Ibn 'Atiyya · Tafsir · in Arabic
الواقعة
Al-Waqi'ah
The Inevitable · Meccan · 96 ayahs
56:1–12Page 534
إِذَا وَقَعَتِ ٱلۡوَاقِعَةُ ١
When the Occurrence occurs,
لَيۡسَ لِوَقۡعَتِهَا كَاذِبَةٌ ٢
There is, at its occurrence, no denial.
خَافِضَةٞ رَّافِعَةٌ ٣
It will bring down [some] and raise up [others].1
إِذَا رُجَّتِ ٱلۡأَرۡضُ رَجّٗا ٤
When the earth is shaken with convulsion
وَبُسَّتِ ٱلۡجِبَالُ بَسّٗا ٥
And the mountains are broken down, crumbling
فَكَانَتۡ هَبَآءٗ مُّنۢبَثّٗا ٦
And become dust dispersing,
وَكُنتُمۡ أَزۡوَٰجٗا ثَلَٰثَةٗ ٧
And you become [of] three kinds:
فَأَصۡحَٰبُ ٱلۡمَيۡمَنَةِ مَآ أَصۡحَٰبُ ٱلۡمَيۡمَنَةِ ٨
Then the companions of the right - what are the companions of the right?1
وَأَصۡحَٰبُ ٱلۡمَشۡـَٔمَةِ مَآ أَصۡحَٰبُ ٱلۡمَشۡـَٔمَةِ ٩
And the companions of the left - what are companions of the left?1
وَٱلسَّٰبِقُونَ ٱلسَّٰبِقُونَ ١٠
And the forerunners, the forerunners1 -
أُوْلَٰٓئِكَ ٱلۡمُقَرَّبُونَ ١١
Those are the ones brought near [to Allāh]
فِي جَنَّٰتِ ٱلنَّعِيمِ ١٢
In the Gardens of Pleasure,
(p-١٨٧)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ الواقِعَةِ
وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ مِمَّنْ يُعْتَدُّ بِقَوْلِهِ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وقِيلَ: إنَّ فِيها آياتٍ مَدَنِيَّةً أو مِمّا نَزَلَ في السَفَرِ، وهَذا كُلُّهُ غَيْرُ ثابِتٍ، ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "مَن داوَمَ عَلى قِراءَةِ سُورَةِ الواقِعَةِ لَمْ يَفْتَقِرْ أبَدًا"،»«وَدَعا عُثْمانُ ابْنَ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما إلى عَطائِهِ فَأبى أنْ يَأْخُذَ، فَقِيلَ لَهُ: خُذْ لِلْعِيالِ فَقالَ: إنَّهم يَقْرَؤُونَ سُورَةَ الواقِعَةِ، سَمِعْتُ النَبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "مَن قَرَأها لَمْ يَفْتَقِرْ أبَدًا".»
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
فِيها ذِكْرُ القِيامَةِ وحُظُوظُ النَفْسِ في الآخِرَةِ، وفَهْمُ ذَلِكَ غِنًى لا فَقْرَ مَعَهُ، مِن فَهِمَهُ شَغَلَ بِالِاسْتِعْدادِ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ﴾ ﴿خافِضَةٌ رافِعَةٌ﴾ ﴿إذا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا﴾ ﴿وَبُسَّتِ (p-١٨٨)الجِبالُ بَسًّا﴾ ﴿فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا﴾ ﴿وَكُنْتُمْ أزْواجًا ثَلاثَةً﴾ ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ ﴿وَأصْحابُ المَشْأمَةِ ما أصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ ﴿والسابِقُونَ السابِقُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ ﴿فِي جَنّاتِ النَعِيمِ﴾
"الواقِعَةُ" اسْمٌ مِن أسْماءِ القِيامَةِ كالصاخَّةِ والآزِفَةِ والطامَّةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وهَذِهِ كُلُّها أسْماءٌ تَقْتَضِي تَعْظِيمَها وتَشْنِيعَ أمْرِها، وقالَ الضَحّاكُ: الواقِعَةُ: الصَيْحَةُ، وهي النَفْخَةُ في الصُورِ، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: الواقِعَةُ صَخْرَةُ بَيْتِ المَقْدِسِ تَقَعُ عِنْدَ القِيامَةِ، فَهَذِهِ كُلُّها مَعانٍ لِأجْلِ القِيامَةِ.
و"كاذِبَةٌ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا كالعاقِبَةِ والعافِيَةِ وخائِنَةَ الأعْيُنِ، فالمَعْنى: لَيْسَ لَها تَكْذِيبٌ ولا رَدٌّ مَثْنَوِيَّةٌ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ والحَسَنِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِمُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: لَيْسَ لِوَقْعَتِها حالٌ كاذِبَةٌ، ويُحْتَمَلُ -الكَلامُ عَلى هَذا- مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما كاذِبَةٌ أيْ: مَكْذُوبَةٌ فِيما أخْبَرَ بِهِ عنها، وسَمّاها كاذِبَةً لِهَذا، كَما تَقُولُ: قِصَّةٌ كاذِبَةٌ، أيْ: مَكْذُوبٌ فِيها، والثانِي حالَةٌ كاذِبَةٌ، أيْ: لا يَمْضِي وُقُوعُها، كَما تَقُولُ: فُلانٌ إذا حَمَلَ لَمْ يَكْذِبْ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿خافِضَةٌ رافِعَةٌ﴾ رُفِعَ عَلى خَبَرِ ابْتِداءٍ، أيْ: هي خافِضَةٌ رافِعَةٌ، وقَرَأ الحَسَنُ، وعِيسى الثَقَفِيُّ، وأبُو حَيْوَةَ: "خافِضَةً رافِعَةً" بِالنَصْبِ عَلى الحالِ بَعْدَ الحالِ الَّتِي هي "لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ"، ولَكَ أنْ تُتابِعَ الأحْوالَ كَما لَكَ أنْ تُتابِعَ أخْبارَ المُبْتَدَأِ، والقِراءَةُ الأُولى أشْهَرُ وأبْرَعُ مَعْنًى، وذَلِكَ أنَّ مَوْقِعَ الحالِ مِنَ الكَلامِ مَوْقِعُ ما لَوْ لَمْ يُذْكَرْ لاسْتُغْنِيَ عنهُ، ومَوْقِعُ الجُمَلِ الَّتِي يَجْزِمُ الخَبَرُ بِها مَوْقِعُ ما يَتَهَمَّمُ بِهِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى هَذا الخَفْضِ والرَفْعِ في هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ قَتادَةُ، وعُثْمانُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ سُراقَةَ: القِيامَةُ تَخْفِضُ أقْوامًا إلى النارِ، وتَرْفَعُ أقْوامًا إلى الجَنَّةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، والضَحّاكُ: الصَيْحَةُ تَخْفِضُ صَوْتَها لِتَسْمَعَ الأدْنى، وتَرْفَعُهُ لِتَسْمَعَ الأقْصى، وقالَ جُمْهُورٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: القِيامَةُ بِتَفَطُّرِ السَماءِ والأرْضِ والجِبالِ، وانْهِدامِ هَذِهِ البِنْيَةِ يَرْفَعُ طائِفَةً مِنَ الأجْرامِ ويَخْفِضُ أُخْرى، فَكَأنَّها عِبارَةٌ عن شِدَّةِ الهَوْلِ والِاضْطِرابِ.
(p-١٨٩)والعامِلُ في قَوْلِهِ تَعالى: "إذا رُجَّتِ" "وَقَعَتِ"؛ لِأنَّ هَذِهِ بَدَلٌ مِن "إذا" الأُولى، وقَدْ قالُوا: إنَّ "وَقَعَتْ" هو العامِلُ في الأُولى، وذَلِكَ لِأنَّ مَعْنى الشَرْطِ فِيهِما قَوِيٌّ، فَهي كَمَن وما في الشَرْطِ يَعْمَلُ فِيها ما بَعْدَها مِنَ الأفْعالِ، وقَدْ قِيلَ: إنَّ "إذا" مُضافَةٌ إلى "وَقَعَتْ" فَلا يَصِحُّ أنْ تَعْمَلَ فِيها، وإنَّما العامِلُ فِيها فِعْلٌ مُقَدَّرٌ.
ومَعْنى "رُجَّتْ" زُلْزِلَتْ وحُرِّكَتْ بِعُنْفٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، ومِنهُ ارْتَجَّ السَهْمُ في الغَرَضِ، إذا اضْطَرَبَ بَعْدَ وُقُوعِهِ، والرَجَّةُ في الناسِ الأمْرُ المُحَرِّكُ. واخْتَلَفَ اللُغَوِيُّونَ في مَعْنى "بُسَّتْ" - فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ: مَعْناهُ: فُتِّتَتْ كَما تُبَسُّ البَسِيسَةُ، وهي السَوِيقُ، ويُقالُ: بَسَسْتُ الدَقِيقَ إذا ثَرَيْتُهُ بِالماءِ وبَقِيَ مُتَفَتِّتًا، وأنْشَدَ الطَبَرِيُّ في هَذا:
.
؎ لا تَخْبِزا خَبْزًا وبُسّا بَسّا
وقالَ هَذا قَوْلُ لِصٍّ أعْجَلَهُ الخَوْفُ عَنِ العَجِينِ فَقالَ هَذا لِصاحِبَيْهِ. وقالَ بَعْضُ اللُغَوِيِّينَ: "بُسَّتْ" مَعْناهُ: سُيِّرَتْ، قالُوا: والخُبْزُ: السَيْرُ الشَدِيدُ وضَرْبُ الأرْضِ بِالأيْدِي، والبَسُّ: السَيْرُ الرَفِيقُ، وأنْشَدُوا البَيْتَ:
؎ لا تَخْبِزا خُبْزًا وبُسّا بَسًّا ∗∗∗ وجَنَّباها نَهْشَلًا وعَبْسا
ذَكَرَ هَذا أبُو عُثْمانَ اللُغَوِيُّ في كِتابِ "الأفْعالِ".
(p-١٩٠)وَ "الهَباءُ": ما يَتَطايَرُ في الهَواءِ مِنَ الأجْزاءِ الدَقِيقَةِ ولا يَكادُ يُرى إلّا في الشَمْسِ إذا دَخَلَتْ مِن كُوَّةٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ، وقالَ قَتادَةُ: الهَباءُ ما تَطايَرَ مِن يَبَسِ النَباتِ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: الهَباءُ ما تَطايَرَ مِن حَوافِرِ الخَيْلِ والدَوابِّ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أيْضًا: الهَباءُ ما يَتَطايَرُ مِن شَرَرِ النارِ فَإذا طُفِيَ لَمْ يُوجَدْ شَيْءٌ. و"المُنْبَثُّ": -بِالتاءِ المُثَلَّثَةِ-: الشائِعُ في جَمِيعِ الهَواءِ، وقَرَأ النَخْعِيُّ: "مَنبَتًّا" بِالتاءِ بِنُقْطَتَيْنِ، أيْ: مُتَقَطِّعًا، ذَكَرَ ذَلِكَ الثَعْلَبِيُّ، والقَوْلُ الأوَّلُ في الهَباءِ أحْسَنُ الأقْوالِ.
والخِطابُ في قَوْلِهِ تَعالى: "وَكُنْتُمْ" لِجَمِيعِ العالَمِ؛ لِأنَّ المَوْصُوفِينَ مِن أصْحابِ المَشْأمَةِ لَيْسُوا في أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ و"الأزْواجُ": الأنْواعُ والضُرُوبُ، قالَ قَتادَةُ: هَذِهِ مَنازِلُ الناسِ يَوْمَ القِيامَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ ابْتِداءٌ، و"ما" ابْتِداءٌ ثانٍ و"أصْحابُ المَيْمَنَةِ" خَبَرُ "ما"، والجُمْلَةُ خَبَرُ الِابْتِداءِ الأوَّلِ، وفي الكَلامِ مَعْنى التَعْظِيمِ، كَما تَقُولُ: "زَيْدٌ ما زِيدٌ"، ونَظِيرُ هَذا في القُرْآنِ كَثِيرٌ، و"المَيْمَنَةِ" أظْهَرُ ما في اشْتِقاقِها أنَّها مِن ناحِيَةِ اليَمِينِ، وقِيلَ: مِنَ اليُمْنِ، وكَذَلِكَ "المَشْأمَةُ" إمّا أنْ تَكُونَ مِنَ اليَدِ الشُؤْمى، وإمّا أنْ تَكُونَ مِنَ الشُؤْمِ، وقَدْ فُسِّرَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِهَذَيْنَ المَعْنَيَيْنِ؛ إذْ أصْحابُ المَيْمَنَةِ المَيامِينُ عَلى أنْفُسِهِمْ، قالَهُ الحَسَنُ والرَبِيعُ، ويُشْبِهُ أنَّ اليُمْنَ والشُؤْمَ إنَّما اشْتُقّا مِنَ اليَمِينِ والشَمالِ، وذَلِكَ عَلى طَرِيقَتِهِمْ في السانِحِ والبارِحِ، وكَذَلِكَ اليُمْنُ والشامُ اشْتُقّا مِنَ اليُمْنى والشُؤْمى.
وقَوْلُهُ تَعالى: "والسابِقُونَ" ابْتِداءٌ، و"السابِقُونَ" الثانِي قالَ بَعْضُ النَحْوِيِّينَ: هو نَعْتٌ لِلْأوَّلِ، ومَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّهُ خَبَرُ الِابْتِداءِ، وهَذا كَما تَقُولُ: الناسُ الناسُ، وأنْتَ أنْتَ، وهَذا عَلى مَعْنى التَفْخِيمِ لِلْأمْرِ وتَعْظِيمِهِ، والمَعْنى هو أنْ تَقُولَ: السابِقُونَ إلى (p-١٩١)الإيمانِ السابِقُونَ إلى الجَنَّةِ والرَحْمَةِ، أُولَئِكَ...، ويَتَّجِهُ هَذا المَعْنى عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ ابْتِداءٌ وخَبَرٌ، وهو في مَوْضِعِ الخَبَرِ عَلى قَوْلِ مَن قالَ: "السابِقُونَ" الثانِي صِفَةٌ، و"المُقَرَّبُونَ" مَعْناهُ: مِنَ اللهِ في جَنَّةِ عَدْنٍ، قالَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: وهَذِهِ الآيَةُ مُتَضَمِّنَةٌ أنَّ العالَمَ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى ثَلاثَةِ أصْنافٍ: مُؤْمِنُونَ هم عَلى يَمِينِ العَرْشِ وهُنالِكَ الجَنَّةُ، وكافِرُونَ، هم عَلى شَمالِ العَرْشِ وهُنالِكَ هي النارُ، والقَوْلُ في يَمِينِ العَرْشِ وشَمالِهِ نَحْوٌ مَنِ الَّذِي مَرَّ في سُورَةِ الكَهْفِ في اليَمِينِ والشَمالِ، وقَدْ قِيلَ في أصْحابِ المَيْمَنَةِ واليَمِينِ: إنَّهم مَن أخَذَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ، وُفي أصْحابِ المَشْأمَةِ والشَمالِ: إنَّهم مَن أخَذَهُ بِشَمالِهِ، فَعَلى هَذا لَيْسَتْ نِسْبَةُ اليَمِينِ والشَمالِ إلى العَرْشِ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: أصْحابُ اليَمِينِ أطْفالُ المُؤْمِنِينَ، وقِيلَ: المُرادُ مَيْمَنَةُ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ ومَشْأمَتُهُ المَذْكُورَتانِ في حَدِيثِ الإسْراءِ في الأسْوِدَةِ.
و"السابِقُونَ" مَعْناهُ: قَدْ سَبَقَتْ لَهُمُ السَعادَةُ وكانَتْ أعْمالُهم في الدُنْيا سَبْقًا إلى أعْمالِ البِرِّ وإلى تَرْكِ المَعاصِي، فَهَذا عُمُومٌ في جَمِيعِ الناسِ، وخَصَّصَ المُفَسِّرُونَ مِن هَذا أشْياءَ، فَقالَ عُثْمانُ بْنُ أبِي سَوْدَةَ: هُمُ السابِقُونَ إلى المَساجِدِ، وقالَ ابْنُ سِيرِينَ: هُمُ الَّذِينَ صَلُّوا القِبْلَتَيْنِ، وقالَ كَعْبٌ: هم أهْلُ القُرْآنِ، وقِيلَ: هم غَيْرُ هَذا مِمّا هو جُزْءٌ مِنَ الأعْمالِ الصالِحَةِ، ورُوِيَ «أنَّ النَبِيَّ ﷺ سُئِلَ عَنِ السابِقِينَ فَقالَ: "هُمُ الَّذِينَ إذا أُعْطُوا الحَقَّ قَبِلُوهُ، وإذا سُئِلُوهُ بَذَلُوهُ، وحَكَمُوا لِلنّاسِ بِحُكْمِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ"،» (p-١٩٢)وَقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "فِي جَنَّةِ النَعِيمِ" عَلى الإفْرادِ، و: "المُقَرَّبُونَ" عِبارَةٌ عن أعْلى مَنازِلِ البَشَرِ في الآخِرَةِ، وقِيلَ عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ مُتَّكِئِينَ، وقِيلَ لِعامِرِ بْنِ عَبْدِ قَيْسٍ في يَوْمِ حَلْبَةٍ: مَن سَبَقَ؟ فَقالَ: المُقَرَّبُونَ.
56:13–26Page 534
ثُلَّةٞ مِّنَ ٱلۡأَوَّلِينَ ١٣
A [large] company of the former peoples
وَقَلِيلٞ مِّنَ ٱلۡأٓخِرِينَ ١٤
And a few of the later peoples,
عَلَىٰ سُرُرٖ مَّوۡضُونَةٖ ١٥
On thrones woven [with ornament],
مُّتَّكِـِٔينَ عَلَيۡهَا مُتَقَٰبِلِينَ ١٦
Reclining on them, facing each other.
يَطُوفُ عَلَيۡهِمۡ وِلۡدَٰنٞ مُّخَلَّدُونَ ١٧
There will circulate among them young boys made eternal
بِأَكۡوَابٖ وَأَبَارِيقَ وَكَأۡسٖ مِّن مَّعِينٖ ١٨
With vessels, pitchers and a cup [of wine] from a flowing spring -
لَّا يُصَدَّعُونَ عَنۡهَا وَلَا يُنزِفُونَ ١٩
No headache will they have therefrom, nor will they be intoxicated -
وَفَٰكِهَةٖ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ ٢٠
And fruit of what they select
وَلَحۡمِ طَيۡرٖ مِّمَّا يَشۡتَهُونَ ٢١
And the meat of fowl, from whatever they desire.
وَحُورٌ عِينٞ ٢٢
And [for them are] fair women with large, [beautiful] eyes,
كَأَمۡثَٰلِ ٱللُّؤۡلُوِٕ ٱلۡمَكۡنُونِ ٢٣
The likenesses of pearls well-protected,
جَزَآءَۢ بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٢٤
As reward for what they used to do.
لَا يَسۡمَعُونَ فِيهَا لَغۡوٗا وَلَا تَأۡثِيمًا ٢٥
They will not hear therein ill speech or commission of sin -
إِلَّا قِيلٗا سَلَٰمٗا سَلَٰمٗا ٢٦
Only a saying [of] peace, peace.
قوله عزّ وجلّ:
﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ ﴿عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ﴾ ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ ﴿بِأكْوابٍ وأبارِيقَ وكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ ﴿لا يُصَدَّعُونَ عنها ولا يُنْزِفُونَ﴾ ﴿وَفاكِهَةٍ مِمّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ ﴿كَأمْثالِ اللُؤْلُؤِ المَكْنُونِ﴾ ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا تَأْثِيمًا﴾ ﴿إلا قِيلا سَلامًا سَلامًا﴾
"الثُلَّةُ": الجَماعَةُ والفِرْقَةُ، وهو تَقَعُ لِلْقَلِيلِ والكَثِيرِ، واللَفْظُ في هَذا الوَضْعِ يُعْطِي أنَّ الجُمْلَةَ مِنَ الأوَّلِينَ أكْثَرُ مِنَ الجُمْلَةِ مِنَ الآخِرِينَ وهي الَّتِي عَبَّرَ عنها بِالقَلِيلِ، واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى ذَلِكَ -فَقالَ قَوْمٌ- حَكى قَوْلَهم مَكِّيٌّ -: المُرادُ بِذَلِكَ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَلامُ لِأنَّهم كانُوا في صَدْرِ الدُنْيا أكْثَرَ عَدَدًا، وقالَ الحَسَنُ وغَيْرُهُ: المُرادُ السابِقُونَ مِنَ الأُمَمِ والسابِقُونَ مِنَ الأُمَّةِ، وذَلِكَ إمّا أنْ يَقْتَرِنَ أصْحابُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَلامُ بِجُمُوعِهِمْ إلى أصْحابِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَأُولَئِكَ أكْثَرُ عَدَدًا لا مَحالَةَ، وإمّا أنْ يَقْرِنَ أصْحابُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَلامُ مِمَّنْ سَبَقَ في أثْناءِ الأُمَمِ السالِفَةِ إلى السابِقِينَ مِن جَمِيعِ هَذِهِ الأُمَّةِ فَأُولَئِكَ أكْثَرُ. ورُوِيَ أنَّ الصَحابَةَ رَضِيَ اللهِ تَعالى عنهم حَزِنُوا لِقِلَّةِ سابِقِي هَذِهِ الأُمَّةِ عَلى هَذا التَأْوِيلِ، فَنَزَلَتْ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ [الواقعة: ٣٩] ﴿وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ٤٠] فَرَضُوا، ورُوِيَ (p-١٩٣)عن عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُا أنَّها تَأوَّلَتْ أنَّ الفِرْقَتَيْنِ في أُمَّةِ كُلِّ نَبِيٍّ هي في الصَدْرِ ثُلَّةٌ وفي آخِرِ الأُمَّةِ قَلِيلٌ، وقالَ النَبِيُّ ﷺ فِيما رُوِيَ عنهُ: « "الفِرْقَتانِ في أُمَّتِي، فَسابِقٌ أوَّلُ الأُمَّةِ ثُلَّةٌ، وسابِقٌ سائِرُها إلى يَوْمِ القِيامَةِ قَلِيلٌ".»
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "سُرُرٌ" بِضَمِّ الراءِ، وقَرَأ أبُو السَمالِ: "سُرَرٌ" بِفَتْحِ الراءِ، و"المَوْضُونَةُ": المَنسُوجَةُ بِتَرْكِيبِ بَعْضِ أجْزائِها عَلى بَعْضٍ كَحِلَقِ الدِرْعِ، فَإنَّ الدِرْعَ مَوْضُونَةٌ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى:
؎ ومِن نَسْجِ داوُدَ مَوْضُونَةٌ ∗∗∗ تَسِيرُ مَعَ الحَيِّ عِيرًا فَعِيرًا
وكَذَلِكَ سَقِيفَةُ الخُوصِ ونَحْوِهِ مَوْضُونَةٌ، ومِنهُ وضِينُ الناقَةِ وهو حِزامُها لِأنَّهُ مَوْضُونٌ، فَهو كَقَتِيلٍ وجَرِيحٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ:
؎ إلَيْكَ تَعْدُو قَلِقًا وضِينُها ∗∗∗ مُعْتَرِضًا في بَطْنِها جَنِينُها
؎ مُخالِفًا دِينَ النَصارى دِينُها
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هَذِهِ السُرُرُ المَوْضُونَةُ هي مَرْمُولَةٌ بِالذَهَبِ، وقالَ عِكْرِمَةُ: هي مُشَبَّكَةٌ بِالدُرِّ والياقُوتِ، و"مُتَّكِئِينَ" و"مُتَقابِلِينَ"، حالانِ، وفِيهِما ضَمِيرٌ مَرْفُوعٌ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "مُتَّكِئِينَ عَلَيْها ناعِمِينَ".
(p-١٩٤)وَ"الوِلْدانِ": صِغارُ الخَدَمِ، عِبارَةٌ عن أنَّهم صِغارُ الأسْنانِ. ووَصَفَهم تَعالى بِالخُلْدِ وإنْ كانَ جَمِيعُ ما في الجَنَّةِ كَذَلِكَ؛ إشارَةً إلى أنَّهم في حالِ الوِلْدانِ مُخَلَّدُونَ لا تَكْبُرُ لَهم سِنٌّ، وقالَ مُجاهِدٌ: لا يَمُوتُونَ، قالَ الفَرّاءُ: "مُخَلَّدُونَ" مَعْناهُ: مُقَرَّطُونَ بِالخَلَداتِ، وهي ضَرْبٌ مِنَ الأقْراطِ، والأوَّلُ أصْوَبُ؛ لِأنَّ العَرَبَ تَقُولُ لِلَّذِي كَبُرَ ولَمْ يَشِبْ: إنَّهُ لَمُخَلَّدٌ.
و"الأكْوابُ": ما كانَ مِن أوانِي الشُرْبِ لا أُذُنَ لَهُ ولا خُرْطُومَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هي جِرارٌ مِن فِضَّةٍ، وقالَ أبُو صالِحٍ: مُسْتَدِيرَةُ أفْواهُها، وقالَ قَتادَةُ والضَحّاكُ: لَيْسَتْ لَها عُرًى. و"الإبْرِيقُ": ما لَهُ خُرْطُومٌ، قالَ مُجاهِدٌ: وأُذُنٌ، وهو مِن أوانِي الخَمْرِ عِنْدَ العَرَبِ، ومِنهُ قَوْلُ عَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ:
؎ وتَداعَوْا إلى الصَبُوحِ فَقامَتْ ∗∗∗ قَيْنَةٌ في يَمِينِها إبْرِيقُ
و"الكَأْسُ": الآنِيَةُ المُعَدَّةُ لِلشُّرْبِ بِها، بِشَرِيطَةِ أنْ يَكُونَ فِيها خَمْرٌ ونَبِيذٌ، أو بِسَبِيلِ ذَلِكَ، ومَتى كانَ فارِغًا فَهو مُنْتَسِبٌ إلى جِنْسِهِ زُجاجًا كانَ أو غَيْرَهُ، ولا يُقالُ لِآنِيَةٍ فِيها ماءٌ ولَبَنٌ: كَأْسٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "مِن مَعِينٍ" قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: مَعْناهُ: مِن خَمْرٍ سائِلَةٍ، فَوَزْنُها مَفْعُولٌ، أصْلُها مَعْيُونٌ، وهَذا تَأْوِيلُ قَتادَةَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يُصَدَّعُونَ عنها﴾ ذَهَبَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ المَعْنى: لا يَلْحَقُ رُؤُوسَهم الصُداعُ الَّذِي يَلْحَقُ مِن خَمْرِ الدُنْيا، وقالَ قَوْمٌ: مَعْناهُ: لا يَتَفَرَّقُونَ عنها، بِمَعْنى: لا تُقْطَعُ عنهم لَذَّتُهم بِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ كَما يُفَرِّقُ أهْلُ خَمْرِ الدُنْيا بِأنْواعٍ مِنَ التَفْرِيقِ، وهَذا كَما قالَ: « "يَتَصَدَّعُ السَحابُ عَنِ المَدِينَةِ"...» الحَدِيثُ.
(p-١٩٥)وَقَوْلُهُ تَعالى: "وَلا يُنْزِفُونَ" قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والضَحّاكُ: مَعْناهُ: لا تَذْهَبُ عُقُولُهم سُكْرًا، والنَزِيفُ: السَكْرانُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ ............. ∗∗∗ شَرِبَ النَزِيفَ بِبَرْدِ ماءِ الحَشْرَجِ
وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ: "وَلا يَنْزِفُونَ" بِكَسْرِ الزايِ وفَتْحِ الياءِ، مِن: "نَزَفَ البِئْرُ" إذا اسْتَقى ماءَها، فَهي بِمَعْنى: تَمَّ خَمْرُهم ونَفِدَتْ، هَكَذا قالَ أبُو الفَتْحِ. وحَكاها أبُو حاتِمٍ عَنِ ابْنِ أبِي إسْحاقَ، والجَحْدَرِيِّ، والأعْمَشِ، وطَلْحَةَ، وابْنِ مَسْعُودٍ، وأبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ، وعِيسى بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الزايِ، قالَ: ومَعْناها: لا يَفْنى شَرابُهُمْ، والعَرَبُ تَقُولُ: "أنْزَفَ الرَجُلُ عَبْرَتُهُ". وتَقُولُ أيْضًا: "أنْزَفَ" إذا سَكِرَ، ومِنهُ قَوْلُ الأُبَيْرِدِ:
؎ لَعُمْرِي لَئِنْ أنَزَفْتُمْ أو صَحَوْتُمْ ∗∗∗ لَبِئْسَ النَدامى كُنْتُمْ آلَ أبْجَرا
(p-١٩٦)وَعَطَفَ "الفاكِهَةَ" عَلى "الكَأْسِ والأبارِيقِ".
قَوْلُهُ تَعالى: "مِمّا يَشْتَهُونَ"، رُوِيَ فِيهِ أنَّ العَبْدَ يَرى الطائِرَ يَطِيرُ فَيَشْتَهِيهِ فَيَنْزِلُ لَهُ كَما اشْتَهاهُ، ورُبَّما أكَلَ مِنهُ ألْوانًا بِحَسَبِ تَصَرُّفِ شَهْوَتِهِ إلى كَثِيرٍ مِمّا رُوِيَ في هَذا المَعْنى.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والمُفَضَّلُ عن عاصِمٍ: "وَحَوَرٍ عِينٍ" بِالخَفْضِ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، وأبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ، والأعْمَشِ، وأبِي القَعْقاعِ، وعَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ: "وَحُورًا عِينًا" بِالنَصْبِ، وقَرَأ الباقُونَ مِنَ السَبْعَةِ: "وَحَوَرٌ عِينٌ" بِالرَفْعِ، كُلُّ هَذِهِ القِراءاتِ مَحْمُولَةُ الإعْرابِ عَلى المَعْنى لا عَلى اللَفْظِ، فالخَفْضُ كَأنَّ المَعْنى: قِيلَ: تُنَعَّمُونَ بِهَذا كُلِّهِ وبِحُورٍ عِينٍ،وَكَأنَّ المَعْنى في قِراءَةِ النَصْبِ: وتُعْطُونَ هَذا كُلَّهُ وحُورًا عِينًا، وكَأنَّ المَعْنى في الرَفْعِ: لَهم هَذا كُلُّهُ وحُورٌ عِينٌ، ويَجُوزُ أنْ يَعْطِفَ "وَحُورٌ" عَلى الضَمِيرِ المُسْتَقِرِّ في "مُتَّكِئِينَ"، قالَ أبُو عَلِيٍّ: ولَمْ يُؤَكِّدْ لِكَوْنِ طُولِ الكَلامِ بَدَلًا مِنَ التَوْكِيدِ، ويَجُوزُ أنْ يَعْطِفَ عَلى "الوِلْدانِ" وإنْ كانَ طَوافُ الحُورِ يُقْلِقُ، ويَجُوزُ أنْ يَعْطِفَ عَلى الضَمِيرِ المُقَدَّرِ في قَوْلِهِ تَعالى: "عَلى سُرُرٍ". وفي هَذا كُلِّهِ نَظَرٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى "حُورٌ عِينٌ"، وقَرَأ إبْراهِيمُ النَخْعِيُّ: "وَحِيرٌ عِينٌ".
وخَصَّ "سُبْحانَهُ" المَكْنُونَ مِنَ اللُؤْلُؤِ لِأنَّهُ أصْفى لَوْنًا وأبْعَدُ عَنِ الغَيْرِ، «وَسَألَتْ أُمُّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُا رَسُولَ اللهِ ﷺ عن هَذا التَشْبِيهِ فَقالَ: "صَفاؤُهُنَّ كَصَفاءِ الدُرِّ في الأصْدافِ الَّذِي لا تَمَسُّهُ الأيْدِي"،» و"جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ" أيْ: هَذِهِ الرُتَبُ والنِعَمُ هي بِحَسَبِ أعْمالِهِمْ؛ لِأنَّهُ رُوِيَ أنَّ المَنازِلَ والقِسَمَ في الجَنَّةِ هي مُقْسَّمَةٌ عَلى قَدْرِ الأعْمالِ، ونَفْسُ دُخُولِ الجَنَّةِ هو بِرَحْمَةِ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى وفَضْلِهِ لا بِعَمَلِ عامِلٍ، فَأمّا هَذا الفَضْلُ وأنَّ دُخُولَها لَيْسَ بِعَمَلِ عامِلٍ فَفِيهِ حَدِيثٌ صَحِيحٌ، قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: « "وَلا أنا إلّا أنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللهُ بِفَضْلٍ مِنهُ ورَحْمَةٍ".»
(p-١٩٧)، و"اللَغْوُ": سَقْطُ القَوْلِ مِن فُحْشٍ وغَيْرِهِ، و"التَأْثِيمُ" مَصْدَرٌ، بِمَعْنى: لا يُؤْثَمُ أحَدٌ هُناكَ غَيْرُهُ ولا نَفْسُهُ بِقَوْلٍ كَأنْ يَسْمَعَ ويَتَألَّمَ بِسَماعِهِ. و"قِيلًا" مُسْتَثْنًى، والِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ، وقالَ قَوْمٌ: هو مُنْقَطِعٌ، و"سَلامًا" نَعْتٌ لِلْقِيلِ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: إلّا قَلِيلًا سالِمًا من هَذِهِ العُيُوبِ وغَيْرِها، وقالَ أبُو إسْحاقَ الزَجّاجُ أيْضًا: "سَلامًا" مَصْدَرٌ، وناصِبُهُ "قِيلًا"، كَأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أنَّهم يَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: سَلامًا سَلامًا، وقالَ بَعْضُ النُحاةِ: "سَلامًا" مُنْتَصِبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: أسْلَمُوا سَلامًا.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences