Ibn 'AtiyyaAl‑Haqqah · 69:30–52

Ibn 'Atiyya · Tafsir · in Arabic

Al-Haqqah 69:30–52

69:30–40Page 567

خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ٣٠

[Allāh will say], "Seize him and shackle him.

ثُمَّ ٱلۡجَحِيمَ صَلُّوهُ ٣١

Then into Hellfire drive him.

ثُمَّ فِي سِلۡسِلَةٖ ذَرۡعُهَا سَبۡعُونَ ذِرَاعٗا فَٱسۡلُكُوهُ ٣٢

Then into a chain whose length is seventy cubits insert him."

إِنَّهُۥ كَانَ لَا يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ ٱلۡعَظِيمِ ٣٣

Indeed, he did not used to believe in Allāh, the Most Great,

وَلَا يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلۡمِسۡكِينِ ٣٤

Nor did he encourage the feeding of the poor.

فَلَيۡسَ لَهُ ٱلۡيَوۡمَ هَٰهُنَا حَمِيمٞ ٣٥

So there is not for him here this Day any devoted friend

وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنۡ غِسۡلِينٖ ٣٦

Nor any food except from the discharge of wounds;

لَّا يَأۡكُلُهُۥٓ إِلَّا ٱلۡخَٰطِـُٔونَ ٣٧

None will eat it except the sinners.

فَلَآ أُقۡسِمُ بِمَا تُبۡصِرُونَ ٣٨

So I swear by what you see

وَمَا لَا تُبۡصِرُونَ ٣٩

And what you do not see

إِنَّهُۥ لَقَوۡلُ رَسُولٖ كَرِيمٖ ٤٠

[That] indeed, it [i.e., the Qur’ān] is the word of a noble Messenger.

(p-٣٩٤)قوله عزّ وجلّ:

﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ﴾ ﴿ثُمَّ الجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ ﴿ثُمَّ في سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعًا فاسْلُكُوهُ﴾ ﴿إنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللهِ العَظِيمِ﴾ ﴿وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ ﴿فَلَيْسَ لَهُ اليَوْمَ ها هُنا حَمِيمٌ﴾ ﴿وَلا طَعامٌ إلا مِن غِسْلِينٍ﴾ ﴿لا يَأْكُلُهُ إلا الخاطِئُونَ﴾ ﴿فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ﴾ ﴿وَما لا تُبْصِرُونَ﴾ ﴿إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾

المَعْنى يَقُولُ اللهُ تَعالى، أوِ المَلِكُ بِأمْرِهِ- لِلزَّبانِيَةِ: "خُذُوهُ فَغَلُّوهُ" أيِ: اجْعَلُوا عَلى عُنُقِهِ غِلًّا، قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: نَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ.

و"ذَرْعُها" مَعْناهُ: مَبْلَغُ كَيْلِها، وقَدْ جَعَلَ اللهُ تَعالى السَبْعَمِائَةَ والسَبْعِينَ، والسَبْعَةَ، مَواقِفَ ونِهاياتٍ لِأشْياءَ عِظامٍ، فَذَلِكَ مَشْيُ العَرَبِ وغَيْرِهِمْ عَلى أنْ يَجْعَلُوها نِهاياتٍ، وهَذِهِ السِلْسِلَةُ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي جَعَلَ اللهُ تَعالى فِيها السَبْعِينَ نِهايَةً، وقَرَأ السُدِّيُّ: "ذَرْعُها سَبْعِينَ" بِالياءِ، وهَذا عَلى حَذْفِ خَبَرِ الِابْتِداءِ، واخْتَلَفَ الناسُ في قَدْرِ هَذا الذِراعِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُحَمَّدُ بْنُ المُنْكَدِرِ، وابنُ جُرَيْجٍ: هو بِذِراعِ المَلِكِ وقالَ نَوْفُ البَكالِيُّ وغَيْرُهُ: في الذِراعِ سَبْعُونَ باعًا في كُلِّ باعٍ كَما بَيْنَ الكُوفَةِ ومَكَّةَ. وهَذا يَحْتاجُ إلى سَنَدٍ. وقالَ حُذّاقٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: هي بِالذِراعِ المَعْرُوفَةِ مِنّا، وإنَّما خُوطِبْنا بِما نَعْرِفُهُ ونُحَصِّلُهُ، وقالَ الحَسَنُ: اللهُ أعْلَمُ بِأيِّ ذِراعٍ هِيَ، وقالَ سُوِيدُ بْنُ نَجِيحٍ -فِي كِتابِ الثَعْلَبِيِّ -: بَلَغَنِي أنَّ جَمِيعَ أهْلِ النارِ في تِلْكَ السِلْسِلَةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: لَوْ وضَعَ حَلْقَةً مِنها عَلى جَبَلٍ لَذابَ كالرَصاصِ. وقَوْلُهُ تَعالى: "فاسْلُكُوهُ" مَعْناهُ: فادْخُلُوهُ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي وجْزَةَ السَعْدِيِّ يَصِفُ حُمُرَ وحْشٍ:

؎ حَتّى سَلَكْنَ الشَوى مِنهُنَّ في مِسْكٍ مِن نَسْلِ جَوّابَةِ الآفاقِ مِهْداجِ

(p-٣٩٥)وَرُوِيَ أنَّ هَذِهِ السِلْسِلَةَ تَدْخُلُ في فَمِ الكافِرِ وتَخْرُجُ مِن دُبُرِهِ، فَهي في الحَقِيقَةِ الَّتِي تَسْلُكُ فِيهِ، لَكِنَّ الكَلامَ جَرى مَجْرى قَوْلِهِمْ: أدْخَلْتُ القَلَنْسُوَةَ في رَأْسِي، وفَمِي فى الحَجَرِ، ورُوِيَ أنَّ هَذِهِ السِلْسِلَةَ تُلْوى حَوْلَ الكافِرِ حَتّى تَغُمُّهُ وتَضْغَطُهُ، فالكَلامُ -عَلى هَذا- عَلى وجْهِهِ، وهو المَسْلُوكُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ المُرادُ بِهِ: عَلى إطْعامِ طَعامِ المِسْكِينِ، وإضْافَةُ الطَعامِ إلى المِسْكِينِ مِن حَيْثُ لَهُ إلَيْهِ نِسْبَةٌ ما، وخُصَّتْ هَذِهِ الخُلَّةُ مِن خِلالِ الكافِرِ بِالذِكْرِ لِأنَّها مِن أضَرَّ الخِلالِ في البَشَرِ، إذا كَثُرَتْ في قَوْمٍ هَلَكَ مَساكِينُهم.

واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في قَوْلِهِ تَعالى: "حَمِيمٌ"، فَقالَ جُمْهُورٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: هو الصَدِيقُ اللَطِيفُ المَوَدَّةِ، فَنَفى اللهُ تَعالى أنْ يَكُونَ لِلْكافِرِ هُنالِكَ مَن يُوالِيهِ، ونَفى أنْ يَكُونَ لَهُ طَعامٌ إلّا مِن غِسْلِينَ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ المُسْتَنِيرِ: الحَمِيمُ الماءُ الحارُّ، فَكَأنَّهُ تَعالى أخْبَرَ أنَّ الكافِرَ لَيْسَ لَهُ ماءٌ ولا شَيْءَ مائِعٌ ولا طَعامٌ إلّا مِن غِسْلِينَ، وهو -فِيما قالَ اللُغَوِيُّونَ- ما يَجْرِي مِنَ الجِراحِ إذا غُسِلَتْ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو صَدِيدُ أهْلِ النارِ، وقالَ قَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ: الغِسْلِينُ والزَقُّومُ أخْبَثُ شَيْءٍ وأبْشَعُهُ، وقالَ الضَحّاكُ، والرَبِيعُ هو شَجَرٌ يَأْكُلُهُ أهْلُ النارِ، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: هو شَيْءٌ يُجْرى مِن ضَرِيعٍ لِأنَّ اللهَ تَعالى قَدْ أخْبَرَ أنَّهُ لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلّا مِن ضَرِيعٍ، وفي أُخْرى إلّا مِن غِسْلِينَ، فَهُما شَيْءٌ واحِدٌ أوِ اثْنانِ مُتَداخِلانِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الإخْبارُ هُنا عن طائِفَةٍ وهُناكَ عن طائِفَةٍ ويَكُونُ الغِسْلِينُ والضَرِيعُ مُتَبايِنَيْنِ عَلى ما يُفْهَمُ في لِسانِ العَرَبِ. وخَبَرُ "لَيْسَ" في "لَهُ"، وقالَ المَهْدَوِيُّ: ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ "هاهُنا".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وقَدْ يَصِحُّ ذَلِكَ إنْ شاءَ اللهُ تَعالى.

(p-٣٩٦)وَ"الخاطِئُ": الَّذِي يَفْعَلُ ضِدَّ الصَوابِ مُتَعَمِّدًا لِذَلِكَ، و"المُخْطِئُ" الَّذِي يَفْعَلُهُ غَيْرُ مُتَعَمَّدٍ، وقَرَأ الحَسَنُ، والزَهْرِيُّ: "الخاطِيونَ" بِالياءِ دُونَ هَمْزٍ، وقَرَأ طَلْحَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، ونافِعٌ -بِخِلافٍ عنهُ-: "الخاطُّونَ" بِضَمِّ الطاءِ دُونَ هَمْزٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: "فَلا أُقْسِمُ"، قالَ بَعْضُ النُحاةِ "لا" زائِدَةٌ، والمَعْنى: فَأقْسَمَ، وقالَ آخَرُونَ مِنهُمْ: "لا" رَدَّ لِما تَقَدَّمَ مِن أقْوالِ الكُفّارِ، والبِدايَةُ "أُقْسِمُ"، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "فَلَأُقْسِمُ" لِأنَّ لامَ القَسَمِ مَعَها ألِفُ أُقْسِمُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِما تُبْصِرُونَ﴾ ﴿وَما لا تُبْصِرُونَ﴾ قالَ قَتادَةُ بْنُ دِعامَةَ: أرادَ اللهُ تَعالى أنْ يُعَمِّمَ القَسَمَ جَمِيعَ مَخْلُوقاتِهِ، وقالَ غَيْرُهُ: أرادَ الأجْسادَ والأرْواحَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ عامٌّ. وقالَ قَوْلٌ حَسَنٌ عامٌّ.

وقالَ ابْنُ عَطاءٍ: ما تُبْصِرُونَ مِن آثارِ القُدْرَةِ وما لا تُبْصِرُونَ مِن آثارِ القُدْرَةِ، وقالَ قَوْمٌ: أرادَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: "وَما لا تُبْصِرُونَ" المَلائِكَةَ.

و"الرَسُولُ الكَرِيمُ" هو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ في تَأْوِيلِ جَماعَةٍ مِنَ العُلَماءِ، ومُحَمَّدٌ ﷺ في قَوْلِ آخَرِينَ، وأُضِيفَ القَوْلُ إلَيْهِ لِأنَّهُ هو الَّذِي مَن تَلاهُ وبَلَّغَهُ.

69:41–52Page 568

وَمَا هُوَ بِقَوۡلِ شَاعِرٖۚ قَلِيلٗا مَّا تُؤۡمِنُونَ ٤١

And it is not the word of a poet; little do you believe.

وَلَا بِقَوۡلِ كَاهِنٖۚ قَلِيلٗا مَّا تَذَكَّرُونَ ٤٢

Nor the word of a soothsayer; little do you remember.

تَنزِيلٞ مِّن رَّبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٤٣

[It is] a revelation from the Lord of the worlds.

وَلَوۡ تَقَوَّلَ عَلَيۡنَا بَعۡضَ ٱلۡأَقَاوِيلِ ٤٤

And if he [i.e., Muḥammad] had made up about Us some [false] sayings,

لَأَخَذۡنَا مِنۡهُ بِٱلۡيَمِينِ ٤٥

We would have seized him by the right hand;1

ثُمَّ لَقَطَعۡنَا مِنۡهُ ٱلۡوَتِينَ ٤٦

Then We would have cut from him the aorta.1

فَمَا مِنكُم مِّنۡ أَحَدٍ عَنۡهُ حَٰجِزِينَ ٤٧

And there is no one of you who could prevent [Us] from him.

وَإِنَّهُۥ لَتَذۡكِرَةٞ لِّلۡمُتَّقِينَ ٤٨

And indeed, it [i.e., the Qur’ān] is a reminder for the righteous.

وَإِنَّا لَنَعۡلَمُ أَنَّ مِنكُم مُّكَذِّبِينَ ٤٩

And indeed, We know that among you are deniers.

وَإِنَّهُۥ لَحَسۡرَةٌ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ ٥٠

And indeed, it will be [a cause of] regret upon the disbelievers.

وَإِنَّهُۥ لَحَقُّ ٱلۡيَقِينِ ٥١

And indeed, it is the truth of certainty.

فَسَبِّحۡ بِٱسۡمِ رَبِّكَ ٱلۡعَظِيمِ ٥٢

So exalt the name of your Lord, the Most Great.

قوله عزّ وجلّ:

﴿وَما هو بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلا ما تُؤْمِنُونَ﴾ ﴿وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلا ما تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿تَنْزِيلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأقاوِيلِ﴾ ﴿لأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ﴾ ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنهُ الوَتِينَ﴾ ﴿فَما مِنكم مِن أحَدٍ عنهُ حاجِزِينَ﴾ ﴿وَإنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ﴿وَإنّا لَنَعْلَمُ أنَّ مِنكم مُكَذِّبِينَ﴾ ﴿وَإنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلى الكافِرِينَ﴾ ﴿وَإنَّهُ لَحَقُّ اليَقِينِ﴾ ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾

نَفى تَعالى أنْ يَكُونَ القُرْآنُ مِن قَوْلِ شاعِرٍ كَما زَعَمَتْ قُرَيْشٌ، ونُصِبَ "قَلِيلًا" بِفِعْلٍ (p-٣٩٧)مُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ "تُؤْمِنُونَ"، و"ما" يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ نافِيَةً فَيَنْتَفِي إيمانُهُمُ البَتَّةَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً ويَتَّصِفُ بِالقِلَّةِ إمّا الإيمانُ وإمّا العَدَدُ الَّذِي يُؤْمِنُونَ، فَعَلى اتِّصافِ إيمانِهِمْ بِالقِلَّةِ فَهو الإيمانُ اللُغَوِيُّ؛ لِأنَّهم قَدْ صَدَّقُوا بِأشْياءَ يَسِيرَةٍ لا تُغْنِي عنهم شَيْئًا؛ إذْ كانُوا يُصَدِّقُونَ أنَّ الخَيْرَ والصِلَةَ والعَفافَ الَّذِي كانَ يَأْمُرُ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ صَوابً، ثُمَّ نَفى تَعالى أنْ يَكُونَ "القُرْآنُ" قَوْلَ كاهِنٍ كَما زَعَمَ بَعْضُهم. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، والحَسَنُ، والجَحْدَرِيُّ: "قَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ" و"قَلِيلًا ما يَذَّكَّرُونَ" بِالياءِ فِيهِما، وقَرَأ الباقُونَ بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، ورَجَّحَ أبُو عَمْرٍو قِراءَةَ التاءِ مِن فَوْقٍ بِقَوْلِهِ: "فَما مِنكُمْ"، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "ما تَتَذَكَّرُونَ" بِتاءَيْنِ. و"تَنْزِيلٌ" رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، أيْ: هو تَنْزِيلٌ. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّ مُحَمَّدًا لَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا شَيْئًا لَعاقَبَهُ بِما ذَكَرَ، والتَقَوُّلُ أنْ يَقُولَ الإنْسانُ عن آخَرٍ: أنَّهُ قالَ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ، وقَرَأ ذَكْوانُ وابْنُهُ مُحَمَّدٌ "وَلَوْ يَقُولُ عَلَيْنا" بِالياءِ وضَمِّ القافِ، وهَذِهِ القِراءَةُ مُعَرِّضَةً بِما صَرَّحَتْ بِهِ قِراءَةُ الجُمْهُورِ، ويُبَيِّنُ التَعْرِيضَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلَيْنا بَعْضَ الأقاوِيلِ﴾.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ﴾ اخْتُلِفَ في مَعْناهُ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "بِاليَمِينِ": بِالقُوَّةِ، ومَعْناهُ: لَنِلْنا عِقابَهُ بِقُوَّةٍ مِنّا، أو يَكُونَ المَعْنى: لَنَزَعْنا مِنهُ قُوَّتَهُ، وقالَ آخَرُونَ: هي عِبارَةٌ عَنِ الهَوانِ، كَما يُقالُ لِمَن يُسْجَنُ أو يُقامُ لِعُقُوبَةٍ: قَدْ أخَذَ بِيَدِهِ وبِيَمِينِهِ.

و"الوَتِينُ" نِياطُ القَلْبِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وهو عِرْقٌ غَلِيظٌ تُصادِفُهُ شَفْرَةُ الناحِرِ، ومِنهُ قَوْلُ الشَمّاخِ:

؎ إذا بَلَّغْتِنِي وحَمَلْتِ رَحْلِي عَرابَةَ فاشْرِقِي بِدَمِ الوَتِينِ

(p-٣٩٨)فَمَعْنى الآيَةِ: لَأذْهَبْنا حَياتَهُ مُعَجَّلًا. و"الحاجِزُ": المانِعُ، وجَمْعُ "حاجِزِينَ" عَلى مَعْنى أحَدٍ؛ لِأنَّهُ يَقَعُ عَلى الجَمْعِ، ونَحْوُهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "وَلَمْ تَحِلَّ الغَنائِمُ لِأحَدٍ سِوى الرُءُوسُ قَبْلَكُمْ".»

والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: "وَإنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ" عائِدٌ عَلى القُرْآنِ، وقِيلَ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنّا لَنَعْلَمُ أنَّ مِنكم مُكَذِّبِينَ﴾ وعِيدٌ، وكَوْنُهُ حَسْرَةً عَلى الكافِرِينَ هو مِن حَيْثُ كَفَرُوا ويَرَوْنَ مَن آمَنَ بِهِ يَنْعَمُ وهم يُعَذَّبُونَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّهُ لَحَقُّ اليَقِينِ﴾، ذَهَبَ الكُوفِيُّونَ إلى أنَّها إضافَةُ الشَيْءِ إلى نَفْسِهِ، كَدارِ الآخِرَةِ ومَسْجِدِ الجامِعِ، وذَهَبَ البَصْرِيُّونَ والحُذّاقُ إلى أنَّ الحَقَّ مُضافٌ إلى الأبْلَغِ مِن وُجُوهِهِ، وقالَ المُبَرِّدُ: إنَّما هو كَقَوْلِكَ: عَيْنُ اليَقِينِ ومَحْضُ اليَقِينِ.

ثُمَّ أمَرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ بِالتَسْبِيحِ بِاسْمِهِ العَظِيمِ، وفي ضِمْنِ ذَلِكَ الِاسْتِمْرارِ عَلى رِسالَتِهِ، والمُضِيِّ لِأدائِها وإبْلاغِها ورُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: "اجْعَلُوها في رُكُوعِكُمْ"» واسْتَحَبَّ التِزامَ ذَلِكَ جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ، وكَرِهَ مالِكٌ لُزُومَ ذَلِكَ لِئَلّا يُعَدَّ فَرْضًا واجِبًا.

تَمَّ تَفْسِيرُ سُورَةِ [الحاقَّةِ] والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском