۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ ٣

And those who pronounce ẓihār from their wives and then [wish to] go back on what they said - then [there must be] the freeing of a slave before they touch one another. That is what you are admonished thereby; and Allāh is Aware of what you do.

فَمَن لَّمۡ يَجِدۡ فَصِيَامُ شَهۡرَيۡنِ مُتَتَابِعَيۡنِ مِن قَبۡلِ أَن يَتَمَآسَّاۖ فَمَن لَّمۡ يَسۡتَطِعۡ فَإِطۡعَامُ سِتِّينَ مِسۡكِينٗاۚ ذَٰلِكَ لِتُؤۡمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦۚ وَتِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِۗ وَلِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ ٤

And he who does not find [a slave] - then a fast for two months consecutively1 before they touch one another; and he who is unable - then the feeding of sixty poor persons. That is for you to believe [completely] in Allāh and His Messenger; and those are the limits [set by] Allāh. And for the disbelievers is a painful punishment.

قوله عزّ وجلّ:

﴿والَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِن نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا ذَلِكم تُوعَظُونَ بِهِ واللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ ﴿فَمَن لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا فَمَن لَمْ يَسْتَطِعْ فَإطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللهِ ورَسُولِهِ وتِلْكَ حُدُودُ اللهِ ولِلْكافِرِينَ عَذابٌ ألِيمٌ﴾

(p-٢٤٦)اخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا﴾ فَقالَ قَوْمٌ: المَعْنى: والَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِن نِسائِهِمْ في الجاهِلِيَّةِ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: والَّذِينَ كانَ الظِهارُ عادَتَهم ثُمَّ يَعُودُونَ إلى ذَلِكَ في الإسْلامِ، وقالَهُ القَتْبِيُّ، وقالَ أهْلُ الظاهِرِ: المَعْنى: والَّذِينَ يُظاهِرُونَ ثُمَّ يُظاهِرُونَ ثانِيَةً، فَلا تَلْزَمُ عِنْدَهم كَفّارَةٌ إلّا بِأنْ يُعِيدَ الرَجُلُ التَظاهُرَ، قالَهُ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: حِينَئِذٍ هو عائِدٌ إلى القَوْلِ الَّذِي هو مُنْكَرٌ وزُورٌ، وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ وإنْ كانَ القُشَيْرِيُّ قَدْ حَكاهُ عن بِكِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الأشَجِّ، وقالَ بَعْضُ الناسِ: في هَذِهِ الآيَةِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، وتَقْدِيرُها: "فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ لِما قالُوا"، وهَذا أيْضًا قَوْلٌ يُفْسِدُ نَظْمَ الآيَةِ، وحُكِيَ عَنِ الأخْفَشِ لَكِنَّهُ غَيْرُ قَوِيٍّ، وقالَ قَتادَةُ، وطاوُسٌ، ومالِكٌ، والزَهْرِيُّ، وجَماعَةٌ كَبِيرَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ مَعْنى:" ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا" أيْ: بِالوَطْءِ، المَعْنى: ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا إنَّهم لا يَعُودُونَ إلَيْهِ فَإذا ظاهَرَ الرَجُلُ ثُمَّ وطِئَ فَحِينَئِذٍ تَلْزَمُهُ الكَفّارَةُ في ذِمَّتِهِ وإنْ طَلَّقَ أو ماتَتِ امْرَأتُهُ، وقالَ الشافِعِيُّ، وأبُو حَنِيفَةَ، ومالِكٌ أيْضًا، وفَرِيقٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: "يَعُودُونَ" مَعْناهُ: بِالعَزْمِ عَلى إمْساكِ الزَوْجَةِ ووَطْئِها والتِزامِ التَكْفِيرِ لِذَلِكَ، فَمَتى وقَعَ مِنَ المَظاهِرِ هَذا العَزْمُ لَزِمَتِ الكَفّارَةُ ذِمَّتَهُ، طَلَّقَ أو ماتَتِ امْرَأتُةُ، وهَذانَ القَوْلانِ في مَذْهَبِ مالِكٍ، وهُما حَسَنانِ، لَزِمَتِ الكَفّارَةُ فِيهِما بِشَرْطَيْنِ: ظِهارٌ وعَوْدٌ واخْتُلِفَ في "العُودِ"، ما هُوَ؟ وقالَ الشافِعِيُّ: العَوْدُ المُوجِبُ لِلْكَفّارَةِ أنْ يُمْسِكَ عن طَلاقِها بَعْدَ الظِهارِ، ويَمْضِي -بَعْدَ الظِهارِ- ما يُمْكِنُهُ أنْ يُطَلِّقَ فِيهِ فَلا يُطَلِّقُ.

و"الرَقَبَةُ" في الظِهارِ لا تَكُونُ عِنْدَ مالِكٍ إلّا مُؤْمِنَةً، رَدَّ هَذا المُطْلَقَ إلى المُقَيَّدِ الَّذِي في كَفّارَةِ القَتْلِ الخَطَأِ.

واخْتَلَفَ الناسُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا﴾ فَقالَ الحَسَنُ، والثَوْرِيُّ، وجَماعَةٌ: مِن قَبْلِ الوَطْءِ، وجَعَلَتِ المَسِيسَ هاهُنا: الوَطْءُ، فَأباحَتْ لِلْمَظاهِرِ التَقْبِيلَ والمُضاجَعَةَ والِاسْتِمْتاعَ بِأعْلى المَرْأةِ كالحَيْضِ، وقالَ الجُمْهُورُ مِن أهْلِ العِلْمِ: "مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا" عامٌّ في نَوْع المَسِيسِ: الوَطْءُ والمُباشَرَةُ، فَلا يَجُوزُ لِمُظاهِرٍ أنْ يَطَأ ولا يُقَبِّلَ ولا يَلْمِسَ بِيَدِهِ ولا يَفْعَلَ شَيْئًا مِن هَذا النَوْعِ إلّا بَعْدَ الكَفّارَةِ، وهَذا قَوْلُ مالِكٍ (p-٢٤٧)رَحِمَهُ اللهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: "ذلِكُمْ" إشارَةٌ إلى "التَحْرِيرِ"، أيْ: فِعْلُ ذَلِكَ عِظَةٌ لَكم لِتَنْتَهُوا عَنِ الظِهارِ.

و"المُتَتابِع" في الشَهْرَيْنِ صِيامُهُما، ولا يُفَرِّقُ بَيْنَ أيّامِهِما، وجائِزٌ أنْ يَصُومَهُما الرَجُلُ بِالعَدَدِ فَيَصُومُ سِتِّينَ يَوْمًا تِباعًا، وجائِزٌ أنْ يَصُومَهُما بِالأهِلَّةِ، يَبْدَأُ مَعَ الهِلالِ ويُفْطِرُ مَعَ الهِلالِ، وإنْ جاءَ أحَدُ شَهْرَيْهِ ناقِصًا،فَذَلِكَ يُجْزِئُ عنهُ، وجائِزٌ إنْ بَدَأ صَوْمُهُ في وسَطِ شَهْرَيْنِ بِبَعْضِ الشَهْرِ الأوَّلِ فَيَصُومُ إلى الهِلالِ، ثُمَّ يَصُومُ شَهْرًا بِالهِلالِ، ثُمَّ يَتِمُّ الشَهْرُ الأوَّلُ بِالعَدَدِ، ولا أحْفَظُهُ خِلافًا مِن أهْلِ العِلْمِ أنَّ الصائِمَ في الظِهارِ إنْ أفْسَدَ التَتابُعَ بِاخْتِيارِهِ أنَّهُ يُبْتَدَأُ صَوْمُها، واخْتَلَفَ الناسُ إذا أفْسَدَهُ لِعُذْرٍ غالِبٍ كالمَرَضِ والنِسْيانِ ونَحْوَهُ، فَقالَ أصْحابُ الرَأْيِ والشافِعِيُّ في أحَدِ قَوْلَيْهِ، والنَخْعِيُّ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والحَكَمُ بْنُ عُيَيْنَةَ، والثَوْرِيُّ: يَبْتَدِئُ، وقالَ مالِكٌ، والشافِعِيُّ، وغَيْرُهُ: يَبْنِي، وأجْمَعُوا عَلى الحائِضِ وأنَّها تَبْنِي في صَوْمِها التَتابُعَ.

وإطْعامُ المَساكِينِ في الظِهارِ هو بِالمَدِّ الهاشِمِيِّ عِنْدَ مالِكٍ، وهو مَدٌّ وثُلْثٌ بِمَدِّ النَبِيِّ ﷺ، وقِيلَ مُدّانِ غَيْرُ ثُلُثٍ، ورَوى عنهُ ابْنُ وهْبٍ أنَّهُ يُطْعِمُ مُدَّيْنِ بِمُدِّ النَبِيِّ ﷺ، وفي العُلَماءِ مَن يَرى إطْعامَ الظِهارِ مُدًّا بِمُدِّ النَبِيِّ ﷺ، ولا يُجْزِئُ في إطْعامِ الظِهارِ إلّا إكْمالُ عَدَدِ المَساكِينِ، ولا يَجُوزُ أنْ يُطْعِمَ ثَلاثِينَ مَرَّتَيْنِ ولا ما أشْبَهَهُ، والطَعامُ هو غالِبُ قُوتِ البَلَدِ. وقالَ مالِكٌ، وعَطاءٌ وغَيْرُهُ: إطْعامُ المَساكِينِ أيْضًا هو قَبْلَ التِماسٍ حَمْلًا عَلى العِتْقِ والصَوْمِ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ، وجُمْهُورٌ مِن أهْلِ العِلْمِ لَمْ يَنُصَّ اللهُ تَعالى عَلى الشَرْطِ هُنا فَنَحْنُ نَلْتَزِمُهُ، فَجازَ ولِلْمُظاهِرِ إذا كانَ مِن أهْلِ الإطْعامِ أنْ يَطَأ قَبْلَ الكَفّارَةِ ويَسْتَمْتِعَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا" إشارَةٌ إلى الرُخْصَةِ والتَسْهِيلِ في النَقْلِ مِنَ التَحْرِيرِ إلى الصَوْمِ والإطْعامِ ثُمَّ شَدَّدَ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ﴾، أيْ: فالتَزَمُوها وقَفُوا عِنْدَها، ثُمَّ تَوَعَّدَ الكافِرِينَ بِهَذا الحَدِيثِ والحُكْمِ الشَرْعِيِّ.

58:5–7Page 542

إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحَآدُّونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ كُبِتُواْ كَمَا كُبِتَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ وَقَدۡ أَنزَلۡنَآ ءَايَٰتِۭ بَيِّنَٰتٖۚ وَلِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابٞ مُّهِينٞ ٥

Indeed, those who oppose Allāh and His Messenger are abased as those before them were abased. And We have certainly sent down verses of clear evidence. And for the disbelievers is a humiliating punishment

يَوۡمَ يَبۡعَثُهُمُ ٱللَّهُ جَمِيعٗا فَيُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوٓاْۚ أَحۡصَىٰهُ ٱللَّهُ وَنَسُوهُۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدٌ ٦

On the Day when Allāh will resurrect them all and inform them of what they did. Allāh had enumerated it, while they forgot it; and Allāh is, over all things, Witness.1

أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۖ مَا يَكُونُ مِن نَّجۡوَىٰ ثَلَٰثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمۡ وَلَا خَمۡسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمۡ وَلَآ أَدۡنَىٰ مِن ذَٰلِكَ وَلَآ أَكۡثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمۡ أَيۡنَ مَا كَانُواْۖ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُواْ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٌ ٧

Have you not considered that Allāh knows what is in the heavens and what is on the earth? There are not three in a private conversation but that He is the fourth of them,1 nor are there five but that He is the sixth of them - and no less than that and no more except that He is with them [in knowledge] wherever they are. Then He will inform them of what they did on the Day of Resurrection. Indeed Allāh is, of all things, Knowing.

قوله عزّ وجلّ:

﴿إنَّ الَّذِينَ يُحادُّونَ اللهَ ورَسُولَهُ كُبِتُوا كَما كُبِتَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وقَدْ أنْزَلْنا آياتٍ بَيِّناتٍ ولِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهم بِما عَمِلُوا أحْصاهُ اللهُ ونَسُوهُ واللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ ما يَكُونُ مِن نَجْوى ثَلاثَةٍ إلا هو رابِعُهم ولا (p-٢٤٨)خَمْسَةٍ إلا هو سادِسُهم ولا أدْنى مِن ذَلِكَ ولا أكْثَرَ إلا هو مَعَهم أيْنَ ما كانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهم بِما عَمِلُوا يَوْمَ القِيامَةِ إنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾

هَذِهِ الآياتُ نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ وقَوْمٍ مِنَ اليَهُودِ كانُوا في المَدِينَةِ يَتَمَرَّسُونَ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ ويَتَرَبَّصُونَ بِهِ الدَوائِرَ، ويُدَبِّرُونَ عَلَيْهِ، ويَتَمَنَّوْنَ فِيهِمُ المَكْرُوهَ، ويَتَناجَوْنَ بِذَلِكَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآياتُ إلى آخِرِ أمْرِ النَجْوى فِيهِمْ.

و"المُحادَّةُ": أنْ يُعْطِيَ الإنْسانُ صاحِبَهُ حَدَّ قَوْلِهِ أو سِلاحَهُ وسائِرَ أفْعالِهِ، وقالَ قَوْمٌ: هو أنْ يَكُونَ الإنْسانُ في حَدٍّ وصاحِبُهُ في حَدٍّ مُخالِفٍ. و"كُبِتَ الرَجُلُ" إذا بَقِيَ حَزِينًا يُبْصِرُ ما يَكْرَهُ ولا يَقْدِرُ عَلى دَفْعِهِ، وقالَ قَوْمٌ -مِنهم أبُو عُبَيْدَةَ -: أصْلُهُ: كَبَّدُوا، أيْ: أصابَهم داءٌ في أكْبادِهِمْ، فَأُبْدِلَتِ الدالُّ تاءً، وهَذا غَيْرُ قَوِيٍّ. و"الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ" هم مُنافِقُو الأُمَمِ الماضِيَةِ الَّذِينَ حادُّوا الرُسُلَ عَلَيْهِمُ الصَلاةُ والسَلامُ قَدِيمًا وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَدْ أنْزَلْنا آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ يُرِيدُ: في هَذا القُرْآنِ، فَلَيْسَ هَؤُلاءِ المُنافِقُونَ بَأعْذَرَ مِنَ المُتَقَدِّمِينَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ﴾، العامِلُ في "يَوْمَ" "مُهِينٌ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ فِعْلًا مُضْمَرًا تَقْدِيرُهُ: اذْكُرْ. وقَوْلُهُ تَعالى: "وَنَسُوهُ" نِسْيانٌ عَلى بابِهِ؛ لِأنَّ الكافِرَ لا يَحْفَظُ تَفاصِيلَ أعْمالِهِ ولَمّا أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ وقَفَ مُحَمَّدٌ ﷺ تَوْقِيفًا تُشارِكُهُ فِيهِ أُمَّتُهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن نَجْوى ثَلاثَةٍ﴾، يَحْتَمِلُ "نَجْوى" أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا مُضافًا إلى "ثَلاثَةٍ"، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: مِن سِرارٍ ثَلاثَةٍ، ويُحْتَمَلُ "نَجْوى" أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ جَمِعًا مِنَ الناسِ سَمّى بِالمَصْدَرِ، كَما قالَ تَعالى في آيَةٍ أُخْرى: ﴿وَإذْ هم نَجْوى﴾ [الإسراء: ٤٧] أيْ: أُولُو نَجْوى، فَيَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: "ثَلاثَةٍ" -عَلى هَذا- بَدَلًا مِن "نَجْوى" أوَصِفَةً، وفي هَذا نَظَرٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا هو رابِعُهُمْ﴾ أيْ: بِعِلْمِهِ وإحاطَتِهِ ومَقْدِرَتِهِ، وقَرَأ جُمْهُورُ (p-٢٤٩)الناسِ: "ما يَكُونُ" وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ القارِئُ، وأبُو حَيْوَةَ: "ما تَكُونُ" بِالتاءِ مَنقُوطَةً مِن فَوْقٍ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "وَلا أرْبَعَةَ إلّا اللهُ خامِسُهُمْ"، وكَذَلِكَ: "إلّا اللهُ رابِعُهُمْ" و"إلّا اللهُ سادِسُهُمْ"، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "وَلا أكْثَرَ" عَطْفًا عَلى اللَفْظِ المَخْفُوضِ، وقَرَأ الحَسَنُ، والأعْمَشُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ: "وَلا أكْثَرَ" بِالرَفْعِ عَطْفًا عَلى المَوْضِعِ؛ لِأنَّ التَقْدِيرَ: ما يَكُونُ نَجْوى، ومَن جَعَلَ النَجْوى مَصْدَرًا مَحْضًا قَدَّرَ قَبْلَ "أدْنى" فِعْلًا تَقْدِيرُهُ: ولا يَكُونُ أدْنى، وقَرَأ الخَلِيلُ بْنُ أحْمَدَ: "وَلا أكْبَرَ" بِالباءِ واحِدَةً مِن تَحْتٍ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.

58:8Page 543

أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نُهُواْ عَنِ ٱلنَّجۡوَىٰ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُواْ عَنۡهُ وَيَتَنَٰجَوۡنَ بِٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِ وَمَعۡصِيَتِ ٱلرَّسُولِۖ وَإِذَا جَآءُوكَ حَيَّوۡكَ بِمَا لَمۡ يُحَيِّكَ بِهِ ٱللَّهُ وَيَقُولُونَ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ لَوۡلَا يُعَذِّبُنَا ٱللَّهُ بِمَا نَقُولُۚ حَسۡبُهُمۡ جَهَنَّمُ يَصۡلَوۡنَهَاۖ فَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ ٨

Have you not considered those who were forbidden from private conversation [i.e., ridicule and conspiracy] and then return to that which they were forbidden and converse among themselves about sin and aggression and disobedience to the Messenger? And when they come to you, they greet you with that [word] by which Allāh does not greet you1 and say among themselves, "Why does Allāh not punish us for what we say?" Sufficient for them is Hell, which they will [enter to] burn, and wretched is the destination.

قوله عزّ وجلّ:

﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَجْوى ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عنهُ ويَتَناجَوْنَ بِالإثْمِ والعُدْوانِ ومَعْصِيَتِ الرَسُولِ وإذا جاءُوكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللهُ ويَقُولُونَ في أنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنا اللهُ بِما نَقُولُ حَسْبُهم جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ المَصِيرُ﴾

هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِنَ اليَهُودِ نَهاهم رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ التَناجِي بِحَضْرَةِ المُؤْمِنِينَ وإظْهارِ ما يُسْتَرابُ مِنهُ مِن ذَلِكَ فَلَمْ يَنْتَهُوا فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: نَزَلَتْ في اليَهُودِ والمُنافِقِينَ، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "وَيَتَناجَوْنَ" عَلى وزْنِ "يَتَفاعَلُونَ"، وقَرَأ حَمْزَةُ والأعْمَشُ، وطَلْحَةُ، وابْنُ وثّابٍ: "وَيُنْتِجُونَ" عَلى وزْنِ "يَفْتَعِلُونَ"، وهُما بِمَعْنًى واحِدٍ كَيَقْتَتِلُونَ ويَتَقاتَلُونَ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "وَعِصْيانِ الرَسُولِ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا جاءُوكَ حَيَّوْكَ﴾ الآيَةُ، يُرِيدُ بِذَلِكَ ما كانَتِ اليَهُودُ تَفْعَلُهُ مِن قَوْلِهِمْ في التَحِيَّةِ: السامُّ عَلَيْكَ يا مُحَمَّدُ، وذَلِكَ أنَّهُ رُوِيَ «أنَّ اليَهُودَ كانَتْ تَأْتِي فَتَقُولُ: السامُّ عَلَيْكَ يا مُحَمَّدُ، والسامُّ: المَوْتُ، وإيّاهُ كانُوا يُرِيدُونَ، فَكانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقُولُ: وعَلَيْكم، فَسَمِعَتْهم عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنهُا يَوْمًا فَقالَتْ: بَلْ عَلَيْكُمُ السامُّ واللَعْنَةُ، فَقالَ رَسُولُ اللهِ: مَهْلًا يا عائِشَةُ إنَّ اللهَ يَكْرَهُ الفُحْشَ والتَفَحُّشَ، قالَتْ: أما سَمِعْتَ ما قالُوا؟ قالَ: أما سَمِعْتِ ما قُلْتُ لَهُمْ؟ إنِّي قُلْتُ: وعَلَيْكم.»

(p-٢٥٠)ثُمَّ كَشَفَ اللهُ تَعالى خُبْثَ طَوِيَّتِهِمْ والحُجَّةَ الَّتِي إلَيْها يَسْتَرْوِحُونَ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: نَحْنُ الآنَ نَلْقىمُحَمَّدًا بِهَذِهِ الأُمُورِ الَّتِي تَسُوؤُهُ ولا يُصِيبُنا سُوءٌ، ولا يُعاقِبُنا اللهُ تَعالى بِذَلِكَ، ولَوْ كانَ نَبِيًّا لَهُلِكْنا بِهَذِهِ الأقْوالِ، وجَهِلُوا أنَّ أمْرَهم مُؤَخَّرٌ إلى عَذابِ جَهَنَّمَ، فَأخْبَرَ اللهُ تَعالى بِذَلِكَ، وأنَّها كافِيَتُهُمْ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هَذِهِ الآيَةُ كُلُّها في المُنافِقِينَ، ويُشَبِّهُ أنَّ مِنَ المُنافِقِينَ مَن تَخَلَّقَ بِخُلُقِ اليَهُودِ.

58:9–10Page 543

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا تَنَٰجَيۡتُمۡ فَلَا تَتَنَٰجَوۡاْ بِٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِ وَمَعۡصِيَتِ ٱلرَّسُولِ وَتَنَٰجَوۡاْ بِٱلۡبِرِّ وَٱلتَّقۡوَىٰۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِيٓ إِلَيۡهِ تُحۡشَرُونَ ٩

O you who have believed, when you converse privately, do not converse about sin and aggression and disobedience to the Messenger but converse about righteousness and piety. And fear Allāh, to whom you will be gathered.

إِنَّمَا ٱلنَّجۡوَىٰ مِنَ ٱلشَّيۡطَٰنِ لِيَحۡزُنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَيۡسَ بِضَآرِّهِمۡ شَيۡـًٔا إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ١٠

Private conversation is only from Satan that he may grieve those who have believed,1 but he will not harm them at all except by permission of Allāh. And upon Allāh let the believers rely.

قوله عزّ وجلّ:

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا تَناجَيْتُمْ فَلا تَتَناجَوْا بِالإثْمِ والعُدْوانِ ومَعْصِيَتِ الرَسُولِ وتَناجَوْا بِالبِرِّ والتَقْوى واتَّقُوا اللهَ الَّذِي إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ ﴿إنَّما النَجْوى مِنَ الشَيْطانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا ولَيْسَ بِضارِّهِمْ شَيْئًا إلا بِإذْنِ اللهِ وعَلى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾

وصّى اللهُ تَعالى المُؤْمِنِينَ في هَذِهِ الآيَةِ بِأنْ لا يَكُونَ مِنهم تَناجٍ في مَكْرُوهٍ، وذَلِكَ عامٌّ في جَمِيعِ الناسِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وخَصَّ تَبارَكَ وتَعالى "الإثْمَ" بِالذِكْرِ لِعُمُومِهِ، و"العُدْوانِ" لِعَظَمَتِهِ في نَفْسِهِ؛ إذا هي ظُلاماتُ العِبادِ، وكَذَلِكَ "مَعْصِيَةُ الرَسُولِ" ذَكَرَها طَعْنًا عَلى المُنافِقِينَ إذْ كانَ تَناجِيهِمْ في ذَلِكَ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "فَلا تَتَناجَوْا" عَلى وزْنِ "تَتَفاعَلُوا"، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ "فَتَناجَوُا" بِحَذْفِ التاءٍ الواحِدَةِ، وقَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ: "فَلا تَّناجُوا" بِتَشْدِيدِ التاءِ لِأنَّها أدْغَمَتِ التاءَ في التاءِ، وقَرَأ الأعْمَشُ وأهْلُ الكُوفَةِ: "فَلا تَنْتِجُوا" عَلى وزْنِ "تَفْتَعِلُوا". والناسُ عَلى ضَمِّ العَيْنِ مِن "العُدْوانِ"، وقَرَأها أبُو حَيْوَةَ بِكَسْرِ العَيْنِ حَيْثُ وقَعَ. وقَرَأ الضَحّاكُ وغَيْرُهُ: "وَمَعْصِيّاتُ الرُسُلِ" عَلى الجَمْعِ فِيهِما.

ثُمَّ أمَرَ بِالتَناجِي بِالبِرِّ والتَقْوى، وذَكَّرَ بِالحَشْرِ الَّذِي مَعَهُ الحِسابُ ودُخُولُ أحَدِ الدارَيْنِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "إنَّما النَجْوى"، لَيْسَتْ إنَّما لِلْحَصْرِ ولَكِنَّها لِتَأْكِيدِ الخَبَرِ، واخْتَلَفَ الناسُ في النَجْوى الَّتِي هي مِنَ الشَيْطانِ الَّتِي أخْبَرَ عنها في هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: أرادَ: إنَّما النَجْوى في الإثْمِ والعُدْوانِ ومَعْصِيَةِ الرَسُولِ مِنَ الشَيْطانِ، وقالَ (p-٢٥١)قَتادَةُ وغَيْرُهُ: الإشارَةُ إلى نَجْوى المُنافِقِينَ واليَهُودِ، وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ زَيْدٍ بْنِ أسْلَمَ: الإشارَةُ إلى نَجْوى قَوْمٍ مِنَ المُسْلِمِينَ كانُوا يَقْصِدُونَ مُناجاةَ الرَسُولِ ﷺ، ولَيْسَ لَهم حاجَةٌ ولا ضَرُورَةٌ إلى ذَلِكَ، وإنَّما كانُوا يُرِيدُونَ التَنَجُّحَ بِذَلِكَ، وكانَ المُسْلِمُونَ يَظُنُّونَ أنَّ تِلْكَ النَجْوى في أخْبارٍ بِعَدُوٍّ قاصِدٍ ونَحْوِهِ، وهَذانَ القَوْلانِ يُعَضِّدُهُما ما يَأْتِي مِن ألْفاظِ الآيَةِ، ولا يُعَضِّدُ القَوْلَ الأوَّلَ. وقالَ عَطِيَّةُ العَوْفِيّ في هَذِهِ الآيَةِ: نَزَلَتْ في المُناجاةِ الَّتِي يَراها المُؤْمِنُ فَتَسُوءُهُ، وفِيما يَراهُ النائِمُ فَكَأنَّهُ نَجْوى يُناجى بِها، وهَذا قَوْلُ أجْنَبِيٍّ مِنَ المَعْنى الَّذِي قَبْلَهُ والَّذِي بَعْدَهُ.

وقَرَأ نافِعٌ وأهْلُ المَدِينَةِ: "لِيُحْزِنَ" بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الزايِ، والفِعْلُ مَنسُوبٌ إلى الشَيْطانِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، والحَسَنُ، وعاصِمٌ، وغَيْرُهُمْ: "لِيَحْزُنَ" بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الزايِ، تَقُولُ: "حَزَنْتُ قَلْبَ الرَجُلِ" إذا جَعَلْتَ فِيهِ حُزْنًا، فَهو كَقَوْلِكَ: "كَحَلَتِ العَيْنُ"، وهو ضَرْبٌ مِنَ التَعَدِّي كَأنَّ المَفْعُولَ ظَرْفٌ، وقَدْ ذَكَرَ سِيبَوَيْهِ رَحِمَهُ اللهُ تَعالى هَذا المَعْنى مَن تَعَدِّي الأفْعالِ، وقَرَأ بَعْضُ الناسِ: "لِيَحْزَنَ" بِفَتْحِ الياءِ والزايِ، و"الَّذِينَ" عَلى هَذِهِ القِراءَةِ رَفْعٌ بِإسْنادِ الفِعْلِ إلَيْهِمْ، يُقالُ: حَزِنَ الرَجُلُ بِكَسْرِ الزايِ.

ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّ الشَيْطانَ والتَناجِي الَّذِي هو مِنهُ لَيْسَ بِضارٍّ أحَدًا إلّا أنْ يَكُونَ ضُرًّا بِإذْنِ اللهِ، أيْ: بِأمْرِهِ وقَدْرِهِ، ثُمَّ أمَرَ تَعالى بِتَوَكُّلِ المُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ تَبارَكَ وتَعالى، وهَذا كُلُّهُ يُقَوِّي أنَّ التَناجِيَ الَّذِي مِنَ الشَيْطانِ إنَّما هو الَّذِي وقَعَ مِنهُ لِلْمُؤْمِنِينَ خَوْفٌ، ولِلْخَوْفِ اللاحِقِ لِلْقُلُوبِ في هَذا قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: « "لا يَتَناجى اثْنانِ دُونَ واحِدٍ".»

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском