Ibn 'Atiyya · Tafsir · in Arabic
الفرقان
Al-Furqan
The Criterion · Meccan · 77 ayahs
25:1–3Page 359
تَبَارَكَ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلۡفُرۡقَانَ عَلَىٰ عَبۡدِهِۦ لِيَكُونَ لِلۡعَٰلَمِينَ نَذِيرًا ١
Blessed is He who sent down the Criterion upon His Servant that he may be to the worlds a warner -
ٱلَّذِي لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَلَمۡ يَتَّخِذۡ وَلَدٗا وَلَمۡ يَكُن لَّهُۥ شَرِيكٞ فِي ٱلۡمُلۡكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيۡءٖ فَقَدَّرَهُۥ تَقۡدِيرٗا ٢
He to whom belongs the dominion of the heavens and the earth and who has not taken a son and has not had a partner in dominion and has created each thing and determined it with [precise] determination.
وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِۦٓ ءَالِهَةٗ لَّا يَخۡلُقُونَ شَيۡـٔٗا وَهُمۡ يُخۡلَقُونَ وَلَا يَمۡلِكُونَ لِأَنفُسِهِمۡ ضَرّٗا وَلَا نَفۡعٗا وَلَا يَمۡلِكُونَ مَوۡتٗا وَلَا حَيَوٰةٗ وَلَا نُشُورٗا ٣
But they have taken besides Him gods which create nothing, while they are created, and possess not for themselves any harm or benefit and possess not [power to cause] death or life or resurrection.
(p-٤١٦)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ الفُرْقانِ
هَذِهِ السُورَةُ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، وقالَ الضِحاكُ: هي مَدَنِيَّةٌ، وفِيها آياتٌ مَكِّيَّةٌ، قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إلَهًا آخَرَ﴾ [الفرقان: ٦٨] الآياتُ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا﴾ ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَماواتِ والأرْضِ ولَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا ولَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ في المُلْكِ وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ ﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهم يَخْلُقُونَ ولا يَمْلِكُونَ لأنْفُسِهِمْ ضَرًّا ولا نَفْعًا ولا يَمْلِكُونَ مَوْتًا ولا حَياةً ولا نُشُورًا﴾
"تَبارَكَ" وزْنُهُ تَفاعَلَ، وهو فِعْلٌ مُضارِعٌ. "بارَكَ"، مِنَ البَرَكَةِ، و"بارَكَ" فاعِلٌ مِن واحِدٍ، مَعْناهُ: زادَ، و"تَبارَكَ" فِعْلٌ مُخْتَصٌّ بِاللهِ تَعالى، لَمْ يُسْتَعْمَلْ في غَيْرِهِ، ولِذَلِكَ لَمْ يُصْرَفْ مِنهُ مُسْتَقْبَلٌ، ولا اسْمُ فاعِلٍ، وهو صِفَةُ فِعْلٍ، أيْ: كَثُرَتْ بَرَكاتُهُ، ومِن جُمْلَتِها إنْزالُ كِتابِهِ الَّذِي هو الفُرْقانَ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ. وصَدْرُ هَذِهِ الآيَةِ إنَّما هو رَدٌّ عَلى مَقالاتٍ كانَتْ لِقُرَيْشٍ، فَمِن جُمْلَتِها قَوْلُهُمْ: "إنِ القُرْآنَ افْتَراهُ مُحَمَّدٌ، وإنَّهُ لَيْسَ مِن عِنْدِ اللهِ"، فَهو رَدٌّ عَلى هَذِهِ المَقالاتِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "عَلى عَبْدِهِ"، وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ الزُبَيْرِ: "عَلى عِبادِهِ"، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "لِيَكُونَ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، وهو عَبْدُهُ المَذْكُورُ، وهَذا تَأْوِيلُ ابْنِ (p-٤١٧)زَيْدٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلْقُرْآنِ، وأمّا عَلى قِراءَةِ ابْنِ الزُبَيْرِ فَهو لِلْقُرْآنِ، لا يَحْتَمِلُ غَيْرَ ذَلِكَ إلّا بِكُرْهٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِلْعالَمِينَ﴾ عامٌّ في كُلِّ إنْسِيٍّ وجِنِّيٍّ، عاصَرَهُ أو جاءَ بَعْدَهُ، وهو مُؤَيَّدٌ مِن غَيْرِ ما مَوْضِعٍ مِنَ الحَدِيثِ المُتَواتِرِ وظاهِرِ الآياتِ. و"النَذِيرُ": المُحَذِّرُ مِنَ الشَرِّ، والرَسُولُ مِن عِنْدِ اللهِ نَذِيرٌ، وقَدْ يَكُونُ نَذِيرًا لَيْسَ بِرَسُولٍ، كَما رُوِيَ في ذِي القَرْنَيْنِ، وكَما ورَدَ في رُسُلِ رَسُولِ اللهِ ﷺ إلى الجِنِّ، فَإنَّهم نُذُرٌ ولَيْسُوا بِرُسُلٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَماواتِ والأرْضِ﴾ الآيَةُ، هي مِنَ الرَدِّ عَلى قُرَيْشٍ في قَوْلِهِمْ: "إنَّ لِلَّهِ شَرِيكًا"، وفي قَوْلِهِمْ: "اتَّخَذَ البَناتِ"، وفي قَوْلِهِمْ في التَلْبِيَةِ: "إلّا شَرِيكٌ هو لَكَ". وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ عامٌّ في كُلِّ مَخْلُوقٍ، وتَقْدِيرُ الأشْياءِ هو حَدُّها بِالأمْكِنَةِ والأزْمانِ والمَقادِيرِ والمَصْلَحَةِ والإتْقانِ.
ثُمْ عَقَّبَ تَعالى ذِكْرَ هَذِهِ الصِفاتِ الَّتِي هي لِلْأُلُوهِيَّةِ بِالطَعْنِ عَلى قُرَيْشٍ في اتِّخاذِهِمْ آلِهَةً لَيْسَتْ لَهم هَذِهِ الصِفاتُ، فالعَقْلُ يُعْطِي أنَّهم لَيْسُوا بِآلِهَةٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهم يُخْلَقُونَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: يَخْلُقُهُمُ اللهُ بِالِاخْتِراعِ والإيجادِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: يَخْلُقُهُمُ البَشَرُ بِالنَحْتِ والنِجارَةِ، وهَذا التَأْوِيلُ أشَدُّ إبْداءً لِخَساسَةِ الأصْنامٍ، وخَلْقُ البَشَرِ يَجُوزُ، ولَكِنَّ العَرَبَ تَسْتَعْمِلُهُ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ:
؎ ولَأنْتَ تَفْرِي ما خَلَقْتَ وبَعْـ ـضُ القَوْمِ يَخْلُقُ ثُمْ لا يَفْرِي
وهَذا مِن: خَلَقْتُ الجَلْدَ، إذا عَمِلْتُ فِيهِ رُسُومًا يُقْطَعُ عَلَيْها، فالفَرْيُ هو أنْ يَقْطَعَ عَلى تَرْكِ الرُسُومِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَوْتًا ولا حَياةً﴾ يُرِيدُ: إماتَةً ولا إحْياءً، و"النُشُورُ": بَعْثُ الناسِ مِنَ القُبُورِ.
25:4–6Page 360
وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّآ إِفۡكٌ ٱفۡتَرَىٰهُ وَأَعَانَهُۥ عَلَيۡهِ قَوۡمٌ ءَاخَرُونَۖ فَقَدۡ جَآءُو ظُلۡمٗا وَزُورٗا ٤
And those who disbelieve say, "This [Qur’ān] is not except a falsehood he invented, and another people assisted him in it." But they have committed an injustice and a lie.
وَقَالُوٓاْ أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ ٱكۡتَتَبَهَا فَهِيَ تُمۡلَىٰ عَلَيۡهِ بُكۡرَةٗ وَأَصِيلٗا ٥
And they say, "Legends of the former peoples which he has written down, and they are dictated to him morning and afternoon."
قُلۡ أَنزَلَهُ ٱلَّذِي يَعۡلَمُ ٱلسِّرَّ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ إِنَّهُۥ كَانَ غَفُورٗا رَّحِيمٗا ٦
Say, [O Muḥammad], "It has been revealed by He who knows [every] secret within the heavens and the earth. Indeed, He is ever Forgiving and Merciful."
(p-٤١٨)قوله عزّ وجلّ:
﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلا إفْكٌ افْتَراهُ وأعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جاءُوا ظُلْمًا وزُورًا﴾ ﴿وَقالُوا أساطِيرُ الأوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهي تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وأصِيلا﴾ ﴿قُلْ أنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِرَّ في السَماواتِ والأرْضِ إنَّهُ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾
المُرادُ بِـ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قُرَيْشٌ، وذَلِكَ أنْ بَعْضَهم قالُوا: هَذا كَذِبٌ افْتَراهُ مُحَمَّدٌ، واخْتَلَفَ الناسُ في المُعِينِينَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ -عَلى زَعْمِ قُرَيْشٍ - فَقالَ مُجاهِدٌ: أشارُوا إلى قَوْمٍ مِنَ اليَهُودِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: أشارُوا إلى عَبِيدٍ كانُوا لِلْعَرَبِ مِنَ الفَرَسِ، أحَدُهم أبُو فَكِيهَةٍ مَوْلى الحَضْرَمِيِّينَ، وجَبْرٌ، ويَسارٌ، وعَدّاسٌ، وغَيْرُهم. ثُمْ أخْبَرَ اللهُ تَعالى عنهم أنَّهم ما جاؤُوا إلّا إثْمًا وزُورًا، أيْ: ما قالُوا إلّا بُهْتانًا وزُورًا. و"الزُورُ": تَحْسِينُ الباطِلِ، هَذا عُرْفُهُ، وأصْلُهُ التَحْسِينُ مُطْلَقًا، ومِنهُ قَوْلُ عَمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ: " فَأرَدْتُ أنْ أُقَدِّمْ بَيْنَ يَدَيْ أبِي بَكْرٍ مَقالَةً كُنْتُ زَوَّرْتُها".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالُوا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْنِي بِذَلِكَ قَوْلَ النَضْرِ بْنِ الحارِثِ، وذَلِكَ أنَّهم قالُوا: كُلُّ ما في القُرْآنِ مِن ذِكْرِ أساطِيرِ الأوَّلِينَ فَإنَّما هو بِسَبَبِ النَضِرِ بْنِ الحارِثِ المَشْهُورِ في ذَلِكَ. ثُمْ رَمَوْا مُحَمَّدًا ﷺ بِأنَّهُ اكْتَتَبَها. وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "اكْتُتِبَها" بِضَمِّ التاءِ الأُولى وكَسْرِ الثانِيَةِ، عَلى مَعْنى: اكْتُتِبَتْ لَهُ، ذَكَرَها أبُو الفَتْحِ. وقَرَأ طَلْحَةُ: "تُتْلى" بِتاءٍ بَدَلَ المِيمِ. ثُمْ أمَرَ اللهُ تَعالى أنْ يَقُولَ: الَّذِي أنْزَلَهُ هو اللهُ الَّذِي يَعْلَمُ سِرَّ جَمِيعِ الأشْياءِ الَّتِي في السَماواتِ والأرْضِ، ثُمْ أعْلَمَ بِأنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ لِيُرْجِيَ كُلُّ سامِعٍ في عَفْوِهِ ورَحْمَتِهِ مَعَ التَوْبَةِ والإنابَةِ، والمَعْنى أنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ في إبْقائِهِ عَلى أهْلِ هَذِهِ المَقالاتِ والكَفْرِ لَعَلَّهم أنْ يُؤْمِنُوا.
25:7–10Page 360
وَقَالُواْ مَالِ هَٰذَا ٱلرَّسُولِ يَأۡكُلُ ٱلطَّعَامَ وَيَمۡشِي فِي ٱلۡأَسۡوَاقِ لَوۡلَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِ مَلَكٞ فَيَكُونَ مَعَهُۥ نَذِيرًا ٧
And they say, "What is this messenger that eats food and walks in the markets? Why was there not sent down to him an angel so he would be with him a warner?
أَوۡ يُلۡقَىٰٓ إِلَيۡهِ كَنزٌ أَوۡ تَكُونُ لَهُۥ جَنَّةٞ يَأۡكُلُ مِنۡهَاۚ وَقَالَ ٱلظَّٰلِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلٗا مَّسۡحُورًا ٨
Or [why is not] a treasure presented to him [from heaven], or does he [not] have a garden from which he eats?" And the wrongdoers say, "You follow not but a man affected by magic."
ٱنظُرۡ كَيۡفَ ضَرَبُواْ لَكَ ٱلۡأَمۡثَٰلَ فَضَلُّواْ فَلَا يَسۡتَطِيعُونَ سَبِيلٗا ٩
Look how they strike for you comparisons;1 but they have strayed, so they cannot [find] a way.
تَبَارَكَ ٱلَّذِيٓ إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ خَيۡرٗا مِّن ذَٰلِكَ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ وَيَجۡعَل لَّكَ قُصُورَۢا ١٠
Blessed is He who, if He willed, could have made for you [something] better than that - gardens beneath which rivers flow - and could make for you palaces.
(p-٤١٩)قوله عزّ وجلّ:
﴿وَقالُوا مالِ هَذا الرَسُولِ يَأْكُلُ الطَعامَ ويَمْشِي في الأسْواقِ لَوْلا أُنْزِلَ إلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ ﴿أو يُلْقى إلَيْهِ كَنْزٌ أو تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنها وقالَ الظالِمُونَ إنْ تَتَّبِعُونَ إلا رَجُلا مَسْحُورًا﴾ ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلا﴾ ﴿تَبارَكَ الَّذِي إنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِن ذَلِكَ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ويَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾
الضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "قالُوا" لِقُرَيْشٍ، وذَلِكَ أنَّهم كانَ لَهم مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ مَجْلِسٌ مَشْهُودٌ، ذَكَرَهُ ابْنُ إسْحاقَ في السِيَرِ، وغَيْرِهِ، مُضْمَنُهُ أنَّ سادَتَهم عُتْبَةَ وغَيْرَهُ- اجْتَمَعُوا مَعَهُ، فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ، إنْ كُنْتَ تُحِبُّ الرِياسَةَ ولَّيْناكَ عَلَيْنا، وإنْ كُنْتَ تُحِبُّ المالَ جَمَعْنا لَكَ مِن أمْوالِنا. فَلَمّا أبى رَسُولُ اللهِ ﷺ رَجَعُوا في بابِ الِاحْتِجاجِ عَلَيْهِ، فَقالُوا لَهُ: ما بالُكَ -وَأنْتَ رَسُولٌ مِنَ اللهِ- تَأْكُلُ الطَعامَ، وتَقِفُ بِالأسْواقِ تُرِيدُ التِماسَ الرِزْقِ؟ أيْ: مَن كانَ رَسُولَ اللهِ مُسْتَغْنٍ عن جَمِيعِ ذَلِكَ، ثُمْ قالُوا لَهُ: سَلْ رَبَّكَ أنْ يَنْزِلَ مَعَكَ مَلَكًا يُنْذِرَ مَعَكَ، أو يُلْقِي إلَيْكَ كَنْزًا تُنْفِقُ مِنهُ، أو يَرُدُّ لَكَ جِبالَ مَكَّةَ ذَهَبًا، أو تُزالُ الجِبالُ ويَكُونُ مَكانَها جَنّاتٌ تَطَّرِدُ فِيها المِياهُ، وأشاعُوا هَذِهِ المُحاجَّةِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
وكُتِبَتِ اللامُ مُفْرَدَةً مِن قَوْلِهِمْ: "مالِ هَذا" إمّا لَأنَّ عَلى المُصْحَفِ قَطْعَ لَفْظِهِ فاتَّبَعَهُ الكاتِبُ؛ وإمّا لَأنَّهم رَأوا أنَّ حُرُوفَ الجَرِّ بِإنْهاءِ الِاتِّصالِ، نَحْوَ مِن، وفِي، وعن، وعَلى. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمْ، وابْنُ عامِرٍ: "يَأْكُلُ مِنها" بِالياءِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ "نَأْكُلُ" بِالنُونِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ وثّابٍ، وابْنُ مُصَرِّفٍ، وسُلَيْمانُ بْنُ مِهْرانَ. ثُمْ أخْبَرَ تَعالى عنهم -وَهُمُ الظالِمُونَ الَّذِينَ أُشِيرُ إلَيْهِمْ- أنَّهم (p-٤٢٠)قالُوا -حِينَ يَئِسُوا مِن مُحَمَّدٍ ﷺ-: ﴿إنْ تَتَّبِعُونَ إلا رَجُلا مَسْحُورًا﴾، يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِنَ السِحْرِ وهي الرِئَةُ، فَكَأنَّهم ذَهَبُوا إلى تَحْقِيرِهِ، أيْ: رَجُلٌ مِنكم في الخِلْقَةِ، ذَكَرَهُ مَكِّيٌّ وغَيْرُهُ. ثُمْ نَبَّهَهُ اللهُ تَعالى مُسَلِّيًا عن مَقالَتِهِمْ فَقالَ: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثالَ فَضَلُّوا﴾، أيْ: أخْطَؤُوا الطَرِيقَ فَلا يَجِدُونَ سَبِيلًا لِهِدايَةٍ، ولا يُطِيقُونَهُ لِتَلَبُّسِهِمْ بِضِدِّهِ مِنَ الضَلالِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَبارَكَ الَّذِي﴾ الآيَةُ، رُجُوعٌ بِأُمُورِ مُحَمَّدٍ ﷺ إلى اللهِ، أيْ: هَذِهِ جِهَتُكَ، لا هَؤُلاءِ الضالُّونَ في أمْرِكَ، والإشارَةُ بِـ "ذَلِكَ" قالَ مُجاهِدٌ: هي إلى ما ذَكَرَهُ الكُفّارُ مِنَ الكَنْزِ والجَنَّةِ في الدُنْيا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هي إلى أكْلِهِ الطَعامَ ومَشْيِهِ في الأسْواقِ، وقالَ الطَبَرِيُّ: والأوَّلُ أظْهَرُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
لَأنَّ التَأْوِيلَ الثانِيَ يُوهِمْ أنَّ الجَنّاتِ والقُصُورَ الَّتِي في هَذِهِ الآيَةِ -وَهَذا تَأْوِيلُ الثَعْلَبِيِّ وغَيْرِهِ- يَرُدُّهُ قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالساعَةِ﴾ [الفرقان: ١١]، والكُلُّ مُحْتَمَلٌ.
وقَرَأ عاصِمْ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ وحَفْصٍ، ونافِعٌ، وأبِي عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "وَيَجْعَلْ" بِالجَزْمِ، عَلى العَطْفِ عَلى مَوْضِعِ الجَوابِ في قَوْلِهِ: "جَعَلَ"؛ لَأنَّ التَقْدِيرَ: إنْ يَشَأْ يَجْعَلْ. وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عن عاصِمْ أيْضًا، وابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ: "وَيَجْعَلُ" بِالرَفْعِ والِاسْتِئْنافِ، وهي قِراءَةُ مُجاهِدٍ، ووَجْهُهُ العَطْفُ عَلى المَعْنى في قَوْلِهِ: "جَعَلَ"؛ لَأنَّ جَوابَ الشَرْطِ هو مَوْضِعُ اسْتِئْنافٍ، ألّا تَرى أنَّ الجَمَلَ مِنَ الِابْتِداءِ والخَبَرِ قَدْ تَقَعُ مَوْقِعَ جَوابِ الشَرْطِ؟ وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُوسى، وطَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمانَ: "وَيَجْعَلَ" بِالنَصْبِ، (p-٤٢١)وَهِيَ عَلى تَقْدِيرِ "أنْ" في صَدْرِ الكَلامِ، قالَ أبُو الفَتْحِ: هي عَلى جَوابِ الجَزاءِ، قالُوا: وهي قِراءَةٌ ضَعِيفَةٌ، وأدْغَمَ الأعْرَجُ [جَعْلَ لَكَ] و"يَجْعَلْ لَكَ"، ورَوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ مُحَيْصِنٍ.
و"القُصُورُ": البُيُوتُ المَبْنِيَّةُ بِالجُدْرانِ، قالَهُ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ، فَكانَتِ العَرَبُ تُسَمِّي ما كانَ مِنَ الشَعْرِ والصُوفِ والقَصَبِ بَيْتًا، وتُسَمِّي ما كانَ بِالجُدْرانِ قَصْرًا؛ لَأنَّهُ قَصَّرَ عَنِ الداخِلِينَ.
25:11–14Page 360
بَلۡ كَذَّبُواْ بِٱلسَّاعَةِۖ وَأَعۡتَدۡنَا لِمَن كَذَّبَ بِٱلسَّاعَةِ سَعِيرًا ١١
But they have denied the Hour, and We have prepared for those who deny the Hour a Blaze.
إِذَا رَأَتۡهُم مِّن مَّكَانِۭ بَعِيدٖ سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظٗا وَزَفِيرٗا ١٢
When it [i.e., the Hellfire] sees them from a distant place, they will hear its fury and roaring.
وَإِذَآ أُلۡقُواْ مِنۡهَا مَكَانٗا ضَيِّقٗا مُّقَرَّنِينَ دَعَوۡاْ هُنَالِكَ ثُبُورٗا ١٣
And when they are thrown into a narrow place therein bound in chains, they will cry out thereupon for destruction.
لَّا تَدۡعُواْ ٱلۡيَوۡمَ ثُبُورٗا وَٰحِدٗا وَٱدۡعُواْ ثُبُورٗا كَثِيرٗا ١٤
[They will be told], "Do not cry this Day for one destruction but cry for much destruction."
قوله عزّ وجلّ:
﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالساعَةِ وأعْتَدْنا لِمَن كَذَّبَ بِالساعَةِ سَعِيرًا﴾ ﴿إذا رَأتْهم مِن مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظًا وزَفِيرًا﴾ ﴿وَإذا أُلْقُوا مِنها مَكانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُورًا﴾ ﴿لا تَدْعُوا اليَوْمَ ثُبُورًا واحِدًا وادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾
المَعْنى: لَيْسَ يُهِمْ في تَكْذِيبِكَ ومَشْيِكَ في الأسْواقِ، بَلْ إنَّهم كَفَرَةٌ لا يَفْهَمُونَ الحَقَّ، فَقَوْلُهُ: "بَلْ" تَرْكٌ لِنَفْسِ اللَفْظِ المُتَقَدِّمْ لا لِمَعْناهُ، عَلى ما تَقْتَضِيهِ "بَلْ" في مَشْهُورِ مَعْناها، "وَأعْتَدْنا": جَعَلْنا مُعَدًّا، والعَتادُ: ما يُعَدُّ مِنَ الأشْياءِ، و"السَعِيرُ": طَبَقٌ مِن أطْباقِ جَهَنَّمَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا رَأتْهُمْ﴾ يُرِيدُ: جَهَنَّمَ؛ إذِ اقْتَضاها لَفْظُ "السَعِيرِ". ولَفْظُ "رَأتْهُمْ" يُحْتَمَلُ الحَقِيقَةَ، ويُحْتَمَلُ المَجازُ عَلى مَعْنى: صارَتْ مِنهم عَلى قَدْرِ ما يَرى الرائِي مِنَ البُعْدِ. إلّا أنَّهُ ورَدَ حَدِيثٌ يَقْتَضِي الحَقِيقَةَ في هَذا، ذَكَرَهُ الطَبَرِيُّ، وهو أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: «مِن كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمَّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النارِ بَيْنَ عَيْنَيْ جَهَنَّمَ"، فَقِيلَ: يا رَسُولَ اللهِ، أوَ لِجَهَنَّمَ عَيْنانِ؟ فَقالَ: "اقْرَؤُوا إنْ شِئْتُمْ: ﴿إذا رَأتْهم مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾»، ورُوِيَ في بَعْضِ الآثارِ أنَّ البُعْدَ الَّذِي تَراهم مِنهُ مَسِيرَةُ سَنَةٍ، ورُوِيَ أنَّهُ مَسِيرَةُ خَمْسَمِائَةِ سَنَةٍ.
(p-٤٢٢)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَمِعُوا لَها تَغَيُّظًا وزَفِيرًا﴾ لَفْظٌ فِيهِ تَجُوزٌ، وذَلِكَ أنَّ التَغَيُّظَ لا يُسْمَعُ، وإنَّما المَسْمُوعُ ألْفاظٌ دالَّةٌ عَلى التَغَيُّظِ، وهي ولا شَكَّ احْتِداماتٌ في النارِ كالَّذِي يُسْمَعُ في نارِ الدُنْيا، فَنِسْبَةُ هَذا المَسْمُوعِ الَّذِي في الدُنْيا مِن ذَلِكَ نِسْبَةُ الإحْراقِ مِنَ الإحْراقِ، وهي سَبْعُونَ دَرَجَةً كَما ورَدَ في الصَحِيحِ. و"الزَفِيرُ": صَوْتٌ مَمْدُودٌ كَصَوْتِ الحِمارِ المَرْجِّعِ في نَهِيقِهِ، قالَ النَقاشُ: الزَفِيرُ: صَوْتُ الحِمارِ عِنْدَ نَهِيقِهِ، قالَ عَبِيدُ بْنُ عُمَيْرٍ: إنَّ جَهَنَّمَ لَتُزْفِرُ زَفْرَةً لا يَبْقى مَلَكٌ ولا نَبِيٌّ إلّا خَرَّ، تَرْعَدُ فَرائِصُهُ.
و"المَكانُ الضَيِّقُ" فِيها هو مَقْصِدٌ إلى التَضْيِيقِ عَلَيْهِمْ في المَكانِ في النارِ، وذَلِكَ نَوْعٌ مِنَ التَعْذِيبِ، قالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: «إنَّهم لَيُكْرَهُونَ في النارِ كَما يُكْرَهُ الوَتَدُ في الحائِطِ»، أيْ: يَدْخُلُونَ كُرْهًا وعُنْفًا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: تَضِيقُ عَلَيْهِمْ كَما يَضِيقُ الزَجُّ عَلى الرُمْحِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعُبَيْدٌ عن أبِي عَمْرٍو: "ضَيِقًا" بِتَخْفِيفِ الياءِ، والباقُونَ يُشَدِّدُونَ.
ومَعْنى "مُقَرَّنِينَ" مَرْبُوطٌ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ، ورُوِيَ أنَّ ذَلِكَ بِسَلاسِلَ مِن نارٍ، والقَرِينانِ مِنَ الثِيرانِ: ما قُرَنا بِحَبْلٍ لِلْحَرْثِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ إذا لَمْ يَزَلْ حَبْلُ القَرِينَيْنِ يَلْتَوِي فَلا بُدَّ يَوْمًا مِن قُوًى أنْ تَجْذِما
وقَرَأ أبُو شَيْبَةَ المُهْرِيُّ صاحِبُ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "مُقَرَّنُونَ" بِالواوِ، وهي قِراءَةٌ شاذَّةٌ، والوَجْهُ قِراءَةُ الناسِ، وقَوْلُهُ: "ثُبُورًا" مَصْدَرٌ، ولَيْسَ بِالمَدْعُوِّ، ومَفْعُولُ "دَعَوْا" مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: دَعَوْا مَن لا يُجِيبُهُمْ، ونَحْوَ هَذا مِنَ التَقْدِيراتِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ الثُبُورُ هو المَدْعُوُّ، كَما تُدْعى الحَسْرَةُ والوَيْلُ، و"الثُبُورُ" قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هو الوَيْلُ، وقالَ الضِحاكُ: هو الهَلاكُ، ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ الزِبَعْرى:(p-٤٢٣)
؎ إذا أُجارِي الشَيْطانَ في سُنَنِ الغَـ ∗∗∗ ـيِّ، ومَن مالَ مَيْلُهُ مَثْبُورُ
وقَوْلُهُ: ﴿لا تَدْعُوا﴾ إلى آخَرَ الآيَةِ مَعْناهُ: يُقالُ لَهم عَلى مَعْنى التَوْبِيخِ والإعْلامِ بِأنَّهم يَخْلُدُونَ: لا تَقْتَصِرُوا عَلى حُزْنٍ واحِدٍ، بَلِ احْزَنُوا كَثِيرًا؛ لَأنَّكم أهْلٌ لِذَلِكَ.
25:15–16Page 361
قُلۡ أَذَٰلِكَ خَيۡرٌ أَمۡ جَنَّةُ ٱلۡخُلۡدِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلۡمُتَّقُونَۚ كَانَتۡ لَهُمۡ جَزَآءٗ وَمَصِيرٗا ١٥
Say, "Is that better or the Garden of Eternity which is promised to the righteous? It will be for them a reward and destination.
لَّهُمۡ فِيهَا مَا يَشَآءُونَ خَٰلِدِينَۚ كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ وَعۡدٗا مَّسۡـُٔولٗا ١٦
For them therein is whatever they wish, [while] abiding eternally. It is ever upon your Lord a promise [worthy to be] requested.1
قوله عزّ وجلّ:
﴿قُلْ أذَلِكَ خَيْرٌ أمْ جَنَّةُ الخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ كانَتْ لَهم جَزاءً ومَصِيرًا﴾ ﴿لَهم فِيها ما يَشاءُونَ خالِدِينَ كانَ عَلى رَبِّكَ وعْدًا مَسْؤُولا﴾
المَعْنى: قُلْ يا مُحَمَّدُ لِهَؤُلاءِ الكَفَرَةِ الَّذِينَ هم بِسَبِيلِ مَصِيرٍ إلى هَذِهِ الأحْوالِ مِنَ النارِ: ﴿أذَلِكَ خَيْرٌ أمْ جَنَّةُ الخُلْدِ﴾ ؟ وهَذا عَلى جِهَةِ التَوْقِيفِ والتَوْبِيخِ، ومِن حَيْثُ كانَ الكَلامُ اسْتِفْهامًا جازَ فِيهِ مَجِيءُ لَفْظِ التَفْضِيلِ بَيْنَ الجَنَّةِ والنارِ في الخَيْرِ؛ لِأنَّ المُوقِفَ جائِزٌ لَهُ أنْ يُوقِفَ مُحاوِرَهُ عَلى ما يَشاءُ لِيَرى هَلْ يُجِيبُهُ بِالصَوابِ أو بِالخَطَإ، وإنَّما يَمْنَعُ سِيبَوَيْهِ وغَيْرُهُ مِنَ التَفْضِيلِ بَيْنَ شَيْئَيْنِ لا اشْتِراكَ بَيْنَهُما في المَعْنى الَّذِي فِيهِ تَفْضِيلٌ إذا كانَ الكَلامُ خَبَرًا؛ لِأنَّهُ فِيهِ مُخالَفَةٌ، وأمّا إذا كانَ اسْتِفْهامًا فَذَلِكَ سائِغٌ.
وقِيلَ: الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: "ذَلِكَ" إلى الجَنّاتِ الَّتِي تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ، وإلى (p-٤٢٤)القُصُورِ الَّتِي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَبارَكَ الَّذِي إنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ﴾ [الفرقان: ١٠]، هَذا عَلى أنْ يَكُونَ الجَعْلُ في الدُنْيا، وقِيلَ: الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: "ذَلِكَ" إلى الكَنْزِ والجَنَّةِ الَّتِي ذَكَرَ الكُفّارُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
والأصَحُّ أنَّ الإشارَةَ بِقَوْلِهِ: "ذَلِكَ" إلى النارِ، كَما شَرَحْناهُ آنِفًا.
و "المُتَّقُونَ" في هَذِهِ الآيَةِ: مَنِ اتَّقى الشِرْكَ، فَإنَّهُ داخِلٌ في الوَعْدِ، ثُمْ تَبْقى المَنازِلُ في الوَعْدِ بِحَسَبِ تَقْوى المَعاصِي.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَعْدًا مَسْؤُولا﴾ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما -وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ زَيْدٍ - أنَّهُ مَسْؤُولٌ لِأنَّ المُؤْمِنِينَ سَألُوهُ أو يَسْألُونَهُ، ورُوِيَ أنَّ المَلائِكَةَ سَألَتِ اللهَ تَعالى تَنْعِيمَ المُتَّقِينَ فَوَعَدَهم بِذَلِكَ، قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: هو قَوْلُ المَلائِكَةِ، وتَلا ﴿وَأدْخِلْهم جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وعَدْتَهُمْ﴾ [غافر: ٨]، والمَعْنى الثانِي ذَكَرَهُ الطَبَرِيُّ عن بَعْضِ أهْلِ العَرَبِيَّةِ: أنْ يُرِيدَ وعْدًا واجِبًا قَدْ حَتَّمَهُ، فَهو لِذَلِكَ مُعَدٌّ أنْ يُسْألَ ويَقْتَضِي، ولَيْسَ يَتَضَمَّنُ هَذا التَأْوِيلُ أنَّ أحَدًا سَألَ الوَعْدَ المَذْكُورَ.
25:17–19Page 361
وَيَوۡمَ يَحۡشُرُهُمۡ وَمَا يَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ فَيَقُولُ ءَأَنتُمۡ أَضۡلَلۡتُمۡ عِبَادِي هَٰٓؤُلَآءِ أَمۡ هُمۡ ضَلُّواْ ٱلسَّبِيلَ ١٧
And [mention] the Day He will gather them and that which they worship besides Allāh and will say, "Did you mislead these, My servants, or did they [themselves] stray from the way?"
قَالُواْ سُبۡحَٰنَكَ مَا كَانَ يَنۢبَغِي لَنَآ أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنۡ أَوۡلِيَآءَ وَلَٰكِن مَّتَّعۡتَهُمۡ وَءَابَآءَهُمۡ حَتَّىٰ نَسُواْ ٱلذِّكۡرَ وَكَانُواْ قَوۡمَۢا بُورٗا ١٨
They will say, "Exalted are You! It was not for us to take besides You any allies [i.e., protectors]. But You provided comforts for them and their fathers until they forgot the message and became a people ruined."
فَقَدۡ كَذَّبُوكُم بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسۡتَطِيعُونَ صَرۡفٗا وَلَا نَصۡرٗاۚ وَمَن يَظۡلِم مِّنكُمۡ نُذِقۡهُ عَذَابٗا كَبِيرٗا ١٩
So they will deny you, [disbelievers], in what you say,1 and you cannot avert [punishment] or [find] help. And whoever commits injustice2 among you - We will make him taste a great punishment.
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهم وما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ فَيَقُولُ أأنْتُمْ أضْلَلْتُمْ عِبادِي هَؤُلاءِ أمْ هم ضَلُّوا السَبِيلَ﴾ ﴿قالُوا سُبْحانَكَ ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أنْ نَتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِن أولِياءَ ولَكِنْ مَتَّعْتَهم وآباءَهم حَتّى نَسُوا الذِكْرَ وكانُوا قَوْمًا بُورًا﴾ ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكم بِما تَقُولُونَ فَما تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا ولا نَصْرًا ومَن يَظْلِمْ مِنكم نُذِقْهُ عَذابًا كَبِيرًا﴾
المَعْنى: واذْكُرْ يَوْمَ، والضَمِيرُ في "يَحْشُرُهُمْ" لِلْكُفّارِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما يَعْبُدُونَ﴾ يُرِيدُ بِهِ كُلَّ شَيْءٍ عُبِدَ مِن دُونِ اللهِ، فَغَلَّبَ العِبارَةَ عَمّا لا يَعْقِلُ مِنَ الأوثانِ لِأنَّها كانَتِ الأغْلَبُ وقْتَ المُخاطَبَةِ.
(p-٤٢٥)وَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمْ -فِي رِوايَةِ حَفْصٍ -، والأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ: "يَحْشُرُهُمْ" "فَيَقُولُ" بِالياءِ فِيهِما، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِالنُونِ فِيهِما، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، وطَلْحَةَ، وعاصِمْ أيْضًا، وقَرَأ نافِعٌ "نَحْشُرُهُمْ" بِالنُونِ "فَيَقُولُ" بِالياءِ، وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللهِ: "وَما يَعْبُدُونَ مِن دُونِكَ"، وقَرَأ الأعْرَجُ "نَحْشِرُهُمْ" بِكَسْرِ الشِينِ، وهي قَلِيلَةٌ في الِاسْتِعْمالِ قَوِيَّةٌ في القِياسِ؛ لِأنَّ "يَفْعِلُ" بِكَسْرِ العَيْنِ في المُتَعَدِّي أقْيَسُ مِن "يَفْعُلُ" بِضَمِّ العَيْنِ.
وهَذِهِ الآيَةُ تَتَضَمَّنُ الخَبَرَ عن أنَّ اللهَ تَعالى يُوَبِّخُ الكَفّارَ في القِيامَةِ بِأنْ يُوقِفَ المَعْبُودِينَ عَلى هَذا المَعْنى؛ لِيَقَعَ الجَوابُ بِالتَبَرِّي مِنَ الذَنْبِ فَيَقَعُ الخِزْيُ عَلى الكافِرِينَ.
واخْتَلَفَ الناسُ في المَوْقِفِ المُجِيبِ في هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: هو كُلُّ مَن ظُلِمْ بِأنْ عُبِدَ مِمَّنْ يَعْقِلُ: كالمَلائِكَةِ وعُزَيْرَ وعِيسى وغَيْرِهِمْ، وقالَ الضَحّاكُ، وعِكْرِمَةُ: المَوْقِفُ المُجِيبُ: الأصْنامُ الَّتِي لا تَعْقِلُ، يُقَدِّرُها اللهُ تَعالى يَوْمَئِذٍ عَلى هَذِهِ المَقالَةِ، ويَجِيءُ خِزْيُ الكَفَرَةِ لِذَلِكَ أبْلَغَ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "نَتَّخِذَ" بِفَتْحِ النُونِ، وذَهَبُوا بِالمَعْنى إلى أنَّهُ مِن قَوْلِ مَن يَعْقِلُ، وأنَّ هَذِهِ الآيَةَ بِمَعْنى الَّتِي في سُورَةِ سَبَأٍ: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهم جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أهَؤُلاءِ إيّاكم كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ [سبإ: ٤٠] ﴿قالُوا سُبْحانَكَ أنْتَ ولِيُّنا مِن دُونِهِمْ﴾ [سبإ: ٤١]، وكَقَوْلِ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ: ﴿ما قُلْتُ لَهم إلا ما أمَرْتَنِي بِهِ﴾ [المائدة: ١١٧]، و﴿مِن أولِياءَ﴾ - في هَذِهِ القِراءَةِ - في مَوْضِعِ المَفْعُولِ بِهِ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، والحَسَنُ، وأبُو الدَرْداءِ، وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ، وأبُو رَجاءَ، ونَصْرُ بْنُ عَلْقَمَةَ، ومَكْحُولٌ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وحَفْصُ بْنُ حُمَيْدٍ: "نُتَّخَذُ" بِضَمِّ النُونِ، وتَذْهَبُ (p-٤٦٢)هَذِهِ مَذْهَبَ مَن يَرى أنَّ المَوْقِفَ المُجِيبَ الأوثانُ، ويُضْعِفُ هَذِهِ القِراءَةَ دُخُولُ "مِن" في قَوْلِهِ: " مِن أولِياءَ "، اعْتَرَضَ بِذَلِكَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وغَيْرُهُ، قالَ أبُو الفَتْحِ: "مِن أولِياءَ" في مَوْضِعِ الحالِ، ودَخَلَتْ "مِن" زِيادَةً لِمَكانِ النَفْيِ المُتَقَدِّمْ، كَما تَقُولُ: ما اتَّخَذْتُ زَيْدًا مِن وكِيلٍ، وقَرَأ عَلْقَمَةُ: "ما يَنْبَغِي" بِسُقُوطِ "كانَ". وثُبُوتُها أمْكَنُ في المَعْنى؛ لِأنَّهم أخْبَرُوا عَلى حالٍ كانَتْ في الدُنْيا، ووَقْتُ الإخْبارِ لا عَمَلَ فِيهِ.
وفَسَّرَ هَذا المُجِيبُ -بِحَسْبِ الخِلافِ فِيهِ- الوَجْهَ في ضَلالِ الكُفّارِ، كَيْفَ وقَعَ؟ وأنَّهُ لَمّا مَتَّعَهُمُ اللهُ تَعالى بِالنِعَمِ الدُنْيَوِيَّةِ وأدَرَّها لَهم ولِأسْلافِهِمُ الأحْقابَ الطَوِيلَةَ نَسُوا الذِكْرَ، أيْ: ما ذُكِّرَ بِهِ الناسُ عَلى ألْسِنَةِ الأنْبِياءِ.
و "بُورًا" مَعْناهُ: هَلْكى، والبَوارُ: الهَلاكُ، واخْتُلِفَ في لَفْظِهِ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هي مَصْدَرٌ يُوصَفُ بِهِ الجَمْعُ والواحِدُ، ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ الزِبَعْرى:
؎ يا رَسُولَ المَلِيكِ إنَّ لِسانِي راتِقٌ ما فَتَقْتَ إذْ أنا بُورُ
وقالَتْ فَرْقَةٌ: هي جَمْعُ بائِرٍ، وهو الَّذِي قَدْ فارَقَهُ الخَيْرُ فَحَصَلَ بِذَلِكَ في حُكْمِ الهَلاكِ، باشَرَهُ الهَلاكُ بَعْدُ أو لَمْ يُباشِرْ، قالَ الحَسَنُ: البائِرُ: الَّذِي لا خَيْرَ فِيهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ﴾ الآيَةُ، خِطابٌ مِنَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى بِلا خِلافٍ، فَمَن قالَ: "إنَّ المُجِيبَ الأصْنامُ" كانَ مَعْنى هَذِهِ إخْبارَهُ الكُفّارَ أنَّ أصْنامَهم قَدْ كَذَّبُوهُمْ، وفي هَذا الإخْبارِ خِزْيٌ وتَوْبِيخٌ، والفِرْقَةُ الَّتِي قالَتْ: "إنَّ المُجِيبَ هو المَلائِكَةُ، وعُزَيْرٌ، وعِيسى، ونَحْوُهُمُ" اخْتَلَفَتْ في المُخاطَبِ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَقالَتْ طائِفَةٌ: المُخاطَبُ الكُفّارُ عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ والتَقْرِيعِ، وقالَتْ طائِفَةٌ: المُخاطَبُ هَؤُلاءِ (p-٤٢٧)المَعْبُودُونَ، أعْلَمَهُمُ اللهُ تَعالى أنَّ الكُفّارَ بِأفْعالِهِمُ القَبِيحَةِ قَدْ كَذَّبُوا بِهَذِهِ المَقالَةِ، وزَعَمُوا أنَّ هَؤُلاءِ هُمُ الأولِياءُ مِن دُونِ اللهِ تَعالى، وقالَتْ فِرْقَةٌ: خاطَبَ اللهُ تَعالى المُؤْمِنِينَ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، أيْ: قَدْ كَذَّبُوكم أيُّها المُؤْمِنُونَ الكُفّارُ فِيما تَقُولُونَ مِنَ التَوْحِيدِ والشَرْعِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمْ، والناسِ: "تَقُولُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ "يَسْتَطِيعُونَ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ، ورَجَّحَها أبُو حاتِمْ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "يَقُولُونَ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ، "فَما تَسْتَطِيعُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، وقالَ مُجاهِدٌ: الضَمِيرُ في "يَسْتَطِيعُونَ" هو لِلْمُشْرِكِينَ، قالَ الطَبَرِيُّ: وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "فَما يَسْتَطِيعُونَ لَكَ صَرْفًا"، وفي قِراءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "لَقَدْ كَذَّبُوكَ فَما يَسْتَطِيعُونَ لَكَ"، قالَ أبُو حاتِمْ في حَرْفِ عَبْدِ اللهِ: "لَكم صَرْفًا" عَلى جَمْعِ الضَمِيرِ
و "صَرْفًا" مَعْناهُ: رَدُّ التَكْذِيبِ أوِ العَذابِ أو ما اقْتَضاهُ المَعْنى، بِحَسْبِ الخِلافِ المُتَقَدِّمْ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن يَظْلِمْ مِنكُمْ﴾ قِيلَ: هو خِطابٌ لِلْكُفّارِ، وقِيلَ: هو لِلْمُؤْمِنِينَ. والظُلْمُ هو الشِرْكُ، قالَهُ الحَسَنُ وابْنُ جُرَيْجٍ، وقَدْ يُحْتَمَلُ أنْ يَعُمْ غَيْرَهُ مِنَ المَعاصِي. وفي حَرْفِ أُبَيٍّ: "وَمَن يَكْذِبْ مِنكم نُذِقْهُ عَذابًا ألِيمًا".
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences