Ibn 'AtiyyaAn‑Naml · 27:1–17

Ibn 'Atiyya · Tafsir · in Arabic

النمل

An-Naml

The Ant · Meccan · 93 ayahs

27:1–5Page 377

طسٓۚ تِلۡكَ ءَايَٰتُ ٱلۡقُرۡءَانِ وَكِتَابٖ مُّبِينٍ ١

Ṭā, Seen.1 These are the verses of the Qur’ān [i.e., recitation] and a clear Book

هُدٗى وَبُشۡرَىٰ لِلۡمُؤۡمِنِينَ ٢

As guidance and good tidings for the believers

ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَهُم بِٱلۡأٓخِرَةِ هُمۡ يُوقِنُونَ ٣

Who establish prayer and give zakāh, and of the Hereafter they are certain [in faith].

إِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمۡ أَعۡمَٰلَهُمۡ فَهُمۡ يَعۡمَهُونَ ٤

Indeed, for those who do not believe in the Hereafter, We have made pleasing to them their deeds, so they wander blindly.

أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَهُمۡ سُوٓءُ ٱلۡعَذَابِ وَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ هُمُ ٱلۡأَخۡسَرُونَ ٥

Those are the ones for whom there will be the worst of punishment, and in the Hereafter they are the greatest losers.

(p-٥١٥)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ

تَفْسِيرُ سُورَةِ النَمْلِ

قوله عزّ وجلّ:

﴿طس تِلْكَ آياتُ القُرْآنِ وكِتابٍ مُبِينٍ﴾ ﴿هُدًى وبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَلاةَ ويُؤْتُونَ الزَكاةَ وهم بِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ زَيَّنّا لَهم أعْمالَهم فَهم يَعْمَهُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهم سُوءُ العَذابِ وهم في الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ﴾

تَقَدَّمَ القَوْلُ في الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ في كُلِّ السُورِ، وكُلِّ ما قِيلَ مُتَرَتِّبٌ هُنا، وعَلى القَوْلِ بِأنَّها حُرُوفٌ مِن أسْماءِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى فالأسْماءُ هُنا: لَطِيفٌ وسَمِيعٌ، وكَوْنُها إشارَةً إلى نَوْعِ حُرُوفِ المُعْجَمِ أبْيَنُ الأقْوالِ. وعَطْفُ "كِتابٍ" عَلى "القُرْآنِ" وهُما لِمُسَمًّى واحِدٍ مِن حَيْثُ هُما صِفَتانِ لِمَعْنَيَيْنِ، فالقُرْآنُ لِأنَّهُ اجْتَمَعَ، والكِتابُ لِأنَّهُ كَتَبَ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "وَكِتابٌ مُبِينٌ" بِالرَفْعِ، وقَوْلُهُ: ﴿هُدًى وبُشْرى﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى المَصْدَرِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى خَبَرِ ابْتِداءٍ مُضْمَرٍ، تَقْدِيرُهُ: ذَلِكَ هُدًى وبُشْرى.

ثُمَّ وصَفَ تَعالى المُؤْمِنِينَ بِالأوصافِ الخَلِيقَةِ بِهِمْ. وإقامَةُ الصَلاةِ: إدامَتُها عَلى وجْهِها. و"الزَكاةُ" هُنا يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ غَيْرَ المَفْرُوضَةِ لِأنَّ السُورَةَ مَكِّيَّةٌ قَدِيمَةٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ المَفْرُوضَةَ مِن غَيْرِ تَفْسِيرٍ، وقِيلَ: "الزَكاةُ" هُنا بِمَعْنى الطَهارَةِ مِنَ النَقائِصِ ومُلازِمَةِ مَكارِمِ الأخْلاقِ. وتَكْرارُ الضَمِيرِ في قَوْلِهِ: ﴿وَهم بِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ﴾ لِلتَّأْكِيدِ.

ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى الكَفَرَةَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالبَعْثِ، والإشارَةِ إلى قُرَيْشٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿زَيَّنّا لَهم أعْمالَهُمْ﴾ يُحْتَمَلُ أنَّهُ تَعالى حَتَّمَ عَلَيْهِمُ الكُفْرَ، وحَبَّبَ إلَيْهِمُ الشِرْكَ، وزَيَّنَهُ بِأنْ (p-٥١٦)خَلَقَهُ واخْتَرَعَهُ في نُفُوسِهِمْ، ومَعَ ذَلِكَ اكْتِسابُهم وحِرْصُهم عَلى كُفْرِهِمْ، وهَذا عَلى أنْ تَكُونَ الأعْمالُ المُزَيَّنَةُ كُفْرُهم وطُغْيانُهُمْ، ويُحْتَمَلُ أنَّ الأعْمالَ المُزَيَّنَةَ هي الشَرِيعَةُ الَّتِي كانَ الواجِبُ أنْ تَكُونَ أعْمالَهُمْ، فَأخْبَرَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى عَلى جِهَةِ الذِكْرِ أنَّهُ بِفَضْلِهِ ورَحْمَتِهِ زَيَّنَ الدِينَ وبَيَّنَهُ، ورَسَمَ الأعْمالَ والتَوْحِيدَ، لَكِنَّ هَؤُلاءِ "يَعْمَهُونَ"، أيْ: ويَعْرِضُونَ، و"العَمَهُ": الحَيْرَةُ والتَرَدُّدُ في الصَلاةِ. ثُمَّ تَوَعَّدَهم تَعالى بِسُوءِ العَذابِ، فَمَن نالَهُ شَيْءٌ في الدُنْيا بَقِيَ عَلَيْهِ عَذابُ الآخِرَةِ، ومَن لَمْ يَنَلْهُ عَذابٌ في الدُنْيا كانَ سُوءُ عَذابِهِ في مَوْتِهِ وفِيما بَعْدَهُ، و"الأخْسَرُونَ": جَمْعُ أخْسَرِيٍّ؛ لِأنَّ أفْعَلَ صِفَةٌ، لا يُجْمَعُ إلّا أنْ يُضافَ فَتَقْوى رُتْبَتُهُ في الأسْماءِ، وفي هَذا نَظَرٌ.

27:6–9Page 377

وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى ٱلۡقُرۡءَانَ مِن لَّدُنۡ حَكِيمٍ عَلِيمٍ ٦

And indeed, [O Muḥammad], you receive the Qur’ān from one Wise and Knowing.

إِذۡ قَالَ مُوسَىٰ لِأَهۡلِهِۦٓ إِنِّيٓ ءَانَسۡتُ نَارٗا سَـَٔاتِيكُم مِّنۡهَا بِخَبَرٍ أَوۡ ءَاتِيكُم بِشِهَابٖ قَبَسٖ لَّعَلَّكُمۡ تَصۡطَلُونَ ٧

[Mention] when Moses said to his family, "Indeed, I have perceived a fire. I will bring you from there information or will bring you a burning torch that you may warm yourselves."

فَلَمَّا جَآءَهَا نُودِيَ أَنۢ بُورِكَ مَن فِي ٱلنَّارِ وَمَنۡ حَوۡلَهَا وَسُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٨

But when he came to it, he was called, "Blessed is whoever is at the fire and whoever is around it. And exalted is Allāh, Lord of the worlds.

يَٰمُوسَىٰٓ إِنَّهُۥٓ أَنَا ٱللَّهُ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٩

O Moses, indeed it is I - Allāh, the Exalted in Might, the Wise."

قوله عزّ وجلّ:

﴿وَإنَّكَ لَتُلَقّى القُرْآنَ مِن لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ ﴿إذْ قالَ مُوسى لأهْلِهِ إنِّي آنَسْتُ نارًا سَآتِيكم مِنها بِخَبَرٍ أو آتِيكم بِشِهابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكم تَصْطَلُونَ﴾ ﴿فَلَمّا جاءَها نُودِيَ أنْ بُورِكَ مَن في النارِ ومَن حَوْلَها وسُبْحانَ اللهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿يا مُوسى إنَّهُ أنا اللهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾

"تَلْقى" تَفْعَلُ، مُضاعَفٌ، ومَعْناهُ: تُعْطى، كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿وَما يُلَقّاها إلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٥]، قالَ الحَسَنُ: المَعْنى: أنَّكَ لَتُقَبِّلُ القُرْآنَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

ولا شَكَّ أنَّهُ يَفِيضُ عَلَيْهِ فَضْلُ اللهِ تَعالى فَيُقَلِّبُهُ ﷺ، وهَذِهِ الآيَةُ رَدٌّ عَلى كُفّارِ قُرَيْشٍ في قَوْلِهِمْ: إنَّ القُرْآنَ مِن تِلْقاءِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ. و"مِن لَدُنْ" مَعْناهُ: مِن عِنْدِهِ ومِن جِهَتِهِ، و"الحَكِيمُ": ذُو الحِكْمَةِ في مَعْرِفَتِهِ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالاتِهِ، وفي غَيْرِ ذَلِكَ، لا إلَهَ إلّا هو.

ثُمَّ قَصَّ تَعالى خَبَرَ مُوسى، والتَقْدِيرُ: اذْكُرْ إذْ قالَ مُوسى، وكانَ مِن أمْرِ مُوسى عَلَيْهِ (p-٥١٧)السَلامُ أنَّهُ حِينَ خَرَجَ بِزَوْجَتِهِ بِنْتِ شُعَيْبٍ عَلَيْهِما السَلامُ يُرِيدُ مِصْرَ -وَقَدْ قَرُبَ وقْتُ نُبُوَّتِهِ- مَشَوْا في لَيْلَةٍ ظَلْماءَ ذاتِ بَرْدٍ ومَطَرٍ، فَفَقَدُوا النارَ ومَسَّهُمُ البَرْدُ واشْتَدَّتْ عَلَيْهِمُ الظُلْمَةُ وضَلُّوا الطَرِيقَ، وأصْلَدَ زِنادُ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، فَبَيْنا هو في هَذِهِ الحالِ إذْ رَأى نارًا عَلى بُعْدٍ. و"آنَسْتُ" مَعْناهُ: رَأيْتُ، ومِنهُ قَوْلُ حَسّانَ بْنِ ثابِتٍ:

؎ انْظُرْ خَلِيلِيَّ بِبابِ جِلَّقِ هَلْ تُؤْنِسُ دُونَ البَلْقاءِ مِن أحَدٍ؟

فَلَمّا رَأى مُوسى ذَلِكَ قالَ لِأهْلِهِ ما في الآيَةِ، ومَشى نَحْوَها، فَلَمّا دَنا مِنها بَعُدَتْ هي مِنهُ، وكانَ ذَلِكَ نُورًا مِن نُورِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، ولَمْ يَكُنْ نارًا في نَفْسِهِ، لَكِنْ ظَنَّهُ مُوسى نارًا، فَناداهُ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى عِنْدَ ذَلِكَ، وسَمِعَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ النِداءَ مِن جِهَةِ الشَجَرَةِ، وأسْمَعُهُ اللهُ تَعالى كَلامَهُ. و"الخَبَرُ" الَّذِي رَجاهُ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ هو الإعْلامُ بِالطَرِيقِ. وقَوْلُهُ: ﴿بِشِهابٍ قَبَسٍ﴾، شِبْهُ النارِ الَّتِي تُوجَدُ في طَرَفِ عُودٍ أو غَيْرِهِ بِالشِهابِ، ثُمَّ خَصَّصَهُ بِأنَّهُ مِمّا اقْتُبِسَ؛ إذِ الشُهُبُ قَدْ تَكُونُ مِن غَيْرِ اقْتِباسٍ، والقَبَسُ اسْمٌ لِقِطْعَةِ النارِ تُقْتَبَسُ في عُودٍ أو غَيْرِهِ، كَما أنَّ القَبْضَ اسْمٌ ما يَقْبِضُ، ومِنهُ قَوْلٌ أبِي زَيْدٍ:

؎ في كِفَّةٍ صَعْدَةٌ مُثَقَّفَةٌ ∗∗∗ فِيها سِنانٌ كَشُعْلَةِ القَبَسِ

(p-٥١٨)وَقَوْلُ الآخَرِ:

؎ مَن شاءَ مِن نارِ الجَحِيمِ اسْتَقْبَسا

وأصْلُ الشِهابِ الكَوْكَبُ المُنْقَضُّ في أثَرٍ مُسْتَرِقِ السَمْعِ، وكُلُّ ما يُقالُ لَهُ شِهابٌ مِنَ النَيِّراتِ فَعَلى التَشْبِيهِ، قالَ الزَجّاجُ: كُلُّ أبْيَضَ ذِي نُورٍ فَهو شِهابٌ، وكَلامُهُ مُعْتَرَضٌ، والقَبَسُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْمًا غَيْرَ صِفَةٍ أضافَ إلَيْهِ، بِمَعْنى: بِشِهابٍ اقْتَبَسَهُ أوِ اقْتَبَسَتْهُ، وعَلى كَوْنِهِ صِفَةً يَكُونُ ذَلِكَ كَإضافَةِ الدارِ إلى الآخِرَةِ، والصَلاةِ إلى الأُولى، وغَيْرِ ذَلِكَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ بِإضافَةِ "شِهابٍ" إلى "قَبَسٍ"، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ وأهْلِ المَدِينَةِ ومَكَّةَ والشامِ، وقَرَأ عاصِمْ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "بِشِهابٍ قَبَسٍ" بِتَنْوِينِ "شِهابٍ"، وهَذا عَلى الصِفَةِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرَ: قَبَسَ يَقْبِسُ، كَما الحَلْبُ مَصْدَرُ حَلَبَ يَحْلِبُ، وقالَ أبُو الحَسَنِ: الإضافَةُ أجْوَدُ وأكْثَرُ في القِراءَةِ، كَما تَقُولُ: دارُ آجُرٍّ وسِوارُ ذَهَبٍ، حَكاهُ أبُو عَلِيٍّ. و"تَصْطَلُونَ" مَعْناهُ: تَسْتَدْفِئُونَ مِنَ البَرْدِ.

والضَمِيرُ في "جاءَها" لِلنّارِ الَّتِي رَآها مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، وقَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿أنْ بُورِكَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "أنْ" مُفَسِّرَةً، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى تَقْدِيرِ: "بِأنْ بُورِكَ"، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى تَقْدِيرِ: "نُودِيَ أنَّهُ"، قالَهُ الزَجّاجُ. وقَوْلُهُ: "بُورِكَ" مَعْناهُ:، قُدِّسَ وضُوعِفَ خَيْرُهُ ونُمِّيَ، والبَرَكَةُ مُخْتَصَّةٌ بِالخَيْرِ، ومِن هَذا قَوْلُ أبِي طالِبِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ:

؎ بُورِكَ المَيِّتُ الغَرِيبُ كَما بُو ∗∗∗ رِكَ نَبْعُ الرُمّانِ والزَيْتُونُ

و"بارَكَ" مُتَعَدٍّ بِغَيْرِ حَرْفٍ، تَقُولُ العَرَبُ: بارَكَكَ اللهُ.

(p-٥١٩)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن في النارِ﴾ اضْطَرَبَ المُتَأوِّلُونَ فِيهِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والحَسَنُ، وغَيْرُهُمْ: أرادَ عَزَّ وجَلَّ نَفْسَهُ، وعَبَّرَ بَعْضُهم في هَذا القَوْلِ عِباراتٍ مَرْدُودَةً شَنِيعَةً. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: أرادَ النُورَ. وقالَ الحَسَنُ، وابْنُ عَبّاسٍ: أرادَ بِـ "مِن حَوْلَها" المَلائِكَةَ ومُوسى.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

فَأمّا قَوْلُ الحَسَنِ وغَيْرُهُ فَإنَّما يَتَخَرَّجُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، بِمَعْنى: بُورِكَ مِن قُدْرَتِهِ وسُلْطانِهِ في النارِ، والمَعْنى: في النارِ عَلى ظَنِّكَ وما حَسِبْتَ، وأمّا القَوْلُ بِأنَّ " مَن في النارِ " النُورُ، فَهَذا عَلى أنْ يُعَبِّرَ عَنِ النُورِ مِن حَيْثُ كانَ أنَّهُ مِن نُورِ اللهِ تَعالى، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ المَلائِكَةِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ النُورَ الَّذِي حَسِبَهُ مُوسى نارًا لَمْ يَخْلُ مِنَ المَلائِكَةِ. و" مَن حَوْلَها " يَكُونُ مُوسى والمَلائِكَةَ المُطِيفِينَ بِها. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ "بُورِكَتِ النارُ". و" مِن حَوْلِها " يَكُونُ مُوسى والمَلائِكَةَ، كَذا حَكى أبُو حاتِمْ، وحَكى ابْنُ مَكِّيٍّ أنَّهُ قَرَأ: "تَبارَكَتِ النارُ ومَن حَوْلَها"، وحَكى الدانِيُّ أبُو عَمْرٍو أنَّهُ قَرَأ: "وَمَن حَوْلَها مِنَ المَلائِكَةِ"، قالَ: وكَذَلِكَ قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَسُبْحانَ اللهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِمّا قِيلَ في النِداءِ لِمُوسى (p-٥٢٠)عَلَيْهِ السَلامُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خِطابًا لِمُحَمَّدٍ ﷺ اعْتِراضًا بَيْنَ الكَلامَيْنِ، والمَقْصِدُ بِهِ -عَلى كِلا الوَجْهَيْنِ- تَنْزِيهُ اللهِ عَزَّ وجَلَّ مِمّا عَسى أنْ يَخْطُرَ بِبالٍ في مَعْنى النِداءِ في الشَجَرَةِ، وكَوْنُ قُدْرَتِهِ وسُلْطانِهِ في النارِ. وعَوْدُ "مَن" عَلَيْهِ، أيْ: هو مُنَزَّهٌ -فِي جَمِيعِ هَذِهِ الحالاتِ- عَنِ التَشْبِيهِ والتَكْيِيفِ، قالَ الثَعْلَبِيُّ: وإنَّما الأمْرُ -كَما رُوِيَ في التَوْراةِ-: (جاءَ اللهُ مِن سَيْناءَ، وأشْرَقَ مِن ساعِيرَ، واسْتَعْلى مِن فارانَ )، المَعْنى: ظَهَرَتْ أوامِرُهُ بِأنْبِيائِهِ في هَذِهِ الحالاتِ. والضَمِيرُ في "إنَّهُ" لِلْأمْرِ والشَأْنِ، قالَ الطَبَرِيُّ: ويُسَمِّيها أهْلُ الكُوفَةِ المَجْهُولَةَ، آنَسَهُ اللهُ تَعالى بِصِفاتِهِ مِنَ العِزَّةِ الَّتِي لا خَوْفَ مَعَها، والحِكْمَةِ، أيْ: لا نَقْصَ في أفْعالِهِ.

27:10–12Page 377

وَأَلۡقِ عَصَاكَۚ فَلَمَّا رَءَاهَا تَهۡتَزُّ كَأَنَّهَا جَآنّٞ وَلَّىٰ مُدۡبِرٗا وَلَمۡ يُعَقِّبۡۚ يَٰمُوسَىٰ لَا تَخَفۡ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ ٱلۡمُرۡسَلُونَ ١٠

And [he was told], "Throw down your staff." But when he saw it writhing as if it were a snake, he turned in flight and did not return.1 [Allāh said], "O Moses, fear not. Indeed, in My presence the messengers do not fear.

إِلَّا مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسۡنَۢا بَعۡدَ سُوٓءٖ فَإِنِّي غَفُورٞ رَّحِيمٞ ١١

Otherwise, he who wrongs, then substitutes good after evil - indeed, I am Forgiving and Merciful.

وَأَدۡخِلۡ يَدَكَ فِي جَيۡبِكَ تَخۡرُجۡ بَيۡضَآءَ مِنۡ غَيۡرِ سُوٓءٖۖ فِي تِسۡعِ ءَايَٰتٍ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ وَقَوۡمِهِۦٓۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ قَوۡمٗا فَٰسِقِينَ ١٢

And put your hand into the opening of your garment [at the breast]; it will come out white without disease. [These are] among the nine signs [you will take] to Pharaoh and his people. Indeed, they have been a people defiantly disobedient."

قوله عزّ وجلّ:

﴿وَألْقِ عَصاكَ فَلَمّا رَآها تَهْتَزُّ كَأنَّها جانٌّ ولّى مُدْبِرًا ولَمْ يُعَقِّبْ يا مُوسى لا تَخَفْ إنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ المُرْسَلُونَ﴾ ﴿إلا مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿وَأدْخِلْ يَدَكَ في جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ في تِسْعِ آياتٍ إلى فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾

أمَرَهُ اللهُ تَعالى بِهَذَيْنَ الأمْرَيْنِ تَدْرِيبًا لَهُ في اسْتِعْمالِهِما، وفي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: "فَألْقى مُوسى العَصا"، ﴿فَلَمّا رَآها تَهْتَزُّ﴾. وأمالَ "رَآها" بَعْضُ القُرّاءِ، و"الجانُّ": الحَيّاتُ؛ لِأنَّها تُخْفِي أنْفُسَها، أيْ: تَسْتُرُها، وقالَتْ فِرْقَةٌ: "الجانُّ": صِغارُ الحَيّاتِ، وعَصا مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ صارَتْ حَيَّةً ثُعْبانًا وهو العَظِيمُ، وإنَّما شُبِّهَتْ بِالجانِّ في سُرْعَةِ الِاضْطِرابِ؛ لِأنَّ الصِغارَ أكْثَرُ حَرَكَةً مِنَ الكِبارِ، وعَلى كُلِّ قَوْلٍ فَإنَّ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى خَلَقَ في العَصا وغَيَّرَ أوصافَها وأعْراضَها فَصارَتْ حَيَّةً. وقَرَأ الزُهْرِيُّ، وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ: "جَأْنَ" بِالهَمْزِ.

فَلَمّا أبْصَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ هَوْلَ ذَلِكَ المَنظَرِ ﴿وَلّى مُدْبِرًا ولَمْ يُعَقِّبْ﴾، قالَ مُجاهِدٌ: لَمْ يَرْجِعْ، وقالَ قَتادَةُ: ولَمْ يَلْتَفِتْ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وعَقَّبَ الرَجُلُ: إذا ولِيَ عن أمْرٍ ثُمَّ صَرَفَ بَدَنَهُ أو وجْهَهُ إلَيْهِ كَأنَّهُ انْصَرَفَ عَلى (p-٥٢١)عَقِبَيْهِ، وناداهُ اللهُ مُؤْنِسًا ومُقَوِّيًا عَلى الأمْرِ: ﴿يا مُوسى لا تَخَفْ﴾ فَإنَّ رُسُلِي الَّذِينَ اصْطَفَيْتُهم لِلنُّبُوَّةِ لا يَخافُونَ عِنْدِي ومَعِي، فَأخَذَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ الحَيَّةَ فَرَجَعَتْ عَصاهُ، ثُمَّ صارَتْ لَهُ عادَةً.

واخْتَلَفَ الناسُ في الِاسْتِثْناءِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلا مَن ظَلَمَ﴾، فَقالَ مُقاتِلٌ وغَيْرُهُ: الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ، وهو مِنَ الأنْبِياءِ، ورَوى الحَسَنُ أنَّ اللهَ تَعالى قالَ لِمُوسى: أخْفَتُكَ لِقَتْلِكَ النَفْسَ، وقالَ الحَسَنُ أيْضًا: كانَتِ الأنْبِياءُ تُذْنِبُ فَتُعاقَبُ، ثُمَّ تُذْنِبُ -واللهِ- فَتُعاقَبُ، فَكَيْفَ بِنا؟، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: لا يُخِيفُ اللهُ تَعالى الأنْبِياءَ إلّا بِذَنْبٍ يُصِيبُهُ أحَدُهُمْ، فَإنْ أصابَهُ أخافَهُ حَتّى يَأْخُذَهُ مِنهُ، قالَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ: لَمْ يَعْرِفْ أحَدٌ مِنَ البَشَرِ لَهم مِن ذَنْبٍ إلّا ما رُوِيَ عن يَحْيى بْنِ زَكَرِيّا عَلَيْهِما السَلامُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وأجْمَعَ العُلَماءُ أنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَلامُ مَعْصُومُونَ مِنَ الكَبائِرِ ومِنَ الصَغائِرِ الَّتِي هي رَذائِلُ، واخْتَلَفَ فِيما عَدا هَذا، فَعَسى أنْ يُشِيرَ الحَسَنُ وابْنُ جُرَيْجٍ إلى ما عَدا ذَلِكَ.

وفِي الآيَةِ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- حَذْفٌ اقْتَضى الإيجازَ والفَصاحَةَ تَرْكُ نَصِّهِ، تَقْدِيرُهُ: فَمَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ. وقالَ الفَرّاءُ وجَماعَةٌ: الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ، وهو إخْبارٌ عن غَيْرِ الأنْبِياءِ، كَأنَّهُ قالَ: مَن ظَلَمَ مِنَ الناسِ ثُمَّ تابَ فَإنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: "إلّا" بِمَعْنى الواوِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا قَوْلٌ لا وجْهَ لَهُ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ بْنُ القَعْقاعِ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: "ألا مَن (p-٥٢٢)ظَلَمَ" عَلى الِاسْتِفْتاحِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا﴾ مَعْناهُ: عَمَلًا صالِحًا مُقْتَرِنًا بِتَوْبَةٍ، وهَذِهِ الآيَةُ تَقْتَضِي حَتْمَ المَغْفِرَةِ لِلتّائِبِ، وأجْمَعَ الناسُ عَلى ذَلِكَ في التَوْبَةِ مِنَ الشِرْكِ، وأهْلُ السُنَّةِ في التائِبِ مِنَ المَعاصِي، عَلى أنَّهُ في المَشِيئَةِ كالمُصِرِّ، لَكِنْ يَغْلُبُ الرَجاءُ عَلى التائِبِ والخَوْفُ عَلى المُصِرِّ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨] عَمَّتِ الجَمِيعُ مِنَ التائِبِ والمُصِرِّ، ولا فَرْقَ بَيْنَ المُشْرِكِ وغَيْرِهِ؛ لِأنَّهُ يُذْهِبُ فائِدَتَهُ، إذِ الشِرْكُ يُغْفَرُ لِلتّائِبِ، وما دُونَهُ كَذَلِكَ عَلى تَأْوِيلِهِمْ، فَما فائِدَةُ التَفْصِيلِ في الآيَةِ، وهَذا الِاحْتِجاجُ لازِمٌ فَتَأمَّلْهُ. ورُوِيَ عن أبِي عَمْرٍو أنَّهُ قَرَأ: "حَسَنًا بَعْدَ سُوءٍ" بِفَتْحِ الحاءِ والسِينِ، وهي قِراءَةُ مُجاهِدٍ، وابْنُ أبِي لَيْلى، وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ عِيسى الأصْبَهانِيُّ: "حُسْنى" مِثْلُ فُعْلى.

ثُمَّ أمَرَ اللهُ تَعالى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ بِأنْ يُدْخِلَ يَدَهُ في جَيْبِ جُبَّتِهِ لِأنَّها لَمْ يَكُنْ لَها كُمٌّ كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وقالَ مُجاهِدٌ: مُدَرَّعَةُ صُوفٍ إلى بَعْضِ يَدِهِ، و"الجَيْبُ": الفَتْحُ في الثَوْبِ لِرَأْسِ الإنْسانِ، ورُوِيَ أنْ يَدَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ كانَتْ تَخْرُجُ كَأنَّها قِطْعَةُ نُورٍ تَلَأْلَأ، ومَعْنى إدْخالُ اليَدِ في الجَيْبِ ضَمُّ الآيَةِ إلى مُوسى، وإظْهارُ تَلَبُّسِها بِهِ؛ لِأنَّ المُعْجِزاتِ مِن شُرُوطِها أنْ يَكُونَ لَها اتِّصالٌ بِالرائِي. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن غَيْرِ سُوءٍ﴾ أيْ: مِن غَيْرِ بَرَصٍ ولا عِلَّةٍ، وإنَّما هي آيَةٌ تَجِيءُ وتَذْهَبُ، وقَوْلُهُ: ﴿وَأدْخِلْ يَدَكَ فِي﴾ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: "ألْقِ" و"أدْخِلْ"، وفِيهِ اقْتِضابٌ وحَذْفٌ، تَقْدِيرُهُ: تُمَهِّدُ وتُيَسِّرُ لَكَ ذَلِكَ في جُمْلَةِ تِسْعِ آياتٍ، وهِيَ: العَصا، واليَدُ البَيْضاءُ، والطُوفانُ، والجَرادُ، والقُمَّلُ، والضَفادِعُ، والدَمُ، والطَمْسُ، والحَجْرُ، وفي هَذَيْنَ الأخِيرَيْنِ اخْتِلافٌ، والمَعْنى: يَجِيءُ بِهِنَّ إلى فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ.

27:13–14Page 377

فَلَمَّا جَآءَتۡهُمۡ ءَايَٰتُنَا مُبۡصِرَةٗ قَالُواْ هَٰذَا سِحۡرٞ مُّبِينٞ ١٣

But when there came to them Our visible signs, they said, "This is obvious magic."

وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسۡتَيۡقَنَتۡهَآ أَنفُسُهُمۡ ظُلۡمٗا وَعُلُوّٗاۚ فَٱنظُرۡ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُفۡسِدِينَ ١٤

And they rejected them, while their [inner] selves were convinced thereof, out of injustice and haughtiness. So see how was the end of the corrupters.

قوله عزّ وجلّ:

﴿فَلَمّا جاءَتْهم آياتُنا مُبْصِرَةً قالُوا هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿وَجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهم ظُلْمًا وعُلُوًّا فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُفْسِدِينَ﴾

الضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿جاءَتْهُمْ﴾ لِفِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ، و"مُبْصِرَةً" مَعْناهُ: مَعَها الإبْصارُ (p-٥٢٣)والوُضُوحُ، وعَلى هَذا نَحْوُ قَوْلِهِمْ: نَهارٌ صائِمْ، ولَيْلٌ قائِمٌ ونائِمْ، وقَرَأ قَتادَةُ والحَسَنُ: "مَبْصَرَةً" بِفَتْحِ المِيمِ والصادِ.

وظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهم ظُلْمًا وعُلُوًّا﴾ حُصُولُ الكُفْرِ عِنادًا، وهي مَسْألَةٌ فِيها قَوْلانِ: هَلْ يَجُوزُ أنْ يَقَعَ أمْ لا؟ فَجَوَّزَتْ ذَلِكَ فِرْقَةٌ وقالَتْ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الرَجُلُ عارِفًا إلّا أنَّهُ يَجْحَدُ عِنادًا ويَمُوتُ عَلى مَعْرِفَتِهِ وجُحُودِهِ، فَهو بِذَلِكَ في حُكْمِ الكافِرِ المُخَلَّدِ، قالُوا: وهَذا حُكْمُ إبْلِيسَ، وحُكْمُ حُيَيِّ بْنِ أخْطَبَ وأخِيهِ حَسَبَ ما رُوِيَ عنهُما.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وإنْ عُورِضَ هَذا المِثالُ فُرِضَ إنْسانٌ يَجُوزُ ذَلِكَ فِيهِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: لا يَصِحُّ لِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنَّ هَذا لا يَجُوزُ وُقُوعُهُ مِن عاقِلٍ، والوَجْهُ الآخَرُ أنَّ المَعْرِفَةَ تَقْتَضِي أنْ يَحِلَّ في القَلْبِ، وذَلِكَ إيمانٌ، وحُكْمُ الكُفْرِ لا يَلْحَقُهُ إلّا بِأنْ يَحِلَّ في القَلْبِ كُفْرٌ، ولا يَصِحُّ اجْتِماعُ الضِدَّيْنِ في مَحَلٍّ، قالُوا: ويُشْبِهُ في هَذا العارِفُ الجاحِدُ أنْ يُسْلَبَ عِنْدَ المُوافاةِ تِلْكَ المَعْرِفَةَ ويَحِلَّ بَدَلَها الكَفْرَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

والَّذِي يَظْهَرُ عِنْدِي في هَذِهِ الآيَةِ وما جَرى مَجْراها أنَّ هَؤُلاءِ الكَفَرَةَ إذا نَظَرُوا في آياتِ مُوسى أعْطَتْهم قَوْلَهُمْ: "إنَّ هَذا لَيْسَ تَحْتَ قُدْرَةِ البَشَرِ"، وحَصَلَ لَهُمُ اليَقِينُ أنَّها مِن عِنْدِ اللهِ تَعالى، فَيَغْلِبُهم أثْناءَ ذَلِكَ الحَسَدِ، ويَتَمَسَّكُونَ بِالظُنُونِ في أنَّها سِحْرٌ وغَيْرُ ذَلِكَ حَتّى يُسْلَبَ ذَلِكَ اليَقِينُ أو يُدْفَعَ، وحُكْمُهُ حُكْمُ المُسْتَلِبِ في وُجُوبِ عَذابِهِمْ.

و"ظُلْمًا" مَعْناهُ: عَلى غَيْرِ اسْتِحْقاقٍ لِلْجَحْدِ، و"العُلُوُّ" في الأرْضِ أعْظَمُ آفَةً عَلى طالِبِهِ، قالَ اللهُ تَعالى: ﴿تِلْكَ الدارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا في الأرْضِ ولا فَسادًا﴾ [القصص: ٨٣]. (p-٥٢٤)ثُمَّ عَجَّبَهُ تَعالى مِن عاقِبَةِ المُفْسِدِينَ قَوْمِ فِرْعَوْنَ، وسُوءِ مُنْقَلَبِهِمْ حِينَ كَذَّبُوا مُوسى، وفي هَذا تَمْثِيلٌ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ إذْ كانُوا مُفْسِدِينَ مُسْتَعْلِينَ. وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ: "وَعُلِيًّا"، وحَكى أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ عنهم وعن أبانِ بْنِ تَغْلِبَ أنَّهم كَسَرُوا العَيْنَ مِن "عِلِيًّا".

27:15–17Page 378

وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا دَاوُۥدَ وَسُلَيۡمَٰنَ عِلۡمٗاۖ وَقَالَا ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي فَضَّلَنَا عَلَىٰ كَثِيرٖ مِّنۡ عِبَادِهِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١٥

And We had certainly given to David and Solomon knowledge, and they said, "Praise [is due] to Allāh, who has favored us over many of His believing servants."

وَوَرِثَ سُلَيۡمَٰنُ دَاوُۥدَۖ وَقَالَ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ عُلِّمۡنَا مَنطِقَ ٱلطَّيۡرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيۡءٍۖ إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ ٱلۡفَضۡلُ ٱلۡمُبِينُ ١٦

And Solomon inherited David. He said, "O people, we have been taught the language of birds, and we have been given from all things. Indeed, this is evident bounty."

وَحُشِرَ لِسُلَيۡمَٰنَ جُنُودُهُۥ مِنَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِ وَٱلطَّيۡرِ فَهُمۡ يُوزَعُونَ ١٧

And gathered for Solomon were his soldiers of the jinn and men and birds, and they were [marching] in rows

قوله عزّ وجلّ:

﴿وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وسُلَيْمانَ عِلْمًا وقالا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِن عِبادِهِ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ وقالَ يا أيُّها الناسُ عُلِّمْنا مَنطِقَ الطَيْرِ وأُوتِينا مِن كُلِّ شَيْءٍ إنَّ هَذا لَهو الفَضْلُ المُبِينُ﴾ ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ والطَيْرِ فَهم يُوزَعُونَ﴾

هَذا ابْتِداءُ قَصَصٍ فِيهِ غُيُوبٌ وعِبَرٌ، ولَيْسَ بِمِثالٍ لِقُرَيْشٍ، وداوُدُ عَلَيْهِ السَلامُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ وكانَ مَلِكًا، ووَرِثَ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَلامُ مُلْكَهُ ومَنزِلَتَهُ مِنَ النُبُوَّةِ، بِمَعْنى: صارَ ذَلِكَ إلَيْهِ بَعْدَ مَوْتِ أبِيهِ، ويُسَمّى مِيراثًا تَجَوُّزًا، وهَذا نَحْوُ قَوْلِهِمُ: "العُلَماءُ ورَثَةُ الأنْبِياءِ"، وحَقِيقَةُ المِيراثِ في المالِ، والأنْبِياءُ لا تُورِّثُ أمْوالَهُمْ؛ لِأنَّ النَبِيَّ ﷺ قالَ: «إنّا مَعْشَرُ الأنْبِياءِ لا نُوَرِّثُ»، يُرِيدُ بِهِ أنَّ ذَلِكَ مِن فِعْلِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَلامُ وسِيرَتِهِمْ، وإنْ كانَ فِيهِمْ مَن ورِثَ مالَهُ كَزَكَرِيّا عَلَيْهِ السَلامُ عَلى أشْهَرِ الأقْوالِ فِيهِ، وهَذا كَما تَقُولُ: "إنّا مَعْشَرُ المُسْلِمِينَ إنَّما شَغَلَنا العِبادَةُ"، فالمُرادُ أنَّ ذَلِكَ فِعْلُ الأكْثَرِ، ومِنهُ ما حَكى سِيبَوَيْهِ: "أنّا مَعْشَرُ العَرَبِ أقْرى الناسِ لِلضَّيْفِ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عُلِّمْنا مَنطِقَ الطَيْرِ﴾ إخْبارٌ بِنِعْمَةِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى عِنْدَهُما في أنَّ فَهْمَهُما مِن أصْواتِ الطَيْرِ المَعانِي الَّتِي في نُفُوسِها، فَهَذا نَحْوُ ما كانَ نَبِيَّنا مُحَمَّدٌ ﷺ يَسْمَعُ أصْواتَ الحِجارَةِ بِالسَلامِ، وسُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَلامُ حَكى عَنِ البُلْبُلِ أنَّهُ قالَ: "أكَلْتَ نِصْفَ تَمْرَةٍ فَعَلى الدُنْيا العَفاءُ"، إلى كَثِيرٍ مِن هَذا النَوْعِ، وقالَ قَتادَةُ والشَعْبِيُّ وغَيْرُهُما: إنَّما كانَ هَذا الأمْرُ في الطَيْرِ خاصَّةً، والنَمْلَةُ طائِرٌ إذْ قَدْ يُوجَدُ لَها الأجْنِحَةُ، قالَ الشَعْبِيُّ: وكَذَلِكَ كانَتْ هَذِهِ القائِلَةُ ذاتُ جَناحَيْنِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ كانَ في جَمِيعِ الحَيَوانِ، وإنَّما ذَكَرَ الطَيْرَ لِأنَّهُ كانَ جُنْدًا مِن جُنُودِ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَلامُ يَحْجُبُ عنهُ الشَمْسَ، ويَحْتاجُهُ في البَعْثِ في الأُمُورِ، فَخُصَّ لِكَثْرَةِ مُداخَلَتِهِ، ولِأنَّ أمْرَ سائِرِ (p-٥٢٥)الحَيَوانِ نادِرٌ وغَيْرُ مُتَرَدِّدٍ تَرْدادَ أمْرِ الطَيْرِ. والنَمْلُ حَيَوانٌ فَطِنٌ قَوِيٌّ شَمّامٌ جِدًّا، يَدَّخِرُ القُرى، ويَشُقُّ الحَبَّ بِقِطْعَتَيْنِ لِئَلّا يَنْبُتُ، ويَشُقُّ الكُزْبَرَةَ بِأرْبَعِ قِطَعٍ لِأنَّها تَنْبُتُ إذا قُسِمَتْ نِصْفَيْنِ، ويَأْكُلُ في عامِهِ نِصْفَ ما جَمَعَ ويَسْتَبْقِي سائِرَهُ مُدَّةً.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأُوتِينا مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ مَعْناهُ: يَصْلُحُ لَنا ونَتَمَنّاهُ، ولَيْسَتْ عَلى العُمُومِ. ثُمَّ رَدَّدَ شُكْرَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى.

ثُمَّ قَصَّ تَعالى حالَ سُلَيْمانَ فَقالَ: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمانَ﴾ أيْ: جَمَعَ، واخْتَلَفَ الناسُ في مِقْدارِ جُنْدِ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَلامُ اخْتِلافًا شَدِيدًا لَمْ أُرِدْ ذِكْرَهُ لِعَدَمِ صِحَّتِهِ، غَيْرَ أنَّ الصَحِيحَ أنَّ مُلْكَهُ كانَ عَظِيمًا، مَلَأ الأرْضَ، وانْقادَتْ لَهُ المَعْمُورَةُ كُلُّها، وكانَ كُرْسِيُّهُ يَحْمِلُهُ أجْنادُهُ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ، وكانَتِ الطَيْرُ تُظِلُّهُ مِنَ الشَمْسِ، ويَبْعَثُها في الأُمُورِ، فَكانَ لَهُ في الكُرْسِيِّ الأعْظَمِ مَوْضِعٌ يَخُصُّهُ. و"يُوزَعُونَ" مَعْناهُ: يَرُدُّ أوَّلُهم إلى آخِرِهِمْ ويَكُفُّونَ، قالَ قَتادَةُ: فَكانَ لِكُلِّ صِنْفٍ وزْعَةٌ في رُتَبِهِمْ ومَواضِعِهِمْ مِنَ الكُرْسِيِّ ومِنَ الأرْضِ إذا مَشَوْا فِيها، -فَرُبَّ وقْتٍ كانَ يَسِيرُ فِيهِ في الأرْضِ-، ومِنهُ قَوْلُ الحَسَنِ البَصْرِيِّ حِينَ ولِيَ قَضاءَ البَصْرَةَ: "لا بُدَّ لِلْحاكِمِ مِن وزَعَةٍ"، ومِنهُ قَوْلُ أبِي قُحافَةَ حِينَ وصَفَتْ لَهُ الجارِيَةُ في يَوْمِ الفَتْحِ أنَّها تَرى سَوادًا أمامَهُ فارِسٌ قَدْ تَقَدَّمَ مِنَ الصَفِّ، فَقالَ لَها: ذاكَ الوازِعُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:

؎ عَلى حِينَ عاتَبْتُ المَشِيبَ عَلى الصِبا وقُلْتَ ألَمّا أصْحُ والشَيْبُ وازِعُ؟

أيْ: كافٌّ.

(p-٥٢٦)

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском