Ibn 'AtiyyaAn‑Nazi'at · 79:1–36

Ibn 'Atiyya · Tafsir · in Arabic

النازعات

An-Nazi'at

Those who drag forth · Meccan · 46 ayahs

79:1–11Page 583

وَٱلنَّٰزِعَٰتِ غَرۡقٗا ١

By those [angels] who extract with violence1

وَٱلنَّٰشِطَٰتِ نَشۡطٗا ٢

And [by] those who remove with ease1

وَٱلسَّٰبِحَٰتِ سَبۡحٗا ٣

And [by] those who glide [as if] swimming1

فَٱلسَّٰبِقَٰتِ سَبۡقٗا ٤

And those who race each other in a race1

فَٱلۡمُدَبِّرَٰتِ أَمۡرٗا ٥

And those who arrange [each] matter,1

يَوۡمَ تَرۡجُفُ ٱلرَّاجِفَةُ ٦

On the Day the blast [of the Horn] will convulse [creation],

تَتۡبَعُهَا ٱلرَّادِفَةُ ٧

There will follow it the subsequent [one].

قُلُوبٞ يَوۡمَئِذٖ وَاجِفَةٌ ٨

Hearts,1 that Day, will tremble,

أَبۡصَٰرُهَا خَٰشِعَةٞ ٩

Their eyes1 humbled.

يَقُولُونَ أَءِنَّا لَمَرۡدُودُونَ فِي ٱلۡحَافِرَةِ ١٠

They are [presently] saying, "Will we indeed be returned to [our] former state [of life]?

أَءِذَا كُنَّا عِظَٰمٗا نَّخِرَةٗ ١١

Even if we should be decayed bones?"1

(p-٥٢٥)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ

تَفْسِيرُ سُورَةُ النازِعاتِ

وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ مِنَ المُتَأوِّلِينَ.

قوله عزّ وجلّ:

﴿والنازِعاتِ غَرْقًا﴾ ﴿والناشِطاتِ نَشْطًا﴾ ﴿والسابِحاتِ سَبْحًا﴾ ﴿فالسابِقاتِ سَبْقًا﴾ ﴿فالمُدَبِّراتِ أمْرًا﴾ ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الراجِفَةُ﴾ ﴿تَتْبَعُها الرادِفَةُ﴾ ﴿قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ﴾ ﴿أبْصارُها خاشِعَةٌ﴾ ﴿يَقُولُونَ أإنّا لَمَرْدُودُونَ في الحافِرَةِ﴾ ﴿أإذا كُنّا عِظامًا نَخِرَةً﴾

قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ: "النازِعاتِ": المَلائِكَةُ تَنْزِعُ نُفُوسَ بَنِي آدَمَ، و"غَرْقًا" -عَلى هَذا القَوْلِ- إمّا أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا بِمَعْنى الإغْراقِ والمُبالَغَةِ في الفِعْلِ، وإمّا أنْ يَكُونَ كَما قالَ عَلَيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ: تَغْرَقُ نُفُوسُ الكَفَرَةِ في نارِ جَهَنَّمَ، وقالَ السُدِّيُّ وجَماعَةٌ: النازِعاتُ: النُفُوسُ تُنْزَعُ بِالمَوْتِ إلى رَبِّها، و"غَرْقًا" هُنا بِمَعْنى الإغْراقِ أيْ تَغْرَقُ في الصُدُورِ، وقالَ عَطاءٌ -فِيما رُوِيَ عنهُ-: النازِعاتُ: الجَماعاتُ النازِعاتُ بِالقِسِيِّ، و"غَرْقًا" بِمَعْنى الإغْراقِ، وقالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، وأبُو عُبَيْدَةَ، وابْنُ كَيْسانَ، والأخْفَشُ: النازِعاتُ: النُجُومُ لِأنَّها تَنْزِعُ مِن أُفُقٍ إلى أُفُقٍ، وقالَ قَتادَةُ: النازِعاتُ: النُفُوسُ الَّتِي تَحِنُّ إلى أوطانِها وتَنْزِعُ إلى مَذاهِبِها، ولَها نِزاعٌ عِنْدَ المَوْتِ، وقالَ مُجاهِدٌ: النازِعاتُ: المَنايا لِأنَّها تَنْزِعُ نُفُوسَ الحَيَوانِ، وقالَ عَطاءٌ وعِكْرِمَةُ: النازِعاتُ: القِسِيُّ أنْفُسُها لِأنَّها تُنْزَعُ بِالسِهامِ.

واخْتُلِفَ في "الناشِطاتِ"، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ: هي المَلائِكَةُ لِأنَّها تُنَشِّطُ النُفُوسَ عِنْدَ المَوْتِ، أيْ تُحِلُّها كَحَلِّ العِقالِ، وتَنْشَطُ بِأمْرِ اللهِ تَعالى إلى حَيْثُ كانَ، وقالَ مُجاهِدٌ: الناشِطاتُ: المَنايا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا وقَتادَةُ، والأخْفَشُ، والحَسَنُ: الناشِطاتُ: النُجُومُ لِأنَّها تَنْشَطُ مِن أُفُقٍ إلى أُفُقٍ، أيْ تَذْهَبُ وتَسِيرُ بِسُرْعَةٍ، (p-٥٢٦)وَمِن ذَلِكَ قِيلَ لِبَقْرِ الوَحْشِ: النَواشِطُ؛ لِأنَّهُنَّ يَذْهَبْنَ بِسُرْعَةٍ مِن مَوْضِعٍ إلى آخَرَ، وقالَ عَطاءٌ: الناشِطاتُ في الآيَةِ: البَقَرَةُ الوَحْشِيَّةُ وما جَرى مَجْراها مِنَ الحَيَوانِ الَّذِي يَنْشَطُ مِن قُطْرٍ إلى قُطْرٍ، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُ الشاعِرِ:

؎ أمْسَتْ هُمُومِي تَنْشِطُ المَناشِطا الشامَ بِي طَوْرًا وطَوْرًا واسِطًا

وكَأنَّ هَذِهِ اللَفْظَةَ في هَذا التَأْوِيلِ مَأْخُوذَةٌ مِنَ النَشاطِ، وقالَ عَطاءٌ أيْضًا وعِكْرِمَةُ: الناشِطاتُ الأوهانُ، تَقُولُ: نَشِطَتِ البَعِيرُ والإنْسانُ إذا رَبَطَتْهُ، وأنْشَطَتْهُ: إذا حَلَلْتَهُ، حَكاهُ الفَرّاءُ وخُولِفَ فِيهِ، ومِنهُ الحَدِيثُ « "كَأنَّما أُنْشِطَ مِن عِقالٍ"،» وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: الناشِطاتُ: النُفُوسُ المُؤْمِنَةُ تَنْشَطُ عِنْدَ المَوْتِ لِلْخُرُوجِ.

والسَبْحُ: العَوْمُ في الماءِ، وقَدْ يُسْتَعْمَلُ مَجازًا في خَرْقِ الهَواءِ والتَقَلُّبِ فِيهِ، واخْتُلِفَ في "السابِحاتِ" في الآيَةِ، فَقالَ قَتادَةُ والحَسَنُ: هي النُجُومُ لِأنَّها تَسْبَحُ في فَلَكٍ، وقالَ عَلِيٌّ ومُجاهِدٌ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هي المَلائِكَةُ لِأنَّها تَتَصَرَّفُ في الآفاقِ بِأمْرِ اللهِ تَعالى، تَجِيءُ وتَذْهَبُ، وقالَ أبُو رَوْقٍ:السابِحاتُ: الشَمْسُ والقَمَرُ واللَيْلُ والنَهارُ، وقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: السابِحاتُ: السَحابُ لِأنَّها كالعائِمَةِ في الهَواءِ، وقالَ عَطاءٌ وجَماعَةٌ: السابِحاتُ: الخَيْلُ، ويُقالُ لِلْفَرَسِ: سابِحٌ، وقالَ آخَرُونَ السابِحاتُ: الحِيتانُ دَوابُّ البَحْرِ فَما دُونَها، وذَلِكَ مِن عَظِيمِ المَخْلُوقاتِ، فَيُرْوى أنَّ اللهَ تَعالى بَثَّ في الدُنْيا ألْفَ نَوْعٍ مِنَ الحَيَوانِ، مِنها أرْبَعُمِائَةٍ في البَرِّ وسِتُّمِائَةٍ في البَحْرِ، وقالَ عَطاءٌ أيْضًا: السابِحاتُ: السُفُنُ، وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: السابِحاتُ: المَنايا تَسْبَحُ في نُفُوسِ الحَيَوانِ.

واخْتَلَفَ الناسُ في "السابِقاتِ"، فَقالَ مُجاهِدٌ: هي المَلائِكَةُ، وقِيلَ: الرِياحُ، وقالَ عَطاءٌ: هي الخَيْلُ، وقِيلَ: النُجُومُ، وقِيلَ: المَنايا تَسْبِقُ الآمالَ، وقالَ الشاعِرُ: (p-٥٢٧)

؎ لا أرى المَوْتَ يَسْبِقُ المَوْتَ شَيْءٌ

وأمّا "المُدَبِّراتُ" فَلا أحْفَظُ خِلافًا أنَّها المَلائِكَةُ، ومَعْناها أنَّها تُدَبِّرُ الأُمُورَ الَّتِي يُسَخِّرُها اللهُ تَعالى وصَرَفَها فِيها كالرِياحِ والسَحابِ وسائِرِ المَخْلُوقاتِ.

قالَ ابْنُ زَيْدٍ: "الراجِفَةُ": الأرْضُ بِأهْلِها، تَهْتَزُّ بِنَفْخَةِ الصُوَرِ الأُولى، وقِيلَ الراجِفَةُ النَفْخَةُ نَفْسُها، و"الرادِفَةُ" النَفْخَةُ الأُخْرى، ويُرْوى أنَّ بَيْنَهُما أرْبَعِينَ سَنَةً، وقالَ عَطاءٌ: الراجِفَةُ القِيامَةُ، والرادِفَةُ البَعْثُ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: "الراجِفَةُ المَوْتُ، والرادِفَةُ الساعَةُ، وقالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: «كانَ النَبِيُّ ﷺ إذا ذَهَبَ رُبْعُ اللَيْلِ قامَ وقالَ: "يا أيُّها الناسُ اذْكُرُوا اللهَ، جاءَتِ الراجِفَةُ، تَتْبَعُها الرادِفَةُ، جاءَ المَوْتُ بِما فِيهِ".»

ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عن قُلُوبٍ تَجِفُ ذَلِكَ اليَوْمَ، أيْ تَرْتَعِدُ خَوْفًا وفَرْقًا مِنَ العَذابِ، ووَجِيفُ القَلْبِ يَكُونُ مِنَ الفَزَعِ ويَكُونُ مِنَ الإشْفاقِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ قَيْسِ بْنِ الخَطِيمِ:

؎ إنَّ بَنِي جَحْجَبى وأُسْرَتَهم ∗∗∗ أكْبادُنا مِن ورائِهِمْ تَجِفُ

ورُفِعَ "قُلُوبٌ" بِالِابْتِداءِ، وجازَ ذَلِكَ وهو نَكِرَةٌ لِأنَّها قَدْ تَخَصَّصَتْ بِقَوْلِهِ تَعالى: "يَوْمَئِذٍ".

(p-٥٢٨)واخْتَلَفَ الناسُ في جَوابِ القِسْمِ، أيْ هُوَ؟ فَقالَ الفَرّاءُ والزَجّاجُ: هو مَحْذُوفٌ دَلَّ الظاهِرُ عَلَيْهِ، تَقْدِيرُهُ: لِتُبْعَثُنَّ أو لِتُعاقَبُنَّ يَوْمَ القِيامَةِ، وقالَ بَعْضُ النُحاةِ: هو في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَن يَخْشى﴾ [النازعات: ٢٦]، وهَذا ضَعِيفٌ لِبُعْدِ القَوْلِ، ولِأنَّ المَعْنى هُنالِكَ يَسْتَحِقُّ "أنْ"، وقالَ آخَرُونَ: هو في قَوْلِهِ تَعالى: "يَوْمَ" عَلى تَقْدِيرِ حَذْفِ اللامِ، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: لِيَوْمٍ، وقالَ آخَرُونَ: هو مَوْجُودٌ في جُمْلَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الراجِفَةُ﴾.... ﴿قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ﴾، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: لِتَجْفُنَ قُلُوبُ يَوْمِ كَذا، ولَمّا دَلَّتِ القُلُوبُ عَلى أصْحابِها ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ أبْصارَها وخُشُوعَها، ذُلَّها وما يَظْهَرُ مِنها مِنَ الهَمِّ بِالحالِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "يَقُولُونَ" هي حِكايَةُ حالِهِمْ في الدُنْيا، مَعْناهُ: هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ، وقَوْلُهُمْ: "أئِنّا" هو عَلى جِهَةِ الِاسْتِخْفافِ والعَجَبِ والتَكْذِيبِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ، وابْنُ يَعْمُرَ: "أِئِنّا" بِهَمْزَتَيْنِ ومُدَّةٍ، عَلى الِاسْتِفْهامِ، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "آئِنّا" بِهَمْزَتَيْنِ ومُدَّةٍ، عَلى الِاسْتِفْهامِ، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "أيِنّا" بِاسْتِفْهامِ وهَمْزَةٍ واحِدَةٍ.

و"الحافِرَةِ" لَفْظَةٌ تُوقِعُها العَرَبُ عَلى أوَّلِ أمْرٍ رَجَعَ إلَيْهِ مِن آخِرِهِ، يُقالُ: عادَ فُلانٌ في الحافِرَةِ إذا ارْتَكَسَ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:

؎ أحافِرَةً عَلى صَلَعٍ وشِيبٍ؟ ∗∗∗ مَعاذَ اللهِ مِن سَفَهٍ وعارٍ

والمَعْنى: أئِنّا لَمَرْدُودُونَ: إلى الحَياةِ بَعْدَ مُفارَقَتِها بِالمَوْتِ، وقالَ مُجاهِدٌ والخَلِيلُ: الحافِرَةُ الأرْضُ، فاعِلَةٌ بِمَعْنى مُفَعْوِلَةٍ، وقِيلَ: بَلْ هو عَلى النَسَبِ، أيْ ذاتُ حَفْرٍ، والمُرادُ القُبُورُ لِأنَّها حُفِرَتْ لِلْمَوْتى، فالمَعْنى: أئِنّا لَمَرْدُودُونَ أحْياءً في قُبُورِنا؟ وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: الحافِرَةُ النارُ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "فِي الحُفْرَةِ" بِغَيْرِ ألِفٍ، فَقِيلَ: هو بِمَعْنى الحافِرَةِ، وقِيلَ: هي الأرْضُ المُنْتِنَةُ المُتَغَيِّرَةُ بِأجْسادِ مَوْتاها، مِن قَوْلِهِمْ: حُفِرَتْ أسْنانُهُ إذا تَأكَلَتْ وتَغَيَرَ رِيحُها.

و"الناخِرَةُ": المُصَوِّتَةُ بِالرِيحِ المُجَوَّفَةُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: (p-٥٢٩)

؎ وأخْلَيْتُها مِن مُخِّها فَكَأنَّها ∗∗∗ قَوارِيرُ في أجْوافِها الرِيحُ تَنْخُرُ

ويُرْوى: تَصْفَرُّ. و"ناخِرَةٌ" هي قِراءَةُ حَمْزَةَ، وعاصِمٍ، في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ - وعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، وابْنِ مَسْعُودٍ، وأُبَيِّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ الزُبَيْرِ، ومَسْرُوقٍ، ومُجاهِدٍ، وجَماعَةٍ سِواهُمْ، وقَرَأ الباقُونَ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ، وعُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ، والحَسَنُ، والأعْرَجُ، وأبُو رَجاءٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وأهْلُ مَكَّةَ، وشِبْلٌ، وقَتادَةُ، وأيُّوبُ، والنَخْعِيُّ، وابْنُ وثّابٍ: "نَخِرَةٍ" دُونَ ألْفٍ بَعْدِ النُونِ، ومَعْناهُ: بالِيَة مُتَعَفِّنَة قَدْ صارَتْ رميمًا، يُقالُ: نَخِر العُود والعَظْم إذا بَلِيَ وصارَ يَتَفَتَّتُ، وحُكِيَ عن أبِي عُبَيْدَةَ، وأبِي حاتِمٍ، والفَرّاءِ، وغَيْرِهِمْ أنَّ الناخِرَةَ والنَخِرَةَ بِمَعْنًى واحِدٍ، كَطامِعٍ وطَمِعٍ، وحاذِرٍ وحَذِرٍ، والأكْثَرُ مِنَ الناسِ عَلى ما قَدَّمْناهُ،قالَ أبُو عَمْرِو بْنِ العَلاءِ: الناخِرَةُ الَّتِي لَمْ تُنْخُرْ بَعْدُ، والنَخِرَةُ الَّتِي قَدْ بَلِيَتْ.

79:12–24Page 583

قَالُواْ تِلۡكَ إِذٗا كَرَّةٌ خَاسِرَةٞ ١٢

They say, "That, then, would be a losing return."1

فَإِنَّمَا هِيَ زَجۡرَةٞ وَٰحِدَةٞ ١٣

Indeed, it will be but one shout,

فَإِذَا هُم بِٱلسَّاهِرَةِ ١٤

And suddenly they will be [alert] upon the earth's surface.

هَلۡ أَتَىٰكَ حَدِيثُ مُوسَىٰٓ ١٥

Has there reached you the story of Moses? -

إِذۡ نَادَىٰهُ رَبُّهُۥ بِٱلۡوَادِ ٱلۡمُقَدَّسِ طُوًى ١٦

When his Lord called to him in the sacred valley of Ṭuwā,

ٱذۡهَبۡ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ إِنَّهُۥ طَغَىٰ ١٧

"Go to Pharaoh. Indeed, he has transgressed.

فَقُلۡ هَل لَّكَ إِلَىٰٓ أَن تَزَكَّىٰ ١٨

And say to him, 'Would you [be willing to] purify yourself

وَأَهۡدِيَكَ إِلَىٰ رَبِّكَ فَتَخۡشَىٰ ١٩

And let me guide you to your Lord so you would fear [Him]?'"

فَأَرَىٰهُ ٱلۡأٓيَةَ ٱلۡكُبۡرَىٰ ٢٠

And he showed him the greatest sign,1

فَكَذَّبَ وَعَصَىٰ ٢١

But he [i.e., Pharaoh] denied and disobeyed.

ثُمَّ أَدۡبَرَ يَسۡعَىٰ ٢٢

Then he turned his back, striving [i.e., plotting].1

فَحَشَرَ فَنَادَىٰ ٢٣

And he gathered [his people] and called out

فَقَالَ أَنَا۠ رَبُّكُمُ ٱلۡأَعۡلَىٰ ٢٤

And said, "I am your most exalted lord."

قوله عزّ وجلّ:

﴿قالُوا تِلْكَ إذًا كَرَّةٌ خاسِرَةٌ﴾ ﴿فَإنَّما هي زَجْرَةٌ واحِدَةٌ﴾ ﴿فَإذا هم بِالساهِرَةِ﴾ ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ مُوسى﴾ ﴿إذْ ناداهُ رَبُّهُ بِالوادِ المُقَدَّسِ طُوًى﴾ ﴿اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾ ﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إلى أنْ تَزَكّى﴾ ﴿وَأهْدِيَكَ إلى رَبِّكَ فَتَخْشى﴾ ﴿فَأراهُ الآيَةَ الكُبْرى﴾ ﴿فَكَذَّبَ وعَصى﴾ ﴿ثُمَّ أدْبَرَ يَسْعى﴾ ﴿فَحَشَرَ فَنادى﴾ ﴿فَقالَ أنا رَبُّكُمُ الأعْلى﴾

ذَكَرَ اللهُ تَعالى عنهم قَوْلَهُمْ: ﴿تِلْكَ إذًا كَرَّةٌ خاسِرَةٌ﴾ وذَلِكَ أنَّهم لِتَكْذِيبِهِمْ بِالبَعْثِ وإنْكارِهِمْ قالُوا: لَوْ كانَ هَذا حَقًّا، لَكانَتْ كَرَّتَنا ورَجْعَتَنا خاسِرَةً؛ وذَلِكَ لَهم إذْ هي النارُ، وقالَ الحَسَنُ: "خاسِرَةٌ" مَعْناهُ: كاذِبَةٌ، أيْ لَيْسَتْ بِكافِيَةٍ، ورُوِيَ أنَّ بَعْضَ صَنادِيدَ قُرَيْشٍ قالَ ذَلِكَ.

ثُمَّ أخْبَرَ اللهُ تَعالى عن حالِ القِيامَةِ فَقالَ: ﴿فَإنَّما هي زَجْرَةٌ واحِدَةٌ﴾، أيْ: نَفْخَةٌ في الصُوَرِ، فَإذا الناسُ قَدْ نَشَرُوا وصارُوا أحْياءً عَلى وجْهِ الأرْضِ، وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللهِ:

(p-٥٣٠) "فَإنَّما هي رِقَّةٌ واحِدَةٌ"، و"الساهِرَةُ" وجْهُ الأرْضِ، ومِنهُ قَوْلُ أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَلْتِ:

؎ وفِيها لَحْمُ ساهِرَةٍ وبَحْرٌ وما فاهُوا بِهِ لَهم مُقِيمُ

وقالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهْ: الساهِرَةُ جَبَلٌ بِالشامِ يَمُدُّهُ اللهُ تَعالى لِحَشْرِ الناسِ يَوْمَ القِيامَةِ كَيْفَ شاءَ، وقالَ أبُو العالِيَةِ وسُفْيانُ: الساهِرَةُ أرْضُ مَكَّةَ، وقالَ الزُهْرِيُّ: "الساهِرَةُ" الأرْضُ كُلُّها.

ثُمَّ وقَّفَ تَعالى نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ عَلى جِهَةِ جَمْعِ النَفْسِ لِتَلَقِّي الحَدِيثِ، فَقالَ تَعالى: ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ مُوسى﴾ الآيَةُ. و"الوادِي المُقَدَّسِ" وادٍ بِالشامِ، قالَ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ: هو بَيْنَ المَدِينَةِ ومِصْرَ، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، والأعْمَشُ، وابْنُ إسْحاقَ، وقُعْنُبُ"طَوى" بِكَسْرِ الطاءِ مُنَوَّنَةً، ورُوِيَتْ عن عاصِمٍ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "طَوى" بِضَمِّ الطاءِ، وأجْرى بَعْضُ القُرّاءِ "طَوى" وتَرَكَ إجْراءَهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، ونافِعٌ، والحَسَنُ، وجَماعَةٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ اللَفْظَةِ في سُورَةِ طه.

وقَوْلُهُ تَعالى: "اذْهَبْ" تَفْسِيرُ النِداءِ الَّذِي ناداهُ بِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: قالَ لَهُ اذْهَبْ، وفي هَذِهِ الألْفاظِ اسْتِدْعاءٌ حَسَنٌ، وذَلِكَ أنَّهُ أمَرَ أنْ يَقُولَ لَهُ: ﴿هَلْ لَكَ إلى أنْ تَزَكّى﴾، وهَذا قَوْلُ جَوابِ كُلِّ عاقِلٍ عِنْدَهُ: نَعَمْ أُرِيدُ أنْ أتَزَكّى، والتَزَكِّي هو التَطَهُّرُ مِنَ النَقائِصِ والتَلَبُّسِ بِالفَضائِلِ، وفَسَّرَ بَعْضُهم "تَزَكّى" بِـ "تُسْلِمُ"، وفَسَّرَها بَعْضُهم بِقَوْلِ "لا إلَهَ إلّا اللهُ"، وهَذا تَخْصِيصٌ، وما ذَكَرْناهُ يَعُمُّ كُلَّ هَذا، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو -بِخِلافٍ عنهُ-: "تَزَّكّى" بِشَدِّ الزايِ، وقَرَأ الباقُونَ: "تَزَكّى" بِتَخْفِيفِ الزايِ.

ثُمَّ أمَرَ "اللهُ تَعالى" مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ بِأنْ يُفَسِّرَ لَهُ التَزَكِّي الَّذِي دَعاهُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (p-٥٣١)"وَأهْدِيَكَ إلى رَبِّكَ فَتَخْشى"، والعِلْمُ تابِعٌ لِلْهُدى، والخَشْيَةُ تابِعَةٌ لِلْعِلْمِ، ﴿إنَّما يَخْشى اللهَ مِن عِبادِهِ العُلَماءُ﴾ [فاطر: ٢٨].

"والآيَةُ الكُبْرى" العَصا واليَدُ، قالَهُ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ، وهُما قَصَبُ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ لِلتَّحَدِّي، فَوَقَعَتِ المُعارَضَةُ في الواحِدَةِ وانْغَلَبَ فِيها فَرِيقُ الباطِلِ. وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: "أدْبَرَ يَسْعى" حَقِيقَةً، قامَ مِن مَوْضِعِهِ مُوَلِّيًا فارًّا بِنَفْسِهِ مِن مُجالَسَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، وقالَ الجُمْهُورُ: "أدْبَرَ" كِنايَةٌ عن إعْراضِهِ عَنِ الإيمانِ، و"يَسْعى" مَعْناهُ: يَجْتَهِدُ عَلى أمْرِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ والرَدِّ في وجْهِ شَرْعِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "فَحَشَرَ" مَعْناهُ: جَمَعَ أهْلَ مَمْلَكَتِهِ، ثُمَّ ناداهم بِقَوْلِهِ: ﴿أنا رَبُّكُمُ الأعْلى﴾ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: المَعْنى: فَنادى فَحَشَرَ، وقَوْلُهُ: ﴿أنا رَبُّكُمُ الأعْلى﴾ نِهايَةٌ في المُخْرِقَةِ، ونَحْوُها باقٍ في مُلُوكِ مِصْرَ وأتْباعِهِمْ.

79:25–36Page 584

فَأَخَذَهُ ٱللَّهُ نَكَالَ ٱلۡأٓخِرَةِ وَٱلۡأُولَىٰٓ ٢٥

So Allāh seized him in exemplary punishment for the last and the first [transgression].1.

إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبۡرَةٗ لِّمَن يَخۡشَىٰٓ ٢٦

Indeed in that is a lesson [i.e., warning] for whoever would fear [Allāh].

ءَأَنتُمۡ أَشَدُّ خَلۡقًا أَمِ ٱلسَّمَآءُۚ بَنَىٰهَا ٢٧

Are you a more difficult creation or is the heaven? He [i.e., Allāh] constructed it.

رَفَعَ سَمۡكَهَا فَسَوَّىٰهَا ٢٨

He raised its ceiling and proportioned it.

وَأَغۡطَشَ لَيۡلَهَا وَأَخۡرَجَ ضُحَىٰهَا ٢٩

And He darkened its night and extracted its brightness.1

وَٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ ذَٰلِكَ دَحَىٰهَآ ٣٠

And after that He spread the earth.

أَخۡرَجَ مِنۡهَا مَآءَهَا وَمَرۡعَىٰهَا ٣١

He extracted from it its water and its pasture,

وَٱلۡجِبَالَ أَرۡسَىٰهَا ٣٢

And the mountains He set firmly

مَتَٰعٗا لَّكُمۡ وَلِأَنۡعَٰمِكُمۡ ٣٣

As enjoyment [i.e., provision] for you and your grazing livestock.

فَإِذَا جَآءَتِ ٱلطَّآمَّةُ ٱلۡكُبۡرَىٰ ٣٤

But when there comes the greatest Overwhelming Calamity1 -

يَوۡمَ يَتَذَكَّرُ ٱلۡإِنسَٰنُ مَا سَعَىٰ ٣٥

The Day when man will remember that for which he strove,

وَبُرِّزَتِ ٱلۡجَحِيمُ لِمَن يَرَىٰ ٣٦

And Hellfire will be exposed for [all] those who see -

قوله عزّ وجلّ:

﴿فَأخَذَهُ اللهُ نَكالَ الآخِرَةِ والأُولى﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَن يَخْشى﴾ ﴿أأنْتُمْ أشَدُّ خَلْقًا أمِ السَماءُ بَناها﴾ ﴿رَفَعَ سَمْكَها فَسَوّاها﴾ ﴿وَأغْطَشَ لَيْلَها وأخْرَجَ ضُحاها﴾ ﴿والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها﴾ ﴿أخْرَجَ مِنها ماءَها ومَرْعاها﴾ ﴿والجِبالَ أرْساها﴾ ﴿مَتاعًا لَكم ولأنْعامِكُمْ﴾ ﴿فَإذا جاءَتِ الطامَّةُ الكُبْرى﴾ ﴿يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الإنْسانُ ما سَعى﴾ ﴿وَبُرِّزَتِ الجَحِيمُ لِمَن يَرى﴾

"نَكالَ" مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِ، وقالَ قَوْمٌ: "الآخِرَةَ" قَوْلُهُ: ﴿ما عَلِمْتُ لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨]، و"الأُولى" قَوْلُهُ: ﴿أنا رَبُّكُمُ الأعْلى﴾ [النازعات: ٢٤]، ورُوِيَ أنَّهُ مَكَثَ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿أنا رَبُّكُمُ الأعْلى﴾ [النازعات: ٢٤] أرْبَعِينَ سَنَةً، وقِيلَ: كانَتْ هَذِهِ المُدَّةُ بَيْنَ الكَلِمَتَيْنِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "الأُولى" قَوْلُهُ: ﴿ما عَلِمْتُ لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨]، و"الآخِرَةِ" قَوْلُهُ: ﴿أنا رَبُّكُمُ الأعْلى﴾ [النازعات: ٢٤]، وقالَ أبُو رُزَيْنٍ: الأُولى كُفْرُهُ وعِصْيانُهُ، والآخِرَةُ قَوْلُهُ: ﴿أنا رَبُّكُمُ الأعْلى﴾ [النازعات: ٢٤] وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الأُولى الدُنْيا، والآخِرَةُ الدارُ الآخِرَةِ، أيْ: أخَذَهُ اللهُ تَعالى بِعَذابِ جَهَنَّمَ وبِالغَرَقِ في الدُنْيا، وقالَ مُجاهِدٌ: عِبارَةٌ عن أوَّلِ مَعاصِيهِ وكُفْرِهِ وآخِرِها، أيْ نَكَلَ بِالجَمِيعِ، (p-٥٣٢)وَ"نَكالَ" نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ، والعامِلُ فِيهِ عَلى رَأْيِ سِيبَوَيْهِ "أخَذَ"؛ لِأنَّهُ في مَعْناهُ، وعَلى رَأْيِ أبِي العَبّاسِ المُبَرِّدِ فِعْلٌ مُضْمَرٌ مِن لَفْظِ "نَكالَ"، كَأنَّهُ قالَ: نَكَّلَهُ نَكالَ.

ثُمَّ وقَفَ تَعالى عَلى مَوْضِعِ العِبْرَةِ بِحالِ فِرْعَوْنَ، وتَعْذِيبِهِ، وفي الكَلامِ وعِيدٌ لِلْكُفّارِ المُخاطَبِينَ بِرِسالَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، ثُمَّ وقَّفَهم مُخاطَبَةً مِنهُ تَعالى لِجَمِيعِ العالَمِ، والمَقْصِدُ الكَفّارُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ: "ءأنْتُمْ أشَدُّ خَلْقًا" الآيَةُ. وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ بَعْثَ الأجْسادِ مِنَ القُبُورِ لا يَتَعَذَّرُ عَلى قُدْرَةِ اللهِ تَعالى، و"السُمْكُ" الِارْتِفاعُ الَّذِي بَيْنَ سَطْحِ السَماءِ الأسْفَلِ الَّذِي يَلِينا وبَيْنَ سَطْحِها الأعْلى الَّذِي يَلِي ما فَوْقَها، وقَوْلُهُ تَعالى: "فَسَوّاها" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: خَلَقَها مَلْساءَ مُسْتَوِيَةً لَيْسَ فِيها مُرْتَفَعٌ ومُنْخَفَضٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عِبارَةً عن إتْقانِ خَلْقِها، ولا يُقْصَدُ مَعْنى إمْلاسِ سَطْحِها، واللهُ تَعالى أعْلَمُ كَيْفَ هي.

و"أغْطَشَ" مَعْناهُ: أظْلَمُ، والأغْطَشُ: الأعْمى، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:

؎ نَحَرْتُ لَهم مُوهِنًا ناقَتِي ولَيْلُهم مُدْلَهِمٌّ غَطْشُ

ونَسَبَ اللَيْلَ والضُحى إلَيْها مِن حَيْثُ هُما ظاهِرانِ مِنها وفِيها.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها﴾ مُتَوَجِّهٌ عَلى أنَّ اللهَ تَعالى خَلَقَ الأرْضَ ولَمْ يَدَحْها، ثُمَّ اسْتَوى إلى السَماءِ وهي دُخانٌ فَخَلَقَها وبَناها، ثُمَّ دَحا الأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ، وقَرَأ مُجاهِدٌ: و"الأرْضَ مَعَ ذَلِكَ"، وقالَ قَوْمٌ: إنَّ "بَعْدَ ذَلِكَ" مَعْناهُ: مَعَ ذَلِكَ، والَّذِي قُلْناهُ مُتَرَتِّبٌ عَلَيْهِ آياتُ القُرْآنِ كُلُّها، ونَسَبَ الماءَ والمَرْعى إلى الأرْضِ مِن حَيْثُ هُما مِنها يَظْهَرانِ، ودَحْوُ الأرْضِ: بَسْطُها، ومِنهُ قَوْلُ أُمِّيَّةَ بْنِ أبِي الصَلْتِ:

؎ دارٌ دَحاها ثُمَّ أسْكَنَنا بِها ∗∗∗ وأقامَ بِالأُخْرى الَّتِي هي أمْجَدُ

(p-٥٣٣)وَقَرَأ الجُمْهُورُ: "والأرْضَ" نَصْبًا، وقَرَأ الحَسَنُ، وعِيسى: "والأرْضُ" بِالرَفْعِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: و"الجِبالَ أرْساها" نَصْبًا، وقَرَأ الحَسَنُ، وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ: "والجِبالُ" رَفْعًا، و"أرْساها" مَعْناهُ: أثْبَتَها، وجَمَعَ هَذِهِ النِعَمَ إذا تَدَبَّرَتْ فَهي مَتاعٌ لِلنّاسِ و"الأنْعامَ"، يَتَمَتَّعُونَ فِيها وبِها، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "مَتاعًا" بِالنَصْبِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "مَتاعٌ" بِالرَفْعِ.

و"الطامَّةُ الكُبْرى" هي القِيامَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَحّاكُ، وقالَ الحَسَنُ، وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: النَفْخَةُ الثانِيَةُ، وقَوْلُهُ تَعالى: "ما سَعى" مَعْناهُ: ما عَمِلَ مِن سائِرِ عَمَلِهِ، ويَتَذَكَّرُ ذَلِكَ بِما يَرى مِن جَزائِهِ. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَبُرِّزَتْ" بِضَمِّ الباءِ وشَدِّ الراءِ المَكْسُورَةِ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ، ومالِكُ بْنُ دِينارٍ، وعائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها: "وَبَرَزَتْ" بِفَتْحِ الباءِ والراءِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "لِمَن يَرى" بِالياءِ أيْ: لِمَن يُبْصِرُ ويَحْصُلُ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ، ومالِكُ بْنُ دِينارٍ، وعائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها: "لِمَن تَرى" بِالتاءِ أيْ: تَراهُ أنْتَ يا مُحَمَّدُ، فالإشارَةُ إلى كُفّارِ مَكَّةَ، أو إشارَةً إلى الناسِ والقَصْدُ كُفّارُ مَكَّةَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: لِمَن تَراهُ الجَحِيمُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿إذا رَأتْهم مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ [الفرقان: ١٢]، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "لِمَن رَأى" عَلى فِعْلٍ ماضٍ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском