Ibn 'Atiyya · Tafsir · in Arabic
الحاقة
Al-Haqqah
The Reality · Meccan · 52 ayahs
69:1–8Page 566
ٱلۡحَآقَّةُ ١
The Inevitable Reality -
مَا ٱلۡحَآقَّةُ ٢
What is the Inevitable Reality?
وَمَآ أَدۡرَىٰكَ مَا ٱلۡحَآقَّةُ ٣
And what can make you know what is the Inevitable Reality?
كَذَّبَتۡ ثَمُودُ وَعَادُۢ بِٱلۡقَارِعَةِ ٤
Thamūd and ʿAad denied the Striking Calamity [i.e., the Resurrection].
فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهۡلِكُواْ بِٱلطَّاغِيَةِ ٥
So as for Thamūd, they were destroyed by the overpowering [blast].
وَأَمَّا عَادٞ فَأُهۡلِكُواْ بِرِيحٖ صَرۡصَرٍ عَاتِيَةٖ ٦
And as for ʿAad, they were destroyed by a screaming,1 violent wind
سَخَّرَهَا عَلَيۡهِمۡ سَبۡعَ لَيَالٖ وَثَمَٰنِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومٗاۖ فَتَرَى ٱلۡقَوۡمَ فِيهَا صَرۡعَىٰ كَأَنَّهُمۡ أَعۡجَازُ نَخۡلٍ خَاوِيَةٖ ٧
Which He [i.e., Allāh] imposed upon them for seven nights and eight days in succession, so you would see the people therein fallen as if they were hollow trunks of palm trees.
فَهَلۡ تَرَىٰ لَهُم مِّنۢ بَاقِيَةٖ ٨
Then do you see of them any remains?
(p-٣٨٤)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ الحاقَّةِ
وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ. ورُوِيَ «عن عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ قالَ: خَرَجَتْ يَوْمًا بِمَكَّةَ مُتَعَرِّضًا لِرَسُولِ اللهِ ﷺ فَوَجَدْتُهُ قَدْ سَبَقَنِي المَسْجِدَ الحَرامَ، فَجِئْتُ فَوَقَفْتُ وراءَهُ، فافْتَتَحَ سُورَةَ الحاقَّةِ، فَلَمّا سَمِعْتُ سَرْدَ القُرْآنِ قُلْتُ في نَفْسِي إنَّهُ لِشاعِرٌ، كَما تَقُولُ قُرَيْشٌ، حَتّى بَلَغَ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [الحاقة: ٤٠] ﴿وَما هو بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلا ما تُؤْمِنُونَ﴾ [الحاقة: ٤١] ﴿وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلا ما تَذَكَّرُونَ﴾ [الحاقة: ٤٢] ﴿تَنْزِيلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الحاقة: ٤٣].
ثُمَّ مَرَّ حَتّى انْتَهى إلى آخِرِ السُورَةِ، فَأدْخَلَ اللهُ تَعالى في قَلْبِي الإسْلامَ.»
قوله عزّ وجلّ:
﴿الحاقَّةُ﴾ ﴿ما الحاقَّةُ﴾ ﴿وَما أدْراكَ ما الحاقَّةُ﴾ ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وعادٌ بِالقارِعَةِ﴾ ﴿فَأمّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطاغِيَةِ﴾ ﴿وَأمّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ﴾ ﴿سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وثَمانِيَةَ أيّامٍ حُسُومًا فَتَرى القَوْمَ فِيها صَرْعى كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ﴾ ﴿فَهَلْ تَرى لَهم مِن باقِيَةٍ﴾
"الحاقَّةُ" اسْمُ فاعِلٍ مِن "حَقَّ الشَيْءَ يَحِقُّ" إذا كانَ صَحِيحَ الوُجُودِ، ومِنهُ "حَقَّتْ كَلِمَةُ العَذابِ"، والمُرادُ بِهِ البَعْثُ والقِيامَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ وغَيْرُهُ، وسُمِّيَتِ القِيامَهُ حاقَّةً لِأنَّها حَقَّقَتْ لِكُلِّ عامِلٍ عَمَلَهُ، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: "الحاقَّةُ" مَصْدَرٌ كالعاقِبَةِ والعافِيَةِ، فَكَأنَّهُ قالَ: ذاتُ الحَقِّ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: سُمِّيَتِ القِيامَةُ حاقَّةً لِأنَّها تُبْدِي حَقائِقَ الأشْياءِ، واللَفْظَةُ رَفْعٌ بِالِابْتِداءِ و"ما" رُفِعَ بِالِابْتِداءِ أيْضًا، و"الحاقَّةُ" الثانِيَةُ: خَبَرُ "ما"، والجُمْلَةُ خَبَرُ الأوَّلِ، وهَذا كَما تَقُولُ: "زِيدَ ما زِيدَ"، عَلى مَعْنى التَعْظِيمِ لَهُ وإبْهامٍ في التَعْظِيمِ أيْضًا لِيَتَخَيَّلَ السامِعُ أقْصى جُهْدِهِ.
(p-٣٨٥)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أدْراكَ ما الحاقَّةُ﴾ مُبالَغَةً في هَذا المَعْنى، أيْ أنَّ فِيها ما لَمْ تَدِرْهُ مِن أهْوالِها وتَفْصِيلِ صِفاتِها، و"ما" تَقْرِيرٌ وتَوْقِيفٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما الحاقَّةُ﴾ ابْتِداءُ وخَبَرٌ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بـ "أدْراكَ"، و"ما" الأُولى، ابْتِداءٌ، وخَبَرُها "أدْراكَ ما الحاقَّةُ"، وفي "أدْراكَ" ضَمِيرٌ عائِدٌ عَلى "ما"، هو ضَمِيرُ الفاعِلِ.
ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى تَكْذِيبَ ثَمُودَ وعادٍ بِهَذا الأمْرِ الَّذِي هو حَقٌّ مُشِيرًا إلى أنَّ مَن كَذَبَ بِذَلِكَ يَنْزِلُ بِهِ مِثْلَ ما نَزَلَ بِأُولَئِكَ. و"القارِعَةُ" مِنَ السَماءِ: القِيامَةُ أيْضًا لِأنَّها تَقْرَعُ القُلُوبَ بِصِفاتِها. و"ثَمُودُ" اسْمُ عَرَبِيٍّ مَعْرِفَةٌ، فَإذا أُرِيدَ بِهِ القَبِيلَةَ لَمْ يَنْصَرِفْ، وإذا أُرِيدَ بِهِ الحَيَّ انْصَرَفَ، وأمّا "عادٌ" فَكَوْنُهُ عَلى ثَلاثَةِ أحْرُفٍ وساكِنَ الأوسَطِ دَفَعَ في صَدْرِ كُلِّ عِلَّةٍ فَهو مَصْرُوفٌ.
و"الطاغِيَةُ" قالَ قَتادَةُ: مَعْناهُ الصَيْحَةُ الَّتِي خَرَجَتْ عن حَدِّ كُلِّ صَيْحَةٍ، وقالَ قَوْمٌ: المُرادُ: بِسَبَبِ الفِئَةِ الطاغِيَةِ، وقالَ آخَرُونَ مِنهم مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ: المَعْنى: بِسَبَبِ الفِعْلَةِ الطاغِيَةِ الَّتِي فَعَلُوها، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: ما مَعْناهُ: "الطاغِيَةُ" مَصْدَرٌ كالعاقِبَةِ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: بِطُغْيانِهِمْ، وقالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، ويُقَوِّي هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها﴾ [الشمس: ١١]، وأولى الأقْوالِ وأصْوَبُها الأوَّلُ؛ لِأنَّهُ مُناسِبٌ لِما ذَكَرَ في عادٍ إذْ ذَكَرَ فِيهِ الوَجْهَ الَّذِي وقَعَ بِهِ الهَلاكُ، وعَلى سائِرِ الأقْوالِ لا يَتَناسَبُ الأمْرانِ؛ لِأنَّ طُغْيانَ ثَمُودَ سَبَبٌ، والرِيحُ لا تُناسِبُ ذَلِكَ لِأنَّها لَيْسَتْ بِسَبَبِ الإهْلاكِ بَلْ هي آلِتَةٌ كَما هي الصَيْحَةُ.
و"الصَرْصَرُ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن "الصَرِّ" أيِ: البَرْدِ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن "صَرَّ الشَيْءَ" إذا صَوَّتَ، فَقالَ قَوْمٌ. صَوْتُ الرِيحِ صَرْيَرٌ، كَأنَّهُ يَحْكِي هَذَيْنِ الحَرْفَيْنِ. و"العاتِيَةُ" مَعْناهُ: الشَدِيدَةُ المُخالِفَةُ، وكانَتِ الرِيحُ عَتَتْ عَلى الخُزّانِ بِخِلافِها، وعَتَتْ عَلى قَوْمِ عادٍ بِشِدَّتِها. ورُوِيَ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، وابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهُما قالا: إنَّهُ لَمْ تَنْزِلْ مِنَ السَماءِ قَطْرَةُ ماءٍ إلّا بِمِكْيالٍ عَلى يَدِ مَلَكٍ، ولا هِبَّتْ رِيحٌ قَطُّ إلّا كَذَلِكَ، إلّا ما كانَ مِن طُوفانِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ ورِيحِ عادٍ، فَإنَّ اللهَ تَعالى أُذِنَ لَهُما في الخُرُوجِ دُونَ إذْنِ الخُزّانِ.
(p-٣٨٦)وَ"التَسْخِيرُ": اسْتِعْمالُ الشَيْءِ بِاقْتِدارٍ عَلَيْهِ، ورُوِيَ أنَّ الرِيحَ بَدَأتْ بِهِمْ صُبْحَ يَوْمِ الأرْبِعاءِ لِثَمانٍ بَقَيْنَ لِشَوّالٍ، وتَمادَتْ بِهِمْ إلى آخِرِ يَوْمِ الأرْبِعاءِ تَكْمِلَةُ الشَهْرِ. و"حُسُومًا" قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، وأبُو عُبَيْدَةَ: مَعْناهُ: كامِلَةٌ تِباعًا لَمْ يَتَخَلَّلْها غَيْرُ ذَلِكَ، وهَذا كَما تَقُولُ العَرَبُ: "ما لَقِيتُهُ حَوْلًا مُجْرِمًا" قالَ الشاعِرُ:
؎ عَوازِبُ لَمْ تَسْمَعْ نَبُوحُ مَقامَةٍ ولَمْ تَرَ نارًا تِمَّ حَوْلٍ مُجَرَّمٍ
(p-٣٨٧)وَقالَ الخَلِيلُ: أيْ: شُؤْمًا ونَحْسًا، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: حُسُومٌ: جَمْعُ حاسِمٍ كَجالِسٍ وقاعِدٍ، ومَعْناهُ أنَّ تِلْكَ الأيّامَ قَطَعَتْهم بِالإهْلاكِ، ومِنهُ: حَسَمَ العِلَلَ، ومِنهُ: الحُسامُ. والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: "فِيها صَرْعى" يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى اللَيالِي والأيّامِ، ويُحْتَمَلَ أنْ يَعُودَ عَلى "دارِهِمْ وحِلَّتِهِمْ" لِأنَّ مَعْنى الكَلامِ يَقْتَضِيها وإنْ لَمْ يَلْفِظْ بِها. قالَ الثَعْلَبِيُّ: وقِيلَ يَعُودُ عَلى الرِيحِ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في التَشْبِيهِ بِأعْجازِ النَخْلِ في سُورَةِ ﴿ [اقْتَرَبَتِ الساعَةُ]،﴾ [القمر: ١] و"الخاوِيَةُ": الساقِطَةُ الَّتِي قَدْ خَلَتْ أعْجازُها بِلًى وفَسادًا.
ثُمَّ وقَفَ تَعالى عَلى أمْرِهِمْ تَوْقِيفَ اعْتِبارٍ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَهَلْ تَرى لَهم مِن باقِيَةٍ﴾، واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ فِي: "باقِيَةٍ"- فَقالَ قَوْمٌ مِنهُمُ ابْنُ الأنْبارِيِّ: هي هُنا مُبالَغَةٌ كَعَلّامَةٍ ونَسّابَةٍ، والمَعْنى: مِن باقٍ، وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ أيْضًا: مَعْناهُ: مِن فِئَةٍ باقِيَةٍ وقالَ آخَرُونَ: "باقِيَةٍ" مَصْدَرٌ، فالمَعْنى: مِن بَقاءٍ.
69:9–17Page 567
وَجَآءَ فِرۡعَوۡنُ وَمَن قَبۡلَهُۥ وَٱلۡمُؤۡتَفِكَٰتُ بِٱلۡخَاطِئَةِ ٩
And there came Pharaoh and those before him and the overturned cities1 with sin.
فَعَصَوۡاْ رَسُولَ رَبِّهِمۡ فَأَخَذَهُمۡ أَخۡذَةٗ رَّابِيَةً ١٠
And they disobeyed the messenger of their Lord, so He seized them with a seizure exceeding [in severity].
إِنَّا لَمَّا طَغَا ٱلۡمَآءُ حَمَلۡنَٰكُمۡ فِي ٱلۡجَارِيَةِ ١١
Indeed, when the water overflowed, We carried you [i.e., your ancestors] in the sailing ship1
لِنَجۡعَلَهَا لَكُمۡ تَذۡكِرَةٗ وَتَعِيَهَآ أُذُنٞ وَٰعِيَةٞ ١٢
That We might make it for you a reminder and [that] a conscious ear would be conscious of it.
فَإِذَا نُفِخَ فِي ٱلصُّورِ نَفۡخَةٞ وَٰحِدَةٞ ١٣
Then when the Horn is blown with one blast
وَحُمِلَتِ ٱلۡأَرۡضُ وَٱلۡجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةٗ وَٰحِدَةٗ ١٤
And the earth and the mountains are lifted and leveled with one blow [i.e., stroke] -
فَيَوۡمَئِذٖ وَقَعَتِ ٱلۡوَاقِعَةُ ١٥
Then on that Day, the Occurrence [i.e., Resurrection] will occur,
وَٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ فَهِيَ يَوۡمَئِذٖ وَاهِيَةٞ ١٦
And the heaven will split [open], for that Day it is infirm.1
وَٱلۡمَلَكُ عَلَىٰٓ أَرۡجَآئِهَاۚ وَيَحۡمِلُ عَرۡشَ رَبِّكَ فَوۡقَهُمۡ يَوۡمَئِذٖ ثَمَٰنِيَةٞ ١٧
And the angels are at its edges. And there will bear the Throne of your Lord above them, that Day, eight [of them].
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَجاءَ فِرْعَوْنُ ومَن قَبْلَهُ والمُؤْتَفِكاتُ بِالخاطِئَةِ﴾ ﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأخَذَهم أخْذَةً رابِيَةً﴾ ﴿إنّا لَمّا طَغى الماءُ حَمَلْناكم في الجارِيَةِ﴾ ﴿لِنَجْعَلَها لَكم تَذْكِرَةً وتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ﴾ ﴿فَإذا نُفِخَ في الصُورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ﴾ ﴿وَحُمِلَتِ الأرْضُ والجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً﴾ ﴿فَيَوْمَئِذٍ وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ ﴿وانْشَقَّتِ السَماءُ فَهي يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ﴾ ﴿والمَلَكُ عَلى أرْجائِها ويَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهم يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ﴾
قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ، والناسِ: "وَمِن قَبْلِهِ" بِفَتْحِ القافِ وسُكُونِ الباءِ، أيِ الأُمَمِ الكافِرَةِ الَّتِي كانَتْ قَبْلَهُ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ ذَكَرَهُ بَعْدَ قِصَّةِ نُوحٍ في طُغْيانِ الماءِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: "مَن قَبْلَهُ" قَدْ تَضَمَّنَهم فَحَسُنَ اقْتِضابُ أمْرِهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ دُونَ تَصْرِيحٍ، وقالَ أبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ، وعاصِمٌ في -رِوايَةِ أبانَ- والحَسَنُ بِخِلافٍ عنهُ- وأبُو رَجاءٍ، والجَحْدَرِيُّ، وطَلْحَةُ: "وَمَن قِبَلَهُ"، بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الباءِ، أيْ: أجْنادُهُ وأهْلُ طاعَتِهِ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ أنَّ في مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: [وَجاءَ فِرْعَوْنُ ومَن مَعَهُ]، وفي حِرَفِ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ: "وَمَن تِلْقاءَهُ"، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "وَمَن حَوْلَهُ". و"قِبَلَ الإنْسانِ": ما يَلِيهِ في المَكانِ، وكَثُرَ اسْتِعْمالُها حَتّى صارَتْ بِمَنزِلَةِ: عِنْدِي وفي ذِمَّتِي وما يَلِينِي بِأيِّ وجْهٍ ولِيَنِيَ.
(p-٣٨٨)وَ"المُؤْتَفِكاتُ": قُرى قَوْمِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَلامُ، وكانَتْ أرْبَعًا فِيما رُوِيَ، وائْتَفَكَتْ: قُلِبَتْ وصارَ عالِيَها سافِلَها فائْتَفَكَتْ هي فَهي مُؤْتَفِكَةٌ، وقَرَأالحَسَنُ هُنا: "والمُؤْتَفِكَةِ" عَلى الإفْرادِ، و"الخاطِئَةِ" إمّا أنْ تَكُونَ صِفَةً لِمَحْذُوفٍ، كَأنَّهُ قالَ: بِالفِعْلِ الخاطِئَةِ، وإمّا أنْ يُرِيدَ المَصْدَرَ، أيْ بِالخَطَأِ في كُفْرِهِمْ وعِصْيانِهِمْ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "الرَسُولُ" اسْمُ جِنْسٍ، كَأنَّهُ قالَ: فَعَصى هَؤُلاءِ الأقْوامَ والفِرَقَ أنْبِياءَ اللهِ تَعالى الَّذِينَ أرْسَلَهم إلَيْهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "الرَسُولُ" بِمَعْنى الرِسالَةِ، وقالَ الكَلْبِيُّ: يَعْنِي مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، وقالَ غَيْرُهُ -فِي كِتابِ الثَعْلَبِيِّ -: يَعْنِي لُوطًا عَلَيْهِ السَلامُ. و"الرابِيَةُ": النامِيَةُ الَّتِي قَدْ عَظُمَتْ جِدًّا، ومِنهُ: الرِبا، ورِبا المالِ، ومِنهُ "اهْتَزَّتْ ورَبَتْ".
ثُمَّ عَدَّدَ تَعالى عَلى الناسِ نِعْمَتَهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا لَمّا طَغى الماءُ﴾ والمُرادُ: طَغى الماءُ في وقْتِ الطُوفانِ الَّذِي كانَ عَلى قَوْمِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ، والطُغْيانُ: الزِيادَةُ عَلى الحُدُودِ المُتَعارِفَةِ في الأشْياءِ، ومَعْناهُ: طَغى عَلى خُزّانِهِ في خُرُوجِهِ، وعَلى البَشَرِ في أنْ أُغْرِقَهُمْ، قالَ قَتادَةُ: عَلا عَلى كُلِّ شَيْءٍ خَمْسَةَ عَشَرَ ذِراعًا، و"الجارِيَةُ": السَفِينَةُ.
والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿لِنَجْعَلَها﴾ عائِدٌ عَلى الفِعْلَةِ، أيْ: مِن تَذَكَّرَها ازْدَجَرَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى "الجارِيَةِ"، أيْ: مِن سَمِعَها اعْتَبَرَ، و"الجارِيَةِ" يُرادُ بِها سَفِينَةَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ، قالَهُ مُنْذِرٌ، وقالَ المَهْدَوِيُّ: المَعْنى: في السُفُنِ الجارِيَةِ، وقالَ قَتادَةُ: أبْقى اللهُ تَعالى تِلْكَ السَفِينَةَ حَتّى رَأى بَعْضَ عِيدانِها أوائِلَ هَذِهِ الأُمَّةِ، وغَيْرِها مِنَ السَفائِنِ الَّتِي صَنَعَتْ بَعْدَها قَدْ صارَتْ رَمادًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ﴾ عِبارَةٌ عَنِ الرَجُلِ الفَهِمِ المُنَوَّرِ القَلْبِ الَّذِي يَسْمَعُ القَوْلَ فَيَتَلَقّاهُ بِفَهْمٍ وتَدَبُّرٍ، قالَ أبُو عِمْرانَ الجَوْنِي: "واعِيَةٌ" عَقَلَتْ عَنِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، ويُرْوى «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ لِعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "إنِّي دَعَوْتُ اللهَ أنْ يَجْعَلَها أُذُنَكَ يا عَلِيُّ"، قالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عنهُ: فَما سَمِعْتُ بَعْدَ ذَلِكَ شَيْئًا فَنَسِيتُهُ.»
(p-٣٨٩)وَقَرَأ الجُمْهُورُ: "تَعِيها" بِكَسْرِ العَيْنِ عَلى وزْنِ "تَلِيها"، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ -فِي رِوايَةِ الحَلْوانِيِّ- وقَنْبَلٌ، وابْنُ مُصَرِّفٍ: "وَتَعِيها" بِسُكُونِ العَيْنِ، جَعَلَ التاءَ الَّتِي هي عَلامَةٌ في المُضارِعِ بِمَنزِلَةِ الكافِ مِن "كَتِفٍ"؛ إذْ حَرْفُ المُضارَعَةِ لا يُفارِقُ الفِعْلَ فَيَسْكُنُ تَخْفِيفًا كَما يُقالُ: "كَتْفٌ" ونَحْوُ هَذا قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ قالَتْ سُلَيْمى اشْتَرْ لَنا سَوِيقًا.
عَلى أنَّ هَذا البَيْتَ مُنْفَصِلٌ، فَهو أبْعَدُ، لَكِنْ ضَرُورَةُ الشِعْرِ تَسامَحُ بِهِ.
ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى بِأمْرِ القِيامَةِ، و"الصُورُ": القَرْنُ الَّذِي يَنْفُخُ فِيهِ، قالَ سُلَيْمانُ بْنُ أرْقَمَ: بَلَغَنِي «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ سُئِلَ عَنِ الصُورِ فَقالَ: "هُوَ قَرْنٌ مِن نُورٍ، فَمَهْ أوسَعُ مِنَ السَماواتِ"» والنَفْخَةُ المُشارُ إلَيْها في هَذِهِ الآيَةِ نَفْخَةُ القِيامَةِ الَّتِي لِلْفَزَعِ، ومَعَها يَكُونُ الصَعْقُ ثُمَّ نَفْخَةُ البَعْثِ، وقِيلَ: هي نَفَخاتٌ ثَلاثٌ: نَفْخَةُ الفَزَعِ، ونَفْخَةُ الصَعْقِ، ثُمَّ نَفْخَةُ البَعْثِ، والإشارَةُ بِآياتِنا هَذِهِ إلى نَفْخَةِ الفَزَعِ لِأنَّ حَمْلَ الجِبالِ هو بُعْدَها، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "نَفْخَةٌ" بِالرَفْعِ، لَمّا نَعَتَ صَحَّ رَفْعُهُ، وقَرَأ أبُو السَمالِ بِالنَصْبِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "وَحَمَلَتْ" بِتَخْفِيفِ المِيمِ، بِمَعْنى: حَمْلَتْها الرِياحُ والقُدْرَةُ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ فِيما رُوِيَ عنهُ: "وَحَمَّلَتْ" بِشَدِّ المِيمِ، وذَلِكَ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما أنَّها حامِلَةٌ حَمَلَتْ قُدْرَةً للَّهِ تَعالى وعُنْفًا وشِدَّةً تُفَتِّتُها، فَهي مُحَمَّلَةٌ حامِلَةٌ، والآخَرُ أنْ تَكُونَ مَحْمُولَةً حَمَلَتْها مَلائِكَةٌ أو قُدْرَةٌ.
(p-٣٩٠)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً﴾. قالَ: "فَدُكَّتا" وقَدْ ذَكَرَ جَمْعًا وساغَ ذَلِكَ لِأنَّ المَذْكُورَ فِرْقَتانِ، وهَذا كَما قالَ الشاعِرُ:
؎ ألَم يَحْزُنْكِ أنَّ حِبالَ قَوْمِي ∗∗∗ وقَوْمِكِ قَدْ تَبايَنَتا انْقِطاعًا
ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: "كانَتا رَتْقًا"، و"دُكَّتا" مَعْناهُ: سِوى جَمِيعِهِما، كَما يُقالُ: "ناقَةٌ دَكّاءُ" إذا ضَعُفَتْ فاسْتَوَتْ حَدَبَتُها مَعَ ظَهْرِها.
و"الواقِعَةُ": القِيامَةُ والطامَّةُ الكُبْرى، وقالَ بَعْضُ الناسِ: هي إشارَةٌ إلى صَخْرَةِ بَيْتِ المَقْدِسِ، وهَذا ضَعِيفٌ، و"انْشِقاقُ السَماءِ" هو تَفَطُّرُها وتَمَيُّزُ بَعْضِها مِن بَعْضٍ، وذَلِكَ هو الوَهَنُ الَّذِي يَنالُها، كَما يُقالُ في الجِداراتِ البالِيَةِ المُشَقَّقَةِ: واهِيَةٌ، و"المَلَكُ" اسْمُ جِنْسٍ يُرِيدُ بِهِ المَلائِكَةَ، وقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: الضَمِيرُ في "أرْجائِها" عائِدٌ عَلى السَماءِ، أيِ المَلائِكَةِ عَلى نَواحِيها وما لَمَّ بِهِ مِنها، و"الرَجا". الجانِبُ مِنَ الحائِطِ والبِئْرِ ونَحْوِهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ كَأنْ لَمْ تَرَيْ قَبْلِي أسِيرًا مُقَيَّدًا
ولا رَجُلًا يُرْمى بِهِ فى الرَجَوانِ
(p-٣٩١)أيْ: يَلْقى في بِئْرٍ فَلا يَجِدُ ما أتَمَسَّكُ بِهِ، وقالَ الضَحّاكُ "أيْضًا" وابْنُ جُبَيْرٍ: الضَمِيرُ في "أرْجائِها" عائِدٌ عَلى الأرْضِ وإنْ كانَ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَها ذِكْرٌ قَرِيبٌ لِأنَّ القِصَّةَ واللَفْظَةَ تقْتَضِيانِ إفْهامَ ذَلِكَ، وفَسَّرَ هَذِهِ الآيَةَ بِما رُوِيَ أنَّ اللهَ تَعالى يَأْمُرُ مَلائِكَةَ السَماءِ الدُنْيا فَيَقِفُونَ صَفًّا عَلى حافاتِ الأرْضِ، ثُمَّ يَأْمُرُ مَلائِكَةَ السَماءِ الثانِيَةِ فَيُصَفُّونَ خَلْفَهُمْ، ثُمَّ كَذَلِكَ مَلائِكَةُ كُلِّ سَماءٍ، فَكُلَّما بَدا أحَدٌ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ وجَدَ الأرْضَ قَدْ أُحِيطَ بِها،وَقالُوا: فَهَذا تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ، وهو أيْضًا مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَجاءَ رَبُّكَ والمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢]، وهو أيْضًا تَفْسِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: يَوْمَ التَنادِ يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ عَلى قِراءَةِ مَن شَدَّ الدالَ، وهو تَفْسِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا مَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ إنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ تَنْفُذُوا مِن أقْطارِ السَماواتِ والأرْضِ فانْفُذُوا﴾ [الرحمن: ٣٣].
واخْتَلَفَ الناسُ في الثَمانِيَةِ الحامِلِينَ لِلْعَرْشِ -فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما-: هي ثَمانِيَةُ صُفُوفٍ مِنَ المَلائِكَةِ لا يَعْلَمُ أحَدٌ عِدَّتَهُمْ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هم ثَمانِيَةُ أمْلاكٍ عَلى هَيْئَةِ الوُعُولِ، وقالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: هم عَلى هَيْئَةِ الناسِ، أرْجُلُهم تَحْتَ الأرْضِ السُفْلى ورُؤُوسُهُمٍ وكَواهِلُهم فَوْقَ السَماءِ، ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "هُمُ اليَوْمَ أرْبَعَةٌ، فَإذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ قُوّاهُمُ اللهُ بِأرْبَعَةٍ سِواهُمْ"» والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: "فَوْقَهُمْ" قِيلَ:هُوَ لِلْمَلائِكَةِ الحَمَلَةِ، وقِيلَ: لِلْعالَمِ كُلِّهِ، وكُلُّ قُدْرَةٍ كَيْفَما تُصُوِّرَتْ فَإنَّما هي بِحَوَلِ اللهِ وقُوَّتِهِ.
69:18–29Page 567
يَوۡمَئِذٖ تُعۡرَضُونَ لَا تَخۡفَىٰ مِنكُمۡ خَافِيَةٞ ١٨
That Day, you will be exhibited [for judgement]; not hidden among you is anything concealed.1
فَأَمَّا مَنۡ أُوتِيَ كِتَٰبَهُۥ بِيَمِينِهِۦ فَيَقُولُ هَآؤُمُ ٱقۡرَءُواْ كِتَٰبِيَهۡ ١٩
So as for he who is given his record in his right hand, he will say, "Here, read my record!
إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَٰقٍ حِسَابِيَهۡ ٢٠
Indeed, I was certain that I would be meeting my account."
فَهُوَ فِي عِيشَةٖ رَّاضِيَةٖ ٢١
So he will be in a pleasant life -
فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٖ ٢٢
In an elevated garden,
قُطُوفُهَا دَانِيَةٞ ٢٣
Its [fruit] to be picked hanging near.
كُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ هَنِيٓـَٔۢا بِمَآ أَسۡلَفۡتُمۡ فِي ٱلۡأَيَّامِ ٱلۡخَالِيَةِ ٢٤
[They will be told], "Eat and drink in satisfaction for what you put forth1 in the days past."
وَأَمَّا مَنۡ أُوتِيَ كِتَٰبَهُۥ بِشِمَالِهِۦ فَيَقُولُ يَٰلَيۡتَنِي لَمۡ أُوتَ كِتَٰبِيَهۡ ٢٥
But as for he who is given his record in his left hand, he will say, "Oh, I wish I had not been given my record
وَلَمۡ أَدۡرِ مَا حِسَابِيَهۡ ٢٦
And had not known what is my account.
يَٰلَيۡتَهَا كَانَتِ ٱلۡقَاضِيَةَ ٢٧
I wish it [i.e., my death] had been the decisive one.1
مَآ أَغۡنَىٰ عَنِّي مَالِيَهۡۜ ٢٨
My wealth has not availed me.
هَلَكَ عَنِّي سُلۡطَٰنِيَهۡ ٢٩
Gone from me is my authority."1
(p-٣٩٢)قوله عزّ وجلّ:
﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفى مِنكم خافِيَةٌ﴾ ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَءُوا كِتابِيَهْ﴾ ﴿إنِّي ظَنَنْتُ أنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ﴾ ﴿فَهُوَ في عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ ﴿فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ﴾ ﴿قُطُوفُها دانِيَةٌ﴾ ﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما أسْلَفْتُمْ في الأيّامِ الخالِيَةِ﴾ ﴿وَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ﴾ ﴿وَلَمْ أدْرِ ما حِسابِيَهْ﴾ ﴿يا لَيْتَها كانَتِ القاضِيَةَ﴾ ﴿ما أغْنى عَنِّي مالِيَهْ﴾ ﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ﴾
الخِطابُ في قَوْلِهِ تَعالى:"تُعْرَضُونَ" لِجَمِيعِ العالِمِ، ورُوِيَ عن أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ، وابْنُ مَسْعُودٍ أنَّ في القِيامَةِ عُرْضَتَيْنِ، فِيهِما مَعاذِيرُ، وتَوْقِيفٌ، وخُصُوماتٌ، وجِدالٌ، ثُمَّ تَكُونُ عُرْضَةً ثالِثَةً تَتَطايَرُ فِيها الصُحُفُ بِالأيْمانِ والشَمائِلِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "لا يَخْفى" بِالياءِ، وهي قِراءَةُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وابْنِ وثّابٍ، وطَلْحَةِ، والأعْمَشِ، وعِيسى، وقَرَأ الباقُونَ بِالتاءِ عَلى مُراعاةِ تَأْنِيثِ "خافِيَةٌ"، وهي قِراءَةُ الجُمْهُورِ، وقَوْلُهُ تَعالى: "خافِيَةٌ" مَعْناهُ: ضَمِيرٌ ولا مُعْتَقَدٌ.
"والَّذِينَ يُعْطَوْنَ كُتُبَهم بِأيْمانِهِمْ" هُمُ المُخَلَّدُونَ في الجَنَّةِ أهْلِ الإيمانِ، واخْتَلَفَ أهْلُ العَقْلِ والعِلْمِ في الفِرْقَةِ الَّتِي يَنْفُذُ فِيها الوَعِيدُ مِن أهْلِ المَعاصِي، مَتى تَأْخُذُ كُتُبَها؟ فَقالَ بَعْضُهُمْ: الأظْهَرُ أنَّها تَأْخُذُها مَعَ الناسِ، وذَلِكَ يُؤْنِسُها مُدَّةَ العَذابِ، قالَ الحَسَنُ: فَإذا أُعْطِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ لَمْ يَقْرَأْهُ حَتّى يَأْذَنَ اللهُ لَهُ، فَإذا أذِنَ لَهُ قالَ: ﴿هاؤُمُ اقْرَءُوا كِتابِيَهْ﴾، وقالَ آخَرُونَ: الأظْهَرُ أنَّهُ إذا أُخْرِجُوا مِنَ النارِ، والإيمانُ يُؤْنِسُهم فى وقْتِ العَذابِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا هو ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ لِأنَّ مَن يَسِيرُ إلى النارِ كَيْفَ يَقُولُ هاؤُمُ اقْرَءُوا كِتابِيَهْ؟ وأمّا "هاؤُمُ" فَقالَ قَوْمٌ: أصْلُهُ "هاؤُمُوا" ثُمَّ نَقَلَهُ التَخْفِيفُ والِاسْتِعْمالُ، وقالَ آخَرُونَ: هَذِهِ المِيمُ ضَمِيرُ الجَماعَةِ. وفي هَذا كُلِّهِ نَظَرٌ، والمَعْنى عَلى كُلِّ وجْهٍ: تَعالَوْا، فَهو اسْتِدْعاءٌ لِلْفِعْلِ المَأْمُورِ بِهِ، وقَوْلُهُ: "اقْرَءُوا كِتابِيَهْ" هو اسْتِبْشارٌ وسُرُورٌ.
وقَوْلُهُ: "إنّى ظَنَنْتُ" الآيَةُ، عِبارَةٌ عن إيمانِهِ بِالبَعْثِ وغَيْرِهِ، قالَ قَتادَةُ: ظَنَّ هَذا ظَنًّا يَقِينًا فَنَفَعَهُ، وقَوْمٌ ظَنُّوا ظَنَّ شَكِّ فَشَقُّوا بِهِ، و"ظَنَنْتُ" هُنا واقِعَةٌ مَوْقِعَ "تَيَقَّنْتُ"، وهي في مُتَيَقِّنٍ لَمْ يَقَعْ بَعْدُ ولا خَرَجَ إلى الحِسِّ، وهَذا هو بابُ الظَنِّ الَّذِي يُوقِعُ مَوْقِعَ اليَقِينِ، (p-٣٩٣)وَقَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ: "كِتابِيَهْ" و"حِسابِيَهْ" و"مالِيَهْ" و"سُلْطانِيَهْ" بِالهاءِ في الوَصْلِ والوَقْفِ اقْتِداءً بِخَطِّ المُصْحَفِ، وهي في الوَصْلِ بِنِيَّةِ الوُقُوفِ لِأنَّها هاءُ السَكْتِ فَلا مَعْنى لَها في الوَصْلِ، وطَرَحَ الهاءاتِ في الوَصْلِ لا في الوَقْفِ الأعْمَشُ وابْنُ أبِي إسْحاقَ، قالَ أبُو حاتِمٍ: قِراءَتُنا إثْباتُ الهاءاتِ في الوَقْفِ وطَرْحُها في الوَصْلِ، وبِذَلِكَ قَرَأ ابْنُ أبِي مُحَيْصِنٍ، وسَلامٌ، وقالَ الزَهْراوِيُّ: إثْباتُ الهاءِ في الوَصْلِ لَحْنٌ لا يَجُوزُ عنهُ أحَدٌ عَلِمْتُهُ.
و"راضِيَةٍ" مَعْناهُ: ذاتُ رِضًى، فَهو بِمَعْنى مَرَضِيَّةٍ، ولَيْسَتْ بِناءَ اسْمِ فاعِلٍ، و"عالِيَةٍ" مَعْناهُ: في المَكانِ والقَدَرِ وجَمِيعِ وُجُوهِ العُلُوِّ.
و"القُطُوفُ" جَمْعُ قَطْفٍ، وهو ما يُجْتَنى مِنَ الثِمارِ ويُقْطَفُ، ودُنُوُّها هو أنَّها تَأْتِي طَوْعَ التَمَنِّي فَيَأْكُلُها القائِمُ والقاعِدُ والمُضْطَجِعُ بِفِيهِ مِن شَجَرَتِها. و"أسْلَفْتُمْ" مَعْناهُ: قَدَّمْتُمْ، و"الأيّامُ الخالِيَةُ" هي أيّامُ الدُنْيا لِأنَّها في الآخِرَةِ قَدْ خَلَتْ وذَهَبَتْ، وقالَ وكِيعٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وعَبْدُ العَزِيزِ بْنُ رَفِيعٍ: المُرادُ: بِما أسْلَفْتُمْ مِنَ الصَوْمِ. وعُمُومُها في كُلِّ الأعْمالِ أولى وأحْسَنُ.
و"الَّذِينَ يُؤْتُونَ كِتابَهم بِشَمائِلِهِمْ" هُمُ المُخَلَّدُونَ في النارِ أهْلُ الكُفْرِ، فَيَتَمَنَّوْنَ أنْ لَوْ كانُوا مَعْدُومِينَ لا يَجْرِي عَلَيْهِمْ شَيْءٌ. وقَوْلُهُ: ﴿يا لَيْتَها كانَتِ القاضِيَةَ﴾ إشارَةٌ إلى مَوْتَةِ الدُنْيا، أيْ لَيْتَها لَمْ يَكُنْ بَعْدَها رُجُوعٌ ولا حَياةٌ، وقَوْلُهُ: ﴿ما أغْنى عَنِّي مالِيَهْ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ الِاسْتِفْهامَ عَلى مَعْنى التَقْرِيرِ لِنَفْسِهِ والتَوْبِيخِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ النَفْيَ المَحْضَ، و"السُلْطانُ" في الآيَةِ: الحُجَّةُ، عَلى قَوْلِ عِكْرِمَةَ ومُجاهِدٍ، قالَ بَعْضُهم -وَنَحا إلَيْهِ ابْنُ زَيْدٍ -: تنْطِقُ بِذَلِكَ مُلُوكُ الدُنْيا الكَفَرَةُ.
والظاهِرَةُ عِنْدِي أنَّ سُلْطانَ كُلِّ أحَدٍ حالُهُ في الدُنْيا مِن عَدَدٍ وعُدَدٍ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "لا يُؤَمَّنُ الرَجُلُ في سُلْطانِهِ، ولا يَجْلِسُ عَلى تَكْرِمَتِهِ إلّا بِإذْنِهِ".»
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences