Ibn 'Atiyya · Tafsir · in Arabic
القيامة
Al-Qiyamah
The Resurrection · Meccan · 40 ayahs
75:1–15Page 577
لَآ أُقۡسِمُ بِيَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ ١
I swear by the Day of Resurrection
وَلَآ أُقۡسِمُ بِٱلنَّفۡسِ ٱللَّوَّامَةِ ٢
And I swear by the reproaching soul1 [to the certainty of resurrection].
أَيَحۡسَبُ ٱلۡإِنسَٰنُ أَلَّن نَّجۡمَعَ عِظَامَهُۥ ٣
Does man think that We will not assemble his bones?
بَلَىٰ قَٰدِرِينَ عَلَىٰٓ أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُۥ ٤
Yes. [We are] Able [even] to proportion his fingertips.
بَلۡ يُرِيدُ ٱلۡإِنسَٰنُ لِيَفۡجُرَ أَمَامَهُۥ ٥
But man desires to continue in sin.1
يَسۡـَٔلُ أَيَّانَ يَوۡمُ ٱلۡقِيَٰمَةِ ٦
He asks, "When is the Day of Resurrection?"
فَإِذَا بَرِقَ ٱلۡبَصَرُ ٧
So when vision is dazzled
وَخَسَفَ ٱلۡقَمَرُ ٨
And the moon darkens
وَجُمِعَ ٱلشَّمۡسُ وَٱلۡقَمَرُ ٩
And the sun and the moon are joined,
يَقُولُ ٱلۡإِنسَٰنُ يَوۡمَئِذٍ أَيۡنَ ٱلۡمَفَرُّ ١٠
Man will say on that Day, "Where is the [place of] escape?"
كـَلَّا لَا وَزَرَ ١١
No! There is no refuge.
إِلَىٰ رَبِّكَ يَوۡمَئِذٍ ٱلۡمُسۡتَقَرُّ ١٢
To your Lord, that Day, is the [place of] permanence.
يُنَبَّؤُاْ ٱلۡإِنسَٰنُ يَوۡمَئِذِۭ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ ١٣
Man will be informed that Day of what he sent ahead1 and kept back.2
بَلِ ٱلۡإِنسَٰنُ عَلَىٰ نَفۡسِهِۦ بَصِيرَةٞ ١٤
Rather, man, against himself, will be a witness,1
وَلَوۡ أَلۡقَىٰ مَعَاذِيرَهُۥ ١٥
Even if he presents his excuses.
(p-٤٦٩)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ القِيامَةِ
وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ مِن أهْلِ التَأْوِيلِ، ورُوِيَ عن عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ قالَ: مَن سَألَ عَنِ القِيامَةِ أو أرادَ أنْ يَعْرِفَ حَقِيقَةَ وُقُوعِها فَلْيَقْرَأْ هَذِهِ السُورَةَ، وقالَ المُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ: يَقُولُ الناسُ: القِيامَةُ القِيامَةُ، وإنَّما قِيامَةُ المَرْءِ مَوْتُهُ، ورُوِيَ أيْضًا عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ حَضَرَ جِنازَةَ رَجُلٍ فَقالَ: أمّا هَذا فَقَدَ قامَتْ قِيامَتُهُ، ورُوِي مِثْلُهُ عن عَلْقَمَةِ، وذَكَرَهُ الثَعْلَبِيُّ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وقِيامَةُ الرَجُلِ في خاصَّتِهِ لَيْسَتْ بِالقِيامَةِ الجامِعَةِ لِجَمِيعِ الخَلْقِ بَعْدَ البَعْثِ، لَكِنَّ المُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ كَأنَّهُ قالَ هَذا لِمَن يَسْتَبْعِدُ قِيامَ الآخِرَةِ، ويَظُنُّ طُولَ الأمَدِ بَيْنَهُ وبَيْنَها، فَتَوَعَّدَهُ بِقِيامِ نَفْسِهِ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ ﴿وَلا أُقْسِمُ بِالنَفْسِ اللَوّامَةِ﴾ ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ ألَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ﴾ ﴿بَلى قادِرِينَ عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ﴾ ﴿بَلْ يُرِيدُ الإنْسانُ لِيَفْجُرَ أمامَهُ﴾ ﴿يَسْألُ أيّانَ يَوْمُ القِيامَةِ﴾ ﴿فَإذا بَرِقَ البَصَرُ﴾ ﴿وَخَسَفَ القَمَرُ﴾ ﴿وَجُمِعَ الشَمْسُ والقَمَرُ﴾ ﴿يَقُولُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ أيْنَ المَفَرُّ﴾ ﴿كَلا لا وزَرَ﴾ ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المُسْتَقَرُّ﴾ ﴿يُنَبَّأُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وأخَّرَ﴾ ﴿بَلِ الإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ ﴿وَلَوْ ألْقى مَعاذِيرَهُ﴾
قَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ: "لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ"، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، والحَسَنُ -بِخِلافٍ عنهُ- والأعْرَجُ: "لِأُقْسِمَ بِيَوْمِ القِيامَةِ ولِأُقْسِمَ" فَأمّا القِراءَةُ الأُولى فاخْتُلِفَ في تَأْوِيلِها، فَقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: "لا" اسْتِفْتاحَ كَلامٍ بِمَنزِلَةِ "ألا"، وأنْشَدُوا عَلى ذَلِكَ(p-٤٧٠)
؎ فَلا وأبِيكَ ابْنَةَ العامِرِيِّ لا يُدْعى القَوْمُ أنِّي أفِرُّ
وقالَ أبُو عَلِيٍّ: "لا" صِلَةَ زائِدَةٌ كَما زِيدَتْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِئَلا يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ﴾ [الحديد: ٢٩] ويُعْتَرَضَ هَذا بِأنَّ هَذِهِ في ابْتِداءِ كَلامٍ، ولا تُزادُ "لا" و"ما" ونَحْوَهُما مِنَ الحُرُوفِ إلّا في تَضاعِيفِ كَلامٍ، فَيَنْفَصِلُ عن هَذا بِأنَّ القُرْآنَ كُلَّهُ كالسُورَةِ الواحِدَةِ وهو في مَعْنى الِاتِّصالِ فَجازَ فِيهِ هَذا. وقالَ الفَرّاءُ: "لا" نَفْيَ لِكَلامِ الكُفّارِ وزَجْرَ لَهم ورَدَّ عَلَيْهِمْ. ثُمَّ اسْتَأْنَفَ تَعالى -عَلى هَذِهِ الأقْوالِ الثَلاثَةِ- قَوْلُهُ تَعالى: أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ، وأقْسَمَ اللهُ تَعالى بِيَوْمِ القِيامَةِ تَنْبِيهًا مِنهُ لِعَظَمَتِهِ وهَوْلِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا أُقْسِمُ﴾ القَوْلُ في "لا" عَلى نَحْوِ ما تَقَدَّمَ.
وأمّا القِراءَةُ الثانِيَةُ فَتَحْتَمِلُ أحَدَ أمْرَيْنِ: إمّا أنْ تَكُونَ اللامُ دَخَلَتْ عَلى فِعْلِ الحالِ، والتَقْدِيرُ: لَأنا أُقْسِمُ، فَلا تَلْحَقُ النُونَ إنَّما تَدْخُلُ في الأكْثَرِ لِتُفَرِّقَ بَيْنَ فِعْلِ الحالِ والفِعْلِ المُسْتَقْبَلِ، فَهي تَلْزَمُ المُسْتَقْبَلَ في الأكْثَرِ، وإمّا أنْ يَكُونَ الفِعْلُ خالِصًا لِلِاسْتِقْبالِ، فَكَأنَّ الوَجْهُ والأكْثَرُ أنْ تَلْحَقَ النُونَ، إمّا الخَفِيفَةَ وإمّا الثَقِيلَةَ، لَكِنْ قَدْ ذَكَرَ سِيبَوَيْهِ أنَّ النُونَ قَدْ تَسْقُطُ مَعَ إرادَةِ الِاسْتِقْبالِ وتُغْنِي اللامُ عنها، كَما تَسْقُطُ اللامُ وتُغْنِي النُونُ عنها، وذَلِكَ في قَوْلِ الشاعِرِ:
؎ وقَتِيلُ مُرَّةَ أثْأرُنَّ فَإنَّهُ ∗∗∗ فَرَغَ، وإنَّ قَتِيلَهم لَمْ يَثْأرِ
(p-٤٧١)المُرادُ: لَأثارَنِ.
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: "وَلا أُقْسِمُ بِالنَفْسِ اللَوّامَةِ" فَقِيلَ: "لا" نافِيَةٌ، وإنَّ اللهَ تَعالى أقْسَمَ بِيَوْمِ القِيامَةِ ونَفى أنْ يُقْسِمَ بِالنَفْسِ اللَوّامَةِ، نَصَّ عَلَيْهِ الحَسَنُ، وقَدْ ذَهَبَ هَذا المَذْهَبَ قَوْمٌ مِمَّنْ قَرَأ: "لا أُقْسِمُ" وذَلِكَ قَلَقٌ، وهو في القِراءَةِ الثانِيَةِ أمْكَنُ، وجُمْهُورُ المُتَأوِّلِينَ عَلى أنَّ اللهَ تَعالى أقْسَمَ بِالأمْرَيْنِ.
واخْتَلَفَ في "النَفْسِ اللَوّامَةِ"، ما مَعْناهُ؟ فَقالَ الحَسَنُ: هي اللَوّامَةُ لِصاحِبِها في تَرْكِ الطاعَةِ ونَحْوِهِ، فَهي -عَلى هَذا- مَمْدُوحَةٌ، ولِذَلِكَ أقْسَمَ اللهُ تَعالى بِها، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ: هى الفاجِرَةُ الجَشِعَةُ اللَوّامَةُ لِصاحِبِها عَلى ما فاتَهُ مِن سَعْيِ الدُنْيا وأعْراضِها فَهي -عَلى هَذا- ذَمِيمَةٌ، وعَلى هَذا التَأْوِيلِ يَحْسُنُ نَفْيُ القَسَمِ بِها، والنَفْسُ في الآيَةِ اسْمُ جِنْسٍ لِنُفُوسِ البَشَرِ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ ما مَعْناهُ: إنَّ القَسَمَ بِها مِنَ اسْمِ الجِنْسِ لِأنَّها تَلُومُ عَلى الخَيْرِ والشَرِّ، وقِيلَ: المُرادُ نَفْسُ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ لِأنَّها لَمْ تَزَلْ لائِمَةً لَهُ عَلى فِعْلِهِ الَّذِي أخْرَجَهُ مِنَ الجَنَّةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وكُلُّ نَفْسٍ مُتَوَسِّطَةٍ لَيْسَتْ بِالمُطَمْئِنَةِ ولا بِالأمّارَةِ بِالسُوءِ فَإنَّها لَوّامَةٌ في الطَرَفَيْنِ، مَرَّةً تَلُومُ عَلى تَرْكِ الطاعَةِ، ومَرَّةً تَلُومُ عَلى فَوْتٍ ما تَشْتَهِي، فَإذا اطْمَأنَّتْ خَلُصَتْ وصَفَتْ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ﴾ تَقْرِيرٌ وتَوْبِيخٌ، و"الإنْسانُ" اسْمُ الجِنْسِ، وهَذِهِ أقْوالٌ كانَتْ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ، فَعَلَيْها الرَدُّ. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "نَجْمَعَ عِظامَهُ" بِالنُونِ ونَصْبِ المِيمِ مِنَ العِظامِ، وقَرَأ قَتادَةُ بِالتاءِ ورَفَعَ المِيمَ مِنَ العِظامِ، ومَعْنى ذَلِكَ: في (p-٤٧٢)القِيامَةِ وبَعْدَ البَعْثِ مِنَ القُبُورِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِإدْغامِ العَيْنِ في العَيْنِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: "بَلى"، وهي إيجابُ ما نُفِي، وبابُها أنْ تَأْتِيَ بَعْدَ النَفْيِ، والمَعْنى: بَلْ نَجْمَعُها قادِرِينَ فَنَصَبَ "قادِرِينَ" عَلى الحالِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "قادِرُونَ" بِالرَفْعِ. وقالَ القَتَبِيُّ: "نُسَوِّيَ بَنانَهُ" مَعْناهُ: نُتْقِنُها سَوِيَّةً، والبَنانُ: الأصابِعُ، وكَأنَّ الكُفّارَ لَمّا اسْتَبْعَدُوا جَمْعَ العِظامِ بَعْدَ الفَناءِ، والإرْمامَ قِيلَ لَهُمْ: إنَّها تُجْمَعُ ويُسَوّى أكْثَرُها تَفَرُّقًا وأدَقُّها أجْزاءً وهي عِظامُ الأنامِلِ ومَفاصِلُها، وهَذا كُلُّهُ عِنْدَ البَعْثِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وجُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ "نُسَوِّيَ بَنانَهُ: نَجْعَلُها في حَياتِهِ هَذِهِ بِضْعَةً أو عَظْمًا واحِدًا كَخُفِّ البَعِيرِ لا تَفارِيقَ فِيهِ، فَكَأنَّ المَعْنى: قادِرِينَ الآنَ في الدُنْيا عَلى أنْ نَجْعَلَها دُونَ تَفَرُّقٍ فَتَقِلُّ مَنفَعَتُهُ بِيَدِهِ، فَكَأنَّ التَقْدِيرُ: بَلى نَحْنُ أهْلٌ أنْ نَجْمَعَها، قادِرِينَ عَلى إزالَةِ مَنفَعَتِهِ بِيَدِهِ، فَفي هَذا تَوَعَّدُ ما. والقَوْلُ الأوَّلُ أجْرى مَعَ رَصْفِ الكَلامِ، ولَكِنْ عَلى هَذا القَوْلِ الآخَرِ جُمْهُورٌ مِنَ العُلَماءِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ يُرِيدُ الإنْسانُ لِيَفْجُرَ أمامَهُ﴾. قالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: الضَمِيرُ في "أمامَهُ" عائِدٌ عَلى الإنْسانُ، ومَعْنى الآيَةِ أنَّ الإنْسانَ إنَّما يُرِيدُ شَهَواتِهِ ومَعاصِيَهُ لِيَمْضِيَ فِيها أبَدًا قُدُمًا راكِبًا رَأْسَهُ ومُطِيعًا أمَلَهُ ومُسَوِّفًا بِتَوْبَتِهِ. قالَهُ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والضَحّاكُ والسُدِّيُّ، وقالَ السُدِّيُّ: المَعْنى لِيَظْلِمَ عَلى قَدْرِ طاقَتِهِ، وقالَ الضَحّاكُ: المَعْنى: يَرْكَبُ رَأْسَهُ في طَلَبِ الدُنْيا دائِمًا. وقَوْلُهُ تَعالى: "لِيَفْجُرَ" تَقْدِيرُهُ: لَكى يَفْجُرَ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما ما يَقْتَضِي أنَّ الضَمِيرَ في "أمامَهُ" عائِدٌ عَلى "يَوْمِ القِيامَةِ"، والمَعْنى أنَّ الإنْسانَ هو في زَمَنِ وُجُودِهِ أمامَ يَوْمِ القِيامَةِ وبَيْنَ يَدَيْهِ، ويَوْمُ القِيامَةِ خَلْفَهُ، فَهو يُرِيدُ شَهَواتِهِ لِيَفْجُرَ في تَكْذِيبِهِ بِالبَعْثِ وغَيْرِ ذَلِكَ بَيْنَ يَدَيْ يَوْمِ القِيامَةِ، وهو لا يَعْرِفُ قَدْرَ الضَرَرِ الَّذِي هو فِيهِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُرِيدُ الإنْسانُ لِيَفْجُرَ﴾ قَوْلُ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ: (p-٤٧٣)
؎ أرَدْتُ لِكَيْما يَعْرِفُ الناسُ أنَّها ∗∗∗ سَراوِيلُ قَيْسٍ والوُفُودُ شُهُودُ
و"بَلْ" في أوَّلِ الآيَةِ إضْرابٌ عَلى مَعْنى التَرْكِ لا عَلى مَعْنى إبْطالِ الكَلامِ الأوَّلِ، وقَدْ تَجِيءُ "بَلْ" لِإبْطالِ القَوْلِ الَّذِي قَبْلَها.
وسُؤالُ الكافِرِ "أيّانَ يَوْمُ القِيامَةِ" هو عَلى مَعْنى التَكْذِيبِ والهَزْءِ، كَما تَقُولُ لِمُحَدِّثٍ بِأمْرٍ تُكَذِّبُهُ: مَتى يَكُونُ هَذا؟ و"أيّانَ" لَفْظَةٌ بِمَعْنى "مَتى"، وهي مُبَيِّنَةٌ لِتَضَمُّنِها مَعْنى الِاسْتِفْهامِ، فَأشْبَهَتِ الحُرُوفُ المُتَضَمَّنَةُ المَعانِيَ، وكانَ حَقُّها أنْ تُبْنى عَلى السُكُونِ، ولَكِنْ فُتِحَتِ النُونُ لِالتِقاءِ الساكِنَيْنِ: الألِفُ وهي.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والجَحْدَرِيُّ، وعاصِمٌ، والأعْمَشُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ: "بَرِقَ" بِكَسْرِ الراءِ بِمَعْنى: شَخَصَ وشَقَّ وحارَ، وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ بِخِلافٍ- وعَبْدُ اللهِ بْنُ أبِي إسْحاقَ، وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ: "بَرَقَ" بِفَتْحِ الراءِ بِمَعْنى: لَمَعَ وصارَ لَهُ بَرْقٌ عِنْدَ المَوْتِ، والمَعْنى مُتَقارِبٌ في القِراءَتَيْنِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: بَرَقَ بِالفَتْحِ: شَقَّ، وقالَ مُجاهِدٌ: هَذا عِنْدَ المَوْتِ، وقالَ الحَسَنُ: هَذا في يَوْمِ القِيامَةِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَخَسَفَ القَمَرُ" عَلى أنَّهُ فاعِلٌ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "وَخُسِفَ" بِضَمِّ الخاءِ وكَسْرِ السِينِ "القَمَرَ" مَفْعُولٌ لِما يُسَمَّ فاعِلُهُ، يُقالُ خَسَفَ القَمَرُ وخَسَفَهُ اللهُ، وكَذَلِكَ الشَمْسُ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ وجَماعَةٌ مِنَ اللُغَوِيِّينَ: الخُسُوفُ والكُسُوفُ بِمَعْنًى واحِدٍ، قالَ ابْنُ أبِي أُوَيْسٍ: الكُسُوفُ: ذَهابُ بَعْضِ النُورِ (p-٤٧٤)والخُسُوفُ: ذَهابُ جَمِيعِهِ، ورَوى عُرْوَةُ وسُفْيانُ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: « "لا تَقُولُوا كَسَفَتِ الشَمْسُ ولَكِنْ قُولُوا خَسَفَتْ".» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجُمِعَ الشَمْسُ والقَمَرُ﴾، غُلِبَ التَذْكِيرُ عَلى التَأْنِيثِ وقِيلَ: ذَلِكَ لِأنَّ تَأْنِيثَ الشَمْسِ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ، وقِيلَ: المُرادُ: وجَمَعَ بَيْنَ الشَمْسِ والقَمَرِ، وكَذَلِكَ قَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ، ولِذَلِكَ أسْقَطَ عَلامَةَ التَأْنِيثِ، وفى مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ "وَجَمَعَ بَيْنَ الشَمْسِ والقَمَرِ". واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى الجَمْع بَيْنَهُما، وقالَ عَطاءُ بْنُ يَسارٍ: يُجْمَعانِ فَيُقْذَفانِ في النارِ، وقِيلَ: في البَحْرِ، فَيَصِيرُ نارَ اللهِ العُظْمى، وقِيلَ: يُجْمَعُ الضَوْءانِ فَيَذْهَبُ بِهِما.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ "أيْنَ المَفَرُّ" بِفَتْحِ المِيمِ والفاءِ عَلى المَصْدَرِ، أيْ: أيْنَ الفِرارُ؟ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ، وأيُّوبُ السِخْتِيانِيُّ، وكُلْثُومُ بْنُ عِياضٍ، ومُجاهِدٌ، ويَحْيى بْنُ يَعْمُرَ، وحَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ، وأبُو رَجاءٍ، وعِيسى، وابْنُ أبِي إسْحاقَ: "أيْنَ المَفَرُّ" بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ الفاءِ، عَلى مَعْنى: أيْنَ مَوْضِعُ الفِرارِ؟ وقَرَأ الزُهْرِيُّ: "أيْنَ المَفَرُّ" بِكَسْرِ المِيمِ وفَتْحِ الفاءِ، بِمَعْنى: أيْنَ الجَيِّدُ الفِرارِ.
و"كَلّا" زَجْرٌ يُقالُ لِلْإنْسانِ يَوْمَئِذٍ، ثُمَّ يُعْلِنُ أنَّهُ لا وِزْرَ لَهُ، أيْ لا مَلْجَأ ولا مُعِينَ، وعَبَّرَ المُفَسِّرُونَ عن "الوِزْرِ" بِالجَبَلِ، قالَ مُطَرِّفُ بْنُ الشِخِّيرِ وغَيْرُهُ: "وَهُوَ كانَ وِزْرَ فِرارِ العَرَبِ في بِلادِهِمْ فَلِذَلِكَ اسْتُعْمِلَ" والحَقِيقَةُ أنَّهُ المَلْجَأُ جَبَلًا كانَ أو حِصْنًا أو سِلاحًا أو رَجُلًا أو غَيْرَهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المُسْتَقَرُّ﴾ مَعْناهُ: إلى حُكْمِ رَبِّكَ ونَحْوِهُ مِنَ التَقْدِيرِ، و"المُسْتَقَرُّ" رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ في المُقَدَّرِ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ المَجْرُورُ المُتَقَدِّمُ، وتَقْدِيرُ الكَلامِ: المُسْتَقِرُّ ثابِتٌ أو كائِنٌ إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ، والمُسْتَقَرُّ مَوْضِعُ الِاسْتِقْرارِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِما قَدَّمَ وأخَّرَ﴾ قِسْمَةٌ تَسْتَوِفي كُلَّ عَمَلٍ، أيْ: يَعْلَمُ بِكُلِّ ما فَعَلَ، (p-٤٧٥)وَيَجِدُهُ مُحَصِّلًا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ: المَعْنى: بِما قَدَّمَ في حَياتِهِ وأخَّرَ مِن سَنَةٍ يَعْمَلُ بِها بَعْدَهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: بِما قَدَّمَ مِنَ المَعاصِي وأخَّرَ مِنَ الطاعاتِ، وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: بِما قَدَّمَ مِن مالِهِ لِنَفْسِهِ وبِما أخَّرَ مِنهُ لِلْوارِثِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "بَلِ" إضْرابٌ بِمَعْنى التَرْكِ، لا عَلى مَعْنى إبْطالِ القَوْلِ الأوَّلِ، و"بَصِيرَةٌ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا عَنِ "الإنْسانِ" ولَحِقَتْهُ هاءُ التَأْنِيثِ كَما لَحِقَتْ "عَلّامَةً، ونَسّابَةً"، والمَعْنى: إنَّهُ فِيهِ وفي عَقْلِهِ وفِطْرَتِهِ حُجَّةٌ وشاهِدٌ مُبْصِرٌ عَلى نَفْسِهِ، ولَوِ اعْتَذَرَ عن قَبِيحِ أفْعالِهِ فَهو يَعْلَمُ قُبْحَها، وكَذَلِكَ لَوِ اسْتَتَرَ بِسُتُورِهِ واخْتَفى بِأفْعالِهِ -عَلى التَأْوِيلَيْنِ في المَعاذِيرِ-: ويُحْتَمَلُ"بَصِيرَةً" أنْ يَكُونَ ابْتِداءً وخَبَرُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلى نَفْسِهِ﴾ والهاءُ لِلتَّأْنِيثِ، ويُرادُ بِالبَصِيرَةِ جَوارِحُهُ، والمَلائِكَةُ الحَفَظَةُ، وهَذا تَأْوِيلُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما. و"المَعاذِيرُ" هُنا، قالَ الجُمْهُورُ: هي الأعْذارُ، جَمْعُ "مَعْذِرَةً"، وقالَ السُدِّيُّ، والضَحّاكُ: هي السُتُورُ بِلُغَةِ اليَمَنِ، يَقُولُونَ لِلسَّتْرِ، المِعْذارُ، وقالَ الحَسَنُ: المَعْنى: بَلِ الإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَلِيَّةٌ ومِحْنَةٌ، كَأنَّهُ ذَهَبَ إلى البَصِيرَةِ الَّتِي هي طَرِيقَةُ الدَمِ وداعِيَةُ طَلَبِ الثَأْرِ. وفي هَذا نَظَرٌ.
75:16–30Page 577
لَا تُحَرِّكۡ بِهِۦ لِسَانَكَ لِتَعۡجَلَ بِهِۦٓ ١٦
Move not your tongue with it, [O Muḥammad], to hasten with it [i.e., recitation of the Qur’ān].
إِنَّ عَلَيۡنَا جَمۡعَهُۥ وَقُرۡءَانَهُۥ ١٧
Indeed, upon Us is its collection [in your heart] and [to make possible] its recitation.
فَإِذَا قَرَأۡنَٰهُ فَٱتَّبِعۡ قُرۡءَانَهُۥ ١٨
So when We have recited it [through Gabriel], then follow its recitation.
ثُمَّ إِنَّ عَلَيۡنَا بَيَانَهُۥ ١٩
Then upon Us is its clarification [to you].
كـَلَّا بَلۡ تُحِبُّونَ ٱلۡعَاجِلَةَ ٢٠
No! But you [i.e., mankind] love the immediate
وَتَذَرُونَ ٱلۡأٓخِرَةَ ٢١
And leave [i.e., neglect] the Hereafter.
وُجُوهٞ يَوۡمَئِذٖ نَّاضِرَةٌ ٢٢
[Some] faces, that Day, will be radiant,
إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٞ ٢٣
Looking at their Lord.1
وَوُجُوهٞ يَوۡمَئِذِۭ بَاسِرَةٞ ٢٤
And [some] faces, that Day, will be contorted,
تَظُنُّ أَن يُفۡعَلَ بِهَا فَاقِرَةٞ ٢٥
Expecting that there will be done to them [something] backbreaking.
كـَلَّآ إِذَا بَلَغَتِ ٱلتَّرَاقِيَ ٢٦
No! When it [i.e., the soul] has reached the collar bones1
وَقِيلَ مَنۡۜ رَاقٖ ٢٧
And it is said, "Who will cure [him]?"
وَظَنَّ أَنَّهُ ٱلۡفِرَاقُ ٢٨
And he [i.e., the dying one] is certain that it is the [time of] separation
وَٱلۡتَفَّتِ ٱلسَّاقُ بِٱلسَّاقِ ٢٩
And the leg is wound about the leg,1
إِلَىٰ رَبِّكَ يَوۡمَئِذٍ ٱلۡمَسَاقُ ٣٠
To your Lord, that Day, will be the procession.1
قوله عزّ وجلّ:
﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ ﴿إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وقُرْآنَهُ﴾ ﴿فَإذا قَرَأْناهُ فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ﴾ ﴿كَلا بَلْ تُحِبُّونَ العاجِلَةَ﴾ ﴿وَتَذَرُونَ الآخِرَةَ﴾ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ﴾ ﴿تَظُنُّ أنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ﴾ ﴿كَلا إذا بَلَغَتِ التَراقِيَ﴾ ﴿وَقِيلَ مَن راقٍ﴾ ﴿وَظَنَّ أنَّهُ الفِراقُ﴾ ﴿والتَفَّتِ الساقُ بِالساقِ﴾ ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المَساقُ﴾
الضَمِيرُ في "بِهِ" عائِدٌ عَلى كِتابِ اللهِ تَعالى، ولَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ ولَكِنَّ القَرائِنَ تُبَيِّنُهُ، (p-٤٧٦)فَهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ﴾ [ص: ٣٢]، وقَوْلُهُ تَعالى: "كَلّا إذا بَلَغَتِ"، يَعْنِي النَفْسَ.
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في السَبَبِ المُوجِبِ أنْ يُؤْمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الأمْرَ، فَقالَ الشَعْبِيُّ: كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِحِرْصِهِ عَلى أداءِ الرِسالَةِ والِاجْتِهادِ في ذاتِ اللهِ تَعالى، رُبَّما أرادَ النُطْقَ بِبَعْضِ ما أُوحِيَ إلَيْهِ قَبْلَ كَمالِ أداءِ الوَحْيِ، فَأمَرَ أنْ لا يَجْعَلُ بِالقُرْآنِ مِن قَبْلِ أنْ يُفْضى إلَيْهِ وحْيُهُ، وجاءَتْ هَذِهِ الآيَةُ في هَذا المَعْنى، وقالَ الضَحّاكُ: كانَ سَبَبُها أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كانَ يَخافُ أنْ يَنْسى القُرْآنَ فَكانَ يَدْرُسُهُ حَتّى غَلَبَ ذَلِكَ عَلَيْهِ وشُقَّ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ، وقالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وهو في صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: «كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُعالِجُ مِنَ التَنْزِيلِ شِدَّةً، وكانَ مِمّا يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ مَخافَةَ أنْ يَذْهَبَ عنهُ ما يُوحى إلَيْهِ لِحِينِهِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ بِسَبَبِ ذَلِكَ، وأعْلَمَهُ اللهُ تَعالى أنَّهُ يَجْمَعُهُ لَهُ في صَدْرِهِ.»
وقَوْلُهُ تَعالى: "وَقُرْآنُهُ" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ: وقِراءَتُهُ، أيْ تَقْرَؤُهُ أنْتَ يا مُحَمَّدُ، والقُرْآنُ مَصْدَرٌ كالقِراءَةِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ في عُثْمانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ:
؎ ضَحُّوا بِأشْمَطَ عُنْوانِ السُجُودِ بِهِ يُقَطَّعُ اللَيْلَ تَسْبِيحًا وقُرْآنًا
(p-٤٧٧)
ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: عَلَيْنا جَمْعُهُ وتَأْلِيفُهُ في صَدْرِكَ، فَهو مَصْدَرٌ مِن قَوْلِكَ: "قَرَأْتُ" أيْ جَمَعْتُ، ومِنهُ قَوْلُهم في المَرْأةِ الَّتِي لَمْ تَلِدْ: "ما قَرَأْتُ نَسْلًا قَطُّ"، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ ذِراعِي بَكَرَةُ أدْماءِ بِكْرِ ∗∗∗ هِجانِ اللَوْنِ لَمْ تَقْرَأْ جَنِينًا
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا قَرَأْناهُ﴾،أيْ قِراءَةَ المَلِكِ الرَسُولِ عَنّا، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: "فاتَّبِعْ" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: بِذِهْنِكَ وفِكْرِكَ، أيْ فاسْتَمِعْ قِراءَتَهُ، وقالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: فاتَّبِعْ في الأوامِرِ والنَواهِي، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، وقَتادَةُ، والضَحّاكُ. وقَرَأ أبُو العالِيَةِ: "وَقَرَتَهُ فَإذا قَرَتَهُ فاتَّبَعَ قِرَتَهُ" بِفَتْحِ القافِ والراءِ والتاءٍ مِن غَيْرِ هَمْزٍ ولا ألِفٍ في الثَلاثَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ﴾، قال قَتادَةُ وجَماعَةٌ مَعَهُ: مَعْناهُ: أنَّ نُبَيِّنَهُ لَكَ ونُحَفِّظَكَهُ، وقالَ كَثِيرٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: مَعْناهُ: أنْ تُبَيِّنَهُ أنْتَ، وقالَ قَتادَةُ أيْضًا: مَعْناهُ: أنْ نُبَيِّنَهُ حَلالَهُ وحَرامَهُ ومُجْمَلَهُ ومُفَسَّرَهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلا بَلْ تُحِبُّونَ العاجِلَةَ﴾ رُجُوعٌ إلى مُخاطَبَةِ قُرَيْشٍ، يَرُدُّ عَلَيْهِمْ وعَلى أقْوالِهِمْ في رَدِّ الشَرِيعَةِ بِقَوْلِهِ تَعالى: "كَلّا"، أيْ: لَيْسَ ذَلِكَ كَما تَقُولُونَ، وإنَّما أنْتُمْ قَوْمٌ قَدْ غَلَبَتْكُمُ الدُنْيا بِشَهَواتِها، فَأنْتُمْ تُحِبُّونَها حُبًّا تَتْرُكُونَ مَعَهُ الآخِرَةَ والنَظَرَ في أمْرِها، وقَرَأ الجُمْهُورُ "تُحِبُّونَ" بِالتاءِ عَلى المُخاطَبَةِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ (p-٤٧٨)عامِرٍ والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، والجَحْدَرِيُّ، وقَتادَةُ: "يُحِبُّونَ" بِالياءِ عَلى ذِكْرِ الغائِبِ، وكَذَلِكَ "تذْرُوَنَ".
ولَمّا ذَكَرَ تَعالى الآخِرَةَ أخْبَرَ بِشَيْءٍ مِن حالِ أهْلِها، فَقَوْلُهُ تَعالى: "وُجُوهٌ" رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، والِابْتِداءُ بِالنَكِرَةِ لِأنَّها تَخَصَّصَتْ بِقَوْلِهِ تَعالى: "يَوْمَئِذٍ" و"ناضِرَةٌ" خَبَرُ "وُجُوهٌ"، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ جُمْلَةٌ هي في مَوْضِعِ خَبَرٍ بَعْدَ خَبَرٍ، وقالَ بَعْضُ النَحْوِيِّينَ: "ناضِرَةٌ" نَعْتٌ لِـ "وُجُوهٌ"، و"إلى رَبِّها ناظِرَةٌ" خَبَرٌ عن "وُجُوهٌ"، فَعَلى هَذا كَثُرَ تَخْصِيصُ "الوُجُوهِ" فَحَسُنَ الِابْتِداءُ بِها، و"ناضِرَةٌ" مَعْناهُ. ناعِمَةٌ، والنَضِرَةُ. النِعْمَةُ وجَمالُ البَشَرَةِ، قالَ الحَسَنُ: وحَقَّ لَها أنْ تُنَضَّرَ وهي تَنْظُرُ إلى الخالِقِ جَلَّ وتَعالى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ حَمَلَ هَذِهِ الآيَةَ أهْلُ السُنَّةِ عَلى أنَّها مُتَضَمِّنَةُ رُؤْيَةَ المُؤْمِنِينَ لِلَّهِ تَعالى، وهي رُؤْيَةٌ دُونَ مُحاذاةٍ ولا تَكْيِيفٍ ولا تَحْدِيدٍ، كَما هو تَعالى مَعْلُومٌ مَوْجُودٌ لا يُشْبِهُ المَوْجُوداتِ، كَذَلِكَ هو مَرْئِيٌّ لا يُشْبِهُ المَرْئِيّاتِ في شَيْءٍ، فَإنَّهُ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، لا إلَهَ إلّا هو. ورَوى عُبادَةُ بْنُ الصامِتِ أنَّ النَبِيَّ ﷺ قالَ: « "حَدَّثْتُكم عَنِ الدَجّالِ أنَّهُ أعْوَرُ، وإنَّ رَبَّكم لَيْسَ بِأعْوَرَ، وإنَّكم لَنْ تَرَوْا رَبَّكم حَتّى تَمُوتُوا"،» وقالَ ﷺ: « "إنَّكم تَرَوْنَ رَبَّكم يَوْمَ القِيامَةِ كَما تَرَوْنَ القَمَرَ لَيْلَةَ البَدْرِ لا تُضامُونَ في رُؤْيَتِهِ"،» وقالَ الحَسَنُ: تَنْظُرُونَ إلى اللهِ تَعالى بِلا إحاطَةٍ، وأمّا المُعْتَزِلَةُ الَّذِينَ يَنْفُونَ (p-٤٧٩)رُؤْيَةَ اللهِ تَعالى، فَذَهَبُوا في هَذِهِ الآيَةِ إلى أنَّ المَعْنى: إلى رَحْمَةِ رَبِّها ناظِرَةٌ، أو إلى ثَوابِهِ أو مُلْكِهِ، فَقَدَّرُوا مُضافًا مَحْذُوفًا، وهَذا وجْهٌ سائِغٌ في العَرَبِيَّةِ، كَما تَقُولُ، "فُلانٌ ناظِرٌ إلَيْكَ في كَذا" أيْ إلى صُنْعِكَ في كَذا، والرِوايَةُ إنَّما يُثْبِتُها بِأدِلَّةٍ قَطْعِيَّةٍ غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ، فَإذا ثَبَتَتْ حَسُنَ تَأْوِيلُ أهْلِ السُنَّةِ في هَذِهِ الآيَةِ وقَوِيَ، وذَهَبَ بَعْضُ المُعْتَزِلَةِ في هَذِهِ الآيَةِ إلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: "إلى" لَيْسَتْ بِحَرْفِ الجَرِّ، وإنَّما هي "إلى" واحِدِ الآلاءِ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: نِعْمَةُ رَبِّها مُنْتَظَرَةٌ أو ناظِرَةٌ، مِنَ النَظَرِ بِالعَيْنِ، ويُقالُ: "نَظْرَتُكَ" بِمَعْنى "انْتَظَرْتُكَ"، ومِنهُ قَوْلُ الحَطِيئَةِ:
؎ وقَدْ نَظَرَتْكم إيناءَ صادِرِهِ ∗∗∗ لِلْخَمْسِ طالَ بِها حَوْزى وتَبْساسِي
(p-٤٨٠)والتَبْساسُ أنْ يُقالَ لِلنّاقَةِ "بَسَّ بَسَّ" لِتَدِرَّ عَلى الحالِبِ، وفَسَّرَ أبُو عُبَيْدَةَ في غَرِيبِهِ هَذا البَيْتَ عَلى رِوايَةٍ أُخْرى وهِيَ:
.
؎ ............. ∗∗∗ طارَ بِها حُوزِيُّ وتَنْساسِي
بِالنُونِ وهو السَيْرُ الشَدِيدُ فَتَأمَّلْهُ.
و"الباسِرَةُ": العابِسَةُ المَغْمُومَةُ النُفُوسِ، والبُسُورُ أشَدُّ العُبُوسِ، وإنَّما ذَكَرَ تَعالى الوُجُوهَ لِأنَّهُ فِيها يَظْهَرُ ما في النَفْوسِ مِن سُرُورٍ أو غَمٍّ، والمُرادُ أصْحابُ الوُجُوهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "تَظُنُّ" إَنْ جَعَلْناهُ بِمَعْنى "تُوقِنُ" فَهو لَمْ يَقَعْ بَعْدُ عَلى ما بَيَّنّاهُ، وإنْ جَعْلَنا الظَنَّ هُنا عَلى غَلَبَتِهِ فَذَلِكَ مُحْتَمَلٌ، و"الفاقِرَةُ": المُصِيبَةُ الَّتِي تَكْسِرُ فَقارَ الإنْسانِ، قالَ ابْنُ المُسَيِّبِ: هي قاصِمَةُ الظَهْرِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هي مِن "فَقَرْتُ البَعِيرَ" إذا وسَمْتُ أنْفَهُ بِالنارِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "كَلّا" زَجْرٌ لِقُرَيْشٍ وتَوْكِيدٌ لَهم بِمَوْطِنٍ مِن مَواطِنِ الهَوْلِ وأمْرُ اللهِ تَعالى الَّذِي لا مَحِيدَ لِبَشَرٍ عنهُ، وهي حالَةُ المَوْتِ والمُنازَعَةِ الَّتِي كَتَبَها عَلى كُلِّ حَيَوانٍ، و"بَلَغَتْ" يُرِيدُ النَفْسَ، و"التَراقِيَ" جَمْعُ "تَرْقُوَةٍ" وهي عِظامٌ أعْلى الصَدْرِ، ولِكُلِّ أحَدٍ تُرْقُوَتانِ، لَكِنْ مِن حَيْثُ هَذِهِ الأفْرادُ في كَثِيرِينَ جَمْعٌ؛ إذِ النَفْسُ المُرادَةُ اسْمُ جِنْسٍ، والتَراقِي هي مُوازِيَةٌ لِلْحَلاقِيمِ، فالأمْرُ كُلُّهُ كِنايَةٌ عن حالِ الحَشْرَجَةِ ونِزاعِ المَوْتِ، يَسَّرَهُ اللهُ عَلَيْنا.
واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: "مَن راقَ"، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَحّاكُ، وقَتادَةُ، وأبُو قُلابَةَ: مَعْناهُ: مَن يَرْقى ويَطِبْ ويَشْفى ونَحْوُ هَذا مِمّا يَتَمَنّاهُ أهْلُ المَرِيضِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، وسُلَيْمانُ التَيْمِيُّ، ومُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ: هَذا القَوْلُ لِلْمَلائِكَةِ، والمَعْنى: مَن يَرْقى بِرُوحِهِ -أيْ: يَصْعَدُ- إلى السَماءِ؟ أمَلائِكَةُ الرَحْمَةِ أمْ مَلائِكَةُ العَذابِ؟ وقَرَأ حَفْصٌ عن عاصِمٍ بِالوَقْفِ عَلى "مَن"، ويَبْتَدِئُ "راقٍ"، وأدْغَمَ الجُمْهُورُ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: لا أعْرِفُ وجْهَ قِراءَةِ عاصِمٍ، وكَذَلِكَ قَرَأ "بَلْ رانَ".
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَظَنَّ أنَّهُ الفِراقُ﴾ يُرِيدُ: وتَيَقَّنَ المَرِيضُ أنَّهُ فِراقُ الأحِبَّةِ والأهْلِ (p-٤٨١)والمالِ والحَياةِ، وهَذا يَقِينٌ فِيما لَمْ يَقَعْ بَعْدُ، ولِذَلِكَ اسْتُعْمِلَتْ فِيهِ لَفْظَةُ الظَنِّ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: أيْقَنَ أنَّهُ الفِراقُ، وقالَ في تَفْسِيرِهِ: ذَهَبَ الظَنُّ.
واخْتُلِفَ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والتَفَّتِ الساقُ بِالساقِ﴾ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، والرَبِيعُ بْنُ أنَسٍ، وإسْماعِيلُ بْنُ أبِي خالِدٍ: هَذِهِ اسْتِعارَةٌ لِشِدَّةِ كُرَبِ الدُنْيا في آخِرِ يَوْمٍ مِنها وشَدَّةِ كُرَبِ الآخِرَةِ في أوَّلِ يَوْمٍ مِنها، لِأنَّهُ بَيْنَ الحالَتَيْنِ قَدِ اخْتَلَطا لَهُ، وهَذا كَما يَقُولُونَ: "شَمَّرَتِ الحَرْبُ عن ساقٍ"، وعَلى بَعْضِ التَأْوِيلاتِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عن ساقٍ﴾ [القلم: ٤٢]. وقالَ ابْنُ المُسَيِّبِ، والحَسَنُ: هي حَقِيقَةٌ، والمُرادُ ساقا المَيِّتِ عِنْدَ تَكْفِينِهِ، أيْ: لَفَّهُما الكَفَنُ، وقالَ الشَعْبِيُّ: وأبُو مالِكٍ، وقَتادَةُ: هو التِفافُهُما بِشِدَّةِ المَرَضِ لِأنَّهُ يَقْبِضُ ويَبْسُطُ ويَرْكَبُ هَذا عَلى هَذا وقالَ الضَحّاكُ: المُرادُ سَوْقُ حاضِرِيهِ مِنَ الإنْسِ والمَلائِكَةِ؛ لِأنَّ هَؤُلاءِ يُجَهِّزُونَ رُوحَهُ إلى السَماءِ، وهَؤُلاءِ يُجَهِّزُونَ بَدَنَهُ إلى القَبْرِ. وقَوْلُهُ تَعالى: "إلى رَبِّكَ" مَعْناهُ: إلى حُكْمِ رَبِّكَ وعَدْلِهِ، فَإمّا إلى جَنَّةٍ وإمّا إلى نارٍ، و"المَساقُ" مَصْدَرٌ مِنَ السَوْقِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences