Ibn 'Atiyya · Tafsir · in Arabic
النور
An-Nur
The Light · Medinan · 64 ayahs
24:1–2Page 350
سُورَةٌ أَنزَلۡنَٰهَا وَفَرَضۡنَٰهَا وَأَنزَلۡنَا فِيهَآ ءَايَٰتِۭ بَيِّنَٰتٖ لَّعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ ١
[This is] a sūrah which We have sent down and made [that within it] obligatory and revealed therein verses of clear evidence that you might remember.
ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي فَٱجۡلِدُواْ كُلَّ وَٰحِدٖ مِّنۡهُمَا مِاْئَةَ جَلۡدَةٖۖ وَلَا تَأۡخُذۡكُم بِهِمَا رَأۡفَةٞ فِي دِينِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمۡ تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۖ وَلۡيَشۡهَدۡ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٞ مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٢
The [unmarried] woman or [unmarried] man found guilty of sexual intercourse1 - lash each one of them with a hundred lashes,2 and do not be taken by pity for them in the religion [i.e., law] of Allāh,3 if you should believe in Allāh and the Last Day. And let a group of the believers witness their punishment.
(p-٣٢٩)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ النُورِ
هَذِهِ السُورَةُ كُلُّها مَدَنِيَّةٌ
قوله عزّ وجلّ:
﴿سُورَةٌ أنْزَلْناها وفَرَضْناها وأنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿الزانِيَةُ والزانِي فاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ ولا تَأْخُذْكم بِهِما رَأْفَةٌ في دِينِ اللهِ إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ ولْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾
قَرَأ الجُمْهُورُ: "سُورَةٌ" بِالرَفْعِ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ، ومُجاهِدٌ: "سُورَةً" بِالنَصْبِ، ورُوِيَ ذَلِكَ أيْضًا عن عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ، وعن أبِي الدَرْداءِ، فَوَجْهُ الرَفْعِ خَبَرُ ابْتِداءٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: هَذِهِ سُورَةٌ، أوِ ابْتِداءٌ وخَبَرُهُ مُقَدَّمٌ تَقْدِيرُهُ: فِيما يُتْلى عَلَيْكُمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: "سُورَةٌ" ابْتِداءٌ، وما بَعْدَها صِفَةٌ لَها أخْرَجَتْها عن حَدِّ النَكِرَةِ المَحْضَةِ، فَحَسُنَ الِابْتِداءُ لِذَلِكَ، ويَكُونُ الخَبَرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الزانِيَةُ والزانِي﴾ وفِيما بَعْدَ ذَلِكَ، والمَعْنى: السُورَةُ المُنَزَّلَةُ المَفْرُوضَةُ كَذا وكَذا؛ إذِ السُورَةُ عِبارَةٌ عن آياتٍ مَسْرُودَةٍ لَها بَدْءٌ وخَتْمٌ، ولَكِنْ يَلْحَقُ هَذا القَوْلَ إنَّ كَوْنَ الِابْتِداءِ هو الخَبَرُ لَيْسَ بِالبَيِّنِ إلّا أنْ يُقَدَّرَ الخَبَرُ في السُورَةِ بِأسْرِها، وهَذا بَعِيدٌ في القِياسِ.
(p-٣٣٠)وَوَجْهُ النَصْبِ إضْمارُ فِعْلٍ قَدَّرَهُ بَعْضُهُمُ: اتْلُوا سُورَةً، أو نَحْوَهُ، وجَعَلَهُ بَعْضُهُمْ: أنْزَلْنا سُورَةً أنْزَلْناها، وقالَ الفِراءُ: هي حالٌ مِنَ الهاءِ والألِفِ، والحالُ مِنَ المُكَنّى يَجُوزُ أنْ تَتَقَدَّمَ عَلَيْهِ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَفَرَضْناها" بِتَخْفِيفِ الراءٍ، ومَعْناهُ الإثْباتُ والإيجابُ بِأبْلَغِ وُجُوهِهِ، إذْ هو مُشَبَّهٌ بِالفَرْضِ في الإلْزامِ. وقَرَأ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ كَثِيرٍ، وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "وَفَرَّضْناها" بِشَدِّ الراءِ، ومَعْناهُ: جَعَلْناها فَرائِضَ، فَمِن حَيْثُ تَرَدَّدَ ذَلِكَ ضَعَّفَ الفِعْلَ لِلْمُبالَغَةِ والتَكْثِيرِ. وقَرَأ الأعْمَشُ: "وَفَرَضْناها لَكُمْ"، وحَكى الزَهْراوِيُّ عن بَعْضِ العُلَماءِ أنَّهُ قالَ: كُلُّ ما في السُورَةِ مِن أمْرٍ ونَهْيٍ فَرْضٌ.
و"الآياتُ البَيِّناتُ": أمْثالُها ومَواعِظُها وأحْكامُها، وقالَ الزَهْراوِيُّ: المَعْنى: لَيْسَ فِيها مُشْكِلٌ، تَأْوِيلُها مُوافِقٌ لِظاهِرِها.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا تَحَكُّمْ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ أيْ عَلى تَوَقُّعِ البَشَرِ ورَجائِهِمْ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "الزانِيَةُ" بِالرَفْعِ، وقَرَأ عِيسى الثَقَفِيُّ: "الزانِيَةَ" بِالنَصْبِ، وهو أوجُهُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ لَأنَّهُ عِنْدَهُ كَقَوْلِكَ: زَيْدًا أضْرَبَ. ووَجْهُ الرَفْعِ عِنْدَهُ أنَّهُ أخْبَرَ ابْتِداءً (p-٣٣١)تَقْدِيرُهُ: فِيما يُتْلى عَلَيْكُمُ الزانِيَةُ والزانِي، وأجْمَعَ الناسُ عَلى الرَفْعِ وإنْ كانَ القِياسُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ النَصْبَ. وأمّا الفَرّاءُ والمُبَرِّدُ والزُجاجُ فَإنَّ الرَفْعَ عِنْدَهم هو الأوجَهُ، والخَبَرُ في قَوْلِهِ تَعالى: "فاجْلِدُوا"؛ لَأنَّ المَعْنى: إنَّ الزانِيَةَ والزانِيَ مَجْلُودانِ بِحُكْمِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، وهَذا قَوْلٌ جَيِّدٌ. وهو قَوْلُ أكْثَرِ النُحاةِ، وإنْ شِئْتَ قَدَّرْتَ الخَبَرَ يَنْبَغِي أنْ يُجْلَدُوا. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "والزانِ" بِغَيْرِ ياءٍ، وقُدِّمَتِ الزانِيَةُ في اللَفْظِ مِن حَيْثُ كانَ في ذَلِكَ الزَمَنِ زِنى النِساءِ أفْشى، وكانَ لِإماءِ العَرَبِ وبَغايا الوَقْتِ راياتٌ، وكُنَّ مُجاهِراتٍ بِذَلِكَ، والعارُ بِالنِساءِ ألْحَقُ إذْ مَوْضِعِهُنَّ الحَجْبُ والصِيانَةُ، فَقَدَّمَ ذِكْرَهُنَّ تَغْلِيظًا واهْتِمامًا. والألِفُ واللامُ في قَوْلِهِ: ﴿الزانِيَةُ والزانِي﴾ لِلْجِنْسِ، وذَلِكَ يُعْطِي أنَّها عامَّةٌ في جَمِيعِ الزُناةِ، وهَذِهِ الآيَةُ بِاتِّفاقٍ ناسِخَةٌ لِآيَةِ الحَبْسِ وآيَةِ الأذى اللَتَيْنِ في سُورَةِ النِساءِ. وجَماعَةُ العُلَماءِ عَلى عُمُومِ هَذِهِ الآيَةِ، وأنَّ حُكْمَ المُحْصَنِينَ مَنسُوخٌ مِنها، واخْتَلَفُوا في الناسِخِ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: الناسِخُ السُنَّةُ المُتَواتِرَةُ في الرَجْمِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلِ القُرْآنُ الَّذِي ارْتَفَعَ لَفْظُهُ وبَقِيَ حُكْمُهُ، وهو الَّذِي قَرَأهُ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُ عَلى المِنبَرِ بِمَحْضَرِ الصَحابَةِ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ: "الشَيْخُ والشَيْخَةُ إذا زَنَيا فارْجُمُوهُما البَتَّةَ" وقالَ: إنّا قَرَأْناهُ في كِتابِ اللهِ تَعالى، واتَّفَقَ الجَمِيعُ عَلى أنْ لَفَظَهُ (p-٣٣٢)رُفِعَ وبَقِيَ حُكْمُهُ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وابْنُ راهَوَيْهِ: لَيْسَ في هَذِهِ الآيَةِ نَسْخٌ، بَلْ سُنَّةُ الرَجْمِ جاءَتْ بِزِيادَةٍ، فالمُحْصَنُ -عَلى رَأْيِ هَذِهِ الفِرْقَةِ- يُجْلَدُ ثُمْ يُرْجَمُ، وهو قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وفَعَلَهُ بِشُراحَةَ، ودَلِيلُهم قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: «والثَيِّبُ بِالثَيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ والرَجْمُ»، ويَرُدُّ عَلَيْهِمْ فِعْلُ النَبِيِّ ﷺ حَيْثُ رَجَمَ ولَمْ يَجْلِدْ، وبِهِ قالَ جُمْهُورُ الأُمَّةِ إذْ فِعْلُهُ كَقَوْلِهِ رَفَعَ الجَلْدَ عَنِ المُحْصَنِ، وقالَ ابْنُ سَلّامٍ وغَيْرُهُ: هَذِهِ الآيَةُ خاصَّةً في البِكْرَيْنِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
لَأنَّهُ لَوْ لَمْ يَبْقَ مِن هَذا حُكْمُهُ إلّا البِكْرانِ، واسْتَدَلُّوا عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِ النَبِيِّ ﷺ: «البِكْرُ بِالبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وتَغْرِيبُ عامٍ»، وبُقُولِهِ: «عَلى ابْنِكَ جِلْدُ مِائَةٍ»، واسْتَدَلُّوا (p-٣٣٣)عَلى أنَّها غَيْرُ عامَّةٍ بِخُرُوجِ الإماءِ والعَبِيدِ وغَيْرِهِمْ مِنها، وقَدْ تَقَدَّمَ بَسْطُ كَثِيرٍ مِن هَذِهِ المَعانِي في سُورَةِ النِساءِ.
والجِلْدُ يَكُونُ والمَجْلُودُ قاعِدٌ عِنْدَ مالِكٍ، ولا يَجْزِي عِنْدَهُ إلّا في الظَهْرِ، وأصْحابُ الرَأْيِ والشافِعِيُّ يَرَوْنَ أنْ يُجْلَدَ الرَجُلُ وهو واقِفٌ، وهو قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُ ويُفَرَّقُ الضَرْبُ عَلى كُلِّ الأعْضاءِ، وأشارَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما بِالضَرْبِ إلى رِجْلَيْ أمَةٍ جَلَدَها في الزِنى، والإجْماعُ في تَسْلِيمِ الوَجْهِ والعَوْرَةِ والمَقاتِلِ، ويَتَرَجَّحُ قَوْلُ مالِكٍ رَحِمَهُ اللهُ بِقَوْلِ النَبِيِّ ﷺ: «أو حَدٌّ في ظَهْرِكَ»، وقَوْلُ عَمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ: أو لَأُوجِعَنَّ مَتْنَكَ، ويُعَرّى الرَجُلُ عِنْدَ مالِكٍ، والنَخْعِيِّ، وأبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الجِراحِ، وابْنِ مَسْعُودٍ، وعُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ، والحَسَنِ، والشَعْبِيِّ، وغَيْرُهم يَرَوْنَ أنْ يَضْرِبَ عَلى قَمِيصٍ، وهو قَوْلُ عُثْمانَ، وابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أيْضًا، وأمّا المَرْأةُ فَتَسْتُرُ قَوْلًا واحِدًا.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "رَأْفَةٌ" بِهَمْزَةٍ ساكِنَةٍ عَلى وزْنِ فَعْلَةٌ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "رَأفَةٌ" عَلى وزْنِ فَعَلَةٌ بِفَتْحِ العَيْنِ، وقَرَأ عاصِمْ أيْضًا: "رَآفَةٌ" عَلى وزْنِ فَعالَةٌ، كَسَآمَةٍ وكَآبَةٍ، وهَذِهِ مَصادِرُ أُشْهِرُها الأُولى، مَن "رَؤُفَ" إذا أرَقَّ ورَحِمْ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "تَأْخُذُكُمْ" بِالتاءِ (p-٣٣٤)مِن فَوْقٍ، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ: "يَأْخُذُكُمْ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ.
واخْتَلَفَ الناسُ في الرَأْفَةِ المَنهِيِّ عنها، فِيمَ هِيَ؟ فَقالَ أبُو مِجْلَزٍ ولاحِقُ بْنُ حَمِيدٍ ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وعَطاءٌ: هي في إسْقاطِ الحَدِّ، أيْ: أقِيمُوهُ ولا بُدَّ، وهَذا تَأْوِيلُ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وابْنِ جُبَيْرٍ، وغَيْرِهِما، ومِن رَأْيِهِمْ أنَّ الضَرْبَ في الزِنى والفِرْيَةَ والخَمْرَ عَلى نَحْوٍ واحِدٍ. وقالَ قَتادَةُ، وابْنُ المُسَيِّبِ، وغَيْرُهُما: الرَأْفَةُ المَنهِيُّ عنها هي في تَخْفِيفِ الضَرْبِ عَنِ الزِنى، ومِن رَأْيِهِمْ أنْ يُخَفَّفَ ضَرْبُ الخَمْرِ والفِرْيَةِ ويَشْتَدَّ ضَرْبُ الزِنى، وقالَ سُلَيْمانُ بْنُ يَسارٍ: نُهِيَ عَنِ الرَأْفَةِ في الوَجْهَيْنِ، وقالَ أبُو مِجْلِزٍ: إنّا لَنَرْجُمُ المَحْدُودَ ولَكِنْ لا نُسْقِطُ الحَدَّ، «وَقَوْلُ النَبِيِّ ﷺ في السَوْطِ: دُونَ هَذا» ضَرْبٌ مِنَ الرَأْفَةِ. وقالَ عُمْرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ: اضْرِبْ ولا تُبْدِينَّ إبْطَكَ، واتَّفَقَ الناسُ عَلى أنَّ الضَرْبَ سَوْطٌ بَيْنَ سَوْطَيْنِ، وقالَ الزَهْرِيَّ: ضَرْبُ الزِنا والفِرْيَةِ مُشَدَّدٌ لَأنَّهُما بِمَعْنى واحِدٍ، وضَرْبُ الخَمْرِ مُخَفَّفٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي دِينِ اللهِ﴾ بِمَعْنى: في الإخْلالِ بِدِينِ اللهِ، أيْ: بِشَرْعِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الدِينُ هُنا بِمَعْنى الحُكْمِ.
ثُمْ قَرَّرَهم عَلى مَعْنى التَثْبِيتِ والحَضِّ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ﴾، وهَذا كَما تَقُولُ لِرَجُلٍ تَحُضُّهُ: إنْ كُنْتَ رَجُلًا فافْعَلْ كَذا، أيْ: هَذِهِ أفْعالُ الرِجالِ.
(p-٣٣٥)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾، المَقْصِدُ بِالآيَةِ الإغْلاظُ عَلى الزُناةِ والتَوْبِيخُ بِحَضْرَةِ الناسِ، فَلا خِلافَ أنَّ الطائِفَةَ كُلَّما كَثُرَتْ فَهي ألْيَقُ بِامْتِثالِ الأمْرِ. واخْتَلَفَ الناسُ في أقَلِّ ما يُجْزِي، فَقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: لا بُدَّ مِن حُضُورِ عَشْرَةٍ، وقالَ: إنَّ هَذا العَدَدَ عَقْدٌ خارِجٍ عَنِ الآحادِ وهي أقَلُّ الكَثْرَةِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُ: لا بُدَّ مِن حُضُورِ أرْبَعَةٍ، ورَأوا أنَّ شَهادَةَ الزِنى كَذَلِكَ وأنَّ هَذا بابٌ مِنهُ. وقالَ الزَهْرِيُّ: الطائِفَةُ ثَلاثَةٌ فَصاعِدًا، وقالَ عَطاءٌ وعِكْرِمَةُ: لا بُدَّ مِنَ اثْنَيْنِ، وهَذا مَشْهُورُ قَوْلِ مالِكٍ، فَرَآها مَوْضِعَ شَهادَةٍ، وقالَ مُجاهِدٌ: يَجْزِي الواحِدُ ويُسَمّى طائِفَةً، وقالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، ونَزَعا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِنهم طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا في الدِينِ﴾ [التوبة: ١٢٢]، وقَوْلُهُ: ﴿وَإنْ طائِفَتانِ﴾ [الحجرات: ٩] ونَزَلَتْ في تَقاتُلِ رَجُلَيْنِ.
واخْتَلَفَ العُلَماءُ في التَغْرِيبِ، وقَدْ غَرَّبَ الصِدِّيقُ رَضِيَ اللهُ عنهُ إلى فَدَكٍ، وهو رَأْيُ عُمَرَ وعُثْمانَ وعَلِيٍّ وأبِي ذَرٍّ وابْنِ مَسْعُودٍ وأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُمْ، ولَكِنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ بَعْدَ أنْ نَفى رَجُلًا فَلَحِقَ بِالرُومِ فَقالَ: لا أنْفِي أحَدًا بَعْدَها، وفِيهِ عن مالِكٍ قَوْلانِ، ولا يَرى تَغْرِيبَ النِساءِ والعَبِيدِ، واحْتَجَّ بِقَوْلِهِ ﷺ: «لا تُسافِرُ المَرْأةُ مَسِيرَةَ يَوْمٍ إلّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ»، ومِمَّنْ أبى التَغْرِيبَ جُمْلَةً أصْحابُ الرَأْيِ، وقالَ الشافِعِيُّ: يُنْفى البِكْرُ رَجُلًا كانَ أوِ امْرَأةً، ونَفى عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُ امْرَأةً إلى البَصْرَةِ.
(p-٣٣٦)
24:3Page 350
ٱلزَّانِي لَا يَنكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوۡ مُشۡرِكَةٗ وَٱلزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَآ إِلَّا زَانٍ أَوۡ مُشۡرِكٞۚ وَحُرِّمَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٣
The fornicator does not marry except a [female] fornicator or polytheist, and none marries her except a fornicator1 or a polytheist, and that [i.e., marriage to such persons] has been made unlawful to the believers.
قوله عزّ وجلّ:
﴿الزانِي لا يَنْكِحُ إلا زانِيَةً أو مُشْرِكَةً والزانِيَةُ لا يَنْكِحُها إلا زانٍ أو مُشْرِكٌ وحُرِّمَ ذَلِكَ عَلى المُؤْمِنِينَ﴾
فِي هَذِهِ الآيَةِ أرْبَعَةُ أوجَهٍ مِنَ التَأْوِيلِ:
أحَدُها أنْ يَكُونَ مَقْصِدُ الآيَةِ تَشْنِيعَ وتَبْشِيعَ أمْرِهِ، وأنَّهُ مُحَرَّمٌ عَلى المُؤْمِنِينَ، واتِّصالُ هَذا المَعْنى بِما قَبْلُ حَسَنٌ بَلِيغٌ، ويُرِيدُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: "لا يَنْكِحُ" أيْ لا يَطَأُ، فَيَكُونُ النِكاحُ بِمَعْنى الجِماعِ، ورَدَّدَ القِصَّةَ مُبالِغَةً وأخْذًا مِن كِلا الطَرَفَيْنِ، ثُمْ زادَ تَقْسِيمَ المُشْرِكِ والمُشْرِكَةِ مِن حَيْثُ الشِرْكُ أعَمُّ في المَعاصِي مِنَ الزِنى، فالمَعْنى: الزانِي لا يَطَأُ في وقْتِ زِناهُ إلّا زانِيَةً مِنَ المُسْلِمِينَ أو مَن هي أخَسُّ مِنها مِنَ المُشْرِكاتِ، وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وأصْحابِهِ أنَّ النِكاحَ في هَذِهِ الآيَةِ الوَطْءُ، وأنْكَرَ الزَجاجُ وقالَ: لا يُعْرَفُ النِكاحُ في كِتابِ اللهِ تَعالى إلّا بِمَعْنى التَزْوِيجِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ولَيْسَ كَما قالَ، وفي القُرْآنِ ﴿حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، وقَدْ بَيَّنَهُ النَبِيُّ ﷺ أنَّهُ بِمَعْنى الوَطْءِ، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ ما يَنْحُو إلى هَذا التَأْوِيلِ عن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وابْنِ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةَ، ولَكِنْ غَيْرَ مُخَلَّصٍ ولا مُكَمَّلٍ.
والثانِي أنْ تَكُونَ الآيَةُ نَزَلَتْ في قَوْمٍ مَخْصُوصِينَ، وهَذا قَوْلٌ رُوِيَ مَعْناهُ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وأصْحابِهِ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُمْ، قالُوا: وهم قَوْمٌ كانُوا يَزْنُونَ في جاهِلِيَّتِهِمْ بِبَغايا مَشْهُوراتٍ، فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ وأسْلَمُوا لَمْ يُمْكِنْهُمُ الزِنى، فَأرادُوا لِفَقْرِهِمْ- زَواجَ أُولَئِكَ النِسْوَةِ؛ إذْ كانَ مَن عادَتِهِنَّ الإنْفاقُ عَلى مَنِ ارْتَسَمَ بِزَواجِهِنَّ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ بِسَبَبِهِنَّ، والإشارَةُ بِـ "الزانِي" إلى أحَدِ أُولَئِكَ، حَمَلَ عَلَيْهِ اسْمُ الزِنى الَّذِي كانَ في الجاهِلِيَّةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَنْكِحُ﴾ أيْ لا يَتَزَوَّجُ، وفي الآيَةِ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- مَعْنى التَفَجُّعِ عَلَيْهِمْ، وفي ذَلِكَ تَوْبِيخٌ كَأنَّهُ يَقُولُ: أيُّ مُصابٍ؟ الزانِي لا يُرِيدُ أنْ يَتَزَوَّجَ إلّا زانِيَةً أو مُشْرِكَةً، أيْ: تَنْزِعُ نُفُوسُهم إلى هَذِهِ الخَسائِسِ لِقِلَّةِ انْضِباطِهِمْ. ويَرُدُّ عَلى هَذا التَأْوِيلِ الإجْماعُ عَلى أنَّ الزانِيَةَ لا يَجُوزُ أنْ يَتَزَوَّجَها مُشْرِكٌ، ثُمْ قَوْلُهُ: (p-٣٣٧)﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلى المُؤْمِنِينَ﴾ أيْ نِكاحُ أُولَئِكَ البَغايا، فَيَزْعُمْ أهْلُ هَذا التَأْوِيلِ أنَّ نِكاحَ أُولَئِكَ البَغايا حَرَّمَهُ اللهُ تَعالى عَلى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، ومِن أشْهَرِهِنَّ عَناقُ البَغْيُّ، وكانَ الَّذِي هَمَّ بِتَزَوُّجِها دُلْدُلٌ، كانَ يَسْتَخْرِجُ ضَعْفَةَ المُسْلِمِينَ مِن مَكَّةَ سِرًّا، فَفَطِنَتْ لَهُ ودَعَتْهُ إلى نَفْسِها فَأبى الزِنى وأرادَ التَزْوِيجَ، واسْتَأْذَنَ النَبِيَّ ﷺ فَنَزَلَتِ الآيَةُ، ولَمّا دَعَتْهُ وأبى قالَتْ لَهُ: أنّى تَبْرُزُ؟ واللهِ لَأفْضَحَنَّكَ؟، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ أنَّ مِنَ البَغايا المَذْكُوراتِ أمَّ مَهْزُولٍ جارِيَةَ السائِبِ المَخْزُومِيِّ، ويُقالُ فِيها: أمُّ مَهْزُومٍ، وأُمْ غَلِيظٍ جارِيَةَ صَفْوانَ بْنِ أُمِّيَّةَ، وحَنَّةَ القِبْطِيَّةَ جارِيَةَ العاصِي بْنِ وائِلٍ، ومُزْنَةَ جارِيَةَ مالِكِ بْنِ عَمِيلَةَ بْنِ سَبّاقِ بْنِ عَبْدِ الدارِ، وجَلالَةَ جارِيَةَ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو، وأُمْ سُوَيْدٍ جارِيَةَ عَمْرِو بْنِ عُثْمانَ المَخْزُومِيِّ، وشُرَيْفَةَ جارِيَةَ زَمْعَةَ بْنِ الأسْوَدَ، وفَرَسَةَ جارِيَةَ هِشامِ بْنِ رَبِيعَةَ، وقُرَيْبا جارِيَةَ هِلالِ بْنِ أنَسٍ، وغَيْرَهُنَّ مِمَّنْ كانَتْ لَهُنَّ راياتٌ تُعْرَفُ مَنازِلُهُنَّ بِها، وكَذَلِكَ كانَ بِالمَدِينَةِ إماءُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أبِيٍّ وغَيْرِهِ مَشْهُوراتٌ.
وحَكى الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ قالَ في سِياقِ هَذا التَأْوِيلِ: كانَتْ بُيُوتٌ في الجاهِلِيَّةِ تُسَمّى المَواخِيرَ، كانُوا يُؤَجِّرُونَ فِيها فَتَياتِهِمْ، وكانَتْ مَعْلُومَةً لِلزِّنى، فَحَرَّمَ اللهُ ذَلِكَ عَلى المُؤْمِنِينَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا الكَلامُ في التَأْوِيلِ الَّذِي ذَكَّرْتُهُ قَبْلَ هَذا. وواحِدُ المَواخِيرِ: (p-٣٣٨)ماخُورٌ، ومِنهُ قَوْلُ بَعْضِ المُحْدَثِينَ:
؎ في كُلِّ وادٍ هَبَطْنا فِيهِ دَسْكَرَةً في كُلِّ نَشَزٍ صَعَدْنا فِيهِ ماخُورُ
والتَأْوِيلُ الثالِثُ ذَكَرَهُ الزُجاجُ وغَيْرُهُ عَنِ الحُسْنِ، وذَلِكَ أنَّهُ قالَ: المُرادُ الزانِي المَحْدُودُ والزانِيَةُ المَحْدُودَةُ، قالَ: وهَذا حُكْمٌ مِنَ اللهِ تَعالى، فَلا يَجُوزُ لِزانٍ مَحْدُودٍ أنْ يَتَزَوَّجَ إلّا مَحْدُودَةً، ورُوِيَ أنَّ مَحْدُودًا تَزَوَّجَ غَيْرَ مَحْدُودَةٍ فَرَدَّ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ نِكاحَهُما، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلى المُؤْمِنِينَ﴾ يُرِيدُ الزِنى، وحَكى الزَهْراوِيُّ في ذَلِكَ حَدِيثًا مِن طَرِيقِ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: «لا يَنْكِحُ الزانِي المَجْلُودُ إلّا مِثْلَهُ»، وهَذا حَدِيثٌ لا يَصِحُّ، وقَوْلٌ فِيهِ نَظَرٌ، وإدْخالُ "المُشْرِكِ" في الآيَةِ يَرُدُّهُ، وألْفاظُ الآيَةِ تَأْباهُ وإنْ قُدِّرَتِ "المُشْرِكَةُ" بِمَعْنى الكِتابِيَّةِ فَلا حِيلَةَ في لَفْظِ المُشْرِكِ.
والرابِعُ قَدْ رُوِيَ عن سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، وذَلِكَ أنَّهُ قالَ: هَذا حُكْمٌ كانَ في الزُناةِ عامَّةً، ألّا يَتَزَوَّجَ زانٍ إلّا زانِيَةً، ثُمْ جاءَتِ الرُخْصَةُ ونُسِخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنْكِحُوا الأيامى مِنكُمْ﴾ [النور: ٣٢]، ورُوِيَ تَرْتِيبُ هَذا النَسْخِ أيْضًا عن مُجاهِدٍ، إلّا أنَّهُ قالَ: إنَّ التَحْرِيمَ كانَ في أُولَئِكَ النَفَرِ خاصَّةً لا في الزُناةِ عامَّةً، ذَكَرَ ذَلِكَ عنهُما أبُو عُبَيْدَةَ في ناسِخِهِ، وذَكَرَ عن مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: حُرِّمْ نِكاحُ أُولَئِكَ البَغايا عَلى أُولَئِكَ النَفَرِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وذِكْرُ "الإشْراكِ" في الآيَةِ يُضَعِّفُ هَذِهِ المَناحِي.
وقَرَأ أبُو البُرْهَشِيمِ: "وَحَرَّمَ اللهُ ذَلِكَ عَلى المُؤْمِنِينَ".
واخْتُلِفَ فِيمَن زَنى بِامْرَأةٍ ثُمْ أرادَ نِكاحَها فَأجازَ ذَلِكَ أبُو بَكْرٍ الصَدِيقُ، وابْنُ عُمَرَ، وجابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، وطاوُسُ، وابْنُ المُسَيِّبِ، وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وعَطاءٌ، والحَسَنُ، (p-٣٣٩)وَعِكْرِمَةُ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومالِكٌ، والثَوْرِيُّ، والشافِعِيُّ. ومَنَعَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، والبَراءُ بْنُ عازِبٍ، وعائِشَةُ، وقالُوا: لا يَزالانِ زانِيَيْنِ ما اجْتَمَعا.
24:4–5Page 350
وَٱلَّذِينَ يَرۡمُونَ ٱلۡمُحۡصَنَٰتِ ثُمَّ لَمۡ يَأۡتُواْ بِأَرۡبَعَةِ شُهَدَآءَ فَٱجۡلِدُوهُمۡ ثَمَٰنِينَ جَلۡدَةٗ وَلَا تَقۡبَلُواْ لَهُمۡ شَهَٰدَةً أَبَدٗاۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ ٤
And those who accuse chaste women and then do not produce four witnesses - lash them with eighty lashes and do not accept from them testimony ever after. And those are the defiantly disobedient,
إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ وَأَصۡلَحُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٥
Except for those who repent thereafter and reform, for indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.
قوله عزّ وجلّ:
﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ فاجْلِدُوهم ثَمانِينَ جَلْدَةً ولا تَقْبَلُوا لَهم شَهادَةً أبَدًا وأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ ﴿إلا الَّذِينَ تابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وأصْلَحُوا فَإنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ في القاذِفِينَ، قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: كانَ سَبَبُها ما قِيلَ في عائِشَةَ أُمُ المُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنها، وقِيلَ: بَلْ نَزَلَتْ بِسَبَبِ القَذْفِ عامَّةً لا في تِلْكَ النازِلَةِ. وذَكَرَ اللهُ تَعالى في الآيَةِ قَذْفَ النِساءِ مِن حَيْثُ هو أهَمُّ، ورَمْيُهُنَّ بِالفاحِشَةِ أبْشَعُ وأنْكى لِلنُّفُوسِ، وقَذْفُ الرِجالِ داخِلٌ في حُكْمِ الآيَةِ بِالمَعْنى وإجْماعِ الأُمَّةِ عَلى ذَلِكَ، وهَذا نَحْوَ نَصِّهِ تَعالى عَلى لَحْمِ الخِنْزِيرِ ودُخُولُ شَحْمِهِ وغَضارِيفِهِ ونَحْوَ ذَلِكَ بِالمَعْنى وبِالإجْماعِ، وحَكى الزَهْراوِيُّ أنَّ المَعْنى: الأنْفُسُ المُحْصَناتُ، فَهي تَعُمْ بِلَفْظِها الرِجالَ والنِساءَ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ النِساءِ﴾ [النساء: ٢٤]، والجُمْهُورُ عَلى فَتْحِ الصادِ مِنَ "المُحْصَناتِ"، وكَسَرَها يَحْيى بْنُ وثّابٍ. و"المُحْصَناتُ" العَفائِفُ في هَذا المَوْضِعِ؛ لَأنَّ هَذا هو الَّذِي يَجِبُ بِهِ جَلْدُ القاذِفِ، والعِفَّةُ أعْلى مَعانِي الإحْصانِ، وفي طَيِّهِ الإسْلامُ، وفي هَذِهِ النازِلَةِ الحُرِّيَّةُ، ومِنهُ قَوْلُ حَسّانٍ:(p-٣٤٠)
؎ حَصانٌ رَزانٌ.........................................
ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّتِي أحْصَنَتْ فَرْجَها﴾ [الأنبياء: ٩١] [الأنْبِياءُ: ٩١]. وذَكَرَ اللهُ تَعالى مِن صِفاتِ النِساءِ المُنافِيَةِ لِلرَّمْيِ بِالزِنى، ولِتَخْرُجَ مِن ذَلِكَ مِن ثَبَتَ عَلَيْها الزِنى وغَيْرَ ذَلِكَ مِمَّنْ لَمْ تَبْلُغُ الوَطْءَ مِنَ النِساءِ حَسْبَ الخِلافِ في ذَلِكَ.
وعَبَّرَ عَنِ القَذْفِ بِالرَمْيِ مِن حَيْثُ مُعْتادُ الرَمْيِ أنَّهُ مُؤْذٍ كالرَمْيِ بِالحَجَرِ والسَهْمِ، فَلَمّا كانَ قَوْلُ القاذِفِ مُؤْذِيًا جُعِلَ رَمْيًا، وهَذا كَما قالَ:
؎ ........................... ∗∗∗ وجُرْحُ اللِسانِ كَجُرْحِ اليَدِ
والقَذْفُ والرَمْيُ مَعْنى واحِدِ.
وشَدَّدَ اللهُ تَعالى عَلى القاذِفِ في أرْبَعَةِ شُهَداءَ رَحْمَةً بِعِبادِهِ وسِتْرًا لَهم. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ" عَلى إضافَةِ الأرْبَعَةِ إلى الشُهَداءِ، وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ (p-٢٤١)يَسارٍ، وأبُو زَرْعَةَ بْنُ جَرِيرٍ: "بِأرْبَعَةٍ" بِالتَنْوِينِ، و"شُهَداءَ" عَلى هَذا إمّا بَدَلٌ وإمّا صِفَةٌ لِلْأرْبَعَةِ وإمّا حالٌ وإمّا تَمْيِيزٌ، وفي هَذَيْنَ نَظَرٌ؛ إذِ الحالُ مِن نَكِرَةٍ والتَمْيِيزُ مَجْمُوعٌ، وسِيبَوَيْهِ يَرى أنَّ تَنْوِينَ العَدَدِ وتَرْكَ إضافَتِهِ إنَّما يَجُوزُ في الشِعْرِ، وقَدْ حَسَّنَ أبُو الفَتْحِ هَذِهِ القِراءَةَ ورَجَّحَها عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ. وحُكْمُ شَهادَةِ الأرْبَعَةِ أنْ تَكُونَ عَلى مُعايَنَةٍ كالمِرْوَدِ والمُكْحُلَةِ في مَوْطِنٍ واحِدٍ، فَإنِ اضْطَرَبَ مِنهم واحِدٌ جُلِدَ الثَلاثَةُ والقاذِفُ، كَما فَعَلَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُ في أمْرِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، وذَلِكَ أنَّهُ شَهِدَ عَلَيْهِ بِالزِنى أبُو بَكَرَةَ نُفَيْعُ بْنُ الحارِثِ وأخُوهُ نافِعٌ -وَقالَ الزَهْراوِيُّ: عَبْدُ اللهِ بْنِ الحارِثِ - وزِيادٌ أخُوهُما لِأُمْ -وَهُوَ مُسْتَلْحَقُ مُعاوِيَةَ - وشِبْلُ بْنُ مَعْبَدٍ الجَبَلِيُّ، فَلَمّا جاؤُوا لِأداءِ الشَهادَةِ تَوَقَّفَ زِيادٌ ولَمْ يُؤَدِّها كامِلَةً، فَجَلَدَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ الثَلاثَةَ المَذْكُورِينَ.
والجَلْدُ: الضَرْبُ، والمُجادَلَةُ: المُضارَبَةُ في الجُلُودِ أو بِالجُلُودِ، ثُمُ اسْتُعِيرَ الجَلْدُ لِغَيْرِ ذَلِكَ مِن سَيْفٍ وغَيْرِهِ، ومِنهُ قَوْلُ قَيْسِ بْنِ الخَطِيمِ:
؎ أُجالِدُهم يَوْمَ الحَدِيقَةِ حاسِرًا ∗∗∗ كَأنْ يَدَيَّ بِالسَيْفِ مِخْراقُ لاعِبِ
(p-٣٤٢)وَنُصِبَ "ثَمانِينَ" عَلى المَصْدَرِ، و"جَلْدَةً" عَلى التَمْيِيزِ. ثُمْ أمَرَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى ألّا نَقْبَلَ لِلْقَذَفَةِ المَحْدُودِينَ شَهادَةً أبَدًا، وهَذا يَقْتَضِي مُدَّةَ أعْمارِهِمْ، ثُمْ حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم فاسِقُونَ، أيْ خارِجُونَ عن طاعَةِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ.
ثُمُ اسْتَثْنى جَلَّ وعَزَّ مَن تابَ وأصْلُحُ بَعْدَ القَذْفِ، فَإنَّهُ وعَدَهم بِالرَحْمَةِ والمَغْفِرَةِ، فَتَضَمَّنَتِ الآيَةُ ثَلاثَةَ أحْكامٍ في القاذِفِ: جَلْدُهُ، ورَدُّ شَهادَتِهِ أبَدًا، وفِسْقُهُ، فالِاسْتِثْناءُ غَيْرُ عامِلٍ في جِلْدِهِ بِإجْماعٍ، وعامِلٌ في فِسْقِهِ بِإجْماعٍ، واخْتَلَفَ الناسُ في عَمَلِهِ في رَدِّ الشَهادَةِ، فَقالَ شُرَيْحٌ القاضِي، وإبْراهِيمُ النَخْعِيُّ، والحَسَنُ، والثَوْرِيُّ، وأبُو حَنِيفَةَ: لا يَعْمَلُ الِاسْتِثْناءُ في رَدِّ شَهادَتِهِ، وإنَّما يَزُولُ فِسْقُهُ عِنْدَ اللهِ تَعالى، وأمّا شَهادَةُ القاذِفِ فَلا تُقْبَلُ البَتَّةَ ولَوْ تابَ وأكْذَبَ نَفْسَهُ ولا بِحالٍ مِنَ الأحْوالِ. وقالَ جُمْهُورُ الناسِ: الِاسْتِثْناءُ عامِلٌ في رَدِّ الشَهادَةِ، فَإذا تابَ القاذِفُ قُبِلَتْ شَهادَتُهُ، ثُمُ اخْتَلَفُوا في صُورَةِ تَوْبَتِهِ فَمَذْهَبُ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، والشَعْبِيِّ وغَيْرِهِ أنَّ تَوْبَتَهُ لا تَكُونُ إلّا بِأنْ يُكَذِّبَ نَفْسَهُ في ذَلِكَ القَذْفِ الَّذِي حُدَّ فِيهِ، وهَكَذا فَعَلَ شِبْلُ بْنُ مَعْبَدٍ، ونافِعٌ، تابا عَنِ القَوْلِ في المُغِيرَةِ، وأكْذَبا أنْفُسَهُما فَقَبْلَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ شَهادَتَهُما، وأبى أبُو بَكَرَةَ نُفَيْعٌ مِن إكْذابِ نَفْسِهِ فَرَدَّ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ شَهادَتَهُ حَتّى ماتَ. وقالَتْ فِرْقَةٌ مِنها مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ، وغَيْرُهُ-: تَوْبَتُهُ أنْ يَصْلُحَ وتَحْسُنَ حالُهُ وإنْ لَمْ يَرْجِعْ عن قَوْلِهِ بِتَكْذِيبٍ.
واخْتَلَفَ فُقَهاءُ المالِكِيِّينَ، مَتى تَسْقُطُ شَهادَةُ القاذِفِ؟ فَقالَ ابْنُ الماجَشُونِ: بِنَفْسِ قَذْفِهِ، وقالَ ابْنُ القاسِمْ، وأشْهَبُ، وسَحْنُونٌ: لا تُسْقُطُ حَتّى يُجْلَدَ، فَإنَّ مَنَعَ مِن جِلْدِهِ (p-٣٤٣)مانِعٌ -عَفْوٌ أو غَيْرُهُ- لَمْ تُرَدَّ شَهادَتُهُ. قالَ الشَيْخُ أبُو الحَسَنِ اللَخْمِيِّ: شَهادَتُهُ في مُدَّةِ الأجَلِ في الإثْباتِ مَوْقُوفَةٌ، ورَجَّحَ القَوْلَ بِأنَّ التَوْبَةَ إمّا أنْ تَكُونَ بِالتَكْذِيبِ في القَذْفِ وإلّا فَأيُّ رُجُوعٍ لِعَدْلٍ إنْ قَذْفَ وحُدَّ وبَقِيَ عَلى عَدالَتِهِ، و"تابُوا" مَعْناهُ: رَجَعُوا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا تَرْجِيحٌ، وقَدْ رَجَّحَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ قَوْلَ مالِكٍ.
واخْتَلَفَ أيْضًا -عَلى القَوْلِ بِجَوازِ شَهادَتِهِ بَعْدَ التَوْبَةِ- في أيِّ شَيْءٍ تَجُوزُ شَهادَتُهُ؟ فَقالَ مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ: تَجُوزُ في كُلِّ شَيْءٍ بِإطْلاقٍ، وكَذَلِكَ كُلُّ مِن حُدَّ في شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ. وقالَ سَحْنُونٌ رَحِمَهُ اللهُ: مِن حُدَّ في شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ فَلا تَجُوزُ شَهادَتُهُ في مِثْلِ ما حُدَّ فِيهِ.
وقالَ مُطَرِّفٌ، وابْنُ الماجَشُونِ: مِن حُدَّ في قَذْفٍ أو زِنى فَلا تَجُوزُ شَهادَتُهُ في شَيْءٍ مِن وُجُوهِ الزِنى ولا في قَذْفٍ ولا في لِعانٍ وإنَّ كانَ عَدْلًا، رَوَيا هَذا القَوْلَ عن مالِكٍ، واتَّفَقُوا -فِيما أحْفَظُهُ- عَلى ولَدِ الزِنا أنَّ شَهادَتَهُ لا تَجُوزُ في الزِنى.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences