Ibn 'Atiyya · Tafsir · in Arabic
المزمل
Al-Muzzammil
The Enshrouded One · Meccan · 20 ayahs
73:1–10Page 574
يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡمُزَّمِّلُ ١
O you who wraps himself [in clothing],1
قُمِ ٱلَّيۡلَ إِلَّا قَلِيلٗا ٢
Arise [to pray] the night, except for a little -
نِّصۡفَهُۥٓ أَوِ ٱنقُصۡ مِنۡهُ قَلِيلًا ٣
Half of it - or subtract from it a little
أَوۡ زِدۡ عَلَيۡهِ وَرَتِّلِ ٱلۡقُرۡءَانَ تَرۡتِيلًا ٤
Or add to it, and recite the Qur’ān with measured recitation.
إِنَّا سَنُلۡقِي عَلَيۡكَ قَوۡلٗا ثَقِيلًا ٥
Indeed, We will cast upon you a heavy word.1
إِنَّ نَاشِئَةَ ٱلَّيۡلِ هِيَ أَشَدُّ وَطۡـٔٗا وَأَقۡوَمُ قِيلًا ٦
Indeed, the hours of the night are more effective for concurrence [of heart and tongue]1 and more suitable for words.2
إِنَّ لَكَ فِي ٱلنَّهَارِ سَبۡحٗا طَوِيلٗا ٧
Indeed, for you by day is prolonged occupation.
وَٱذۡكُرِ ٱسۡمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلۡ إِلَيۡهِ تَبۡتِيلٗا ٨
And remember the name of your Lord and devote yourself to Him with [complete] devotion.
رَّبُّ ٱلۡمَشۡرِقِ وَٱلۡمَغۡرِبِ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ فَٱتَّخِذۡهُ وَكِيلٗا ٩
[He is] the Lord of the East and the West; there is no deity except Him, so take Him as Disposer of [your] affairs.1
وَٱصۡبِرۡ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَٱهۡجُرۡهُمۡ هَجۡرٗا جَمِيلٗا ١٠
And be patient over what they say and avoid them with gracious avoidance.
(p-٤٣٩)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ [المُزَّمِّلِ]
وهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها في قَوْلِ المَهْدَوِيِّ وجَماعَةٍ، وقالَ الجُمْهُورُ: هي مَكِّيَّةٌ إلّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ﴾ [المزمل: ٢٠] إلى آخِرِ السُورَةِ، فَإنَّ ذَلِكَ نَزَلَ بِالمَدِينَةِ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿يا أيُّها المُزَّمِّلُ﴾ ﴿قُمِ اللَيْلَ إلا قَلِيلا﴾ ﴿نِصْفَهُ أوِ انْقُصْ مِنهُ قَلِيلا﴾ ﴿أو زِدْ عَلَيْهِ ورَتِّلِ القُرْآنَ تَرْتِيلا﴾ ﴿إنّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلا ثَقِيلا﴾ ﴿إنَّ ناشِئَةَ اللَيْلِ هي أشَدُّ وطْئًا وأقْوَمُ قِيلا﴾ ﴿إنَّ لَكَ في النَهارِ سَبْحًا طَوِيلا﴾ ﴿واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وتَبَتَّلْ إلَيْهِ تَبْتِيلا﴾ ﴿رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ لا إلَهَ إلا هو فاتَّخِذْهُ وكِيلا﴾ ﴿واصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ واهْجُرْهم هَجْرًا جَمِيلا﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها المُزَّمِّلُ﴾ نِداءٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ، واخْتَلَفَ الناسُ، لِمَ نُودِيَ بِها؟ فَقالَتْ عائِشَةُ، والنَخْعِيُّ، وجَماعَةٌ: لِأنَّهُ كانَ وقْتَ نُزُولِ الآيَةِ مُتَزَمِّلًا بِكِساءٍ، والتَزَمُّلُ: الِالتِفافُ في الثِيابِ بِضَمٍّ وتَشْمِيرٍ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎ كَأنَّ أبانا في أفانِينَ ودِقَّةٍ ∗∗∗ كَبِيرُ أُناسٍ في بِجادٍّ مُزَّمِّلٍ
وخُفِضَ "مُزَّمِّلٍ" في هَذا البَيْتِ هو عَلى الجِوارِ، وإنَّما هو نَعْتٌ لـ "كَبِيرٍ"، فَهو عَلَيْهِ (p-٤٤٠)الصَلاةُ والسَلامُ -عَلى قَوْلِ هَؤُلاءِ- إنَّما دُعِيَ بِهَيْئَةٍ في لِباسِهِ، وقالَ قَتادَةُ، كانَ تَزَمُّلٌ في ثِيابِهِ لِلصَّلاةِ واسْتَعَدَّ فَنُودِيَ عَلى مَعْنى: يا أيُّها المُسْتَعِدُّ لِلْعِبادَةِ المُتَزَمِّلِ لَها، وهَذا القَوْلُ أمْدَحُ لَهُ ﷺ، وقالَ عِكْرِمَةُ: مَعْناهُ: يا أيُّها المُتزَّمِّلُ لِلنُّبُوءَةِ وأعْبائِها، أيِ: المُتَشَمِّرُ المُجِدُّ، وقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ والزَهْرِيُّ بِما في البُخارِيِّ مِن «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ لَمّا جاءَهُ المَلَكُ في غارِ حِراءٍ وحاوَرَهُ بِما حاوَرَهُ رَجَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلى خَدِيجَةَ رَضِيَ اللهُ عنها فَقالَ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي، فَنَزَلَتْ ﴿يا أيُّها المُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: ١]،» وعَلى هَذا نَزَلَتْ يا "أيُّها المُزَّمِّلُ"، وفي مُصْحَفِ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: [يا أيُّها المُزَّمِّلُ] بِفَتْحِ الزايِ وتَخْفِيفِها وفَتْحِ المِيمِ وشَدِّها، والمَعْنى: الَّذِي زَمَّلَهُ أهْلُهُ أو زُمِّلَ لِلنُّبُوةِ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ: "يا أيُّها المُزَّمِّلُ" بِكَسْرِ المِيمِ وشَدِّها وتَخْفِيفِ الزايِ، أيِ: المُزَّمِّلُ نَفْسَهُ.
واخْتَلَفَ الناسُ في هَذا الأمْرِ بِقِيامِ اللَيْلِ كَيْفَ كانَ؟ فَقالَ جُمْهُورُ أهْلِ العِلْمِ: هو أمْرٌ عَلى جِهَةِ النَدْبِ قَدْ كانَ لَمْ يُفْرَضْ قَطُّ، ويُؤَيِّدُ هَذا الحَدِيثُ الصَحِيحُ «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قامَ لَيْلَةً في رَمَضانَ خَلْفَ حَصِيرِ الحُجْرَةِ، فَصَلّى وصَلّى بِصَلاتِهِ ناسٌ، ثُمَّ كَثُرُوا مِنَ اللَيْلَةِ القابِلَةِ، ثُمَّ غَصَّ المَسْجِدُ بِهِمْ في الثالِثَةِ أوِ الرابِعَةِ فَلَمْ يَخْرُجْ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَحَصَبُوا بابَهُ فَخَرَجَ مُغْضَبًا وقالَ: "إنِّي إنَّما تَرَكْتُ الخُرُوجَ لِأنِّي خِفْتُ أنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ"،» وقِيلَ: إنَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ لَمْ يُكَلِّمْهم إلّا بَعْدَ أصْبَحَ وقالَ آخَرُونَ: كانَ فَرْضًا في وقْتِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، واخْتَلَفَ هَؤُلاءِ، فَقالَ بَعْضُهُمْ: كانَ فَرْضًا عَلى النَبِيِّ ﷺ خاصَّةً وبَقِيَ كَذَلِكَ حَتّى تُوُفِّيَ ﷺ، وقِيلَ: بَلْ نُسِخَ عنهُ ولَمْ يَمُتْ إلّا والقِيامُ تَطَوُّعٌ، وقالَ بَعْضُهُمْ: كانَ فَرْضًا عَلى الجَمِيعِ، ودامَ الأمْرُ- عَلى ما قالَ (p-٤٤١)سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ - عَشْرَ سِنِينَ، وقالَتْ عائِشَةُ، وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: دامَ عامًا، ورُوِيَ عنها أيْضًا أنَّهُ دامَ ثَمانِيَةَ أشْهُرٍ ثُمَّ رَحِمَهُمُ اللهُ تَعالى فَنَزَلَتْ: ﴿إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أنَّكَ تَقُومُ﴾ [المزمل: ٢٠] فَخَفَّفَ عنهُمْ، وقالَ قَتادَةُ: بَقِيَ عامًا أو عامَيْنِ. وقَرَأ أبُو السَمالِ: "قُمُ اللَيْلَ" بِضَمِّ المِيمِ لِاجْتِماعِ الساكِنَيْنِ، والكَسْرُ في كَلامِ العَرَبِ أكْثَرُ كَما قَرَأ الناسُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "نِصْفَهُ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: "قَلِيلًا"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنَ "اللَيْلِ"، وكَيْفَ تُقَلِّبُ المَعْنى فَإنَّهُ أمَرَ بِقِيامِ نِصْفِ اللَيْلِ أو أكْثَرَ شَيْئًا أو أقَلَّ شَيْئًا. فالأكْثَرُ عِنْدَ العُلَماءِ لا يَزِيدُ عَلى الثُلُثَيْنِ، والأقَلُّ لا يَنْقُصُ عَنِ الثُلُثِ، ويُقَوِّي هَذا حَدِيثُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما في بَيْتِ مَيْمُونَةَ رَضِيَ اللهُ عنها، قالَ: فَلَمّا انْتَصَفَ اللَيْلُ أو قَبْلَهُ بِقَلِيلٍ قامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ. ويَلْزَمُ عَلى هَذا البَدَلُ الَّذِي ذَكَرْناهُ أنْ يَكُونَ اللَيْلُ قَدْ وقَعَ عَلَيْهِ الوَصْفُ بِـ "قَلِيلٍ"، وقَدْ يُحْتَمَلُ عِنْدِي قَوْلُهُ تَعالى: "إلّا قَلِيلًا" أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مِنَ القِيامِ، فَيُجْعَلُ اللَيْلُ اسْمَ جِنْسٍ، ثُمَّ قَوْلُهُ تَعالى: "إلّا قَلِيلًا"، أيِ اللَيالِي الَّتِي تَخِلُّ بِقِيامِها عِنْدَ العُذْرِ ونَحْوِهِ، وهَذا النَظَرُ يَحْسُنُ مَعَ النَدْبِ جِدًّا، وقَدْ تَكَلَّمَ الجُرْجانِيُّ في نَظْمِهِ في هَذِهِ الآيَةِ بِتَطْوِيلٍ وتَدْقِيقٍ غَيْرِ مُفِيدٍ، أكْثَرُهُ غَيْرُ صَحِيحٍ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أوُ انْقُصْ" بِضَمِّ الواوِ، وقَرَأ الحَسَنُ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ بِكَسْرِ الواوِ، وقَرَأ عِيسى بِالوَجْهَيْنِ، والضَمِيرانِ في "مِنهُ"، "عَلَيْهِ" عائِدانِ عَلى "النِصْفِ".
وقَوْلُهُ تَعالى: "وَرَتِّلِ" مَعْناهُ في اللُغَةِ: تَمَهَّلْ وفَرِّقْ بَيْنَ الحُرُوفِ لِتُبَيِّنَ، والمَقْصِدُ أنْ يَجِدَ الفِكْرُ فُسْحَةً لِلنَّظَرِ وفَهْمِ المَعانِي، وبِذَلِكَ يَرِقُّ القَلْبُ ويَفِيضُ عَلَيْهِ النُورُ والرَحْمَةُ، قالَ ابْنُ كَيْسانَ: المُرادُ تَفَهُّمُهُ تالِيًا لَهُ، ومِنهُ: "الثَغْرُ الرَتَلُ" أى الَّذِي بَيَّنَهُ فَسْخٌ وفُتُوحٌ، ورُوِيَ أنَّ قِراءَةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ كانَتْ بَيِّنَةً مُتَرَسِّلَةً، لَوْ شاءَ أحَدٌ أنْ يَعُدَّ الحُرُوفَ لَعَدَّها.
(p-٤٤٢)وَ"القَوْلُ الثَقِيلُ" هو القُرْآنُ، واخْتَلَفَ الناسُ، لِمَ سَمّاهُ ثَقِيلًا؟ فَقالَتْ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: لَمّا كانَ يَحِلُّ في رَسُولِ اللهِ ﷺ مِن ثِقَلِ الجِسْمِ حَتّى أنَّهُ كانَ إذا أُوحِيَ إلَيْهِ وهو عَلى ناقَتِهِ بَرَكَتْ بِهِ، وحَتّى كادَتْ فَخْذُهُ أنْ تَرُضَّ فَخْذَ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وقالَ أبُو العالِيَةِ والقُرْطُبِيُّ: بَلْ سَمّاهُ ثَقِيلًا لِثِقَلِهِ عَلى الكُفّارِ والمُنافِقِينَ بِإعْجازِهِ ووَعِيدِهِ ونَحْوِ ذَلِكَ، وقالَ حُذّاقُ العُلَماءِ: مَعْناهُ: ثَقِيلُ المَعانِي مِنَ الأمْرِ بِالطاعاتِ والتَكالِيفِ الشَرْعِيَّةِ مِنَ الجِهادِ ونَحْوِهِ ومُزاوَلَةِ الأعْمالِ الصالِحَةِ دائِمًا، قالَ الحَسَنُ: "إنَّ الهَذَّ خَفِيفٌ ولَكِنَّ العَمَلَ ثَقِيلٌ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ ناشِئَةَ اللَيْلِ﴾، قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ وابْنُ زَيْدٍ: هي لَفْظَةٌ حَبَشِيَّةٌ، نَشَأ الرَجُلُ إذا قامَ مِنَ اللَيْلِ، فَـ "ناشِئَةَ" -عَلى هَذا- جَمْعُ "ناشِئٍ" أيْ: قائِمٍ، و"أشَدُّ وطْئًا" مَعْناهُ: ثُبُوتًا واسْتِقْلالًا بِالقِيامِ، "وَأقْوَمُ قِيلًا" أيْ بِخُلُوِّ أفْكارِهِمْ وإقْبالِهِمْ عَلى ما يَقْرَءُونَهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وأنَسُ بْنُ مالِكٍ، وعَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ: ناشِئَةُ اللَيْلِ ما بَيْنَ المَغْرِبِ والعَشاءِ، وقالَتْ عائِشَةُ، ومُجاهِدٌ: الناشِئَةُ القِيامُ بَعْدَ النَوْمِ، ومَن قامَ أوَّلَ اللَيْلِ قَبْلَ النَوْمِ فَلَمْ يَقُمْ ناشِئَةَ اللَيْلِ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ، وابْنُ زَيْدٍ، وجَماعَةٌ: ناشِئَةُ اللَيْلِ ساعاتُهُ كُلُّها، لِأنَّها تَنْشَأُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ الزُبَيْرِ، وأبُو مِجْلَزٍ، والحَسَنُ: ما كانَ بَعْدَ العَشاءِ فَهو ناشِئَةُ اللَيْلِ وما كانَ قَبْلَها فَلَيْسَ بِناشِئَةَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَتْ صَلاتُهم أوَّلَ اللَيْلِ فَهي أشَدُّ وطْئًا، أيْ: أجْدَرُ أنْ تَخُصُّوا ما فَرَضَ اللهُ عَلَيْكم مِنَ القِيامِ؛ لِأنَّ الإنْسانَ مَتى نامَ لَم يَدْرِ مَتى يَسْتَيْقِظُ، وقالَ الكِسائِيُّ: ناشِئَةُ اللَيْلِ أوَّلُهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ الزُبَيْرِ أيْضًا: اللَيْلُ كُلُّهُ ناشِئَةٌ، و"أشَدُّ وطْئًا" -عَلى هَذا- يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ: أشَدَّ ثُبُوتًا، فَيَكُونُ نَسَبُ الثُبُوتِ إلَيْها مِن حَيْثُ هو للْقائِمِ فِيها، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ أنَّها صَعْبَةُ القِيامِ لِمَنعِها النَوْمَ، كَما قالَ « "اللهُمَّ اشْدُدْ وطَأتَكَ عَلى مُضَرٍ"،» فَذَكَّرَها تَعالى بِالصُعُوبَةِ لِيَعْلَمَ عِظَمَ الأجْرِ فِيها، كَما وعَدَ عَلَيْهِ الصَلاةُ (p-٤٤٣)والسَلامُ عَلى الوُضُوءِ عَلى المَكارِهِ والمَشْيِ في الظَلامِ إلى المَساجِدِ ونَحْوُهُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَطْئًا" بِفَتْحِ الواوِ وسُكُونِ الطاءِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، ومُجاهِدٌ، وابْنُ الزُبَيْرِ، وابْنُ عَبّاسٍ: "وِطاءٍ" عَلى وزْنِ فِعالٍ، والمَعْنى: مُوافَقَةٌ؛ لِأنَّهُ يَخْلُو البالُ مِن أشْغالِ النَهارِ يُوافِقُ قَلْبَ المَرْءِ لِسانَهُ وفِكْرَهُ عِبارَتَهُ، فَهَذِهِ مُواطَأةٌ صَحِيحَةٌ، وبِهَذا المَعْنى فَسَّرَ اللَفْظَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ، وقَرَأ قَتادَةُ -فِي رِوايَةِ حُسَيْنٍ -: "وِطْاءَ" بِكَسْرِ الواوِ وسُكُونِ الطاءِ والهَمْزَةُ مَقْصُورَةٌ، وقَرَأ أنَسُ بْنُ مالِكٍ "وَأصْوَبُ قِيلًا"، فَقِيلَ لَهُ: إنَّما هو "أقْوَمُ" فَقالَ: أقْوَمُ وأصْوَبُ وأهْيَأُ واحِدٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ لَكَ في النَهارِ سَبْحًا طَوِيلا﴾ أيْ تَصَرُّفًا وتَرَدُّدًا في أُمُورِكَ كَما يَتَرَدَّدُ السابِحُ في الماءِ، ومِنهُ سُمِّي الفَرَسُ سابِحًا لِتَثَنِّيهِ واضْطِرابِهِ، وقالَ قَوْمٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: إنَّما مَعْنى الآيَةِ التَنْبِيهُ عَلى أنَّهُ إنْ فاتَ حِزْبُ اللَيْلِ بِنَوْمٍ أو عُذْرٍ فَلْيُخْلِفْ بِالنَهارِ؛ فَإنَّ فِيهِ سَبْحًا طَوِيلًا. وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ: "سَبْخًا طَوِيلًا" بِالخاءِ المُعْجَمَةِ، ومَعْناهُ: خِفَّةٌ لَكَ مِنَ التَكالِيفِ، والتَسْبِيخُ: التَخْفِيفُ، ومِنهُ «قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ لِعائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها في السارِقِ الَّذِي سَرَقَها، فَكانَتْ تَدْعُو عَلَيْهِ: "لا تَسْبِخِي عنهُ"،» فَمَعْناهُ: لا تُخَفِّفِي عنهُ. قالَ أبُو حاتِمٍ: فَسَّرَ يَحْيى السَبْخَ بِالنَوْمِ.
وقالَ سَهْلُ: ﴿واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ يُرادُ بِهِ: بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ في ابْتِداءِ صَلاتِكَ. و"تَبَتَّلْ" مَعْناهُ: انْقَطَعَ مِن كُلِّ شَيْءٍ إلّا مِنهُ، وافْرُغْ إلَيْهِ، قالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: التَبَتُّلُ" رَفْضُ الدُنْيا، ومِنهُ: تَبَتَّلَ الحَبْلُ، وقَوْلُهم في المُطَلَّقَةِ: بَتْلَةٌ، ومِنهُ البَتُولُ، و"تَبْتِيلًا" مَصْدَرٌ عَلى غَيْرِ الصَدْرِ.
(p-٤٤٤)وَقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ -فِي رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ - "رَبِّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ" بِالخَفْضِ عَلى البَدَلِ مِن "رَبِّكَ"، وقَرَأ الباقُونَ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ: "رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ" بِالرَفْعِ عَلى القَطْعِ، أيْ: هو رَبُّ، أو عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ "لا إلَهَ إلّا هُوَ" وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأصْحابُ عَبْدِ اللهِ: "رَبُّ المَشارِقِ والمَغارِبِ" بِالجَمْعِ، و"الوَكِيلُ": القائِمُ بِالأُمُورِ الَّذِي تُوكَلُ إلَيْهِ الأشْياءُ،.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ الآيَةُ، قِيلَ: هي مُوادَعَةٌ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ السَيْفِ، والمُرادُ بِالآيَةِ قُرَيْشٌ. وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: قَوْلُهُ ﴿واهْجُرْهم هَجْرًا جَمِيلا﴾ مَنسُوخٌ، وأمّا الصَبْرُ عَلى ما يَقُولُونَ فَقَدْ يَتَوَجَّهُ أحْيانًا ويَبْقى حُكْمُهُ فِيما يُتَوَجَّهُ مِنَ الهَجْرِ الجَمِيلِ مِنَ المُسْلِمِينَ، قالَ أبُو الدَرْداءِ: إنّا لِنُكَشِّرُ في وُجُوهِ قَوْمٍ وإنَّ قُلُوبَنا لَتَلْعَنَهُمْ، والقَوْلُ الأوَّلُ أظْهَرُ؛ لِأنَّ الآيَةَ إنَّما هي في كُفْرِ قُرَيْشٍ ورَدِّهِمْ رِسالَتَهُ وإعْلامَهم بِذَلِكَ، ولا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ الحُكْمُ في هَذا المَقامِ باقِيًا.
73:11–18Page 574
وَذَرۡنِي وَٱلۡمُكَذِّبِينَ أُوْلِي ٱلنَّعۡمَةِ وَمَهِّلۡهُمۡ قَلِيلًا ١١
And leave Me with [the matter of] the deniers, those of ease [in life], and allow them respite a little.
إِنَّ لَدَيۡنَآ أَنكَالٗا وَجَحِيمٗا ١٢
Indeed, with Us [for them] are shackles and burning fire
وَطَعَامٗا ذَا غُصَّةٖ وَعَذَابًا أَلِيمٗا ١٣
And food that chokes and a painful punishment -
يَوۡمَ تَرۡجُفُ ٱلۡأَرۡضُ وَٱلۡجِبَالُ وَكَانَتِ ٱلۡجِبَالُ كَثِيبٗا مَّهِيلًا ١٤
On the Day the earth and the mountains will convulse and the mountains will become a heap of sand pouring down.
إِنَّآ أَرۡسَلۡنَآ إِلَيۡكُمۡ رَسُولٗا شَٰهِدًا عَلَيۡكُمۡ كَمَآ أَرۡسَلۡنَآ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ رَسُولٗا ١٥
Indeed, We have sent to you a Messenger as a witness upon you just as We sent to Pharaoh a messenger.
فَعَصَىٰ فِرۡعَوۡنُ ٱلرَّسُولَ فَأَخَذۡنَٰهُ أَخۡذٗا وَبِيلٗا ١٦
But Pharaoh disobeyed the messenger, so We seized him with a ruinous seizure.
فَكَيۡفَ تَتَّقُونَ إِن كَفَرۡتُمۡ يَوۡمٗا يَجۡعَلُ ٱلۡوِلۡدَٰنَ شِيبًا ١٧
Then how can you fear, if you disbelieve, a Day that will make the children white-haired?1
ٱلسَّمَآءُ مُنفَطِرُۢ بِهِۦۚ كَانَ وَعۡدُهُۥ مَفۡعُولًا ١٨
The heaven will break apart therefrom;1 ever is His promise fulfilled.
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ أُولِي النَعْمَةِ ومَهِّلْهم قَلِيلا﴾ ﴿إنَّ لَدَيْنا أنْكالا وجَحِيمًا﴾ ﴿وَطَعامًا ذا غُصَّةٍ وعَذابًا ألِيمًا﴾ ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الأرْضُ والجِبالُ وكانَتِ الجِبالُ كَثِيبًا مَهِيلا﴾ ﴿إنّا أرْسَلْنا إلَيْكم رَسُولا شاهِدًا عَلَيْكم كَما أرْسَلْنا إلى فِرْعَوْنَ رَسُولا﴾ ﴿فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَسُولَ فَأخَذْناهُ أخْذًا وبِيلا﴾ ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الوِلْدانَ شِيبًا﴾ ﴿السَماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كانَ وعْدُهُ مَفْعُولا﴾
قَوْلُهُ تَعالى: "وَذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ" وعِيدٌ لَهُمْ، ولَمْ يَتَعَرَّضْ أحَدٌ لِمَنعِهِ مِنهم لَكِنَّهُ إبْلاغٌ بِمَعْنى: لا تَشْغَلْ بِهِمْ فِكْرًا، وكِلْهم إلَيَّ. و"النَعْمَةِ" غَضارَةُ العَيْشِ وكَثْرَةُ المالِ، والمُشارُ إلَيْهِمْ كَفّارُ قُرَيْشٍ أصْحابُ القَلِيبِ بِبَدْرٍ، ويُرْوى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ وبَيْنَ بَدْرٍ إلّا مُدَّةٌ يَسِيرَةٌ نَحْوَ عامٍ ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ، والتَقْدِيرُ الَّذِي يُعَضِّدُهُ الدَلِيلُ مِن أخْبارِ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَقْتَضِي أنَّ بَيْنَ الأمْرَيْنِ نَحْوُ عَشَرَةِ سِنِينَ، ولَكِنَّ ذَلِكَ قَلِيلٌ أمْهِلُوهُ.
و"لَدَيْنا" بِمَنزِلَةِ: عِنْدَنا، و"الأنْكالُ" جَمْعُ نَكْلٍ وهو القَيْدُ مِنَ الحَدِيدِ، ويُرْوى أنَّها قُيُودٌ سُودٌ مِن نارٍ. و"الطَعامُ ذُو الغُصَّةِ": شَجَرَةُ الزَقُّومِ، قالَهُ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ، وقِيلَ: (p-٤٤٥)شَوْكٌ مِن نارٍ وتَعْتَرِضُ في حُلُوقِهِمْ لا تَخْرُجُ ولا يَنْزِلُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وكُلُّ مَطْعُومٍ هُناكَ فَهو ذُو غُصَّةٍ، ورُوِيَ «أنَّ النَبِيَّ ﷺ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ فَصَعِقَ.» والعامِلُ في قَوْلِهِ تَعالى: "يَوْمَ" الفِعْلُ الَّذِي تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ "إنَّ لَدَيْنا"، وهو اسْتِقْرارٌ أو ثُبُوتٌ. و"الرَجَفانُ": الِاهْتِزازُ والِاضْطِرابُ مِن فَزَعٍ وهَوْلٍ، و"المَهِيلُ": اللِينُ الرَخْوُ الَّذِي يَذْهَبُ بِالرِيحِ ويَجِيءُ، فَهِي تَهِيلَةٌ، والأصْلُ مَهْيُولٌ، اسْتُثْقِلَتِ الضَمَّةُ عَلى الياءِ فَسَكَنَتْ، واجْتَمَعَ ساكِنانِ فَحُذِفَتِ الواوُ، وكُسِرَتِ الهاءُ بِسَبَبِ الياءِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "إنّا أرْسَلْنا" الآيَةُ.... خِطابٌ لِلْعالِمِ، لَكِنِ المُواجِهُونَ قُرَيْشَ، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿شاهِدًا عَلَيْكُمْ﴾ نَحْوُ قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١]، وتَمْثِيلُهُ لَهم أمْرُهم بِفِرْعَوْنَ وعِيدٌ، كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: فَحالُهم مِنَ العَذابِ والعِقابِ إنْ كَفَرُوا سائِرَةٌ إلى مِثْلِ حالِ فِرْعَوْنَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَسُولَ﴾ يُرِيدُ تَعالى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، والألِفُ واللامُ لِلْعَهْدِ، و"الوَبِيلُ": الشَدِيدُ الرَدِيءُ العُقْبى، يُقالُ: كَلَأٌ وبِيلٌ ومُسْتَوْبِلٌ إذا كانَ ضارًّا لِما يَرْعاهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ﴾ مَعْناهُ: كَيْفَ تَجْعَلُونَ واقِيًا لِأنْفُسِكُمْ، و"يَوْمًا" مَفْعُولٌ بـ "تَتَّقُونَ"، وقِيلَ: هو مَفْعُولٌ بِـ "كَفَرْتُمْ" عَلى أنْ تَجْعَلَهُ بِمَنزِلَةِ "جَحَدْتُمْ"، فَـ "تَتَّقُونَ" -عَلى هَذا- مِنَ التَقْوى، أيْ تَتَّقُونَ عِقابَ اللهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ "يَوْمًا" ظَرْفًا والمَعْنى تَتَّقُونَ عِقابَ اللهِ يَوْمًا "وَيَجْعَلُ" يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مُسْنَدًا إلى اسْمِ اللهِ تَعالى، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ مُسْنَدًا إلى اليَوْمِ، وقَوْلُهُ تَعالى: "الوِلْدانَ" يُرِيدُ بِهِ صِغارَ الأطْفالِ، وقالَ قَوْمٌ: هَذِهِ حَقِيقَةٌ، فَتَشِيبُ رُؤُوسُهم مِن شِدَّةِ الهَوْلِ، يَرى الشَيْبَ في الدُنْيا مِنَ الهَمِّ المُفْرِطِ كَهَوْلِ البَحْرِ ونَحْوِهِ، وقالَ آخَرُونَ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: هو تَجَوُّزٌ وإبْلاغٌ في (p-٤٤٦)وَصْفِ هَوْلِ ذَلِكَ اليَوْمِ، وواحِدُ الوِلْدانِ: ولِيدٌ، وواحِدُ الشَيْبِ أشْيَبُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿السَماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ قِيلَ: هَذا عَلى النَسَبِ، أيْ ذاتَ انْفِطارٍ، كامْرَأةٍ حائِضٍ وطالِقٍ، وقِيلَ: السَماءُ تُذَكَّرُ وتُؤَنَّثُ، ويَنْشُدُ في التَذْكِيرِ:
؎ فَلَوْ رَفَعَ السَماءَ إلَيْهِ قَوْمًا ∗∗∗ لَحِقْنا بِالسَماءِ مَعَ السَحابِ
وقِيلَ مِن حَيْثُ لَمْ يَكُنْ تَأْنِيثُها حَقِيقِيًّا جازَ أنْ تَسْقُطَ عَلامَةُ التَأْنِيثِ لَها، وقِيلَ: لَمْ يُرِدْ بِاللَفْظَةِ قَصْدُ السَماءِ بِعَيْنِها، وإنَّما أرادَ ما عَلا مِن مَخْلُوقاتِ اللهِ تَعالى، كَأنَّهُ قَصَدَ السَقْفَ فَذَكَرَ عَلى هَذا المَعْنى، قالَهُ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ، وأبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ، والكِسائِيُّ، و"الِانْفِطارُ" التَصَدُّعُ والِانْشِقاقُ عَلى غَيْرِ نِظامٍ يُقْصَدُ، والضَمِيرُ في "بِهِ" قالَ مُنْذِرٌ وغَيْرُهُ: هو عائِدٌ عَلى اليَوْمِ، وقالَ مُجاهِدٌ: هو عائِدٌ عَلى اللهِ تَعالى، وهَذا نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَماءُ بِالغَمامِ﴾ [الفرقان: ٢٥] أى بِالغَمامِ الَّذِي هو ظَلَّلَ يَأْتِي اللهُ تَعالى فِيها، والمَعْنى: يَأْتِي أمْرُهُ وقُدْرَتُهُ، وكَذَلِكَ "مُنْفَطِرٌ بِهِ" أيْ بِأمْرِهِ وسُلْطانِهِ، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى "وَعْدُهُ" ظاهِرٌ أنَّهُ لِلَّهِ تَعالى، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلْيَوْمِ لِأنَّهُ يُضافُ إلَيْهِ مِن حَيْثُ هو فِيهِ.
73:19–20Page 574
إِنَّ هَٰذِهِۦ تَذۡكِرَةٞۖ فَمَن شَآءَ ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِۦ سَبِيلًا ١٩
Indeed, this is a reminder, so whoever wills may take to his Lord a way.
۞ إِنَّ رَبَّكَ يَعۡلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدۡنَىٰ مِن ثُلُثَيِ ٱلَّيۡلِ وَنِصۡفَهُۥ وَثُلُثَهُۥ وَطَآئِفَةٞ مِّنَ ٱلَّذِينَ مَعَكَۚ وَٱللَّهُ يُقَدِّرُ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَۚ عَلِمَ أَن لَّن تُحۡصُوهُ فَتَابَ عَلَيۡكُمۡۖ فَٱقۡرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنَ ٱلۡقُرۡءَانِۚ عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُم مَّرۡضَىٰ وَءَاخَرُونَ يَضۡرِبُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ يَبۡتَغُونَ مِن فَضۡلِ ٱللَّهِ وَءَاخَرُونَ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۖ فَٱقۡرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنۡهُۚ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَقۡرِضُواْ ٱللَّهَ قَرۡضًا حَسَنٗاۚ وَمَا تُقَدِّمُواْ لِأَنفُسِكُم مِّنۡ خَيۡرٖ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِ هُوَ خَيۡرٗا وَأَعۡظَمَ أَجۡرٗاۚ وَٱسۡتَغۡفِرُواْ ٱللَّهَۖ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمُۢ ٢٠
Indeed, your Lord knows, [O Muḥammad], that you stand [in prayer] almost two thirds of the night or half of it or a third of it, and [so do] a group of those with you. And Allāh determines [the extent of] the night and the day. He has known that you [Muslims] will not be able to do it1 and has turned to you in forgiveness, so recite what is easy [for you] of the Qur’ān. He has known that there will be among you those who are ill and others traveling throughout the land seeking [something] of the bounty of Allāh and others fighting for the cause of Allāh. So recite what is easy from it and establish prayer and give zakāh and loan Allāh a goodly loan.2 And whatever good you put forward for yourselves - you will find it with Allāh. It is better and greater in reward. And seek forgiveness of Allāh. Indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.
قوله عزّ وجلّ:
﴿إنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَن شاءَ اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلا﴾ ﴿إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أنَّكَ تَقُومُ أدْنى مِن ثُلُثَيِ اللَيْلِ ونِصْفَهُ وثُلُثَهُ وطائِفَةٌ مِن الَّذِينَ مَعَكَ واللهُ يُقَدِّرُ اللَيْلِ والنَهارَ عَلِمَ أنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتابَ عَلَيْكم فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِن القُرْآنِ عَلِمَ أنْ سَيَكُونُ مِنكم مَرْضى وآخَرُونَ يَضْرِبُونَ في الأرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللهِ وآخَرُونَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللهِ فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنهُ وأقِيمُوا الصَلاةَ وآتُوا الزَكاةَ وأقْرِضُوا اللهِ قَرْضًا حَسَنًا وما تُقَدِّمُوا لأنْفُسِكم مِن خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللهِ هو خَيْرًا وأعْظَمَ أجْرًا واسْتَغْفِرُوا اللهِ إنَّ اللهِ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
الإشارَةُ بِـ "هَذِهِ" يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِما ذَكَرَ مِنَ الأنْكالِ والجَحِيمِ والأخْذِ الوَبِيلِ (p-٤٤٧)وَنَحْوِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ إلى السُورَةِ بِأجْمَعِها، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ إلى القُرْآنِ بِمَعْنى أنَّ الأقْوالَ المَنصُوبَةَ فِيهِ تَذْكِرَةٌ، والتَذْكِرَةُ مَصْدَرٌ كالذِكْرِ، وقَوْلُهُ تَعالى: "فَمَن شاءَ" الآيَةُ لَيْسَ مَعْناهُ إباحَةُ الأمْرِ وضِدُّهُ، بَلْ يَتَضَمَّنُ مَعْنى الوَعِيدِ والوَعْدِ، و"السَبِيلُ" هُنا سَبِيلُ الخَيْرِ والطاعَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ﴾ الآيَةُ، نَزَلَتْ تَخْفِيفًا لِما كانَ اسْتَمِرَّ اسْتِعْمالُهُ مِن أمْرِ قِيامِ اللَيْلِ إمّا عَلى الوُجُوبِ أو عَلى النَدْبِ حَسَبَ الخِلافِ الَّذِي ذَكَرْناهُ، ومَعْنى الآيَةِ: أنَّ اللهَ يَعْلَمُ أنَّكَ تَقُومُ أنْتَ وغَيْرُكُ مَن أُمِّتِكَ قِيامًا مُخْتَلِفًا، مَرَّةً يُكْثِرُ ومَرَّةً يَقِلُّ، ومَرَّةً أدْنى مِنَ الثُلُثَيْنِ ومَرَّةً أدْنى مِنَ الثُلُثِ، وذَلِكَ لِعَدَمِ تَحْصِيلِ البَشَرِ لِمَقادِيرِ الزَمانِ مَعَ عُزْرِ النَوْمِ، وتَقْدِيرُ الزَمانِ حَقِيقَةٌ إنَّما هو لِلَّهِ تَعالى، وأمّا البَشَرُ فَلا يُحْصِي ذَلِكَ، فَتابَ اللهُ عَلَيْهِمْ، أيْ: رَجَعَ بِهِمْ مِنَ الثِقَلِ إلى الخِفَّةِ، وأمَرَهم بِقِراءَةِ ما تَيَسَّرَ مِنهُ، ونَحْوُ هَذا يُعْطِي عِبارَةَ الفَرّاءِ ومُنْذِرٍ فَإنَّهُما قالا: "تُحْصُوهُ": تَحْفَظُوهُ، وهَذا التَأْوِيلُ هو عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ: "وَنِصْفِهِ وثُلُثِ" بِالخَفْضِ عَطْفًا عَلى "الثُلُثَيْنِ"، وهي قِراءَةُ أبِي عَمْرٍو، ونافِعٍ، وابْنِ عامِرٍ، وأمّا مَن قَرَأ "وَنِصْفَهُ وثُلُثَهُ" بِالنَصْبِ عَطْفًا عَلى "أدْنى"، وهي قِراءَةُ باقِي السَبْعَةِ، فالمَعْنى عِنْدَهُ آخَرُ، وذَلِكَ أنَّ اللهَ تَعالى قَدْ قَدَّرَ أنَّهم يُقَدِّرُونَ الزَمانَ عَلى نَحْوِ ما أمَرَ بِهِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿نِصْفَهُ أوِ انْقُصْ مِنهُ قَلِيلا﴾ [المزمل: ٣] ﴿أو زِدْ عَلَيْهِ﴾ [المزمل: ٤]، فَلَمْ يَبْقَ إلّا أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَنْ تُحْصُوهُ فَتابَ﴾ "بِمَعْنى": لَنْ تُطِيقُوا قِيامَهُ لِكَثْرَتِهِ وشِدَّتِهِ، فَخَفَّفَ اللهُ عنهم فَضْلًا مِنهُ لا لِعِلَّةِ جَهْلِهِمْ بِالتَقْدِيرِ وإحْصاءِ الأوقاتِ، ونَحْوُ هَذا تُعْطِي عِبارَةُ الحَسَنِ وابْنُ جُبَيْرٍ، فَإنَّهُما قالا: "تُحْصُوهُ" تُطِيعُوهُ، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ والناسُ "وَثُلُثُهُ" بِضَمِّ اللامِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ في رِوايَةِ شِبْلٍ عنهُ: "وَثُلْثُهُ" بِسُكُونِ اللامِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنَ القُرْآنِ﴾ إباحَةٌ، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ وجَماعَةٌ: هو فَرْضٌ لا بُدَّ مِنهُ ولَوْ خَمْسِينَ آيَةً، وقالَ الحَسَنُ وابْنُ سِيرِينَ: قِيامُ اللَيْلِ فَرْضٌ، ولَوْ قَدْرَ حَلْبِ شاةٍ، إلّا أنَّ الحَسَنَ قالَ: مَن قَرَأ مِائَةَ آيَةٍ لَمْ يُحاجِّهِ القُرْآنُ، واسْتَحْسَنَ هَذا جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ، قالَ بَعْضُهُمْ: والرَكْعَتانِ بَعْدَ العَتَمَةِ مَعَ الوِتْرِ تَدْخُلانِ في حُكْمِ هَذا الأمْرِ وامْتِثالِهِ، ومَن زادَ زادَهُ اللهُ تَعالى ثَوابًا.
و"إنَّ" في قَوْلِهِ تَعالى: "عَلِمَ أنْ" مُخَفَّفَةً مِنَ الثَقِيلَةِ، والتَقْدِيرُ أنَّهُ يَكُونُ، فَجاءَتِ (p-٤٤٨)السِينُ عِوَضًا مِنَ المَحْذُوفِ، وكَذَلِكَ جاءَتْ لا في قَوْلِ أبِي مِحْجَنٍ:
؎ ولا تَدْفِنُنِّي بِالفَلاةِ فَإنَّنِي ∗∗∗ أخافُ إذا ما مُتُّ أنْ لا أذُوقَها
و"الضَرْبُ في الأرْضِ" هو السَفَرُ لِلتِّجارَةِ، وضَرْبُ الأرْضِ هو المَشْيُ لِلتَّبَرُّزِ والغائِطِ، فَذَكَرَ اللهُ تَعالى أعْذارَ بَنِي آدَمَ الَّتِي هي حائِلَةٌ بَيْنَهم وبَيْنَ قِيامِ اللَيْلِ، وهي المَرَضُ والسَفَرُ في تِجارَةٍ أو غَزْوٍ، فَخَفَّفَ عنهُمُ القِيامَ لِهَذا، وفي هَذِهِ الآيَةِ فَضِيلَةُ الضَرْبِ في الأرْضِ لِلتِّجارَةِ وسُوقِ لَها مَعَ سَفَرِ الجِهادِ، وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما: أحَبُّ المَوْتِ إلَيَّ بَعْدَ القَتْلِ في سَبِيلِ اللهِ أنْ أمُوتَ بَيْنَ شُعْبَتَيْ رَحْلِي أضْرِبُ في الأرْضِ أبْتَغِي مِن فَضْلِ اللهِ.
ثُمَّ كَرَّرَ اللهُ تَعالى الأمْرَ بِقِراءَةِ ما تَيَسَّرَ مِنهُ تَأْكِيدًا، والصَلاةُ والزَكاة هُنا المَفْرُوضَتانِ، فَمَن قالَ إنَّ القِيامَ بِاللَيْلِ غَيْرُ واجِبٍ قالَ: مَعْنى الآيَةِ: خُذُوا مِن هَذا النَفْلِ بِما تَيَسَّرَ وحافِظُوا عَلى فَرائِضِكُمْ، ومَن قالَ إنَّ شَيْئًا مِنَ القِيامِ واجِبٌ قالَ: قَرَنَهُ اللهُ بِالفَرائِضِ لِأنَّهُ فَرْضٌ.
وإقْراضُ اللهِ تَعالى هو اسْتِلافُ العَمَلِ الصالِحِ عِنْدَهُ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ "هُوَ (p-٤٤٩)خَيْرًا" عَلى أنْ يَكُونَ "هُوَ" فَصْلًا، وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ السَمَيْفَعِ، وأبُو السَمالِ: "هُوَ خَيْرٌ" عَلى أنْ يَكُونَ "هُوَ" ابْتِداءٌ، و"خَيْرٌ" خَبَرُهُ والجُمْلَةُ تَسُدُّ مَسَدَّ المَفْعُولِ الثانِي لـ "تَجِدُوهُ".
ثُمَّ أمَرَ اللهُ تَعالى بِالِاسْتِغْفارِ، وأوجَبَ لِنَفْسِهِ صِفَةَ الغُفْرانِ، لا إلَهَ غَيْرُهُ، قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: فالِاسْتِغْفارُ بَعْدَ الصَلاةِ مُسْتَنْبَطٌ مِن هَذِهِ الآيَةِ ومِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كانُوا قَلِيلا مِنَ اللَيْلِ ما يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات: ١٧] ﴿وَبِالأسْحارِ هم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: ١٨].
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وعَهِدْتُ أبِي رَحِمَهُ اللهُ يَسْتَغْفِرُ إثْرَ كُلِّ مَكْتُوبَةٍ ثَلاثًا بِعَقِبِ السَلامِ ويَأْثِرُ في ذَلِكَ حَدِيثًا، فَكَأنَّ هَذا الِاسْتِغْفارَ مِنَ النَقْصِ وتَقَلُّبِ الفِكْرِ أثْناءَ الصَلاةِ، وكانَ السَلَفُ الصالِحُ يُصَلُّونَ إلى طُلُوعِ الفَجْرِ ثُمَّ يَجْلِسُونَ لِلِاسْتِغْفارِ إلى صَلاةِ الصُبْحِ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [المُزَّمِّلِ] والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences