Ibn 'AtiyyaGhafir · 40:1–17

Ibn 'Atiyya · Tafsir · in Arabic

غافر

Ghafir

The Forgiver · Meccan · 85 ayahs

40:1–5Page 467

حمٓ ١

Ḥā, Meem.1

تَنزِيلُ ٱلۡكِتَٰبِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡعَلِيمِ ٢

The revelation of the Book [i.e., the Qur’ān] is from Allāh, the Exalted in Might, the Knowing,

غَافِرِ ٱلذَّنۢبِ وَقَابِلِ ٱلتَّوۡبِ شَدِيدِ ٱلۡعِقَابِ ذِي ٱلطَّوۡلِۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ إِلَيۡهِ ٱلۡمَصِيرُ ٣

The forgiver of sin, acceptor of repentance, severe in punishment, owner of abundance. There is no deity except Him; to Him is the destination.

مَا يُجَٰدِلُ فِيٓ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَا يَغۡرُرۡكَ تَقَلُّبُهُمۡ فِي ٱلۡبِلَٰدِ ٤

No one disputes concerning the signs of Allāh except those who disbelieve, so be not deceived by their [uninhibited] movement throughout the land.

كَذَّبَتۡ قَبۡلَهُمۡ قَوۡمُ نُوحٖ وَٱلۡأَحۡزَابُ مِنۢ بَعۡدِهِمۡۖ وَهَمَّتۡ كُلُّ أُمَّةِۭ بِرَسُولِهِمۡ لِيَأۡخُذُوهُۖ وَجَٰدَلُواْ بِٱلۡبَٰطِلِ لِيُدۡحِضُواْ بِهِ ٱلۡحَقَّ فَأَخَذۡتُهُمۡۖ فَكَيۡفَ كَانَ عِقَابِ ٥

The people of Noah denied before them and the [disbelieving] factions after them, and every nation intended [a plot] for their messenger to seize him, and they disputed by [using] falsehood to [attempt to] invalidate thereby the truth. So I seized them, and how [terrible] was My penalty.

(p-٤١٨)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ

تَفْسِيرُ سُورَةِ غافِرٍ

هَذِهِ السُورَةُ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ، وقَدْ رُوِيَ في بَعْضِ آياتِها أنَّها مَدَنِيَّةٌ، وهَذا ضَعِيفٌ، والأوَّلُ أصَحُّ، وهَذِهِ الحَوامِيمُ الَّتِي رَوى أُنْسٌ رَضِيَ اللهُ عنهُ عَنِ النَبِيِّ ﷺ «أنَّها دِيباجُ القُرْآنِ،» ووَقَفَهُ الزَجّاجُ عَلى ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، ومَعْنى هَذِهِ العِبارَةِ أنَّها خَلَتْ مِنَ الأحْكامِ، وقُصِرَتْ عَلى المَواعِظِ والزَجْرِ وطُرُقِ الآخِرَةِ مَحْضًا، وأيْضًا فَهي قِصارٌ لا يَلْحَقُ لِقارِئٍ فِيها سَآمَةٌ. ورُوِيَ أنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ رَوى أنَّ النَبِيَّ عَلَيْهِ السَلامُ قالَ: « "مَن أرادَ أنْ يَرْتَعَ في رِياضٍ مُونِقَةٍ مِنَ الجَنَّةِ فَلْيَقْرَء الحَوامِيمَ"،» وهَذا نَحْوُ الكَلامِ الأوَّلِ في (p-٤١٩)المَعْنى. وقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "مَثَلُ الحَوامِيمِ في القُرْآنِ مَثَلُ الحِبَراتِ في الثِيابِ".»

قوله عزّ وجلّ:

﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللهِ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ ﴿غافِرِ الذَنْبِ وقابِلِ التَوْبِ شَدِيدِ العِقابِ ذِي الطَوْلِ لا إلَهَ إلا هو إلَيْهِ المَصِيرُ﴾ ﴿ما يُجادِلُ في آياتِ اللهِ إلا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهم في البِلادِ﴾ ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ والأحْزابُ مِن بَعْدِهِمْ وهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وجادَلُوا بِالباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقَّ فَأخَذْتُهم فَكَيْفَ كانَ عِقابِ﴾

تَقَدَّمَ القَوْلُ في الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ في أوائِلِ السُوَرِ، وتِلْكَ الأقْوالُ كُلُّها تَتَرَتَّبُ في قَوْلِهِ: [حَمْ]، ويَخْتَصُّ هَذا المَوْضِعُ بِقَوْلٍ آخَرَ قالَهُ الضَحّاكُ، والكِسائِيُّ: إنَّ [حَمَ] هِجاءُ (حُمَّ) بِضَمِّ الحاءِ وشَدِّ المِيمِ المَفْتُوحَةِ، كَأنَّهُ يَقُولُ: "حُمَّ الأمْرُ ووَقَعَ تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللهِ"، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "آلَرَ، حَمْ، ون هي حُرُوفُ "الرَحْمَنِ" مُقَطَّعَةٌ في سُوَرٍ"، وقالَ القُرَظِيُّ: أقْسَمَ اللهُ بِحِلْمِهِ ومُلْكِهِ، «وَسَألَ أعْرابِيٌّ النَبِيَّ ﷺ عن [حَمْ] ما هُوَ؟ فَقالَ: "بَدْءُ أسْماءٍ وفَواتِحُ سُوَرٍ".»

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِفَتْحِ الحاءِ، ورُوِيَ عن أبِي عَمْرٍو كَسْرُها عَلى الإمالَةِ، ورُوِيَ عن نافِعٍ الفَتْحُ، ورُوِيَ عنهُ الوَسَطُ بَيْنَهُما، وكَذَلِكَ اخْتُلِفَ عن عاصِمٍ، ورُوِيَ عن عِيسى (p-٤٢٠)كَسَرُ الحاءِ عَلى الإمالَةِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ بِفَتْحِ الحاءِ وسُكُونِ المِيمِ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ أيْضًا حَمَ بِفَتْحِ الحاءِ وفَتْحِ المِيمِ الأخِيرَةِ في النُطْقِ، ولِذَلِكَ وجْهانِ: أحَدُهُما التَحْرِيكُ لِلِالتِقاءِ مَعَ الياءِ الساكِنَةِ، والآخِرُ: حَرَكَةُ إعْرابٍ، وذَلِكَ نُصِبَ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ تَقْدِيرُهُ: اقْرَأْ حَمَ، وهَذا عَلى أنْ تُجْرى مَجْرى الأسْماءِ، والحُجَّةُ مِنهُ قَوْلُ شُرَيْحِ بْنِ أوفى العَبْسِيِّ:

؎ يُذَكِّرُنِي حامِيمَ والرُمْحُ شاجِرٌ ∗∗∗ فَهَلّا تَلا حامِيمَ قَبْلَ التَقَدُّمِ؟

وقَوْلُ الكُمَيْتِ:

؎ وجَدْنا لَكم في آلِ حامِيمَ آيَةٌ ∗∗∗ ∗∗∗ تَأوَّلَها مِنّا تَقِيٌّ ومُعْرِبُ

وقَرَأ أبُو السَمّالِ: بِكَسْرِ المِيمِ الأخِيرَةِ، وذَلِكَ لِالتِقاءِ الساكِنَيْنِ، و[حَمْ] آيَةٌ.

و[تَنْزِيلُ] رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِنَ اللهِ﴾ وعَلى القَوْلِ بِأنَّ [حَمْ] إشارَةٌ إلى حُرُوفِ المُعْجَمِ يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿ [تَنْزِيلُ]﴾ خَبَرَ ابْتِداءٍ، و[الكِتابِ]: القُرْآنِ، وقَوْلُهُ (p-٤٢١)تَعالى: ﴿ "غافِرِ"﴾ بَدَلٌ مِنَ المَكْتُوبَةِ، وإنْ أرَدْتُّ بِـ"غافِرِ" المُضِيَّ - أيْ غُفْرانَهُ في الدُنْيا وقَضاؤَهُ بِالغُفْرانِ وسَتْرَهُ عَلى المُذْنِبِينَ - فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ "غافِرِ" صِفَةً؛ لِأنَّ إضافَتَهُ إلى المَعْرِفَةِ تَكُونُ مَحْضَةً، وهَذا مُتَرَجِّحٌ جِدًّا، وإذا أرَدْتَ بِـ"غافِرِ" الِاسْتِقْبالَ أيْ غُفْرانَهُ يَوْمَ القِيامَةِ - فالإضافَةُ غَيْرُ مَحْضَةٍ، و"غافِرِ" نَكِرَةٌ، فَلا يَكُونُ نَعْتًا؛ لِأنَّ المَعْرِفَةَ لا تُنْعَتُ بِالنَكِرَةِ، وفي هَذا نَظَرٌ. وقالَ الزَجّاجُ: "غافِرِ" و"قابِلِ" صِفَتانِ، و﴿شَدِيدِ العِقابِ﴾ بَدَلٌ، و"الذَنْبِ" اسْمُ الجِنْسِ، وأمّا ﴿ "التَوْبِ"﴾ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا كالعَوْمِ والنَوْمِ فَيَكُونُ اسْمَ جِنْسٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ تَوْبَةٍ، كَتَمْرَةٍ وتَمْرٍ، وساعَةٍ وساعٍ. وقَبُولُ التَوْبَةِ مِنَ الكافِرِ مَقْطُوعٌ بِهِ؛ لِإخْبارِ اللهِ تَعالى، وقَبُولِ التَوْبَةِ مِنَ العاصِي في وُجُوبِها قَوْلانِ لِأهْلِ السُنَّةِ، وحَكى الطَبَرِيُّ عن أبِي بَكْرِ بْنِ عَيّاشٍ أنَّ رَجُلًا جاءَ إلى عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ فَقالَ: إنِّي قَتَلْتُ، فَهَلْ لِي مِن تَوْبَةٍ؟ فَقالَ: نَعَمِ، اعْمَلْ ولا تَيْأسْ، ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ إلى قَوْلِهِ تَعالى: " قابِلِ التَوْبِ ". [وَ ﴿شَدِيدِ العِقابِ﴾ صِفَةٌ، وقِيلَ: بَدَلٌ].

ثُمَّ عَقَّبَ تَعالى هَذا الوَعِيدَ بِوَعْدٍ ثانٍ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ذِي الطَوْلِ﴾، أيْ: ذِي التَطَوُّلِ والمَنِّ بِكُلِّ نِعْمَةٍ، فَلا خَيْرَ إلّا مِنهُ، فَتَرَتَّبَ في الآيَةِ وعِيدٌ بَيْنَ وعْدَيْنِ، وهَكَذا رَحْمَةُ اللهِ تَغْلِبُ غَضَبَهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

سَمِعْتُ هَذِهِ النَزْعَةُ مِن أبِي رَضِيَ اللهُ عنهُ، وهي نَحْوٌ مَن قَوْلِ عَمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ"، يُرِيدُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: ٥] ﴿إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: ٦].

(p-٤٢٢)وَ"الطَوْلُ": الإنْعامُ، ومِنهُ "ما حَلِيتُ بِطائِلٍ"، وحَكى الثَعْلَبِيُّ عن أهْلِ الإشارَةِ أنَّهُ تَعالى غافِرِ الذَنْبِ فَضْلًا، وقابِلِ التَوْبِ وعْدًا، وشَدِيدِ العِقابِ عَدْلًا. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: الطَوْلُ: السَعَةُ والغِنى. ثُمَّ صَدَعَ تَعالى بِالتَوْحِيدِ في قَوْلِهِ: ﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾، وبِالبَعْثِ والحَشْرِ في قَوْلِهِ: ﴿إلَيْهِ المَصِيرُ﴾.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما يُجادِلُ في آياتِ اللهِ﴾ يُرِيدُ: جِدالًا باطِلًا، لِأنَّ الجِدالَ فِيها يَقَعُ مِنَ المُؤْمِنِينَ لَكِنْ في إثْباتِها وشَرْحِها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا يَغْرُرْكَ﴾ أنْزَلَهُ مَنزِلَةَ: "فَلا يَحْزُنْكَ ولا يَهُمَّنَّكَ" لِتَدُلَّ الآيَةُ عَلى أنَّهم يَنْبَغِي ألّا يَغْتَرُّوا بِإمْلاءِ اللهِ تَعالى لَهُمْ، فالخِطابُ لَهُ والإشارَةُ إلى مَن يَقَعُ مِنهُ الِاغْتِرارُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ [يَغْرُرْكَ] بِمَعْنى: تَظُنُّ أنَّ وراءَ تَقَلُّبِهِمْ وإمْهالِهِمْ خَيْرًا لَهُمْ، فَتَقُولُ: عَسى أنْ لا يُعَذَّبُوا. وحُلَّ الفِعْلُ مِنَ الإدْغامِ لِسُكُونِ الحَرْفِ الثانِي، وحَيْثُ هُما مُتَحَرِّكانِ لا يَجُوزُ الحَلُّ، لا تَقُولُ: زِيدٌ يَغْرُرُكَ. وتَقَلُّبُهم في البِلادِ عِبارَةٌ عن تَمَتُّعِهِمْ بِالمَساكِنِ والمَزارِعِ والأسْفارِ وغَيْرِ ذَلِكَ.

ثُمَّ مَثَّلَ لَهم بِمَن تَقَدَّمُهم مِنَ الأُمَمِ، أيْ: كَما حَلَّ بِأُولَئِكَ كَذَلِكَ يَنْزِلُ بِهَؤُلاءِ. و[الأحْزابُ]: يُرِيدُ بِهِمْ عادًا وثَمُودَ أو أهْلَ مَدْيَنَ وغَيْرَهُمْ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "بِرَسُولِها"، رَدًّا عَلى "الأُمَّةِ"، وضَمِيرُ الجَماعَةِ هو عَلى مَعْنى الأُمَّةِ لا عَلى لَفْظِها. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيَأْخُذُوهُ﴾ مَعْناهُ: لِيُهْلِكُوهُ، كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَأخَذْتُهُمْ﴾، والعَرَبُ تَقُولُ لِلْقَتِيلِ: أخِيذٌ، ولِلْأسِيرِ: أخِيذٌ، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: "أكْذَبُ مِنَ الأخِيذِ الصَبْحانِ"، وقالَ (p-٤٢٣)قَتادَةُ: "لِيَأْخُذُوهُ" مَعْناهُ: لِيَقْتُلُوهُ. و[لِيُدْحِضُوا] مَعْناهُ: لِيُزْلِقُوا ولِيُذْهِبُوا، والمَدْحَضَةُ: المَزَلَّةُ والمَزْلَقَةُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ كانَ عِقابِ﴾ تَعْجِيبٌ وتَعْظِيمٌ، ولَيْسَ بِاسْتِفْهامٍ عن كَيْفِيَّةِ وُقُوعِ الأمْرِ.

40:6–9Page 467

وَكَذَٰلِكَ حَقَّتۡ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَنَّهُمۡ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِ ٦

And thus has the word [i.e., decree] of your Lord come into effect upon those who disbelieved that they are companions of the Fire.

ٱلَّذِينَ يَحۡمِلُونَ ٱلۡعَرۡشَ وَمَنۡ حَوۡلَهُۥ يُسَبِّحُونَ بِحَمۡدِ رَبِّهِمۡ وَيُؤۡمِنُونَ بِهِۦ وَيَسۡتَغۡفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْۖ رَبَّنَا وَسِعۡتَ كُلَّ شَيۡءٖ رَّحۡمَةٗ وَعِلۡمٗا فَٱغۡفِرۡ لِلَّذِينَ تَابُواْ وَٱتَّبَعُواْ سَبِيلَكَ وَقِهِمۡ عَذَابَ ٱلۡجَحِيمِ ٧

Those [angels] who carry the Throne and those around it exalt [Allāh] with praise of their Lord and believe in Him and ask forgiveness for those who have believed, [saying], "Our Lord, You have encompassed all things in mercy and knowledge, so forgive those who have repented and followed Your way and protect them from the punishment of Hellfire.

رَبَّنَا وَأَدۡخِلۡهُمۡ جَنَّٰتِ عَدۡنٍ ٱلَّتِي وَعَدتَّهُمۡ وَمَن صَلَحَ مِنۡ ءَابَآئِهِمۡ وَأَزۡوَٰجِهِمۡ وَذُرِّيَّٰتِهِمۡۚ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٨

Our Lord, and admit them to gardens of perpetual residence which You have promised them and whoever was righteous among their forefathers, their spouses and their offspring. Indeed, it is You who is the Exalted in Might, the Wise.

وَقِهِمُ ٱلسَّيِّـَٔاتِۚ وَمَن تَقِ ٱلسَّيِّـَٔاتِ يَوۡمَئِذٖ فَقَدۡ رَحِمۡتَهُۥۚ وَذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ ٩

And protect them from the evil consequences [of their deeds]. And he whom You protect from evil consequences that Day - You will have given him mercy. And that is the great attainment."

قوله عزّ وجلّ:

﴿وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّهم أصْحابُ النارِ﴾ ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ ومَن حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ويُؤْمِنُونَ بِهِ ويَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا وسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وعِلْمًا فاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا واتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وقِهِمْ عَذابَ الجَحِيمِ﴾ ﴿رَبَّنا وأدْخِلْهم جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وعَدْتَهم ومَن صَلَحَ مِن آبائِهِمْ وأزْواجِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿وَقِهِمُ السَيِّئاتِ ومَن تَقِ السَيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾

وفِي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: [كَذَلِكَ سَبَقَتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ]، والمَعْنى: كَما أخَذْتُ أُولَئِكَ المَذْكُورِينَ فَأهْلَكْتُهم فَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِماتِي عَلى جَمِيعِ الكُفّارِ، مَن تَقَدَّمَ مِنهم ومَن تَأخَّرَ، أنَّهم أهْلُ النارِ وسُكّانُها.وَقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: "كَلِماتُ" عَلى الجَمْعِ، وهي قِراءَةُ الأعْرَجِ، وأبِي جَعْفَرٍ، وابْنِ نِصاحٍ. وقَرَأ الباقُونَ عَلى الإفْرادِ، وهي لِلْجِنْسِ، وهي قِراءَةُ أبِي رَجاءٍ، وقَتادَةَ، وهَذِهِ كُلُّها عِبارَةٌ عن خَتْمِ القَضاءِ عَلَيْهِمْ. وقَوْلُهُ: ﴿ "أنَّهُمْ"﴾ بَدَلٌ مِن "كَلِمَةُ".

ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى بِخَبَرٍ يَتَضَمَّنُ تَشْرِيفَ المُؤْمِنِينَ ويَعَظِّمُ الرَجاءَ لَهُمْ، وهو أنَّ المَلائِكَةَ الحامِلِينَ لِلْعَرْشِ والَّذِينَ حَوْلَ العَرْشِ - وهم أفْضَلُ المَلائِكَةِ - يَسْتَغْفِرُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ، ويَسْألُونَ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى لَهُمُ الجَنَّةَ والرَحْمَةَ، وهَذا مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى في غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿كانَ عَلى رَبِّكَ وعْدًا مَسْؤُولا﴾ [الفرقان: ١٦]، أيْ: سَألَتْهُ المَلائِكَةُ، وفَسَّرَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ (p-٤٢٤)المُجْمَلَ الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى في غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن في الأرْضِ﴾ [الشورى: ٥]، لِأنَّهُ مَعْلُومٌ أنَّ المَلائِكَةَ لا تَسْتَغْفِرُ لِكافِرٍ، وقَدْ يَجُوزُ أنْ يُقالَ: مَعْنى ذَلِكَ أنَّهم يَسْتَغْفِرُونَ لِلْكَفّارِ، بِمَعْنى طَلَبِ هِدايَتِهِمْ والمَغْفِرَةِ لَهم بَعْدَ ذَلِكَ، وعَلى هَذا النَحْوِ هو اسْتِغْفارُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ لِأبِيهِ، واسْتِغْفارُ رَسُولِ اللهِ ﷺ لِلْمُنافِقِينَ، وبَلَغَنِي أنَّ رَجُلًا قالَ لِبَعْضِ الصالِحِينَ: ادْعُ لِي واسْتَغْفِرْ لِي، فَقالَ لَهُ: تُبْ واتَّبِعْ سَبِيلَ اللهِ يَسْتَغْفِرْ لَكَ مَن هو خَيْرٌ مِنِّي، وتَلا هَذِهِ الآيَةَ. وقالَ مُطَرِّفُ بْنُ الشِخِّيرِ: وجَدْنا أنْصَحَ العِبادِ لِلْعِبادِ المَلائِكَةَ، وأغَشَّ العِبادِ لِلْعِبادِ الشَياطِينَ، وتَلا هَذِهِ الآيَةَ، ورَوى جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ أنَّ النَبِيَّ ﷺ قالَ: « "أُذِنَ لِي أنْ أُحَدِّثَ عن مَلَكٍ مِن حَمَلَةِ العَرْشِ بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِهِ وعاتِقِهِ مَسِيرَةَ سَبْعِمِائَةِ سَنَةٍ".» وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "العُرْشَ" بِضَمِّ العَيْنِ، والجُمْهُورُ عَلى فَتْحِها.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا وسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وعِلْمًا﴾. نُصِبَ "رَحْمَةً" عَلى التَمْيِيزِ، وفِيهِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: يَقُولُونَ، ومَعْناهُ: وسِعَتْ رَحْمَتُكُ وعِلْمُكُ كُلَّ شَيْءٍ، وهَذا نَحْوُ قَوْلِهِمْ: "تَفَقَّأتَ شَحْمًا، وتَصَبَّبَتَ عَرَقًا، وطِبْتَ نَفْسًا". و"سَبِيلُ اللهِ المُتَّبَعَةِ" هي الشَرائِعُ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "جَنّاتِ عَدْنٍ" عَلى جَمْعِ الجَنّاتِ، وقَرَأ الأعْمَشُ - في رِوايَةِ المُفَضَّلِ -: "جَنَّةَ عَدْنٍ" عَلى الإفْرادِ، وكَذَلِكَ هو في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، و"العَدْنُ": الإقامَةُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن صَلَحَ مِن آبائِهِمْ وأزْواجِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ﴾. رُوِيَ عن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُ في تَفْسِيرِ ذَلِكَ: أنَّ الرَجُلَ يَدْخُلُ الجَنَّةَ قَبْلَ قَرابَتِهِ، فَيَقُولُ: أيْنَ أبِي؟ أيْنَ أُمِّي؟ أيْنَ زَوْجَتِي؟ فَيُلْحَقُونَ بِهِ لِصَلاحِهِمْ، ولِتَنْبِيهِهِ عَلَيْهِمْ وطَلَبِهِ إيّاهُمْ، وهَذِهِ دَعْوَةُ المَلائِكَةِ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: "وَذَرِّيَّتَهُمْ" بِالإفْرادِ.

(p-٤٢٥)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "وَقِهِمْ"﴾ أصْلُهُ: أوقِهِمْ، حُذِفَتِ الواوَ إتْباعًا لِحَذْفِها في المُسْتَقْبَلِ، واسْتُغْنِيَ عن ألْفِ الوَصْلِ لِتَحَرُّكِ القافِ، ومَعْناهُ: اجْعَلْ لَهم وِقايَةً تَقِيهِمُ السَيِّئاتِ، واللَفْظُ يَحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الدُعاءُ في أنْ يَدْفَعَ اللهُ عنهُمُ العَذابَ اللاحِقَ مِنَ السَيِّئاتِ، فَيَكُونُ في اللَفْظِ - عَلى هَذا - حَذْفُ مُضافٍ، كَأنَّهُ قالَ: وقَهِمَ جَزاءَ السَيِّئاتِ.

40:10–12Page 468

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُنَادَوۡنَ لَمَقۡتُ ٱللَّهِ أَكۡبَرُ مِن مَّقۡتِكُمۡ أَنفُسَكُمۡ إِذۡ تُدۡعَوۡنَ إِلَى ٱلۡإِيمَٰنِ فَتَكۡفُرُونَ ١٠

Indeed, those who disbelieve will be addressed, "The hatred of Allāh for you was [even] greater than your hatred of yourselves [this Day in Hell] when you were invited to faith, but you disbelieved [i.e., refused]."

قَالُواْ رَبَّنَآ أَمَتَّنَا ٱثۡنَتَيۡنِ وَأَحۡيَيۡتَنَا ٱثۡنَتَيۡنِ فَٱعۡتَرَفۡنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلۡ إِلَىٰ خُرُوجٖ مِّن سَبِيلٖ ١١

They will say, "Our Lord, You made us lifeless twice and gave us life twice, and we have confessed our sins. So is there to an exit any way?"

ذَٰلِكُم بِأَنَّهُۥٓ إِذَا دُعِيَ ٱللَّهُ وَحۡدَهُۥ كَفَرۡتُمۡ وَإِن يُشۡرَكۡ بِهِۦ تُؤۡمِنُواْۚ فَٱلۡحُكۡمُ لِلَّهِ ٱلۡعَلِيِّ ٱلۡكَبِيرِ ١٢

[They will be told], "That is because, when Allāh was called upon alone, you disbelieved; but if others were associated with Him, you believed. So the judgement is with Allāh, the Most High, the Grand."

قوله عزّ وجلّ:

﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنادَوْنَ لَمَقْتُ اللهِ أكْبَرُ مِن مَقْتِكم أنْفُسَكم إذْ تُدْعَوْنَ إلى الإيمانِ فَتَكْفُرُونَ﴾ ﴿قالُوا رَبَّنا أمَتَّنا اثْنَتَيْنِ وأحْيَيْتَنا اثْنَتَيْنِ فاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا فَهَلْ إلى خُرُوجٍ مِن سَبِيلٍ﴾ ﴿ذَلِكم بِأنَّهُ إذا دُعِيَ اللهُ وحْدَهُ كَفَرْتُمْ وإنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فالحُكْمُ لِلَّهِ العَلِيِّ الكَبِيرِ﴾

أخْبَرَ اللهُ تَعالى بِحالِ الكَفَرَةِ، وجَعَلَ ذَلِكَ عَقِبَ حالِ المُؤْمِنِينَ لِيَبِينَ الفَرْقُ، ورُوِيَ أنَّ هَذِهِ الحالَ تَكُونُ لِلْكُفّارِ عِنْدَ دُخُولِهِمُ النارَ؛ فَإنَّهم إذا أُدْخِلُوا فِيها مَقَتُوا أنْفُسَهُمْ، أيْ: مَقَتَ بَعْضُهم بَعْضًا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَمْقُتَ كُلُّ واحِدٍ نَفْسَهُ، فَإنَّ العِبارَةَ تَحْتَمِلُ المَعْنَيَيْنِ، و"المَقْتُ" هو احْتِقارٌ وبُغْضٌ عن ذَنْبٍ ورِيبَةٍ، هَذا حَدُّهُ، وإذا مَقَتَ الكُفّارُ أنْفُسَهم نادَتْهم مَلائِكَةُ العَذابِ - عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ - فَيَقُولُونَ لَهُمْ: مَقَتُ اللهِ إيّاكم في الدُنْيا - إذْ كُنْتُمْ تَدْعَوْنَ إلى الإيمانِ فَتَكْفُرُونَ - أكْثَرُ مِن مَقْتِكم أنْفُسَكُمُ اليَوْمَ، هَذا هو مَعْنى الآيَةِ، وبِهِ فَسَّرَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ. وأضافَ تَعالى المَصْدَرَ إلى الفاعِلِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لَمَقْتُ اللهِ﴾ والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ لِأنَّ القَوْلَ يَقْتَضِيهِ. واللامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ [لَمَقْتُ]﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لامَ الِابْتِداءِ أو لامَ القَسَمِ، وهو أصْوَبُ. و[أكْبَرُ] خَبَرُ الِابْتِداءِ. والعامِلُ في [إذْ] فِعْلٌ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: "مَقَتَكم إذْ"، وقَدَّرَهُ قَوْمٌ: "اذْكُرُوا إذْ"، وذَلِكَ ضَعِيفٌ يَحُلُّ رَبْطَ الكَلامِ، اللهُمَّ إلّا أنْ يُقَدَّرَ أنَّ مَقْتَ اللهِ لَهم هو في الآخِرَةِ، وأنَّهُ أكْبَرُ مِن مَقْتِهِمْ أنْفُسَهُمْ، فَيَصِحُّ أنْ يُقَدَّرَ المُضْمَرُ: "اذْكُرُوا"، ولا يَجُوزُ أنْ يَعْمَلَ فِيهِ قَوْلُهُ تَعالى: "لَمَقْتُ" لِأنَّ خَبَرَ الِابْتِداءِ قَدْ حالَ بَيْنَ "المَقْتِ" و"إذْ"، إذْ هي في صِلَتِهِ، ولا يَجُوزُ ذَلِكَ.

واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في مَعْنى قَوْلِهِمْ: ﴿رَبَّنا أمَتَّنا اثْنَتَيْنِ وأحْيَيْتَنا اثْنَتَيْنِ﴾، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وقَتادَةُ، والضَحّاكُ، وأبُو مالِكٍ: أرادُوا بِمَوْتِهِمْ كَوْنَهم ماءً في (p-٤٢٦)الأصْلابِ، ثُمَّ أحْياءَهم في الدُنْيا، ثُمَّ إماتَتَهُمُ المَوْتَ المَعْرُوفَ، ثُمَّ إحْياءَهم يَوْمَ القِيامَةِ، قالُوا وهي كالَّتِي في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨]، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: أرادُوا أنَّهُ أحْياهم نَسَمًا عِنْدَ أخْذِ العَهْدِ عَلَيْهِمْ وقْتَ أخْذِهِمْ مِن صُلْبِ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ، ثُمَّ أماتَهم بَعْدَ ذَلِكَ، ثُمَّ أحْياهم في الدُنْيا، ثُمَّ أماتَهم ثُمَّ أحْياهم.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ، لِأنَّ الإحْياءَ فِيهِ ثَلاثُ مَرّاتٍ.

وقالَ السُدِّيُّ: أرادُوا أنَّهُ أحْياهم في الدُنْيا ثُمَّ أماتَهُمْ، تَمَّ أحْياهم في القُبُورِ وقْتَ سُؤالِ مُنْكَرٍ ونَكِيرٍ ثُمَّ أماتَهم فِيهِ، ثُمَّ أحْياهم في الحَشْرِ. وهَذا أيْضًا يَدْخُلُهُ الِاعْتِراضُ الَّذِي في القَوْلِ قَبْلَهُ، والأوَّلُ أثْبَتُ الأقْوالِ.

وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ: أرادُوا أنَّ الكافِرَ في الدُنْيا هو حَيُّ الجَسَدِ مَيِّتُ القَلْبِ، فَكَأنَّ حالَهم في الدُنْيا جَمَعَتْ إحْياءً وإماتَةً، ثُمَّ أماتَهم حَقِيقَةً، ثُمَّ أحْياهم بِالبَعْثِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

والخِلافُ في هَذِهِ الآيَةِ مَقُولٌ كُلُّهُ في آيَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ، وهَذِهِ الآيَةُ يَظْهَرُ مِنها أنَّ مَعْناها مُنْقَطِعٌ مِن مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذْ تُدْعَوْنَ إلى الإيمانِ فَتَكْفُرُونَ﴾، ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ، بَلِ الآيَتانِ مُتَّصِلَتا المَعْنى، وذَلِكَ أنَّ كُفْرَهم في الدُنْيا كانَ أيْضًا بِإنْكارِهِمُ البَعْثَ، واعْتِقادِهِمْ أنَّهُ لا حَشْرَ ولا عَذابَ، ومَقْتَهم أنْفُسَهم إنَّما عَظَّمَهُ، لِأنَّ هَذا المُعْتَقَدَ كَذِبُهُمْ، فَلَمّا تَقَرَّرَ مَقَتَهم لِأنْفُسِهِمْ ورَأوا خِزْيًا طَوِيلًا عَرِيضًا، رَجَعُوا إلى المَعْنى الَّذِي كانَ كُفْرُهم بِهِ وهو البَعْثُ، وخَرَجَ الوُجُودُ مُقْتَرِنًا بِعَذابِهِمْ، فَأقَرُّوا بِهِ عَلى أتَمِّ وُجُوهِهِ، أيْ: كُنّا قَدْ كَفْرَنا بِإنْكارِنا البَعْثَ، ونَحْنُ اليَوْمُ نُقِرُّ أنَّكَ أحْيَيْتِنا اثْنَتَيْنِ وأمَتَّنا اثْنَتَيْنِ، كَأنَّهم قَصَدُوا تَعْظِيمَ قُدْرَتَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، واسْتِرْضاءَهُ بِذَلِكَ، ثُمَّ قالُوا عَقِبَ هَذا الإقْرارِ طَمَعًا مِنهُمْ، فَها نَحْنُ مُعْتَرِفُونَ بِذُنُوبِنا، فَهَلْ إلى خُرُوجٍ مِن سَبِيلٍ؟ وهَذا كَما تُكَلِّفُ إنْسانًا أنْ يُقِرَّ لَكَ بِحَقٍّ وهو يُنْكِرُ، فَإذا رَأى الغَلَبَةَ وصُرِعَ، أقَرَّ بِذَلِكَ (p-٤٢٧)الأمْرَ مُتَمَّمًا أوفى مِمّا كُنْتَ تَطْلُبُهُ بِهِ أوَّلًا، وفِيما بَعْدَ قَوْلِهِمْ: ﴿ "فَهَلْ إلى خُرُوجٍ مِن سَبِيلٍ"﴾ مَحْذُوفٌ مِنَ الكَلامِ يَدُلُّ عَلَيْهِ الظاهِرُ، تَقْدِيرُهُ: لا إسْعافَ لِطَلَبَتِكُمْ، أو نَحْوَ هَذا مِنَ الرَدِّ والزَجْرِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكم بِأنَّهُ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى مَقْتِهِمْ أنْفُسَهُمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى العَذابِ الَّذِي هم فِيهِ، أو إلى المَنعِ والزَجْرِ والإهانَةِ الَّتِي قُلْنا إنَّها مَقَدَّرَةٌ مَحْذُوفَةُ الذِكْرِ لِدَلالَةِ ظاهِرِ القَوْلِ عَلَيْها، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى مَقْتِ اللهِ تَعالى إيّاهُمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ المُخاطَبَةُ بِـ"ذَلِكُمْ" لِمُعاصِرِي مُحَمَّدٍ ﷺ فى الدُنْيا، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ في الآخِرَةِ لِلْكُفّارِ عامَّةً. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا دُعِيَ اللهُ وحْدَهُ﴾ مَعْناهُ: بِحالَةِ تَوْحِيدٍ ونَفْيٍ لِما سِواهُ مِنَ الآلِهَةِ والأنْدادِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا﴾ أيْ: إذا ذُكِرَتِ اللاتُ والعُزّى وغَيْرُهُما صَدَّقْتُمْ واسْتَقَرَّتْ نُفُوسُكُمْ، فالحُكْمُ اليَوْمَ بِعَذابِكم وتَخْلِيدِكم في النارِ لِلَّهِ لا لِتِلْكَ الَّتِي كُنْتُمْ تُشْرِكُونَها مَعَهُ في الأُلُوهِيَّةِ، و"العَلِيِّ الكَبِيرِ" صِفَتا مَدْحٍ لا في المَكانِ ومُضادَّةِ السُفْلِ والصِغَرِ.

40:13–17Page 468

هُوَ ٱلَّذِي يُرِيكُمۡ ءَايَٰتِهِۦ وَيُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ رِزۡقٗاۚ وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَن يُنِيبُ ١٣

It is He who shows you His signs and sends down to you from the sky, provision. But none will remember except he who turns back [in repentance].

فَٱدۡعُواْ ٱللَّهَ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡكَٰفِرُونَ ١٤

So invoke Allāh, [being] sincere to Him in religion, although the disbelievers dislike it.

رَفِيعُ ٱلدَّرَجَٰتِ ذُو ٱلۡعَرۡشِ يُلۡقِي ٱلرُّوحَ مِنۡ أَمۡرِهِۦ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦ لِيُنذِرَ يَوۡمَ ٱلتَّلَاقِ ١٥

[He is] the Exalted above [all] degrees, Owner of the Throne; He places the inspiration of His command [i.e., revelation] upon whom He wills of His servants to warn of the Day of Meeting.

يَوۡمَ هُم بَٰرِزُونَۖ لَا يَخۡفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِنۡهُمۡ شَيۡءٞۚ لِّمَنِ ٱلۡمُلۡكُ ٱلۡيَوۡمَۖ لِلَّهِ ٱلۡوَٰحِدِ ٱلۡقَهَّارِ ١٦

The Day they come forth nothing concerning them will be concealed from Allāh. To whom belongs [all] sovereignty this Day? To Allāh, the One, the Prevailing.1

ٱلۡيَوۡمَ تُجۡزَىٰ كُلُّ نَفۡسِۭ بِمَا كَسَبَتۡۚ لَا ظُلۡمَ ٱلۡيَوۡمَۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ ١٧

This Day every soul will be recompensed for what it earned. No injustice today! Indeed, Allāh is swift in account.

قوله عزّ وجلّ:

﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكم آياتِهِ ويُنَزِّلُ لَكم مِنَ السَماءِ رِزْقًا وما يَتَذَكَّرُ إلا مِنَ يُنِيبُ﴾ ﴿فادْعُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِينَ ولَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ﴾ ﴿رَفِيعُ الدَرَجاتِ ذُو العَرْشِ يُلْقِي الرُوحَ مِن أمْرِهِ عَلى مِن يَشاءُ مِن عِبادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَلاقِ﴾ ﴿يَوْمَ هم بارِزُونَ لا يَخْفى عَلى اللهِ مِنهم شَيْءٌ لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ ﴿اليَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لا ظُلْمَ اليَوْمَ إنَّ اللهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾

هَذا ابْتِداءُ مُخاطَبَةٍ في مَعْنى تَوْحِيدِ اللهِ تَعالى وتَبْيِينِ عَلاماتِ ذَلِكَ. وآياتُ اللهِ: تَعُمُّ آياتِ قُدْرَتِهِ وآياتِ قُرْآنِهِ والمُعْجِزاتِ الظاهِرَةِ عَلى أيْدِي رُسُلِهِ، وتَنْزِيلُ الرِزْقِ: هو في تَنْزِيلِ المَطَرُ وفي تَنْزِيلِ القَضاءِ والحُكْمِ، بِنَيْلِ ما يَنالُهُ المَرْءُ في تِجارَةٍ وغَيْرِ ذَلِكَ. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "[وَيُنْزِلُ]" بِالتَخْفِيفِ، وقَرَأ الحَسَنُ، والأعْرَجُ، وعِيسى وجَماعَةٌ بِالتَشْدِيدِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما يَتَذَكَّرُ إلا مَن يُنِيبُ﴾ مَعْناهُ: وما يَتَذَكَّرُ تَذَكُّرًا يُعْتَدُّ بِهِ ويَنْفَعُ صاحِبَهُ؛ لِأنّا نَجِدُ مَن لا يُنِيبُ يَتَذَكَّرُ، لَكِنْ لَمّا كانَ ذَلِكَ غَيْرُ نافِعٍ عُدَّ كَأنَّهُ لَمْ يَكُنْ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فادْعُوا اللهَ مُخْلِصِينَ﴾ مُخاطَبَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ أصْحابِ مُحَمَّدٍ ﷺ، و"ادْعُوا": مَعْناهُ: اعْبُدُوا.

(p-٤٢٨)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَفِيعُ الدَرَجاتِ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالدَرَجاتِ صِفاتَهُ العُلى، وعَبَّرَ تَعالى بِما يَقْرُبُ لِأفْهامِ السامِعِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: رَفِيعُ الدَرَجاتِ الَّتِي يُعْطِيها لِلْمُؤْمِنِينَ، ويَتَفَضَّلُ بِها عَلى عِبادِهِ المُخْلِصِينَ في جَنَّتِهِ. و"العَرْشُ" هو الجِسْمُ المَخْلُوقُ الأعْظَمُ، الَّذِي السَماواتُ السَبْعُ والأرَضُونَ فِيهِ كالدَنانِيرِ في الفَلاةِ مِنَ الأرْضِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُلْقِي الرُوحَ﴾. قالَ الضَحّاكُ: الرُوحُ هُنا هو الوَحْيُ والقُرْآنُ وغَيْرُهُ مِمّا لَمْ يُتْلَ، وقالَ قَتادَةُ والسُدِّيُّ: الرُوحُ النُبُوَّةُ ومَكانَتُها، كَما قالَ: ﴿رُوحًا مِن أمْرِنا﴾ [الشورى: ٥٢]، وسَمّى هَذا رُوحًا لِأنَّهُ يُحْيِي بِهِ الأُمَمَ والأزْمانَ كَما يُحْيِي الجَسَدَ بِرُوحِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إلْقاءُ الرَوْحِ عامًّا لِكُلِّ ما يُنْعِمُ اللهُ بِهِ عَلى عِبادِهِ المُهْتَدِينَ في تَفْهِيمِهِ الإيمانَ والمَعْقُولاتِ الشَرْعِيَّةِ. والمُقَدَّرُ - عَلى هَذا التَأْوِيلِ - هو اللهُ تَعالى. قالَ الزَجّاجُ: الرُوحُ: كُلُّ ما بِهِ حَياةُ الناسِ، وكُلُّ مُهْتَدٍ حَيٌّ، وكُلُّ ضالٍّ كالمَيِّتِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن أمْرِهِ﴾ إنْ جَعَلْتَهُ جِنْسًا لِلْأُمُورِ فَـ"مِن" لِلتَّبْعِيضِ، أو لِابْتِداءِ الغايَةِ، وإنْ جَعْلَنا الأمْرَ مِن مَعْنى الكَلامِ، فَـ"مِن" إمّا لِابْتِداءِ الغايَةِ، وإمّا بِمَعْنى الباءِ، ولا تَكُونُ لِلتَّبْعِيضِ بَتَّةً.

وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: وجَماعَةٌ: "لِيُنْذِرَ" بِالياءِ وكَسْرِ الذالِ، وفي الفِعْلِ ضَمِيرٌ يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى اللهِ تَعالى، أو عَلى الرُوحِ، أو عَلى "مِن" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن يَشاءُ مَن عِبادِهِ﴾، وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ السَمَيْفَعِ اليَمانِيُّ: "لِيُنْذَرَ" بِالياءِ وفَتْحِ الذالِ، وضَمِّ المِيمِ مِن "يَوْمُ"، وجَعَلَ اليَوْمَ مُنْذِرًا عَلى الِاتِّساعِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "لِتُنْذِرَ" بِالتاءِ عَلى المُخاطَبَةِ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، و"يَوْمَ" بِالنَصْبِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، ونافِعٌ، وجَماعَةٌ: "التَلاقِ" بِدُونِ ياءٍ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو أيْضًا، وعِيسى، ويَعْقُوبُ: "التَلاقِي" بِالياءِ، والخِلافُ فِيها كالخِلافِ الَّذِي مَرَّ في "يَوْمِ التَنادِ"، ومَعْناهُ: تَلاقِي جَمِيعِ العالِمِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ، وذَلِكَ أمْرٌ لَمْ يَتَّفِقْ قَبْلَ ذَلِكَ اليَوْمِ. وقالَ السُدِّيُّ: مَعْناهُ: تَلاقِي أهْلِ السَماءِ وأهْلِ الأرْضِ، وقِيلَ: مَعْناهُ: تَلاقِي الناسِ مَعَ بارِئِهِمْ، وهَذا المَعْنى الأخِيرُ هو أشَدُّها تَخْوِيفًا، وقِيلَ: يَلْتَقِي المَرْءُ وعَمَلَهُ.

(p-٤٢٩)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ هم بارِزُونَ﴾ مَعْناهُ: في بِرازٍ مِنَ الأرْضِ يَنْفُذُهُمُ البَصَرُ ويَسْمَعُهُمُ الداعِي، ونُصِبَ "يَوْمَ" عَلى البَدَلِ مِنَ الأوَّلِ، فَهو نَصْبُ المَفْعُولِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُنْصَبَ عَلى الظَرْفِ ويَكُونُ العامِلُ فِيهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَخْفى﴾، وهي حَرَكَةُ إعْرابٍ لا حَرَكَةَ بَنِاءٍ؛ لِأنَّ الظَرْفَ لا يُبْنى إلّا إذا أُضِيفَ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ كَيَوْمِئِذٍ، وكَقَوْلِ الشاعِرِ:

؎ عَلى حِينِ عاتَبْتُ المَشِيبَ عَلى الصِبا ∗∗∗ وقُلْتُ ألَمّا أصْحُ والشَيْبُ وازِعُ؟

وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ [المائدة: ١١٩]، وأمّا في هَذِهِ الآيَةِ فالجُمْلَةُ أمْرٌ مُتَمَكِّنٌ، كَما تَقُولُ: "جِئْتُ يَوْمَ زَيْدٌ أمِيرٌ" فَلا يَجُوزُ البِناءُ،فَتَأمَّلْ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَخْفى عَلى اللهِ مِنهم شَيْءٌ﴾ أيْ: مِن بَواطِنِهِمْ وسَرائِرِهِمْ ودَعَواتَ صُدُورِهِمْ، وفي مُصْحَفِ أبِيِّ بْنِ كَعْبٍ: [لا يَخْفى عَلَيْهِ مِنهم شَيْءٌ] بِضَمِيرِ بَدَلِ المَكْتُوبَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ﴾. رُوِيَ أنَّ اللهَ تَعالى يُقَرِّرُ هَذا التَقْرِيرَ ويَسْكُتُ (p-٤٣٠)العالَمُ هَيْبَةً وجَزَعًا، فَيُجِيبُ هو نَفْسَهُ: ﴿لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾، قالَ الحَسَنُ: هو تَعالى السائِلُ وهو المُجِيبُ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إنَّهُ تَعالى يُقَرِّرُ فَيُجِيبُ العالَمُ بِذَلِكَ، وقِيلَ: يُنادِي بِالتَقْرِيرِ مَلَكٌ فَيُجِيبُ الناسُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وإذا تَأمَّلَ المُؤْمِنُ أنَّهُ لا حَوْلَ لِمَخْلُوقٍ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللهِ، فالزَمانُ كُلُّهُ وأيّامُ الدَهْرِ أجْمَعُ إنَّما المُلْكُ فِيها لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ، لَكِنَّ ظُهُورَ ذَلِكَ لِلْكَفَرَةِ والجَهَلَةِ يَتَّضِحُ يَوْمَ القِيامَةِ. وإذا تَأمَّلَ تَسْخِيرَ أهْلِ السَمَواتِ وعِبادَتِهِمْ ونُفُوذِ القَضاءِ في الأرْضِ فَأيُّ مُلْكٍ لِغَيْرِ اللهِ؟

ثُمَّ يُعْلِمُ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى أهْلَ المَوْقِفِ بِأنَّهُ يَوْمُ المُجازاةِ بِالأعْمالِ صالِحِها وسَيِّئِها، وهَذِهِ الآيَةُ نَصٌّ في أنَّ الثَوابَ والعِقابَ مُعَلَّقٌ بِاكْتِسابِ العَبْدِ، وأنَّهُ يَوْمٌ لا يُوضَعُ فِيهِ أمْرٌ غَيْرَ مَوْضِعِهِ، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا ظُلْمَ اليَوْمَ﴾. ثُمَّ أخْبَرَهم عن نَفْسِهِ بِسُرْعَةِ الحِسابِ، وتِلْكَ عِبارَةٌ عن إحاطَتِهِ بِالأشْياءِ عِلْمًا، فَهو يُحاسَبُ الخَلائِقَ في ساعَةٍ واحِدَةٍ كَما يَرْزُقُهُمْ؛ لِأنَّهُ لا يَحْتاجُ إلى عَدٍّ وفِكْرٍ، لا رَبَّ غَيْرُهُ. ورُوِيَ أنَّ يَوْمَ القِيامَةِ لا يَنْتَصِفُ حَتّى يُقْبَلَ المُؤْمِنُونَ في الجَنَّةِ والكافِرُونَ في النارِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском