Ibn 'Atiyya · Tafsir · in Arabic
الطور
At-Tur
The Mount · Meccan · 49 ayahs
52:1–14Page 523
وَٱلطُّورِ ١
By the mount
وَكِتَٰبٖ مَّسۡطُورٖ ٢
And [by] a Book inscribed1
فِي رَقّٖ مَّنشُورٖ ٣
In parchment spread open
وَٱلۡبَيۡتِ ٱلۡمَعۡمُورِ ٤
And [by] the frequented House1
وَٱلسَّقۡفِ ٱلۡمَرۡفُوعِ ٥
And [by] the ceiling [i.e., heaven] raised high
وَٱلۡبَحۡرِ ٱلۡمَسۡجُورِ ٦
And [by] the sea set on fire,1
إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَٰقِعٞ ٧
Indeed, the punishment of your Lord will occur.
مَّا لَهُۥ مِن دَافِعٖ ٨
Of it there is no preventer.
يَوۡمَ تَمُورُ ٱلسَّمَآءُ مَوۡرٗا ٩
On the Day the heaven will sway with circular motion
وَتَسِيرُ ٱلۡجِبَالُ سَيۡرٗا ١٠
And the mountains will pass on, departing1 -
فَوَيۡلٞ يَوۡمَئِذٖ لِّلۡمُكَذِّبِينَ ١١
Then woe, that Day, to the deniers,
ٱلَّذِينَ هُمۡ فِي خَوۡضٖ يَلۡعَبُونَ ١٢
Who are in [empty] discourse amusing themselves.
يَوۡمَ يُدَعُّونَ إِلَىٰ نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا ١٣
The Day they are thrust toward the fire of Hell with a [violent] thrust, [its angels will say],
هَٰذِهِ ٱلنَّارُ ٱلَّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ ١٤
"This is the Fire which you used to deny.
(p-٨٥)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ الطُورِ
هِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ والرُواةِ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿والطُورِ﴾ ﴿وَكِتابٍ مَسْطُورٍ﴾ ﴿فِي رَقٍّ مَنشُورٍ﴾ ﴿والبَيْتِ المَعْمُورِ﴾ ﴿والسَقْفِ المَرْفُوعِ﴾ ﴿والبَحْرِ المَسْجُورِ﴾ ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ ﴿ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾ ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَماءُ مَوْرًا﴾ ﴿وَتَسِيرُ الجِبالُ سَيْرًا﴾ ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ هم في خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾ ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ ﴿هَذِهِ النارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾
هَذِهِ مَخْلُوقاتٌ أقْسَمَ اللهُ بِها تَنْبِيهًا مِنها وتَشْرِيفًا، ولِيَكُونَ ذَلِكَ سَبَبَ النَظَرِ فِيها والِاعْتِبارَ بِها، وذَلِكَ يُؤَوَّلُ إلى التَوْحِيدِ والمَعْرِفَةِ بِحُقُوقِ اللهِ تَعالى.
و"الطُورِ"، قالَ بَعْضُ أهْلِ اللُغَةِ: كُلُّ جَبَلٍ طُورٌ، فَكَأنَّهُ تَبارَكَ وتَعالى أقْسَمَ بِالجِبالِ، إذْ هو اسْمُ جِنْسٍ، وقالَ آخَرُونَ: الطُورُ: كُلُّ جَبَلٍ أجْرَدَ لا يُنْبِتُ شَجَرًا، وقالَ مُجاهِدٌ في كِتابِ الطَبَرِيِّ: الطُورُ: الجَبَلُ بِالسِرْيانِيَّةِ، وهَذا ضَعِيفٌ، لِأنَّ ما حَكاهُ في العَرَبِيَّةِ يَقْضِي عَلى هَذا، ولا خِلافَ أنْ في الشامِ جَبَلًا يُسَمّى بِالطُورِ، وهو طُورُ سَيْناءَ، فَقالَ نَوْفُ البَكالِيُّ: إنَّهُ الَّذِي أقْسَمَ اللهُ تَعالى بِهِ لِفَضْلِهِ عَلى الجِبالِ، إذْ قَدْ رُوِيَ أنَّ اللهَ تَعالى أوحى إلى الجِبالِ أنِّي مُهْبِطٌ عَلى أحَدِكم أمْرِي - يُرِيدُ رِسالَةَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، فَتَطاوَلَتْ كُلُّها إلّا الطَوْرَ فَإنَّهُ اسْتَكانَ لِأمْرِ اللهِ تَعالى وقالَ: حَسْبِيَ اللهُ، فَأهْبَطَ اللهُ تَعالى الأمْرَ عَلَيْهِ، ويُقالُ: إنَّهُ بِمَدْيَنَ، وقالَ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ: هُما طَوْرانِ.
و"الكِتاب المَسْطُورُ" مَعْناهُ بِإجْماعٍ: المَكْتُوبُ أسْطارًا، واخْتَلَفَ الناسُ في هَذا الكِتابِ المُقْسَمِ بِهِ، فَقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: هو الكِتابُ المُنْتَسَخُ مِنَ اللَوْحِ المَحْفُوظِ لِلْمَلائِكَةِ لِتَعْرِفَ مِنهُ جَمِيعَ ما يَفْعَلُهُ وتَصْرِفُهُ في العالَمِ، وقالَ آخَرُونَ: بَلْ أقْسَمَ اللهُ تَعالى بِالقُرْآنِ، فَإنَّهُ قَدْ كانَ عَلِمَ أنَّهُ يَتَّخِذُ في رَقٍّ مَنشُورٍ، وقالَ آخَرُونَ: أقْسَمَ اللهُ تَعالى (p-٨٦)بِالكُتُبِ القَدِيمَةِ المُنَزَّلَةِ، التَوْراةِ والإنْجِيلِ والزَبُورِ، وقالَ الفَرّاءُ -فِيما حَكى الرُمّانِيُّ -: أقْسَمَ بِالصُحُفِ الَّتِي تُعْطى وتُؤْخَذُ يَوْمَ القِيامَةِ بِالأيْمانِ والشَمائِلِ، وقالَ قَوْمٌ: أقْسَمَ بِالكِتابِ الَّذِي فِيهِ أعْمالُ الخَلْقِ، وهو الَّذِي لا يُغادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً إلّا أحْصاها، وكَتَبَ بَعْضُ الناسِ "مَصْطُورٍ" بِالصادِّ، والقَصْدُ بِذَلِكَ تَشابُهُ النُطْقِ بِالحُرُوفِ، والجُمْهُورُ عَلى السِينِ. و"الرِقُّ": الوَرَقُ المُعَدَّةُ لِلْكُتُبِ، وهي مُرَقَّقَةٌ فَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ رِقًّا، وقَدْ غَلَبَ الِاسْتِعْمالُ عَلى هَذا الَّذِي هو مِن جُلُودِ الحَيَوانِ، و"المَنشُورِ" خِلافُ المَطْوِيِّ، وقَدْ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ نَشْرُهُ بِمَعْنى بِشْرِهِ وتَرْقِيقِهِ وصَنْعَتِهِ، وقَرَأ أبُو السَمالِ: "فِي رِقٍّ" بِكَسْرِ الراءِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في "البَيْتِ المَعْمُورِ"، فَقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ البَصْرِيُّ: هي الكَعْبَةُ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ: هو بَيْتٌ في السَماءِ يُقالُ لَهُ الضِراحُ، وهو بِحِيالِ الكَعْبَةِ، ويُقالُ: الضَرِيحُ، ذَكَرَ ذَلِكَ الطَبَرِيُّ، وهو الَّذِي ذُكِرَ في حَدِيثِ الإسْراءِ، «قالَ جِبْرِيلُ لِلنَّبِيِّ ﷺ "هَذا البَيْتُ المَعْمُورُ، يَدْخُلُهُ كُلُّ يَوْمٍ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ لا يَعُودُونَ إلَيْهِ، آخِرَ ما عَلَيْهِمْ"،» وبِهَذا عِمارَتُهُ، ويُرْوى أنَّهُ في السَماءِ السابِعَةِ، وقِيلَ: السادِسَةُ، وقِيلَ: إنَّهُ مُقابِلُ الكَعْبَةِ، لَوْ خَرَّ لَسَقَطَ عَلَيْها، وقالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ: في كُلِّ سَماءٍ بَيْتٌ مَعْمُورٌ، وفي كُلِّ أرْضٍ كَذَلِكَ، وهي كُلُّها عَلى خَطٍّ مَعَ الكَعْبَةِ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ.
و"السَقْفُ المَرْفُوعُ": السَماءُ، و"السَقْفُ" طُولٌ في انْحِناءٍ، ومِنهُ أُسْقُفُ النَصارى، ومِنهُ السَقْفُ، لِأنَّ الجِدارَ وسَقْفُهُ فِيهِما طُولٌ في انْحِناءٍ.
واخْتَلَفَ الناسُ في "المَسْجُورِ"، فَقالَ مُجاهِدٌ وشَمَّرُ بْنُ عَطِيَّةَ مَعْناهُ: المَوْقِدُ (p-٨٧)نارًا، ورُوِيَ « "أنَّ البَحْرَ هو جَهَنَّمُ"» وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ لِيَهُودِيٍّ: أيْنَ جَهَنَّمَ؟ فَقالَ هي البَحْرُ، فَقالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عنهُ: ما أظُنُّهُ إلّا صادِقًا، وقَرَأ: "والبَحْرِ المَسْجُورِ"، [وَمِنهُ ما رُوِيَ عَنِ النَبِيِّ ﷺ: « "إنَّ البَحْرَ هو جَهَنَّمُ"،]» قالَ الثَعْلَبِيُّ: ورُوِيَ أنَّ النَبِيَّ ﷺ قالَ: « "لا يَرْكَبَنَّ البَحْرَ إلّا حاجٌّ أو مُعْتَمِرٌ أو مُجاهِدٌ، فَإنَّ تَحْتَ البَحْرِ نارًا، وتَحْتَ النارِ بَحْرًا» وفي حَدِيثٍ آخَرَ قالَ: « "البَحْرُ نارٌ في نارٍ".» وقالَ قَتادَةُ: المَسْجُورُ: المَمْلُوءُ ماءً، وهَذا مَعْرُوفٌ مِنَ اللُغَةِ. ورَجَّحَهُ الطَبَرِيُّ لِوُجُودِ ماءِ البَحْرِ كَذَلِكَ، ولِهَذا يَعُودُ القَوْلُ الأوَّلُ، لِأنَّ قَوْلَهُمْ: "سَجَّرْتُ التَنُّورَ" مَعْناهُ: مَلَأتُها بِما يَحْتَرِقُ ويَتَّقِدُ، والبَحْرُ المَسْجُورُ: المَمْلُوءُ ماءً، وهَكَذا هو مُعَرَّضٌ لِلْعِبْرَةِ، ومِن قَوْلِ النَمِرِ بْنِ تَوْلَبٍ:
؎ إذا شاءَ طالَعَ مَسْجُورَةً ∗∗∗ تَرى حَوْلَها النَبْعَ والسَماسِما
؎ سَقَتْها رَواعِدُ مِن صَيِّفٍ ∗∗∗ ∗∗∗ وإنْ مِن خَرِيفٍ فَلَنْ يَعْدَما
يَصِفُ ثَوْرًا أو عَيْنًا مَمْلُوءَةً ماءً. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: المَسْجُورُ هو الَّذِي (p-٨٨)ذَهَبَ ماؤُهُ، فالمَسْجُورُ: الفارِغُ، ويُرْوى أنَّ البِحارَ يَذْهَبُ ماؤُها يَوْمَ القِيامَةِ، وهَذا مَعْرُوفٌ في اللُغَةِ، فَهو مِنَ الأضْدادِ، وقِيلَ: يُوقِدُ البَحْرَ نارًا يَوْمَ القِيامَةِ، فَذَلِكَ السَجْرُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: المَسْجُورُ: المَحْبُوسُ، ومِنهُ ساجُورُ الكَلْبِ، وهى القِلادَةُ مِن عُودٍ أو حَدِيدٍ الَّتِي تُمْسِكُهُ، وكَذَلِكَ لَوْلا أنَّ البَحْرَ يُمْسِكُ لَفاضَ عَلى الأرْضِ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ: البَحْرُ المُقْسَمُ بِهِ هو في السَماءِ تَحْتَ العَرْشِ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ بَحْرُ الدُنْيا، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا البِحارُ سُجِّرَتْ﴾ [التكوير: ٦]، وقالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: المَعْنى هو القَسَمُ بِجَهَنَّمَ، وسَمّاها بَحْرًا لِسِعَتِها وتَمَوُّجِها، كَما قالَ ﷺ في الفَرَسِ: « "وَإنْ وجَدْناهُ لَبَحْرًا".»
والقَسَمُ واقِعٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ ويُرِيدُ عَذابَ الآخِرَةِ لِلْكُفّارِ، قالَ قَتادَةُ، والعامِلُ في "يَوْمَ" هُوَ"واقِعٌ"، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ العامِلُ فِيهِ "دافِعٍ"، والأوَّلُ أبْيَنُ، قالَ مَكِّيٌّ: لا يَعْمَلُ فِيهِ "دافِعٍ"، قَوْلُهُ تَعالى: "تَمُورُ" مَعْناهُ: تَذْهَبُ وتَجِيءُ بِالرِياحِ مُتَقَطِّعَةً مُتَفَتِّتَةً، والغُبارُ المَوّارُ: الَّذِي يَجْتَمِعُ ويَذْهَبُ ويَجِيءُ بِالرِيحِ، ثُمَّ هو كُلُّهُ إلى الذَهابِ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْرابِيِّ:
"وَغادَرَتِ التُرابَ مَوْرًا" يَصِفُ سَنَةَ قَحْطٍ، وأنْشَدَ مَعْمَرُ بْنُ المُثَنّى:
؎ .............. ∗∗∗ مَوْرُ السَحابَةِ لا رَيْثٌ ولا عَجَلٌ
(p-٨٩)أرادَ مُضِيَّها. وقالَ الضَحّاكُ: "تَمُورُ"؛ تَمُوجُ، وقالَ مُجاهِدٌ: تَدُورُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ تَشَقَّقُ، وهَذِهِ كُلُّها تَفاسِيرُ بِالمَعْنى؛ لِأنَّ السَماءَ العالِيَةَ يَعْتَرِيها هَذا كُلُّهُ.
وسَيْرُ الجِبالِ هو في أوَّلِ الأمْرِ ثُمَّ تَتَفَتَّتْ أثْناءَ السَيْرِ حَتّى تَصِيرَ آخِرًا كالعِهْنِ المَنفُوشِ. والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: "فَوَيْلٌ" عاطِفَةٌ جُمْلَةً عَلى جُمْلَةٍ، وهي تَتَضَمَّنُ رَبْطَ المَعْنى وتَأْكِيدَهُ وإثْباتَ الوَيْلِ لِلْمُكَذِّبِينَ، و"الوَيْلُ": السُوءُ والمَشَقَّةُ والهَمُّ الأطْوَلُ، ويُرْوى أنَّ في جَهَنَّمَ وادِيًا يُسَمّى: ويْلًا و"الخَوْضُ": التَخَبُّطُ في الأباطِيلِ، يُشَبَّهُ بِخَوْضِ الماءِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا رَأيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ في آياتِنا فَأعْرِضْ عنهُمْ﴾ [الأنعام: ٦٨]، و"يَوْمَ" الثانِي بَدَلٌ مِن "يَوْمَئِذٍ"، و"يُدَعُّونَ" قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وغَيْرُهُ: مَعْناهُ: يَدْفَعُونَ في أعْناقِهِمْ بِشِدَّةٍ وإهانَةٍ وتَعْتَعَةٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ اليَتِيمَ﴾ [الماعون: ٢]، وفي الكَلامِ مَحْذُوفٌ مُخْتَصَرٌ، تَقْدِيرُهُ: يُقالُ لَهُمْ: "هَذِهِ النارُ"، وإخْبارُهم بِهَذا عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ والتَقْرِيعِ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ،: "يَوْمَ يَدْعُونَ" مِنَ الدُعاءِ، بِسُكُونِ الدالِ وفَتْحِ العَيْنِ.
52:15–20Page 524
أَفَسِحۡرٌ هَٰذَآ أَمۡ أَنتُمۡ لَا تُبۡصِرُونَ ١٥
Then is this magic, or do you not see?
ٱصۡلَوۡهَا فَٱصۡبِرُوٓاْ أَوۡ لَا تَصۡبِرُواْ سَوَآءٌ عَلَيۡكُمۡۖ إِنَّمَا تُجۡزَوۡنَ مَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ١٦
[Enter to] burn therein; then be patient or impatient - it is all the same for you. You are only being recompensed [for] what you used to do."
إِنَّ ٱلۡمُتَّقِينَ فِي جَنَّٰتٖ وَنَعِيمٖ ١٧
Indeed, the righteous will be in gardens and pleasure,
فَٰكِهِينَ بِمَآ ءَاتَىٰهُمۡ رَبُّهُمۡ وَوَقَىٰهُمۡ رَبُّهُمۡ عَذَابَ ٱلۡجَحِيمِ ١٨
Enjoying what their Lord has given them, and their Lord protected them from the punishment of Hellfire.
كُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ هَنِيٓـَٔۢا بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ١٩
[They will be told], "Eat and drink in satisfaction for what you used to do."
مُتَّكِـِٔينَ عَلَىٰ سُرُرٖ مَّصۡفُوفَةٖۖ وَزَوَّجۡنَٰهُم بِحُورٍ عِينٖ ٢٠
They will be reclining on thrones lined up, and We will marry them to fair women with large, [beautiful] eyes.
قوله عزّ وجلّ:
﴿أفَسِحْرٌ هَذا أمْ أنتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ ﴿اصْلَوْها فاصْبِرُوا أو لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكم إنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ ونَعِيمٍ﴾ ﴿فاكِهِينَ بِما آتاهم رَبُّهم ووَقاهم رَبُّهم عَذابَ الجَحِيمِ﴾ ﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وزَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ﴾
(p-٩٠)لِما قِيلَ لَهُمْ: "هَذِهِ النارُ" وقَفُوا بَعْدَ ذَلِكَ عَلى الجِهَتَيْنِ الَّتِي يُمَكِّنُ مِنهُما دُخُولُ الشَكِّ في أنَّها النارُ، وهُما: إمّا أنْ يَكُونَ ثُمَّ سِحْرٌ يُلَبِّسُ ذاتَ المَرْئِي، وإمّا أنْ يَكُونَ في بَصَرِ الناظِرِ اخْتِلالٌ، وأمْرُهم بِصَلْيِها عَلى جِهَةِ التَقْرِيعِ، ثُمَّ قِيلَ لَهم عَلى جِهَةِ قَطْعِ رَجائِهِمْ: ﴿فاصْبِرُوا أو لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ: عَذابُكم حَتْمٌ، فَسَواءٌ جَزْعُكم وصَبْرُكُمْ، لا بُدَّ مِن جَزاءِ أعْمالِكم.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ ونَعِيمٍ﴾ الآيَةُ... يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خِطابَ أهْلِ النارِ فَيَكُونُ إخْبارُهم بِذَلِكَ زِيادَةً في غَمِّهِمْ وسُوءِ حالِهِمْ، ويُحْتَمَلُ -وَهُوَ الأظْهَرُ- أنْ يَكُونَ إخْبارًا لِمُحَمَّدٍ ﷺ ومُعاصِرِيهِ، لَمّا فَرَغَ مِن ذِكْرِ عَذابِ الكَفّار عَقَّبَ ذَلِكَ بِنَعِيمِ المُتَّقِينَ لِيُبَيِّنَ الفَرْقَ ويَقَعَ التَحْرِيضُ عَلى الإيمانِ. و"المُتَّقُونَ" هُنا مُتَّقُو الشِرْكِ لِأنَّهم لا بُدَّ مِن مَصِيرِهِمْ إلى الجَنّاتِ وكُلَّما زادَتِ الدَرَجَةُ في التَقْوى قَوِيَ الحُصُولُ في حُكْمِ الآيَةِ حَتّى أنَّ المُتَّقِينَ عَلى الإطْلاقِ هم في حُكْمِ الآيَةِ قَطْعًا عَلى اللهِ تَعالى بِحُكْمِ خَبَرِهِ الصادِقِ. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "فاكِهِينَ"، فَرِحِينَ مَسْرُورِينَ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو مِن بابِ "لِابْنٍ وتامِرٍ" أيْ: لَهم فاكِهَةٌ، قالَ القاضِي والمَعْنى الأوَّلُ أبْرَعُ، وقَرَأ خالِدٌ فِيما حَكى أبُو حاتِمٍ: "فاكِهِينَ"، والفَكِهُ والفاكِهُ: المَسْرُورُ المُتَنَعِّمُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِما آتاهم رَبُّهُمْ﴾ أيْ: مِن إنْعامِهِ ورِضاهُ عنهُمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَوَقاهم رَبُّهم عَذابَ الجَحِيمِ﴾، هَذا مُتَمَكِّنٌ في مُتَّقِي المَعاصِي الَّذِي لا يَدْخُلُ النارَ، ويَكُونُ في مُتَّقِي الشِرْكِ الَّذِي يُنَفَّذُ عَلَيْهِ الوَعِيدُ بِمَعْنى: ووَقاهم رَبُّهم عَذابَ الخُلُودِ في الجَحِيمِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "الجَحِيمِ" مِن طَبَقاتِ جَهَنَّمَ لَيْسَتْ بِمَأْوًى لِلْعُصاةِ المُؤْمِنِينَ، بَلْ هي مُخَصَّصَةٌ لِلْكَفَرَةِ، فَهم وإنْ عُذِّبُوا في نارٍ فَلَيْسُوا في عَذابِ الجَحِيمِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَوَقاهُمْ" بِتَخْفِيفِ القافِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ بِتَشْدِيدِها عَلى المُبالَغَةِ، وذَلِكَ كُلُّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ الوِقايَةِ وهي الحائِلُ بَيْنَ الشَيْءِ وبَيْنَ ما يَضُرُّهُ. والمَعْنى: يُقالُ لَهُمْ: ﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا﴾، و"هَنِيئًا" نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ مَعْناهُ أنَّ رُتَبَ الجَنَّةِ ونَعِيمَها هي بِحَسَبِ الأعْمالِ، وأمّا نَفْسُ دُخُولِها فَهو بِرَحْمَةِ اللهِ تَعالى وتَغَمُّدِهِ، والأكْلُ والشُرْبُ والتَهَنِّي لَيْسَ مِنَ الدُخُولِ في شَيْءٍ، وأعْمالُ العِبادِ الصالِحَةِ لا تُوجِبُ عَلى اللهِ تَعالى التَنْعِيمَ إيجابًا، لَكِنَّهُ سُبْحانَهُ قَدْ جَعَلَها أمارَةً عَلى مَن (p-٩١)سَبَقَ في عِلْمِهِ تَنْعِيمُهُ، وعَلَّقَ الثَوابَ والعِقابَ بِالتَكَسُّبِ الَّذِي في الأعْمالِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "مُتَّكِئِينَ" نُصِبَ عَلى الحالِ، عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى: "فاكِهِينَ"، والعامِلُ في هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ الفِعْلُ مُقَدَّرٌ في قَوْلِهِ تَعالى: "فِي جَنّاتٍ"، ويَجُوزُ غَيْرُ هَذا، وفي هَذا نَظَرٌ، وقَرَأ أبُو السَمالِ: "عَلى سُرُرٍ" بِفَتْحِ الراءِ الأُولى و"زَوَّجْناهُمْ" مَعْناهُ: جَعَلْنا لِكُلِّ فَرْدٍ مِنهم زَوْجًا، و"الحُورُ" جَمْعُ حَوْراءَ، وهي البَيْضاءُ القَوِيَّةُ بَياضَ بَياضِ العَيْنِ وسَوادَ سَوادِها، و"العَيْنُ" جَمْعُ عَيْناءَ، وهي الكَسِيرَةُ العَيْنَيْنِ مَعَ جَمالِهِما، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وإبْراهِيمَ النَخْعِيِّ: "وَزَوَّجْناهم بِعَيْسٍ عِينٍ"، قالَ أبُو الفَتْحِ: العَيْساءُ: البَيْضاءُ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ: "وَزَوَّجْناهم حُورًا عِينًا"، وحَكى أبُو عَمْرٍو عن عِكْرِمَةَ أنَّهُ قَرَأ: "بِعِيسٍ عَيْنٍ" عَلى إضافَةِ "عِيسٍ" إلى "عَيْنٍ".
52:21–28Page 524
وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱتَّبَعَتۡهُمۡ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَٰنٍ أَلۡحَقۡنَا بِهِمۡ ذُرِّيَّتَهُمۡ وَمَآ أَلَتۡنَٰهُم مِّنۡ عَمَلِهِم مِّن شَيۡءٖۚ كُلُّ ٱمۡرِيِٕۭ بِمَا كَسَبَ رَهِينٞ ٢١
And those who believed and whose descendants followed them in faith - We will join with them their descendants, and We will not deprive them of anything of their deeds.1 Every person, for what he earned, is retained.2
وَأَمۡدَدۡنَٰهُم بِفَٰكِهَةٖ وَلَحۡمٖ مِّمَّا يَشۡتَهُونَ ٢٢
And We will provide them with fruit and meat from whatever they desire.
يَتَنَٰزَعُونَ فِيهَا كَأۡسٗا لَّا لَغۡوٞ فِيهَا وَلَا تَأۡثِيمٞ ٢٣
They will exchange with one another a cup [of wine] wherein [results] no ill speech or commission of sin.
۞ وَيَطُوفُ عَلَيۡهِمۡ غِلۡمَانٞ لَّهُمۡ كَأَنَّهُمۡ لُؤۡلُؤٞ مَّكۡنُونٞ ٢٤
There will circulate among them [servant] boys [especially] for them, as if they were pearls well-protected.
وَأَقۡبَلَ بَعۡضُهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖ يَتَسَآءَلُونَ ٢٥
And they will approach one another, inquiring of each other.
قَالُوٓاْ إِنَّا كُنَّا قَبۡلُ فِيٓ أَهۡلِنَا مُشۡفِقِينَ ٢٦
They will say, "Indeed, we were previously among our people fearful [of displeasing Allāh].
فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيۡنَا وَوَقَىٰنَا عَذَابَ ٱلسَّمُومِ ٢٧
So Allāh conferred favor upon us and protected us from the punishment of the Scorching Fire.
إِنَّا كُنَّا مِن قَبۡلُ نَدۡعُوهُۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡبَرُّ ٱلرَّحِيمُ ٢٨
Indeed, we used to supplicate1 Him before. Indeed, it is He who is the Beneficent, the Merciful."
قوله عزّ وجلّ:
﴿والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتُهم وما ألَتْناهم مِن عَمَلِهِمْ مِن شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾ ﴿وَأمْدَدْناهم بِفاكِهَةٍ ولَحْمٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ ﴿يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْسًا لا لَغْوٌ فِيها ولا تَأْثِيمٌ﴾ ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهم كَأنَّهم لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾ ﴿وَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿قالُوا إنّا كُنّا قَبْلُ في أهْلِنا مُشْفِقِينَ﴾ ﴿فَمَنَّ اللهُ عَلَيْنا ووَقانا عَذابَ السَمُومِ﴾ ﴿إنّا كُنّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إنَّهُ هو البَرُّ الرَحِيمُ﴾
قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وطَلْحَةُ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، وأهْلُ مَكَّةَ: "واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتُهُمْ"، وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو جَعْفَرٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ -بِخِلافٍ عنهُ - وأبُو عَمْرٍو - بِخِلافٍ عنهُ وشَيْبَةُ، والجَحْدَرِيُّ، وعِيسى: " واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيّاتِهِمْ"، ورَوى خارِجَةُ عنهُ مِثْلَ قِراءَةِ حَمْزَةَ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والضَحّاكُ: "وأتبعناهم ذرياتهم بإيمان أحلقنا بهم ذرياتهم" وقَرَأ أبُو عَمْرو، والأعْرَج، وأبُو رَجاء، والشَعْبِيّ، وابْن جُبَيْر، والضَحّاك: "وَأتْبَعْناهم ذُرِّيّاتِهِمْ بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيّاتِهِمْ"، فَلِكَوْنِ "الذُرِّيَّةِ" (p-٩٢)جَمْعًا في نَفْسِهِ حَسُنَ الإفْرادُ في هَذِهِ القِراءاتِ، ولِكَوْنِ المَعْنى يَقْتَضِي انْتِشارًا أو كَثْرَةً حَسُنُ جَمْعُ الذُرِّيَّةِ في قِراءَةِ مَن قَرَأ: "ذُرِّيّاتِهِمْ".
واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى الآيَةِ - قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والجُمْهُورُ: أخْبَرَ اللهُ تَعالى أنَّ المُؤْمِنَيْنِ اللَذِينَ تَتَّبِعُهم ذُرِّيَّتُهم في الإيمانِ فَيَكُونُونَ مُؤْمِنِينَ كَآبائِهِمْ، وإنْ لَمْ يَكُونُوا في التَقْوى والأعْمالِ كالآباءِ، فَإنَّهُ يُلْحِقُ الأبْناءَ بِمَراتِبِ أُولَئِكَ الآباءِ كَرامَةً لِلْآباءِ، وقَدْ ورَدَ في هَذا المَعْنى حَدِيثٌ عَنِ النَبِيِّ ﷺ، فَجَعَلُوا الحَدِيثَ تَفْسِيرَ الآيَةِ، وكَذَلِكَ ورَدَتْ أحادِيثُ تَقْتَضِي أنَّ اللهَ تَعالى يَرْحَمُ الآباءَ رَعْيًا لِلْأبْناءِ الصالِحِينَ، وذَهَبَ بَعْضُ الناسِ إلى إخْراجِ هَذا المَعْنى مِن هَذِهِ الآيَةِ، وذَلِكَ لا يَتَرَتَّبُ إلّا بِأنْ نَجْعَلَ اسْمَ "الذُرِّيَّةِ" بِمَثابَةِ نَوْعِهِمْ عَلى نَحْوِ ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهم في الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ [يس: ٤١]، وفي هَذا نَظَرٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، والضَحّاكُ: مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ أنَّ اللهَ تَعالى يُلْحِقُ الأبْناءَ الصِغارَ بِأحْكامِ الآباءِ المُؤْمِنِينَ في المُوارَثَةِ والدَفْنِ في قُبُورِ الإسْلامِ، وفي أحْكامِ الآخِرَةِ في الجَنَّةِ، وحَكى أبُو حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: الآيَةُ في الكِبارِ مِنَ الذُرِّيَّةِ ولَيْسَ فِيها مِنَ الصِغارِ شَيْءٌ، وقالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: هي في الصِغارِ لا في الكِبارِ، وحَكى الطَبَرِيُّ قَوْلًا مَعْناهُ أنَّ الضَمِيرَ في قَوْلِهِ تَعالى: "بِهِمْ" عائِدٌ عَلى الذُرِّيَّةِ، والضَمِيرُ الَّذِي بَعْدَهُ في "ذُرِّيّاتِهِمْ" عائِدٌ عَلى "الَّذِينَ"، أيْ: اتَّبَعَهُمُ الكِبارُ وألْحَقْنا نَحْنُ بِالكِبارِ الصِغارَ، وهَذا قَوْلٌ مُسْتَكْرَهٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "بِإيمانٍ" هو في مَوْضِعِ الحالِ، فَمَن رَأى أنَّ الآيَةَ في الأبْناءِ الصِغارِ (p-٩٣)فالحالُ مِنَ الضَمِيرِ في قَوْلِهِ تَعالى: "اتَّبَعَتْهُمْ"، فَهو مِنَ المَفْعُولَيْنِ، ومَن رَأى أنَّ الآيَةَ في الأبْناءِ الكِبارِ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الحالُ مِنَ المَفْعُولَيْنِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ المُتَّبِعِينَ الفاعِلِينَ، وأرْجَحُ الأقْوالِ في هَذِهِ الآيَةِ القَوْلُ الأوَّلُ؛ لِأنَّ الآياتِ كُلَّها في صِفَةِ إحْسانِ اللهِ تَعالى إلى أهْلِ الجَنَّةِ، فَذَكَرَ مِن جُمْلَةِ إحْسانِهِ أنَّهُ يَرْعى المُحْسِنَ في المُسِيءِ، ولَفْظَةُ "ألْحَقْنا" تَقْتَضِي أنَّ لِلْمُلْحَقِ بَعْضُ التَقْصِيرِ في الأعْمالِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ مِنَ القُرّاءِ: "ألَتْناهُمْ" بِفَتْحِ اللامِ، مَن "ألَتَ" وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو يَحْيى، وشِبْلُ: "ألَتْناهُمْ" مِن "ألِتَ" بِكَسْرِ اللامِ، وقَرَأ الأعْرَجُ: "وَما ألَتْناهُمْ"عَلى وزْنِ أفْعَلْناهُمْ، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ: "لِتْناهُمْ" مِن "لاتَ"، وهي قِراءَةُ ابْنِ مُصَرِّفٍ، ورَواها القَوّاسُ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ، وتَحْتَمِلُ قِراءَةَ مَن قَرَأ: "ألَتْناهُمْ" بِفَتْحِ اللامِ أنْ تَكُونَ مِن "ألاتَ" فَإنَّهُ يُقالُ: ألاتَ يُلِيتُ إلاتَةً، ولاتَ يَلِيتُ لَيْتًا، وآلَتَ يُؤْلِتُ إيلاتًا، وألَتَ يَأْلِتُ، وألِتَ يَأْلِتُ ولْتًا، كُلُّها بِمَعْنى بَعْض.
ومَعْنى هَذِهِ الآيَةِ أنَّ اللهَ تَعالى يَلْحَقُ المُقَصِّرَ بِالمُحْسِنِ ولا يَنْقُصُ المُحْسِنَ مَن أجْرِهِ شَيْئًا، وهَذا تَأْوِيلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ جُبَيْرٍ والجُمْهُورِ، ويُحْتَمَلُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما ألَتْناهم مِن عَمَلِهِمْ مِن شَيْءٍ﴾ أنْ يُرِيدَ: مِن عَمَلِهِمُ الحَسَنَ والقَبِيحَ، ويَكُونُ الضَمِيرُ في "عَمَلِهِمْ" عائِدًا عَلى الأبْناءِ، وهَذا تَأْوِيلُ ابْنِ زَيْدٍ، ويُحَسِّنُ هَذا الِاحْتِمالَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾، والرَهِينُ: المُرْتَهِنُ، وفي هَذِهِ الألْفاظِ وعِيدٌ، وحَكى أبُو حاتِمٍ عَنِ الأعْمَشِ أنَّهُ قَرَأ: "وَما لَتْناهُمْ" بِغَيْرِ ألِفٍ وبِفَتْحِ اللامِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: لا تَجُوزُ هَذِهِ القِراءَةُ عَلى وجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ.
و"أمْدَدْتُ الشَيْءَ" إذا سَيَّرْتَ إلَيْهِ شَيْئًا آخَرَ يُكَثِّرُهُ أو يَكْثُرُ لَدَيْهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ إشارَةٌ إلى ما رُوِيَ مِن أنَّ المُنْعِمَ إذا اشْتَهى لَحْمًا نَزَلَ ذَلِكَ الحَيَوانُ بَيْنَ يَدَيْهِ عَلى الهَيْئَةِ الَّتِي اشْتَهاهُ فِيها، ولَيْسَ يَكُونُ في الجَنَّةِ لَحْمٌ يَخْتَرُ، ولا يَتَكَلَّفُ فِيهِ الذَبْحُ والسَلْخُ والطَبْخُ، وبِالجُمْلَةِ لا كُلْفَةَ في الجَنَّةِ.
(p-٩٤)وَ"يَتَنازَعُونَ" مَعْناهُ: يَتَعاطَوْنَ، ومِنهُ قَوْلُ الأخْطَلِ:
؎ نازَعْتَهُ طَيِّبَ الراحِ الشُمُولِ وقَدْ صاحَ الدَجاجُ وحانَتْ وقْعَةُ السارِي
و"الكَأْسُ": الإناءُ وفِيهِ الشَرابُ، ولا يُقالُ في فارِغٍ "كَأْسٌ"، قالَهُ الزَجّاجُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ مِنَ السَبْعَةِ وغَيْرُهُمْ: "لا لَغْوٌ" بِالرَفْعِ "وَلا تَأْثِيمٌ" كَذَلِكَ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، والحَسَنُ: "لا لَغْوَ فِيها ولا تَأْثِيمَ" بِالنَصْبِ عَلى التَبْرِيَةِ، وعَلى الوَجْهَيْنِ، فَقَوْلُهُ تَعالى: "فِيها" هو في مَوْضِعِ الخَبَرِ، وأغْنى خَبَرُ الأوَّلِ عن ذِكْرِ خَبَرِ الثانِي، و"اللَغْوُ": السَقْطُ مِنَ القَوْلِ، و"التَأْثِيمُ" يَلْحَقُ خَمْرَ الدُنْيا في نَفْسِ شُرْبِها وفي الأفْعالِ الَّتِي تَكُونُ مِن شَرابِها، وذَلِكَ كُلُّهُ مُرْتَفِعٌ في الآخِرَةِ.
و"اللُؤْلُؤُ المَكْنُونُ" أجْمَلُ اللُؤْلُؤِ لِأنَّ الصَوْنَ والَكِنَّ يُحْسِنُهُ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: أرادَ أنَّهُ الَّذِي في الصُدَفِ لَمْ تَنَلْهُ الأيْدِي، «وَقِيلَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: إذا كانَ الغِلْمانُ كاللُؤْلُؤِ المَكْنُونِ فَكَيْفَ المَخْدُومُونَ؟ فَقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: "هم كالقَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ"،» ثُمَّ وصَفَ تَعالى عنهم أنَّهم في جُمْلَةِ تَنَعُّمِهِمْ يَتَساءَلُونَ، عن أحْوالِهِمْ وما نالَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُمْ، وأنَّهم يَتَذَكَّرُونَ حالَ الدُنْيا وخَشْيَتَهم فِيها عَذابُ الآخِرَةِ، وحَكى الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما قالَ: تَساؤُلُهم إذا بَعَثُوا في النَفْخَةِ الثانِيَةِ، و"الإشْفاقُ" أشَدُّ الخَشْيَةِ ورِقَّةُ القَلْبِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "وَوَقّانا" بِشَدِّ القافِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِتَخْفِيفِها، (p-٩٥)وَأمالَ عِيسى الثَقَفِيُّ "وَقانا" بِتَخْفِيفِ القافِ، و"السَمُومِ": الحارُّ، قالَ الرُمّانِيُّ: هو الَّذِي يَبْلُغُ مَسامَّ الإنْسانِ، وهو النارُ في هَذِهِ الآيَةِ، وقَدْ يُقالُ في حَرِّ الشَمْسِ وفي الرِيحِ: سُمُومٌ. وقالَ الحَسَنُ: السَمُومُ اسْمٌ مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ. و"نَدْعُوهُ" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: نَعْبُدُهُ، ويُحْسِنُ هَذا عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ: "أنَّهُ" بِفَتْحِ الألِفِ، وهي قِراءَةُ نافِعٍ -بِخِلافٍ- والكِسائِيِّ، وأبِي جَعْفَرٍ، والحَسَنِ، وأبِي نَوْفَلٍ، أيْ: مِن أجْلِ أنَّهُ، وقَرَأ باقِي السَبْعَةِ، والأعْرَجُ، وجَماعَةٌ: "إنَّهُ" عَلى القَطْعِ والِاسْتِئْنافِ، ويَحْسُنُ مَعَ هَذِهِ القِراءَةِ أنْ يَكُونَ "نَدْعُوهُ" بِمَعْنى نَعْبُدُهُ، أو بِمَعْنى الدُعاءِ نَفْسِهِ، ومَن رَأى "نَدْعُوهُ" بِمَعْنى الدُعاءِ نَفْسِهِ فَيُحْتَمَلُ أنْ يُجْعَلَ قَوْلُهُ تَعالى: "أنَّهُ" بِالفَتْحِ هو نَفْسُ الدُعاءِ الَّذِي كانَ في الدُنْيا، و"البَرُّ" هو الَّذِي يَبِرُّ ويُحْسِنُ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُمَّةِ:
؎ جاءَتْ مِنَ البِيضِ زُعْرًا لا لِباسَ لَها ∗∗∗ إلّا الدِهاسُ وأُمٌّ بَرَّةٌ وأبُ
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences