Ibn 'AtiyyaAd‑Dukhan · 44:1–28

Ibn 'Atiyya · Tafsir · in Arabic

الدخان

Ad-Dukhan

The Smoke · Meccan · 59 ayahs

44:1–10Page 496

حمٓ ١

Ḥā, Meem.1

وَٱلۡكِتَٰبِ ٱلۡمُبِينِ ٢

By the clear Book,

إِنَّآ أَنزَلۡنَٰهُ فِي لَيۡلَةٖ مُّبَٰرَكَةٍۚ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ ٣

Indeed, We sent it down during a blessed night.1 Indeed, We were to warn [mankind].

فِيهَا يُفۡرَقُ كُلُّ أَمۡرٍ حَكِيمٍ ٤

Therein [i.e., on that night] is made distinct1 every precise matter -

أَمۡرٗا مِّنۡ عِندِنَآۚ إِنَّا كُنَّا مُرۡسِلِينَ ٥

[Every] matter [proceeding] from Us. Indeed, We were to send [a messenger]

رَحۡمَةٗ مِّن رَّبِّكَۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ٦

As mercy from your Lord. Indeed, He is the Hearing, the Knowing,

رَبِّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَآۖ إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ ٧

Lord of the heavens and the earth and that between them, if you would be certain.

لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ يُحۡيِۦ وَيُمِيتُۖ رَبُّكُمۡ وَرَبُّ ءَابَآئِكُمُ ٱلۡأَوَّلِينَ ٨

There is no deity except Him; He gives life and causes death. [He is] your Lord and the Lord of your first forefathers.

بَلۡ هُمۡ فِي شَكّٖ يَلۡعَبُونَ ٩

But they are in doubt, amusing themselves.

فَٱرۡتَقِبۡ يَوۡمَ تَأۡتِي ٱلسَّمَآءُ بِدُخَانٖ مُّبِينٖ ١٠

Then watch for the Day when the sky will bring a visible smoke

(p-٥٦٩)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ

تَفْسِيرُ سُورَةِ الدُخانِ

هَذِهِ السُورَةُ مَكِّيَّةٌ، لا أحْفَظُ خِلافًا في شَيْءٍ مِنها.

قوله عزّ وجلّ:

﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ﴾ ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾ ﴿أمْرًا مِن عِنْدِنا إنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾ ﴿رَحْمَةً مِن رَبِّكَ إنَّهُ هو السَمِيعُ العَلِيمُ﴾ ﴿رَبِّ السَماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ ﴿لا إلَهَ إلا هو يُحْيِي ويُمِيتُ رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿بَلْ هم في شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾ ﴿فارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾

تَقَدَّمَ القَوْلُ في "حم"، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ قَسَمٌ أقْسَمَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى بِهِ. و﴿ "المُبِينِ"﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ الفِعْلِ المُتَعَدِّي، أيْ: يُبَيِّنُ الهُدى والشَرْعَ ونَحْوَهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن غَيْرِ المُتَعَدِّي، أيْ: هو مُبِينٌ في نَفْسِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَقَعَ القَسَمُ عَلَيْهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ﴾ في وصْفِ الكِتابِ فَلا يَحْسُنُ وُقُوعُ القَسَمِ عَلَيْهِ، وهَذا اعْتِراضٌ يَتَضَمَّنُ تَفْخِيمَ الكِتابِ، ويَحْسُنُ القَسَمُ بِهِ، ويَكُونُ الَّذِي وقَعَ القَسَمُ عَلَيْهِ: ﴿إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ﴾.

واخْتَلَفَ الناسُ في تَعْيِينِ اللَيْلَةِ المُبارَكَةِ، فَقالَ قَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ، والحَسَنُ: هي لَيْلَةُ القَدْرِ، وقالُوا: إنَّ كُتُبَ اللهِ تَعالى كُلَّها إنَّما نَزَلَتْ في رَمَضانَ، التَوْراةُ في أوَّلِهِ، والإنْجِيلُ في وسَطِهِ، والزَبُورُ في نَحْوِ ذَلِكَ، ونَزَلَ القُرْآنُ في آخِرِهِ في لَيْلَةِ القَدْرِ، ومَعْنى هَذا النُزُولِ: أنَّ ابْتِداءَ نُزُولِهِ كانَ في لَيْلَةِ القَدْرِ، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ أنْزَلَهُ اللهُ تَعالى جُمْلَةً لَيْلَةَ القَدْرِ إلى البَيْتِ المَعْمُورِ، ومِن هُنا كانَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ يَتَلَقّاهُ، وقالَ عِكْرِمَةُ وغَيْرُهُ: اللَيْلَةُ المُبارَكَةُ هي لَيْلَةُ النِصْفِ مِن شَعْبانَ. (p-٥٧٠)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾ مَعْناهُ: يَفْصِلُ مِن غَيْرِهِ ويَتَخَلَّصُ، ورُوَيَ عن عِكْرِمَةَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ اللهَ تَعالى يَفْصِلُ لِلْمَلائِكَةِ في لَيْلَةِ النِصْفِ مِن شَعْبانَ، وقالَ الحَسَنُ، وعُمَرُ مَوْلى غَفْرَةَ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: في لَيْلَةِ القَدْرِ يَفْصِلُ كُلُّ ما في العامِ المُقْبِلِ مِنَ الأقْدارِ والآجالِ والأرْزاقِ وغَيْرِ ذَلِكَ، ويَكْتُبُ ذَلِكَ لَهم إلى مِثْلِها مِنَ العامِ المُقْبِلِ، قالَ هِلالُ بْنُ يُسافَ: كانَ يُقالُ: انْتَظِرُوا القَضاءَ في شَهْرِ رَمَضانَ، ورُوِيَ في بَعْضِ الحَدِيثِ عَنِ النَبِيِّ ﷺ «أنَّ الرَجُلَ يَتَزَوَّجُ ويُعْرِّسُ وقَدْ خَرَجَ اسْمُهُ في المَوْتى، لِأنَّ الآجالَ تُقْطَعُ في شَعْبانَ،» وقَرَأ الحَسَنُ، والأعْرَجُ، والأعْمَشُ: "يُفَرِّقُ" بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الراءِ، و"حَكِيمٍ": بِمَعْنى: مُحْكَمٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "أمْرًا"﴾ نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ، و"مِن عِنْدِنا": صِفَةٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: "أمْرًا"، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ الرُسُلَ والأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَلامُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ الرَحْمَةَ الَّتِي ذَكَرَ بَعْدُ، وعَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ نُصِبَ قَوْلُهُ تَعالى: "رَحْمَةً" عَلى المَصْدَرِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ نَصْبُها عَلى الحالِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ تَقْرِيرٌ وتَثْبِيتٌ، أيْ: إنْ كُنْتَ مُوقِنًا بِهَذا يَكُونُ يَقِينُكَ، كَما تَقُولُ لِإنْسانٍ تُقِيمُ نَفْسَهُ: العِلْمُ غَرَضُكَ إنْ كُنْتَ رَجُلًا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ أيْ: مالِكُكم ومالِكُ آبائِكم.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: "رَبُّ السَماواتِ" بِالرَفْعِ عَلى القَطْعِ والِاسْتِئْنافِ، وهي قِراءَةُ الأعْرَجِ، وابْنِ أبِي إسْحاقَ، وأبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ. وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِالكَسْرِ عَلى البَدَلِ مِن "رَبِّ" المُتَقَدِّمِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ مُحَيْصِنٍ، والأعْمَشِ، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ﴾ فالجُمْهُورُ عَلى رَفْعِ الباءِ، وقَرَأ الحَسَنُ بِالكَسْرِ، رَواها أبُو مُوسى عَنِ الكِسائِيِّ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ هم في شَكٍّ﴾ إضْرابٌ قَبْلَهُ نَفْيٌ مُقَدَّرٌ، كَأنَّهُ يَقُولُ: لَيْسَ هَؤُلاءِ مِمَّنْ (p-٥٧١)يُؤْمَنُ ولا مِمَّنْ تَنْفَعُهُ وُصاةٌ، بَلْ هم في شَكٍّ يَلْعَبُونَ في أقْوالِهِمْ وأعْمالِهِمْ.

واخْتَلَفَ الناسُ في الدُخّانِ الَّذِي أمَرَ اللهُ تَعالى بِارْتِقابِهِ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ مِنها عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وابْنُ عُمَرَ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ، والحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ رِضِيَ اللهُ تَعالى عنهُمْ: هو دُخانٌ يَجِيءُ مَقْبِلَ يَوْمِ القِيامَةِ، يُصِيبُ المُؤْمِنَ مِنهُ مِثْلُ الزُكامِ، ويَنْضَجُ رُؤُوسُ المُنافِقِينَ والكافِرِينَ حَتّى تَكُونَ كَأنَّها مَصْلِيَّةٌ حَنِيذَةٌ، وقالَتْ فِرْقَةٌ مِنها عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو العالِيَةِ، وإبْراهِيمُ النَخْعِيُّ: هو الدُخانُ الَّذِي رَأتْهُ قُرَيْشٌ حِينَ دَعا رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَيْهِمْ بِسَبْعٍ كَسَبْعِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَلامُ، فَكانَ الرَجُلُ يَرى مِنَ الجَدْبِ والجُوعِ دُخانًا بَيْنَهُ وبَيْنَ السَماءِ، وما يَأْتِي مِنَ الآياتِ يُقَوِّي هَذا التَأْوِيلَ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: خَمْسٌ قَدْ مَضَيْنَ: الدُخانُ واللِزامُ والبَطْشَةُ والقَمَرُ والرُومُ، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ حَدِيثًا عن حُذَيْفَةَ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: « "إنَّ أوَّلَ آياتِ الساعَةِ الدُخانُ، ونُزُولُ عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ، ونارٌ تَخْرُجُ مِن قَعْرِ عَدَنٍ"»، وضَعَّفَ الطَبَرِيُّ سَنَدَ هَذا (p-٥٧٢)الحَدِيثِ، واخْتارَ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ في الدُخانِ، ويُحْتَمَلُ -إنْ صَحَّ حَدِيثُ حُذَيْفَةَ - أنْ يَكُونَ قَدْ مَرَّ دُخانٌ ويَأْتِي دُخانٌ آخَرَ.

44:11–18Page 496

يَغۡشَى ٱلنَّاسَۖ هَٰذَا عَذَابٌ أَلِيمٞ ١١

Covering the people; this is a painful torment.

رَّبَّنَا ٱكۡشِفۡ عَنَّا ٱلۡعَذَابَ إِنَّا مُؤۡمِنُونَ ١٢

[They will say], "Our Lord, remove from us the torment; indeed, we are believers."

أَنَّىٰ لَهُمُ ٱلذِّكۡرَىٰ وَقَدۡ جَآءَهُمۡ رَسُولٞ مُّبِينٞ ١٣

How will there be for them a reminder [at that time]? And there had come to them a clear Messenger.

ثُمَّ تَوَلَّوۡاْ عَنۡهُ وَقَالُواْ مُعَلَّمٞ مَّجۡنُونٌ ١٤

Then they turned away from him and said, "[He was] taught [and is] a madman."

إِنَّا كَاشِفُواْ ٱلۡعَذَابِ قَلِيلًاۚ إِنَّكُمۡ عَآئِدُونَ ١٥

Indeed, We will remove the torment for a little. Indeed, you [disbelievers] will return [to disbelief].

يَوۡمَ نَبۡطِشُ ٱلۡبَطۡشَةَ ٱلۡكُبۡرَىٰٓ إِنَّا مُنتَقِمُونَ ١٦

The Day We will strike with the greatest assault, indeed, We will take retribution.

۞ وَلَقَدۡ فَتَنَّا قَبۡلَهُمۡ قَوۡمَ فِرۡعَوۡنَ وَجَآءَهُمۡ رَسُولٞ كَرِيمٌ ١٧

And We had already tried before them the people of Pharaoh, and there came to them a noble messenger [i.e., Moses],

أَنۡ أَدُّوٓاْ إِلَيَّ عِبَادَ ٱللَّهِۖ إِنِّي لَكُمۡ رَسُولٌ أَمِينٞ ١٨

[Saying], "Render to me the servants of Allāh.1 Indeed, I am to you a trustworthy messenger,"

قوله عزّ وجلّ:

﴿يَغْشى الناسَ هَذا عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿رَبَّنا اكْشِفْ عَنّا العَذابَ إنّا مُؤْمِنُونَ﴾ ﴿أنّى لَهُمُ الذِكْرى وقَدْ جاءَهم رَسُولٌ مُبِينٌ﴾ ﴿ثُمَّ تَوَلَّوْا عنهُ وقالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ﴾ ﴿إنّا كاشِفُو العَذابِ قَلِيلا إنَّكم عائِدُونَ﴾ ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرى إنّا مُنْتَقِمُونَ﴾ ﴿وَلَقَدْ فَتَنّا قَبْلَهم قَوْمَ فِرْعَوْنَ وجاءَهم رَسُولٌ كَرِيمٌ﴾ ﴿أنْ أدُّوا إلَيَّ عِبادَ اللهِ إنِّي لَكم رَسُولٌ أمِينٌ﴾

﴿ "يَغْشى":﴾ مَعْناهُ: يُغَطِّي، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَذا عَذابٌ ألِيمٌ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إخْبارًا مِنَ اللهِ تَعالى، كَأنَّهُ يَعْجَبُ مِنهُ، عَلى نَحْوِ مِن قَوْلِهِ تَعالى لَمّا وصَفَ قِصَّةَ الذَبْحِ: ﴿إنَّ هَذا لَهو البَلاءُ المُبِينُ﴾ [الصافات: ١٠٦]، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ﴿هَذا عَذابٌ ألِيمٌ﴾ مِن قَوْلِ الناسِ، كَأنَّ تَقْدِيرَ الكَلامِ: يَقُولُونَ هَذا عَذابٌ ألِيمٌ، ويُؤَيِّدُ هَذا التَأْوِيلَ سِياقُهُ تَعالى حِكايَةً عنهم أنَّهم يَقُولُونَ: ﴿رَبَّنا اكْشِفْ عَنّا العَذابَ إنّا مُؤْمِنُونَ﴾، وعَلِمَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى أنَّ قَوْلَهم في حالِ الشِدَّةِ: ﴿إنّا مُؤْمِنُونَ﴾ إنَّما هو عن غَيْرِ حَقِيقَةٍ مِنهُمْ، فَدَلَّ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿أنّى لَهُمُ الذِكْرى﴾، أيْ: مَن أيْنَ لَهم أنْ يَتَذَكَّرُوا وهم قَدْ تَرَكُوا الذِكْرى وراءَ ظُهُورِهِمْ بِأنْ جاءَهم رَسُولٌ مُبِينٌ، وهو مُحَمَّدٌ ﷺ فَكَفَرُوا بِهِ؟ و"تَوَلَّوْا عنهُ": أيْ: أعْرَضُوا، وقالُوا: إنَّهُ يَعْلَمُ هَذا الكَلامَ الَّذِي يَتْلُو، وإنَّهُ مَجْنُونٌ، وإخْبارُهُ تَعالى بِأنَّهُ يَكْشِفُ عنهُمُ العَذابَ قَلِيلًا إخْبارٌ عن إقامَةِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ ومُبالَغَةٌ في الإمْلاءِ لَهُمْ، ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى بِأنَّهم عائِدُونَ إلى الكُفْرِ، وقالَ قَتادَةُ: هو تَوَعُّدٌ بِمِعادِ الآخِرَةِ، ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى بِأنَّهُ يَنْتَقِمُ مِنهم بِسَبَبِ هَذا (p-٥٧٣)كُلِّهِ في يَوْمِ البَطْشَةِ، وقَدَّمَ اليَوْمَ وذَكَرَهُ عَلى الَّذِي عَمِلَ فِيهِ تَهَمُّمًا بِهِ وتَخْوِيفًا مِنهُ، والعامِلُ فِيهِ ﴿ "مُنْتَقِمُونَ"،﴾ وقَدْ ضَعَّفَ البَصْرِيُّونَ هَذا مِن حَيْثُ هو خَبَرُ "إنَّ"، وأبْعَدُوا أنْ يَعْمَلَ خَبَرُها فِيما قَبْلَها، وقالُوا: العامِلُ فِعْلٌ مُضْمَرٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿ "مُنْتَقِمُونَ".﴾

واخْتَلَفَ الناسُ في يَوْمِ البَطْشَةِ الكُبْرى، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ: هو يَوْمُ القِيامَةِ، وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، ومُجاهِدٌ: هو يَوْمُ بَدْرٍ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "نَبْطِشُ"﴾ بِفَتْحِ النُونِ وكَسْرِ الطاءِ، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: بِضَمِّ الطاءِ، وقَرَأ الحَسَنُ أيْضًا، وأبُو رَجاءٍ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: بِضَمِّ النُونِ وكَسْرِ الطاءِ، ومَعْناها: نُسَلِّطُ عَلَيْهِمْ مَن يَبْطِشُ بِهِمْ.

ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى قَوْمَ فِرْعَوْنَ عَلى جِهَةِ المِثالِ لِقُرَيْشٍ، و﴿ "فَتَنّا"﴾ مَعْناهُ: امْتَحَنّا واخْتَبَرْنا، و"الرَسُولُ الكَرِيمُ": قالَ قَتادَةُ: هو مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، ومَعْنى الآيَةِ يُعْطِي ذَلِكَ بِلا خِلافٍ، وهُنا مَتْرُوكٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ الظاهِرُ، تَقْدِيرُهُ: قالَ لَهُمْ: أدُّوا، وهَذا مَأْخُوذٌ مِنَ الأداءِ، كَأنَّهُ يَقُولُ: أنِ ادْفَعُوا إلَيَّ وأعْطُونِي ومَكِّنُونِي، واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في الشَيْءِ المُؤَدّى في هَذِهِ الآيَةِ، ما هُوَ؟ فَقالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ، وقَتادَةُ: طَلَبَ مِنهم أنْ يُؤَدُّوا إلَيْهِ بَنِي إسْرائِيلَ، وإيّاهم أرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿عِبادَ اللهِ﴾، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: المَعْنى: اتَّبِعُونِي إلى ما أدْعُوكم إلَيْهِ مِنَ الحَقِّ، فَقَوْلُهُ: ﴿عِبادَ اللهِ﴾ مُنادى مُضافٌ، والمُؤَدّى: هي الطاعَةُ والإيمانُ والأعْمالُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

والظاهِرُ مِن شَرْعِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أنَّهُ بُعِثَ إلى دُعاءِ فِرْعَوْنَ إلى الإيمانِ، وأنْ يُرْسِلَ بَنِي إسْرائِيلَ، فَلَمّا أبى أنْ يُؤْمِنَ، ثَبَتَتِ المُكافَحَةُ في أنْ يُرْسِلَ بَنِي إسْرائِيلَ، وفي إرْسالِهِمْ قَوْلُهُ: ﴿أنْ أدُّوا إلَيَّ عِبادَ اللهِ﴾، أيْ: بَنِي إسْرائِيلَ، ويُقَوِّي ذَلِكَ قَوْلُهُ بَعْدُ: ﴿وَإنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فاعْتَزِلُونِ﴾ [الدخان: ٢١]، وهَذا قَرِيبُ نَصٍّ في أنَّهُ إنَّما يَطْلُبُ بَنِي إسْرائِيلَ فَقَطْ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ أيْضًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأسْرِ بِعِبادِي﴾ [الدخان: ٢٣]، فَكُنِّيَ عنهم بِـ "عِبادِي"، فَيُظْهِرُ أنَّهُ إيّاهم أرادَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ بِقَوْلِهِ: ﴿عِبادَ اللهِ﴾، وقَوْلُهُ: ﴿رَسُولٌ أمِينٌ﴾ مَعْناهُ: عَلى وحْيِ اللهِ تَعالى أُؤَدِّيهِ إلى عِبادِهِ.

44:19–28Page 497

وَأَن لَّا تَعۡلُواْ عَلَى ٱللَّهِۖ إِنِّيٓ ءَاتِيكُم بِسُلۡطَٰنٖ مُّبِينٖ ١٩

And [saying], "Be not haughty with Allāh. Indeed, I have come to you with clear evidence.

وَإِنِّي عُذۡتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمۡ أَن تَرۡجُمُونِ ٢٠

And indeed, I have sought refuge in my Lord and your Lord, lest you stone me.1

وَإِن لَّمۡ تُؤۡمِنُواْ لِي فَٱعۡتَزِلُونِ ٢١

But if you do not believe me, then leave me alone."

فَدَعَا رَبَّهُۥٓ أَنَّ هَٰٓؤُلَآءِ قَوۡمٞ مُّجۡرِمُونَ ٢٢

And [finally] he called to his Lord that these were a criminal people.

فَأَسۡرِ بِعِبَادِي لَيۡلًا إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ ٢٣

[Allāh said], "Then set out with My servants by night. Indeed, you are to be pursued.

وَٱتۡرُكِ ٱلۡبَحۡرَ رَهۡوًاۖ إِنَّهُمۡ جُندٞ مُّغۡرَقُونَ ٢٤

And leave the sea in stillness.1 Indeed, they are an army to be drowned."

كَمۡ تَرَكُواْ مِن جَنَّٰتٖ وَعُيُونٖ ٢٥

How much they left behind of gardens and springs

وَزُرُوعٖ وَمَقَامٖ كَرِيمٖ ٢٦

And crops and noble sites

وَنَعۡمَةٖ كَانُواْ فِيهَا فَٰكِهِينَ ٢٧

And comfort wherein they were amused.

كَذَٰلِكَۖ وَأَوۡرَثۡنَٰهَا قَوۡمًا ءَاخَرِينَ ٢٨

Thus. And We caused to inherit it another people.

(p-٥٧٤)قوله عزّ وجلّ:

﴿وَأنْ لا تَعْلُوا عَلى اللهِ إنِّي آتِيكم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ ﴿وَإنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكم أنْ تَرْجُمُونِ﴾ ﴿وَإنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فاعْتَزِلُونِ﴾ ﴿فَدَعا رَبَّهُ أنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ﴾ ﴿فَأسْرِ بِعِبادِي لَيْلا إنَّكم مُتَّبَعُونَ﴾ ﴿واتْرُكِ البَحْرَ رَهْوًا إنَّهم جُنْدٌ مُغْرَقُونَ﴾ ﴿كَمْ تَرَكُوا مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وَزُرُوعٍ ومَقامٍ كَرِيمٍ﴾ ﴿وَنَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ﴾ ﴿كَذَلِكَ وأورَثْناها قَوْمًا آخَرِينَ﴾

المَعْنى: كانَتْ رِسالَتُهُ وقَوْلُهُ: أنْ أدُّوا وألّا تَعْلُوا، وعَبَّرَ بِالعُلُوِّ عَنِ الطُغْيانِ والعُتُوِّ عَلى اللهِ تَعالى وعَلى شَرْعِهِ وعَلى رَسُولِهِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "إنِّي آتِيكُمْ"﴾ بِكَسْرِ الألِفِ مِن "إنِّي" عَلى الإخْبارِ المُؤَكَّدِ، والسُلْطانُ: الحُجَّةُ، فَكَأنَّهُ قالَ: لا تَكْفُرُوا، فَإنَّ الدَلِيلَ المُؤَدِّيَ إلى الإيمانِ بَيِّنٌ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "أنِّي آتِيكُمْ" بِفَتْحِ الألِفِ. و"أنْ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ، بِمَعْنى: لا تَكْفُرُوا مِن أجْلِ أنِّي آتِيكم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ، فَكَأنَّ مَقْصِدَ الكَلامِ التَوْبِيخُ، كَما تَقُولُ لِإنْسانٍ: لا تَغْضَبْ، لِأنَّ الحَقَّ قِيلَ لَكَ.

وقَوْلُهُ: ﴿وَإنِّي عُذْتُ﴾ الآيَةُ، كَلامٌ قالَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ لِخَوْفٍ لَحِقَهُ مِن فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ و"عُذْتُ": مَعْناهُ: اسْتَجَرْتُ وتَحَرَّمْتُ، وأُدْغَمَ الذالُ في التاءِ الأعْرَجُ، وأبُو عَمْرٍو، واخْتَلَفَ الناسُ في قَوْلِهِ: ﴿ "أنْ تَرْجُمُونِ"﴾ فَقالَ قَتادَةُ وغَيْرُهُ: أرادَ الرَجْمَ بِالحِجارَةِ المُؤَدِّي إلى القَتْلِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رِضِيَ اللهُ عنهُما، وأبُو صالِحٍ: أرادَ الرَجْمَ بِالقَوْلِ مِنَ السِبابِ والمُخالَفَةِ ونَحْوِهِ، والأوَّلُ أظْهَرُ، لِأنَّهُ أُعِيذَ مِنهُ ولَمْ يَعُذْ مِنَ الآخَرِ، بَلْ قِيلَ فِيهِ عَلَيْهِ السَلامُ ولَهُ، وقَوْلُهُ: ﴿تُؤْمِنُوا لِي﴾ مَعْناهُ: تُؤْمِنُوا بِي، والمَعْنى: تُصَدِّقُوا، وقَوْلُهُ: ﴿ "فاعْتَزِلُونِ"﴾ مُتارَكَةٌ صَرِيحَةٌ. قالَ قَتادَةُ: أرادَ خَلُّوا سَبِيلِي.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَدَعا رَبَّهُ﴾ قَبْلَهُ مَحْذُوفٌ مِنَ الكَلامِ، تَقْدِيرُهُ: فَما كَفُّوا عنهُ، بَلْ تَطَرَّقُوا إلَيْهِ، وعَتَوْا عَلَيْهِ وعَلى دَعْوَتِهِ فَدَعا رَبَّهُ، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، وعِيسى: "إنَّ هَؤُلاءِ" بِكَسْرِ الألِفِ مِن "إنَّ"، عَلى مَعْنى: "قالَ إنَّ"، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ، والحَسَنُ أيْضًا: "أنَّ هَؤُلاءِ" بِفَتْحِ الألِفِ، والقِراءَتانِ حَسَنَتانِ، وحُكِمَ عَلَيْهِمْ بِالإجْرامِ المُضَمَّنِ لِلْكُفْرِ حِينَ يَئِسَ مِنهُمْ، وهُنا أيْضًا مَحْذُوفٌ مِنَ الكَلامِ تَقْدِيرُهُ: فَقالَ اللهُ تَعالى لَهُ: فَأسْرِ بِعِبادِي، وهَذا هو الأمْرُ الَّذِي أنْفَذَهُ اللهُ تَعالى إلى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ بِالخُرُوجِ مِن دِيارِ مِصْرَ بِبَنِي إسْرائِيلَ، وقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ وقَصَصُهُ في سُورَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَلامُ وغَيْرِها، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "فاسْرُ" مَوْصُولَةُ الألِفِ، وقَرَأ: "فَأسْرِ" بِقِطَعِ الألِفِ الحَسَنُ، (p-٥٧٥)وَعِيسى، ورُوِيَتْ عن أبِي عَمْرٍو، وأعْلَمَهُ تَعالى بِأنَّهم مُتَّبِعُونَ، أيْ: يَتْبَعُهم فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ.

واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتْرُكِ البَحْرَ رَهْوًا﴾، مَتى قالَها سُبْحانَهُ وتَعالى لِمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ ؟ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هو كَلامٌ مُتَّصِلٌ، إنَّكم مُتَّبَعُونَ واتْرُكِ البَحْرَ إذا انْفَرَقَ لَكَ رَهْوًا، وقالَ قَتادَةُ وغَيْرُهُ: خُوطِبَ عَلَيْهِ السَلامُ بِهِ بَعْدَ ما جازَ البَحْرَ وخَشِيَ أنْ يَدْخُلَ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ وراءَهُ، وأنْ يَخْرُجُوا مِنَ المَسالِكِ الَّتِي خَرَجَ مِنها بَنُو إسْرائِيلَ، فَهَمَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ بِأنْ يَضْرِبَ البَحْرَ عَسى أنْ يَلْتَئِمَ ويَرْجِعَ إلى حالِهِ، فَقِيلَ لَهُ عِنْدَ ذَلِكَ: ﴿واتْرُكِ البَحْرَ رَهْوًا﴾.

واخْتَلَفَتْ عِبارَةُ المُفَسِّرِينَ في تَفْسِيرِ الرَهْوِ، فَقالَ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ: مَعْناهُ: يَبَسًا، مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاضْرِبْ لَهم طَرِيقًا في البَحْرِ يَبَسًا﴾ [طه: ٧٧]، وقالَ الضَحّاكُ بْنُ مُزاحِمٍ: مَعْناهُ: دَمِثًا لَيِّنًا. وقالَ عِكْرِمَةُ أيْضًا: جَرْدًا. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: سَهْلًا. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِي اللهُ عنهُما: مَعْناهُ: ساكِنًا، أيْ: كَما جَزَتْهُ، وهَذا القَوْلُ الأخِيرُ هو الَّذِي تُؤَيِّدُهُ اللُغَةُ، فَإنَّ العَيْشَ الراهِيَ هو الَّذِي في خَفْضٍ ودَعَةٍ وسُكُونٍ، حَكاهُ المُبَرِّدُ وغَيْرُهُ، والرَهْوُ في اللُغَةِ هو هَذا المَعْنى، ومِنهُ قَوْلُ عُمَيْرِ بْنِ شُيَيْمٍ القَطامِيِّ:

؎ يَمْشُونَ رَهْوًا فَلا الأعْجازُ خاذِلَةً ∗∗∗ ولا الصُدُورُ عَلى الأعْجازِ تَتَّكِلُ

فَإنَّما مَعْناهُ: يَمْشِينَ اتِّئادًا وسُكُونًا وتَماهُلًا، ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ:(p-٥٧٦)

؎ ............................ ∗∗∗ ∗∗∗ أو أُمَّةٌ خَرَجَتْ رَهْوًا إلى عِيدِ

أيْ: خَرَجُوا في سُكُونٍ وتَماهُلٍ، فَقِيلَ لِمُوسى عَلَيْهِ السَلامُ: اتْرُكِ البَحْرَ ساكِنًا عَلى حالِهِ مِنَ الِافْتِراقِ لِيَقْضِيَ اللهُ أمْرًا كانَ مَفْعُولًا، والرَهْوُ مِن أسْماءِ الكُرْكِيِّ الطائِرِ، ولا مَدْخَلَ لَهُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، ويُشْبِهُ عِنْدِي أنَّ سُمِّيَ رَهْوًا لِسُكُونِهِ، وأنَّهُ أبَدًا عَلى تَماهُلٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَمْ تَرَكُوا﴾ الآيَةُ، قَبْلَهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: فَغَرِقُوا وقَطَعَ اللهُ دابِرَهُمْ، ثُمَّ أخَذَ اللهُ تَعالى يَعْجَبُ مِن كَثْرَةِ ما تَرَكُوا مِنَ الأُمُورِ الرَفِيعَةِ العَظِيمَةِ في الدُنْيا، و﴿ "كَمْ"﴾ خَبَرٌ لِلتَّكْثِيرِ، والجَنّاتُ والعُيُونُ رُوِيَ أنَّها كانَتْ مُتَّصِلَةً ضِفَّتَيِ النِيلِ جَمِيعًا مِن رَشِيدٍ إلى أسْوانَ، وأمّا العُيُونُ فَيُحْتَمَلُ أنَّهُ أرادَ الخِلْجانَ الخارِجَةَ مِنَ النِيلِ فَشَبَّهَها بِالعُيُونِ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ كانَتْ ثَمَّ عُيُونٌ ونَضَبَتْ، كَما يَعْتَرِي في كَثِيرٍ مِن بِقاعِ الأرْضِ، وقَرَأ قَتادَةُ، ومُحَمَّدُ بْنُ السَمَيْفَعِ اليَمانِيُّ، ونافِعٌ -فِي رِوايَةِ خارِجَةَ عنهُ-: "وَمُقامٍ" بِضَمِّ المِيمِ، أيْ: مَوْضِعَ إقامَةٍ، وكَذَلِكَ قَرَأ اليَمانِيُّ في كُلِّ القُرْآنِ إلّا في مَرْيَمَ (p-٥٧٧)﴿خَيْرٌ مَقامًا﴾ [مريم: ٧٣]، فَكَأنَّ المَعْنى: كَمْ تَرَكُوا مِن مَوْضِعٍ حَسَنٍ كَرِيمٍ في قَدْرِهِ ونَفْعِهِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ، ونافِعٌ: ﴿ "وَمَقامٍ كَرِيمٍ"﴾ بِفَتْحِ المِيمِ، أيْ: مَوْضِعُ قِيامٍ، فَعَلى هَذِهِ القِراءَةِ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ: أرادَ المَنابِرَ، وعَلى ضَمِّ المِيمِ فِي: "مُقامٍ" قالَ قَتادَةُ: أرادَ المَواضِعَ الحِسانَ مِنَ المَساكِنِ وغَيْرِها، والقَوْلُ بِالمَنابِرِ بَهِيٌّ جِدًّا.

و"النَعْمَةَ" -بِفَتْحِ النُونِ-: غَضارَةُ العَيْشِ ولَذاذَةُ الحَياةِ، و"النِعْمَةُ" -بِكَسْرِ النُونِ-: أعَمُّ مِن هَذا، لِأنَّ النِعْمَةَ بِالفَتْحِ هي مِن جُمْلَةِ النِعَمِ بِالكَسْرِ، وقَدْ تَكُونُ الأمْراضُ والآلامُ والمَصائِبُ نِعَمًا، ولا يُقالُ فِيها نَعْمَةً بِالفَتْحِ، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ: "وَنِعْمَةً" بِالنَصْبِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "فاكِهِينَ" بِمَعْنى: ناعِمِينَ. والفاكِهُ: الطَيِّبُ النَفْسِ، أو يَكُونُ بِمَعْنى: أصْحابُ فاكِهَةٍ كَلابِنٍ وتامِرٍ، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ، والحَسَنُ -بِخِلافٍ عنهُ- وابْنُ القَعْقاعِ: "فَكِهِينَ"، ومَعْناهُ قَرِيبٌ مِنَ الأوَّلِ، لَكِنَّ الفَكِهَ يُسْتَعْمَلُ كَثِيرًا في المُسْتَخِفِّ المُسْتَهْزِئِ، فَكَأنَّهُ ها هُنا يَقُولُ: كانُوا في هَذِهِ النِعْمَةِ مُسْتَخِفِّينَ بِشُكْرِها والمَعْرِفَةِ بِحَقِّها.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ وأورَثْناها﴾ مَعْناهُ: الأمْرُ كَذَلِكَ، وسَمّاهُ وِراثَةُ مِن حَيْثُ كانَتْ أشْياءُ أُناسٍ وصَلَتْ إلى قَوْمٍ آخَرِينَ مِن بَعْدِ مَوْتِ الأوَّلِينَ، وهَذِهِ حَقِيقَةُ المِيراثِ في اللُغَةِ، ورَبَطَها الشَرْعُ بِالنَسَبِ وغَيْرُهُ مِن أسْبابِ المِيراثِ، و"الآخَرُونَ": مِن مُلْكِ مِصْرَ بَعْدَ القِبْطِ، وقالَ قَتادَةُ: القَوْمُ الآخَرُونَ هم بَنُو إسْرائِيلَ، وهَذا ضَعِيفٌ، لِأنَّهُ لَمْ يُرْوَ في التَوارِيخِ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ رَجَعُوا إلى مِصْرَ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ الزَمانِ ولا مَلَكُوها قَطُّ، إلّا أنْ يُرِيدَ قَتادَةُ أنَّهم ورِثُوا نَوْعَها في بِلادِ الشامِ، وقَدْ ذَكَرَ الثَعْلَبِيُّ عَنِ الحَسَنِ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ رَجَعُوا إلى مِصْرَ بَعْدَ هَلاكِ فِرْعَوْنَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском