Ibn 'AtiyyaYa-Sin · 36:1–21

Ibn 'Atiyya · Tafsir · in Arabic

يس

Ya-Sin

Ya Sin · Meccan · 83 ayahs

36:1–7Page 440

يسٓ ١

Yā, Seen.1

وَٱلۡقُرۡءَانِ ٱلۡحَكِيمِ ٢

By the wise1 Qur’ān,

إِنَّكَ لَمِنَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ٣

Indeed you, [O Muḥammad], are from among the messengers,

عَلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ٤

On a straight path.

تَنزِيلَ ٱلۡعَزِيزِ ٱلرَّحِيمِ ٥

[This is] a revelation of the Exalted in Might, the Merciful,

لِتُنذِرَ قَوۡمٗا مَّآ أُنذِرَ ءَابَآؤُهُمۡ فَهُمۡ غَٰفِلُونَ ٦

That you may warn a people whose forefathers were not warned, so they are unaware.

لَقَدۡ حَقَّ ٱلۡقَوۡلُ عَلَىٰٓ أَكۡثَرِهِمۡ فَهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ ٧

Already the word [i.e., decree] has come into effect upon most of them, so they do not believe.

(p-٢٣١)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ

تَفْسِيرُ سُورَةِ يَسَ

هَذِهِ السُورَةُ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ، إلّا أنَّ فِرْقَةً قالَتْ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وآثارَهُمْ﴾ [يس: ١٢] «نَزَلَتْ في بَنِي سَلِمَةَ مِنَ الأنْصارِ حِينَ أرادُوا أنْ يَتْرُكُوا دِيارَهم ويَنْتَقِلُوا إلى جِوارِ مَسْجِدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقالَ لَهُمْ: "دِيارَكم تَكْتُبْ آثارُكُمْ"،» وكَرِهَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ أنْ يُعَرُّوا المَدِينَةَ، فَعَلى هَذا فَهي مَدَنِيَّةٌ، ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ، وإنَّما نَزَلَتِ الآيَةُ بِمَكَّةَ، ولَكِنَّهُ احْتَجَّ عَلَيْهِمْ في المَدِينَةِ، ووافَقَها قَوْلُ رَسُولِ اللهِ ﷺ في المَعْنى، فَمِن هُنا قِيلَ ذَلِكَ، ورَوى أنَسُ بْنُ مالِكٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: « "إنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ قَلْبًا، وإنَّ قَلْبَ القُرْآنِ يَسُ"،» ورَوَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها أنَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ قالَ: « "إنَّ في القُرْآنِ سُورَةً يُشْفَعُ لِقارِئِها، ويُغْفَرُ لِمُسْتَمِعِها، وهي يَسُ"،» (p-٢٣٢)وَقالَ يَحْيى بْنُ أبِي كَثِيرٍ: " بَلَغَنِي أنَّ مَن قَرَأ سُورَةَ يَسَ لَيْلًا لَمْ يَزَلْ في فَرَحٍ حَتّى يُصْبِحَ، وكَذا في النَهارِ"، ويُصَدِّقُ ذَلِكَ التَجْرِبَةُ.

قوله عزّ وجلّ:

﴿يس﴾ ﴿والقُرْآنِ الحَكِيمِ﴾ ﴿إنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿تَنْزِيلَ العَزِيزِ الرَحِيمِ﴾ ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أُنْذِرَ آباؤُهم فَهم غافِلُونَ﴾ ﴿لَقَدْ حَقَّ القَوْلُ عَلى أكْثَرِهِمْ فَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾

أمالَ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ الياءَ في [يَسَ] غَيْرَ مُفْرِطِينَ، والجُمْهُورُ يَفْتَحُونَها، ونافِعٌ يَتَوَسَّطُ في ذَلِكَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "يس"﴾ يَدْخُلُ فِيهِ مِنَ الأقْوالِ ما تَقَدَّمَ في الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ في أوائِلِ السُورِ، ويَخْتَصُّ هَذا بِأقْوالٍ: مِنها أنَّ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ قالَ: إنَّهُ اسْمٌ مِن أسْماءِ مُحَمَّدٍ ﷺ، دَلِيلُهُ ﴿إنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾، وقالَ السَيِّدُ الحِمْيَرِيُّ:

؎ يا نَفْسُ لا تُمْحِضِي بِالنُصْحِ مُجْتَهِدًا ∗∗∗ عَلى المَوَدَّةِ إلّا آلَ ياسِينا

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: مَعْناهُ: "يا إنْسانُ" بِالحَبَشِيَّةِ، وقالَ أيْضًا في الثَعْلَبِيِّ: هو بِلُغَةِ طَيْءٍ، يَقُولُونَ: "إيسانُ" بِمَعْنى إنْسانٍ، ويَجْمَعُونَهُ عَلى "أياسِينَ"، فَهَذا مِنهُ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: الياءُ حَرْفُ نِداءٍ، والسِينُ مُقامَةٌ مَقامَ "إنْسانٍ" انْتُزِعَ مِنهُ حَرْفٌ فَأُقِيمُ مَقامَهُ. ومَن قالَ "هُوَ اسْمٌ مِن أسْماءِ السُورَةِ أوِالقُرْآنِ" فَذَلِكَ مُشْتَرَكٌ في جَمِيعِ السُوَرِ.

(p-٢٣٣)وَقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "يس"﴾ بِسُكُونِ النُونِ وإظْهارِها، وإنْ كانَتِ النُونُ ساكِنَةً تُخْفى مَعَ حُرُوفِ الفَمِ فَإنَّما هَذا مَعَ الِانْفِصالِ وأنَّ حَقَّ هَذِهِ الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ في الأوائِلِ أنْ تُظْهَرَ. وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ - بِخِلافِ عنهُما - بِإدْغامِ النُونِ في الواوِ عَلى عُرْفِ الِاتِّصالِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ - بِخِلافٍ - بِنَصْبِ النُونِ، وهي قِراءَةُ عِيسى بْنِ عُمَرَ، ورَواها عَنِ الغَنَوِيِّ. وقالَ قَتادَةُ: "يَسْ" قَسَمٌ، وقالَ أبُو حاتِمٍ: قِياسُ هَذا القَوْلِ نَصْبُ النُونِ، كَما تَقُولُ: اللهَ لِأفْعَلَنَّ كَذا، وقَرَأ الكَلْبِيُّ بِضَمِّها وقالَ: هي بِلُغَةِ طَيْءٍ: يا إنْسانُ، وقَرَأ أبُو السَمّاكِ، وعَنِ ابْنِ أبِي إسْحاقَ - بِخِلافٍ - بِكَسْرِها، وهَذِهِ الوُجُوهُ الثَلاثَةُ هي لِلِالتِقاءِ، وقالَ أبُو الفَتْحِ: ويَحْتَمِلُ الرَفْعُ أنْ يَكُونَ اجْتِزاءً بِالسِينِ مَن يا إنْسانُ، وقالَ الزَجّاجُ: النَصْبُ كَأنَّهُ قالَ: اتْلُ يَسَ، وهو مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ عَلى أنَّهُ اسْمٌ لِلسُّورَةِ. و"يَسُ" مُشْبِهَةٌ الجُمْلَةَ مِنَ الكَلامِ فَلِذَلِكَ عُدَّتْ آيَةً، بِخِلافِ [طَسْ]، فَلَمْ تَنْصَرِفْ [يَسْ] لِلْعُجْمَةِ والتَعْرِيفِ.

و"الحَكِيمِ": المُحْكَمُ، فَيَكُونُ بِمَعْنى: مَفْعُولٍ، أيْ أُحْكِمَ في مَواعِظِهِ وأوامِرِهِ ونَواهِيهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الحَكِيمِ بِناءَ فاعِلٍ، أيْ ذُو الحِكْمَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةً في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى أنَّها (p-٢٣٤)خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى أنَّها في مَوْضِعِ حالٍ مِنَ "المُرْسَلِينَ"، و "الصِراطُ": الطَرِيقُ، والمَعْنى: عَلى طَرِيقٍ وهُدًى ومَهِيعِ رَشادٍ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو: "تَنْزِيلُ" بِالرَفْعِ عَلى خَبَرِ الِابْتِداءِ، وهي قِراءَةُ أبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ، والحَسَنِ، والأعْرَجِ، والأعْمَشِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "تَنْزِيلَ" بِالنَصْبِ عَلى المَصْدَرِ، واخْتُلِفَ عن عاصِمٍ، وهي قِراءَةُ طَلْحَةَ، والأشْهَبِ، وعِيسى بْنِ عُمَرَ، والأعْمَشِ، بِخِلافٍ عنهُما.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ﴾، اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في "ما"، فَقالَ عِكْرِمَةُ "ما" بِمَعْنى الَّذِي، والتَقْدِيرُ: الشَيْءُ الَّذِي أُنْذِرَهُ الآباءُ مِنَ النارِ والعَذابِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "ما" مَصْدَرِيَّةً، أيْ ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ، والآباءُ عَلى هَذا هُمُ الأقْدَمُونَ عَلى مَرِّ الدَهْرِ، وقَوْلُهُ: "فَهُمْ" - مَعَ هَذا التَأْوِيلِ - بِمَعْنى: فَإنَّهُمْ، دَخَلَتِ الفاءُ لِقَطْعِ الجُمْلَةِ مِنَ الجُمْلَةِ. وقالَ قَتادَةُ: "ما" نافِيَةٌ، أيْ إنَّ آباءَهم لَمْ يُنْذَرُوا، فالآباءُ - عَلى هَذا - هُمُ القَرِيبُونَ مِنهُمْ، وهَذِهِ الآيَةُ كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وَما أرْسَلْنا إلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِن نَذِيرٍ﴾ [سبإ: ٤٤]، وهَذِهِ النِذارَةُ المَنفِيَّةُ هي نِذارَةُ المُباشَرَةِ والأمْرِ والنَهْيِ، وإلّا فَدَعْوَةُ اللهِ تَعالى مِنَ الأرْضِ لَمْ تَنْقَطِعْ قَطُّ، وقَوْلُهُ: "فَهُمْ" - عَلى هَذا - الفاءُ واصِلَةٌ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ ورابِطَةٌ لِلثّانِيَةِ بِالأُولى.

و ﴿حَقَّ القَوْلُ﴾ مَعْناهُ: وجَبَ العَذابُ وسَبَقَ القَضاءُ بِهِ، هَذا فِيمَن لَمْ يُؤْمِن مِن قُرَيْشٍ، كَمَن قُتِلَ بِبَدْرٍ وغَيْرِهِمْ.

36:8–9Page 440

إِنَّا جَعَلۡنَا فِيٓ أَعۡنَٰقِهِمۡ أَغۡلَٰلٗا فَهِيَ إِلَى ٱلۡأَذۡقَانِ فَهُم مُّقۡمَحُونَ ٨

Indeed, We have put shackles on their necks, and they are to their chins, so they are with heads [kept] aloft.

وَجَعَلۡنَا مِنۢ بَيۡنِ أَيۡدِيهِمۡ سَدّٗا وَمِنۡ خَلۡفِهِمۡ سَدّٗا فَأَغۡشَيۡنَٰهُمۡ فَهُمۡ لَا يُبۡصِرُونَ ٩

And We have put before them a barrier and behind them a barrier and covered them, so they do not see.

(p-٢٣٥)قوله عزّ وجلّ:

﴿إنّا جَعَلْنا في أعْناقِهِمْ أغْلالا فَهي إلى الأذْقانِ فَهم مُقْمَحُونَ﴾ ﴿وَجَعَلْنا مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ سَدًّا ومِن خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأغْشَيْناهم فَهم لا يُبْصِرُونَ﴾

قالَ مَكِّيٌّ: هي حَقِيقَةٌ في أحْوالِ الآخِرَةِ إذا دَخَلُوا النارَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "فَأغْشَيْناهُمْ"﴾ يُضْعِفُ هَذا القَوْلَ: لِأنَّ بَصَرَ الكافِرِ يَوْمَ القِيامَةِ إنَّما هو حَدِيدٌ، يَرى قُبْحَ حالِهِ. وقالَ الضِحاكُ: مَعْناهُ: مَنَعْناهم مِنَ النَفَقَةِ في سَبِيلِ اللهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ﴾ [الإسراء: ٢٩]. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ إسْحَقَ: هي اسْتِعارَةٌ لِحالِ الكَفَرَةِ الَّذِينَ أرادُوا مُحَمَّدًا ﷺ بِسُوءٍ، فَجَعَلَ اللهُ تَعالى هَذا مِثالًا لَهم في كَفِّ أذاهم عنهُ حِينَ بَيَّتُوهُ. قالَ عِكْرِمَةُ: نَزَلَتْ حِينَ أرادَ أبُو جَهْلٍ ضَرْبَهُ بِالحَجَرِ العَظِيمِ فَمَنَعَهُ اللهُ مِنهُ، وفي غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَواطِنِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: الآيَةُ مُسْتَعارَةُ المَعْنى مِن مَنعِ اللهِ تَعالى إيّاهم وحَوْلِهِ بَيْنَهم وبَيْنَهُ. وهَذا أرْجَحُ الأقْوالِ؛ لِأنَّهُ لَمّا ذَكَرَ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِما سَبَقَ لَهم في الأزَلِ. عَقَّبَ ذَلِكَ بِأنْ جَعَلَ لَهم مِنَ المَنعِ وإحاطَةِ الشَقاوَةِ ما حالُهم مَعَهُ حالُ المَغْلُوبِينَ.

و"الغِلُّ" ما أحاطَ بِالعُنُقِ عَلى مَعْنى التَضْيِيقِ والتَثْبِيتِ والتَعْذِيبِ والأسْرِ، ومَعَ العُنُقِ اليَدانِ أوِ اليَدُ الواحِدَةُ، هَذا مَعْنى التَغْلِيلِ، وقَوْلُهُ: "فَهِيَ" يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى الأغْلالِ، أيْ: هي عَرِيضَةٌ تَبْلُغُ بِحَرْفِها الأذْقانَ، والذَقْنُ مُجْتَمَعُ اللِحْيَيْنِ، فَيُضْطَرُّ المَغْلُولُ إلى رَفْعِ وجْهِهِ نَحْوَ السَماءِ، وذَلِكَ هو الإقْماحُ، وهو نَحْوُ الإقْناعِ في الهَيْئَةِ، ونَحْوَهُ ما يَفْعَلُهُ الإنْسانُ والحَيَوانُ عِنْدَ شُرْبِ الماءِ البارِدِ وعِنْدَ المُلُوحاتِ والحُمُوضَةِ القَوِيَّةِ ونَحْوِهِ. ويَحْتَمِلُ - وهو قَوْلُ الطَبَرِيِّ - أنْ تَعُودَ "هِيَ" عَلى الأيْدِي - وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَها ذِكْرٌ - لِوُضُوحِ مَكانِها مِنَ المَعْنى، وذَلِكَ أنَّ الغِلَّ إنَّما يَكُونُ في العُنُقِ مَعَ اليَدَيْنِ. ورُوِيَ في (p-٢٣٦)مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ وأبِيٍّ: [إنّا جَعَلْنا في أيْمانِهِمْ]، وفي بَعْضِها [فِي أيْدِيهِمْ]، وقَدْ ذَكَرْنا مَعْنى الإقْماحِ.

وقالَ قَتادَةُ: المُقْمَحُ الرافِعُ رَأسَهُ، وقالَ أيْضًا: ﴿ "مُقْمَحُونَ"،﴾ مُغَلَّلُونَ عن كُلِّ خَيْرٍ، وأرى عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ الناسَ الإقْماحَ، فَجَعَلَ يَدَيْهِ تَحْتَ لِحْيَيْهِ وألْصَقَها ورَفَعَ رَأْسَهُ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "سَدًّا" بِرَفْعِ السِينِ فِيهِما. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وطَلْحَةُ، وابْنُ وثّابٍ، وعِكْرِمَةُ، والنَخْعِيُّ، وابْنُ كَثِيرٍ بِفَتْحِها فِيهِما. وقالَ أبُو عَلِيٍّ: قالَ قَوْمٌ: هُما بِمَعْنًى واحِدٍ، أيْ: حائِلًا يَسُدُّ طَرِيقَهُمْ، وقالَ عِكْرِمَةُ: ما كانَ مِمّا يَفْعَلُهُ البَشَرُ فَهو بِالضَمِّ، وما كانَ خِلْقَةً فَهو بِالفَتْحِ، و"السَدُّ" ما سَدَّ وحالَ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْرابِيِّ في صِفَةِ سَحابٍ: "طَلَعَ سَدٌّ مَعَ انْتِشارِ الطِفْلِ"، أيْ: سَحابٌ سَدَّ الأُفُقَ، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: "جَرادٌ سَدٌّ"، ومَعْنى الآيَةِ أنَّ طَرِيقَ الهُدى سُدَّ دُونَهم.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "فَأغْشَيْناهُمْ"﴾ مَنقُوطَةً، أيْ: جَعَلْنا عَلى أعْيُنِهِمْ غِشاوَةً. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، وابْنُ يَعْمُرَ، وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، والنَخْعِيُّ، وابْنُ سِيرِينَ بِالعَيْنِ مُهْمَلَةً، ورُوِيَتْ عَنِ النَبِيِّ ﷺ، وهي مِنَ العَشاءِ أيْ: أضْعَفْنا أبْصارَهُمْ

(p-٢٣٧)والمَعْنى: فَهم لا يُبْصِرُونَ رُشْدًا ولا هُدًى. وقَرَأ يَزِيدُ اليَزِيدِيُّ: "فَأغْشَيْتُهُمْ" بِياءٍ دُونَ ألْفٍ وبِالغَيْنِ مَنقُوطَةً.

36:10–12Page 440

وَسَوَآءٌ عَلَيۡهِمۡ ءَأَنذَرۡتَهُمۡ أَمۡ لَمۡ تُنذِرۡهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ ١٠

And it is all the same for them whether you warn them or do not warn them - they will not believe.

إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلذِّكۡرَ وَخَشِيَ ٱلرَّحۡمَٰنَ بِٱلۡغَيۡبِۖ فَبَشِّرۡهُ بِمَغۡفِرَةٖ وَأَجۡرٖ كَرِيمٍ ١١

You can only warn one who follows the message and fears the Most Merciful unseen. So give him good tidings of forgiveness and noble reward.

إِنَّا نَحۡنُ نُحۡيِ ٱلۡمَوۡتَىٰ وَنَكۡتُبُ مَا قَدَّمُواْ وَءَاثَٰرَهُمۡۚ وَكُلَّ شَيۡءٍ أَحۡصَيۡنَٰهُ فِيٓ إِمَامٖ مُّبِينٖ ١٢

Indeed, it is We who bring the dead to life and record what they have put forth and what they left behind, and all things We have enumerated in a clear register.

قوله عزّ وجلّ:

﴿وَسَواءٌ عَلَيْهِمْ أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿إنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِكْرَ وخَشِيَ الرَحْمَنَ بِالغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وأجْرٍ كَرِيمٍ﴾ ﴿إنّا نَحْنُ نُحْيِي المَوْتى ونَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وآثارَهم وكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْناهُ في إمامٍ مُبِينٍ﴾

هَذِهِ مُخاطَبَةٌ لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، مُضَمِّنُها تَسْلِيَةٌ عنهُمْ، أيْ: أنَّهم قَدْ حُتِّمَ عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ، فَسَواءٌ إنْذارُكَ وتَرْكُهُ، والألِفُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "أأنْذَرْتَهُمْ"﴾ ألِفُ التَسْوِيَةِ؛ لِأنَّها لَيْسَتْ بِاسْتِفْهامٍ، بَلِ المُتَفَهِّمُ والمُسْتَفْهَمُ مُسْتَوِيانِ في عِلْمِ ذَلِكَ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "آنْذَرْتَهُمْ" بِالمَدِّ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، والزُهْرِيُّ: "أنْذَرْتَهُمْ" بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ عَلى الخَبَرِ، و"سَواءٌ" رَفْعٌ بِالِابْتِداءِ، وقَوْلُهُ: ﴿أمْ لَمْ تُنْذِرْهم لا﴾ جُمْلَةٌ مِن فِعْلَيْنِ مُتَعادِلَيْنِ يُقَدَّرانِ تَقْدِيرَ فِعْلٍ واحِدٍ هو خَبَرُ الِابْتِداءِ، كَأنَّهُ قالَ: وسَواءٌ عَلَيْهِمْ جَمِيعُ فِعْلِكَ، فَفَسَّرَ هَذا الجَمِيعَ بـِ"أنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ"، ومِثْلُهُ قَوْلُكَ: سَواءٌ عِنْدِي قُمْتَ أمْ قَعَدْتَ، هَكَذا ذَكَرَ أبُو عَلِيٍّ في تَحْقِيقِ الخَبَرِ، والخَبَرُ هو الِابْتِداءُ. وقَوْلُهُ: ﴿إنَّما تُنْذِرُ﴾ لَيْسَ عَلى جِهَةِ الحَصْرِ بِإنَّما، بَلْ عَلى جِهَةِ تَخْصِيصِ مَن يَنْفَعُهُ الإنْذارُ. و"اتِّباعُ الذِكْرِ" هو العَمَلُ بِما في كِتابِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى والِاقْتِداءُ بِهِ، قالَ قَتادَةُ: الذِكْرُ القُرْآنُ وقَوْلُهُ: ﴿ "بِالغَيْبِ"﴾ أيْ: بِالخَلَواتِ عِنْدَ مَغِيبِ الإنْسانِ عن عُيُونِ البَشَرِ، ثُمَّ قالَ: ﴿ "فَبَشِّرْهُ"﴾ فَوَحَّدَ الضَمِيرَ مُراعاةً لِلَفْظِ "مِن". و"الأجْرُ الكَرِيمُ" هو كُلُّ ما يَأْخُذُهُ الأجِيرُ مُقْتَرِنًا بِحَمَدٍ (p-٢٣٨)عَلى الإحْسانِ وتَكْرِمَةٍ، وكَذَلِكَ هي الجَنَّةُ لِلْمُؤْمِنِينَ.

ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى بِإحْيائِهِ المَوْتى رَدًّا عَلى الكَفَرَةِ، ثُمَّ تَوَعَّدَهم بِذِكْرِهِ كَتْبَ الآثارَ وإحْصاءَ كُلِّ شَيْءٍ. وكُلُّ ما يَصْنَعُهُ الإنْسانُ، فَداخِلٌ فِيما قَدَّمَ ويَدْخُلُ في آثارِهِ، لَكِنَّهُ تَبارَكَ وتَعالى ذَكَرَ الأمْرَ مِنَ الجِهَتَيْنِ، ولِيُنَبِّهَ عَلى الآثارِ الَّتِي تَبْقى وتُذْكَرُ بَعْدَ الإنْسانِ مِن خَيْرٍ أو شَرٍّ، وإلّا فَذَلِكَ كُلُّهُ داخِلٌ فِيما قَدَّمَ ابْنُ آدَمَ. وقالَ قَتادَةُ: "ما قَدَّمُوا" مَعْناهُ: مِن عَمَلٍ، وقالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، ومُجاهِدٌ. وقَدْ يَبْقى لِلْمَرْءِ أنْ يُسْتَنَّ بِهِ بَعْدَهُ فَيُؤْجَرَ أو يَأْثَمَ، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وأخَّرَتْ﴾ [الإنفطار: ٥].، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَآثارَهُمْ" بِالنَصْبِ، وقَرَأ مَسْرُوقٌ بِالرَفْعِ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وجابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، وأبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في بَنِي سَلِمَةَ حِينَ أرادُوا النَقْلَةَ إلى جانِبِ المَسْجِدِ، وقَدْ بَيَّنّا ذَلِكَ في أوَّلِ السُورَةِ. «وَقالَ ثابِتٌ البُنانِيُّ: مَشَيْتُ مَعَ أنَسِ بْنِ مالِكٍ إلى الصَلاةِ فَأسْرَعْتُ فَحَبَسَنِي، فَلَمّا انْقَضَتِ الصَلاةُ قالَ لِي: مَشَيْتُ مَعَ النَبِيِّ ﷺ إلى الصَلاةِ فَأسْرَعْتُ فَحَبَسَنِي، فَلَمّا انْقَضَتِ الصَلاةُ قالَ: "أما عَلِمْتَ أنَّ الآثارَ تُكْتَبُ؟"» فَهَذا احْتِجاجٌ بِالآيَةِ، وقالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والحَسَنُ: الآثارُ في هَذِهِ الآيَةِ الخُطا، وحَكى الثَعْلَبِيُّ عن أنَسٍ أنَّهُ قالَ: الخُطا إلى الجُمُعَةِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ "وَكُلَّ"﴾ نُصِبَ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿ "أحْصَيْناهُ"،﴾ كَأنَّهُ قالَ: وأحْصَيْنا كُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْناهُ، و"الإمامُ": الكِتابُ المُقْتَدى بِهِ الَّذِي هو حُجَّةٌ، قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ: أرادَ اللَوْحَ المَحْفُوظَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: أرادَ صُحُفَ الأعْمالِ.

36:13–17Page 441

وَٱضۡرِبۡ لَهُم مَّثَلًا أَصۡحَٰبَ ٱلۡقَرۡيَةِ إِذۡ جَآءَهَا ٱلۡمُرۡسَلُونَ ١٣

And present to them an example: the people of the city, when the messengers came to it -

إِذۡ أَرۡسَلۡنَآ إِلَيۡهِمُ ٱثۡنَيۡنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزۡنَا بِثَالِثٖ فَقَالُوٓاْ إِنَّآ إِلَيۡكُم مُّرۡسَلُونَ ١٤

When We sent to them two but they denied them, so We strengthened [them] with a third, and they said, "Indeed, we are messengers to you."

قَالُواْ مَآ أَنتُمۡ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُنَا وَمَآ أَنزَلَ ٱلرَّحۡمَٰنُ مِن شَيۡءٍ إِنۡ أَنتُمۡ إِلَّا تَكۡذِبُونَ ١٥

They said, "You are not but human beings like us, and the Most Merciful has not revealed a thing. You are only telling lies."

قَالُواْ رَبُّنَا يَعۡلَمُ إِنَّآ إِلَيۡكُمۡ لَمُرۡسَلُونَ ١٦

They said, "Our Lord knows that we are messengers to you,

وَمَا عَلَيۡنَآ إِلَّا ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ ١٧

And we are not responsible except for clear notification."

(p-٢٣٩)قوله عزّ وجلّ:

﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلا أصْحابَ القَرْيَةِ إذْ جاءَها المُرْسَلُونَ﴾ ﴿إذْ أرْسَلْنا إلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ فَقالُوا إنّا إلَيْكم مُرْسَلُونَ﴾ ﴿قالُوا ما أنْتُمْ إلا بَشَرٌ مِثْلُنا وما أنْزَلَ الرَحْمَنُ مِن شَيْءٍ إنْ أنْتُمْ إلا تَكْذِبُونَ﴾ ﴿قالُوا رَبُّنا يَعْلَمُ إنّا إلَيْكم لَمُرْسَلُونَ﴾ ﴿وَما عَلَيْنا إلا البَلاغُ المُبِينُ﴾

ضَرْبُ المَثَلِ مَأْخُوذٌ مِنَ الضَرْبِ أيِ المُشْبِهُ في النَوْعِ، كَما تَقُولُ: هَذا ضَرَبَ هَذا، واخْتُلِفَ، هَلْ يَتَعَدّى فِعْلُ ضَرْبِ المَثَلِ إلى مَفْعُولَيْنِ أو إلى واحِدٍ، فَمَن قالَ إنَّهُ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ جَعَلَ هَذِهِ الآيَةَ "مَثَلًا" و"أصْحابَ" مَفْعُولَيْنِ لِقَوْلِهِ: "اضْرِبْ"، ومَن قالَ إنَّهُ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ جَعَلَهُ "مَثَلًا"، وجَعَلَ "أصْحابَ" بَدَلًا مِنهُ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَفْعُولُ "أصْحابَ"، ويَكُونُ قَوْلُهُ "مَثَلًا" نَصْبٌ عَلى الحالِ، أيْ: في حالِ تَمْثِيلٍ مِنكَ.

و"القَرْيَةِ" - عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، والزُهْرِيِّ أنْطاكِيَةُ. واخْتُلِفَ في المُرْسَلِينَ، فَقالَ قَتادَةُ وغَيْرُهُ: كانُوا مِنَ الحَوارِيِّينَ الَّذِينَ بَعَثَهم عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ حِينَ رُفِعَ وصُلِبَ الَّذِي أُلْقِيَ عَلَيْهِ شَبَهُهُ، فافْتَرَقَ الحَوارِيُّونَ في الآفاقِ، فَقَصَّ اللهُ هُنا قِصَّةَ الَّذِينَ نَهَضُوا إلى أنْطاكِيَةَ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هَؤُلاءِ أنْبِياءُ مِن قِبَلِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى. وهَذا يُرَجِّحُهُ قَوْلُ الكَفَرَةِ: ﴿ما أنْتُمْ إلا بَشَرٌ مِثْلُنا﴾، فَإنَّها مُحاوَرَةٌ إنَّما تُقالُ لِمَنِ أدّى الرِسالَةَ مِنَ اللهِ، والآخَرُ مُحْتَمَلٌ. وذَكَرَ النِقّاشُ في قَصَصِ هَذِهِ الآيَةِ شَيْئًا يَطُولُ، وصِحَّتُهُ غَيْرُ مُتَيَقَّنَةٍ فاخْتَصَرَتْهُ.

واللازِمُ مِنَ الآيَةِ أنَّ اللهَ بَعَثَ إلَيْها رَسُولَيْنِ فَدَعَوا أهْلَ القَرْيَةِ إلى عِبادَةِ اللهِ تَعالى وحْدَهُ وإلى الهُدى والإيمانِ فَكَذَّبُوهُما، فَشَدَّدَ اللهُ تَعالى أمْرَهُما بِثالِثٍ، وقامَتِ الحُجَّةُ عَلى أهْلِ القَرْيَةِ، وآمَنُ مِنهُمُ الرَجُلُ الَّذِي جاءَ يَسْعى، وقَتَلُوهُ في آخِرِ أمْرِهِ وكَفَرُوا، فَأصابَتْهم صَيْحَةٌ مِنَ السَماءِ فَخَمَدُوا. وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: ﴿ "فَعَزَّزْنا"﴾ بِشَدِّ الزايِ الأُولى، عَلى مَعْنى: قَوَّيْنا وشَدَّدْنا، وبِهَذا فَسَّرَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ، وقَرَأ عاصِمٌ - في رِوايَةِ المُفَضَّلِ عن أبِي بَكْرٍ - بِالتَخْفِيفِ لِلزّايِ، عَلى مَعْنى: غَلَبْناهم أمْرَهم وفي حَرْفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "بِالثالِثِ" بِألِفٍ ولامٍ.

(p-٢٤٠)وَهَذِهِ الأُمَّةُ أنْكَرَتِ النُبُوءَةَ بِقَوْلِها: ﴿وَما أنْزَلَ الرَحْمَنُ مِن شَيْءٍ﴾، وراجَعَتْهُمُ الرُسُلُ بِأنْ رَدُّوا العِلْمَ إلى اللهِ وقَنِعُوا بِعِلْمِهِ، وأعْلَمُوهم أنَّهم إنَّما عَلَيْهِمُ البَلاغُ فَقَطْ، وما عَلَيْهِمْ مِن هُداهم وضَلالِهِمْ، وفي هَذا وعِيدٌ لَهم.

36:18–21Page 441

قَالُوٓاْ إِنَّا تَطَيَّرۡنَا بِكُمۡۖ لَئِن لَّمۡ تَنتَهُواْ لَنَرۡجُمَنَّكُمۡ وَلَيَمَسَّنَّكُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٞ ١٨

They said, "Indeed, we consider you a bad omen. If you do not desist, we will surely stone you, and there will surely touch you, from us, a painful punishment."

قَالُواْ طَٰٓئِرُكُم مَّعَكُمۡ أَئِن ذُكِّرۡتُمۚ بَلۡ أَنتُمۡ قَوۡمٞ مُّسۡرِفُونَ ١٩

They said, "Your omen [i.e., fate] is with yourselves. Is it1 because you were reminded? Rather, you are a transgressing people."

وَجَآءَ مِنۡ أَقۡصَا ٱلۡمَدِينَةِ رَجُلٞ يَسۡعَىٰ قَالَ يَٰقَوۡمِ ٱتَّبِعُواْ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ٢٠

And there came from the farthest end of the city a man, running. He said, "O my people, follow the messengers.

ٱتَّبِعُواْ مَن لَّا يَسۡـَٔلُكُمۡ أَجۡرٗا وَهُم مُّهۡتَدُونَ ٢١

Follow those who do not ask of you [any] payment, and they are [rightly] guided.

قوله عزّ وجلّ:

﴿قالُوا إنّا تَطَيَّرْنا بِكم لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكم ولَيَمَسَّنَّكم مِنّا عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿قالُوا طائِرُكم مَعَكم أإنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ ﴿وَجاءَ مِن أقْصى المَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى قالَ يا قَوْمِ اتَّبِعُوا المُرْسَلِينَ﴾ ﴿اتَّبِعُوا مَن لا يَسْألُكم أجْرًا وهم مُهْتَدُونَ﴾

قالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: إنَّ أهْلَ هَذِهِ القَرْيَةِ أسْرَعَ فِيهِمُ الجُذامُ عِنْدَ تَكْذِيبِهِمُ المُرْسَلِينَ، فَلِذَلِكَ قالُوا: ﴿إنّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ﴾، وقالَ مُقاتِلٌ: احْتَبَسَ عنهُمُ المَطَرُ فَلِذَلِكَ قالُوهُ، ومَعْناهُ: تَشاءَمْنا بِكُمْ، مَأْخُوذٌ مِنَ الحُكْمِ بِالطَيْرِ، وهو مَعْنًى مُتَداوَلٌ في الأُمَمِ، وقَلَّما يُسْتَعْمَلُ "تَطَيَّرْتُ" إلّا في الشُؤْمِ، وأمّا حُكْمُ الطَيْرِ عِنْدَ مُسْتَعْمِلِيهِ فَفي التَيَمُّنِ والشُؤْمِ، والأظْهَرُ أنَّ تَطَيُّرَ هَؤُلاءِ إنَّما كانَ بِسَبَبِ ما دَخَلَ قَرْيَتَهم مِنِ اخْتِلافِ الكَلِمَةِ وافْتِتانِ الناسِ، وهَذا عَلى نَحْوِ تَطَيُّرِ قُرَيْشٍ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، وعَلى نَحْوِ ما خُوطِبَ بِهِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ. وقالَ قَتادَةُ: إنْ أصابَنا شَرٌّ فَإنَّما هو مِن أجْلِكم. و"لَنَرْجُمَنَّكُمْ" مَعْناهُ: بِالحِجارَةِ. قالَهُ قَتادَةُ رَضِيَ اللهُ عنهُ. وقَوْلُهم عَلَيْهِمُ السَلامُ: ﴿طائِرُكم مَعَكُمْ﴾ مَعْناهُ: حَظُّكم وما صارَ إلَيْهِ مِن شَرٍّ أو خَيْرٍ مَعَكُمْ، أيْ: مِن أفْعالِكم وبِكَسَباتِكُمْ، لَيْسَ هو مِن أجْلِنا ولا بِسَبَبِنا، بَلْ بِبَغْيِكم وكُفْرِكُمْ، وبِهَذا فَسَّرَ الناسُ. وسُمِّيَ الحَظُّ والنَصِيبُ طائِرًا اسْتِعارَةً، أيْ هو مِمّا يَحْصُلُ عَنِ النَظَرِ في الطائِرِ، وكَثُرَ اسْتِعْمالُ هَذا المَعْنى حَتّى قالَتِ المَرْأةُ الأنْصارِيَّةُ: "طارَ لَنا حِينَ اقْتُسِمَ المُهاجِرُونَ عُثْمانُ بْنُ مَظْعُونٍ "، ويَقُولُ الفُقَهاءُ: طارَ لِفُلانٍ في المُحاصَّةِ كَذا.

(p-٢٤١)وَقَرَأ ابْنُ هُرْمُزٍ، والحَسَنُ، وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ: "طَيْرُكُمْ"، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: "أإنْ" بِهَمْزَتَيْنِ الثانِيَةُ مَكْسُورَةٌ، عَلى مَعْنى: أإنْ ذُكِّرْتُمْ تَتَطَيَّرُونَ؟ وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ كَثِيرٍ بِتَسْهِيلِ هَذِهِ الهَمْزَةِ الثانِيَةِ ورَدِّها ياءً "أيِنْ ذُكِّرْتُمْ"، وقَرَأ الماجَشُونَ: "أنْ" بِفَتْحِ الألِفِ، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "إنْ ذُكِّرْتُمْ" بِكَسْرِ الألِفِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو - في بَعْضِ ما رُوِيَ عنهُ - وزِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ أيْضًا: "أأنْ" بِهَمْزَتَيْنِ مَفْتُوحَتَيْنِ، وشاهِدُهُ قَوْلُ الشاعِرِ:

؎ أأنْ كُنْتَ ذا بُرْدَيْنِ أحَوى مُرَجَّلًا ∗∗∗ فَلَسْتَ بِراعٍ لِابْنِ عَمِّكَ مَحْرَمًا

وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ بْنُ القَعْقاعُ، والأعْمَشُ: "أيْنَ" بِسُكُونِ الياءِ "ذُكِرْتُمْ" بِتَخْفِيفِ الكافِ، فَهي "أيْنَ" المَقُولَةُ في الظَرْفِ، وهَذِهِ قِراءَةُ خالِدٍ، وطِلْحَةَ، وقَتادَةَ، والحَسَنِ في تَخْفِيفِ الكافِ فَقَطْ. ثُمَّ وصَفَهم تَعالى بِالإسْرافِ والتَعَدِّي.

وأخْبَرَ تَبارَكَ وتَعالى ذِكْرُهُ عن حالِ رَجُلٍ جاءَ مِن أقْصى المَدِينَةِ، سَمِعَ مِنَ المُرْسَلِينَ وفَهِمَ عَنِ اللهِ فَجاءَ يَسْعى عَلى قَدَمَيْهِ وسَمِعَ قَوْلَهُمْ، فَلَمّا فَهِمَهُ رُوِيَ أنَّهُ تَعَقَّبَ أمْرَهم (p-٢٤٢)وَسَبَرَهُ بِأنْ قالَ لَهُمْ: أتُطْلُبُونَ أجْرًا عَلى دَعْوَتِكم هَذِهِ؟ قالُوا: لا، فَدَعا عِنْدَ ذَلِكَ قَوْمَهُ إلى اتِّباعِهِمْ والإيمانِ بِهِمْ إذْ هو الحَقُّ، ثُمَّ احْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿اتَّبِعُوا مَن لا يَسْألُكم أجْرًا وهم مُهْتَدُونَ﴾، أيْ: وهم عَلى هُدًى مِنَ اللهِ. وهَذِهِ الآيَةُ حاكِمَةٌ بِنَقْصِ مَن يَأْخُذُ أُجْرَةً عَلى شَيْءٍ مِن أفْعالِ الشَرْعِ الَّتِي هي لازِمَةٌ كالصَلاةِ ونَحْوَها، فَإنَّها كالتَبْلِيغِ لِمَن بُعِثَ، بِخِلافِ ما لا يَلْزَمُهُ كالإمارَةِ والقَضاءِ، وقَدِ ارْتَزَقَ أبُو بَكْرٍ الصَدِيقُ رَضِيَ اللهُ عنهُ.

ورُوِيَ عن أبِي مِجْلَزٍ، وكَعْبِ الأحْبارِ، وابْنِ عَبّاسٍ أنَّ اسْمَ هَذا الرَجُلِ حَبِيبٌ، وكانَ نَجّارًا، وكانَ - فِيما قالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ - قَدْ تَجَذَّمَ، وقِيلَ: كانَ في غارٍ يَعْبُدُ رَبَّهُ، وقالَ ابْنُ أبِي لَيْلى: "سُبّاقُ الأُمَمِ ثَلاثَةٌ لَمْ يَكْفُرُوا بِاللهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ: عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وصاحِبُ يَسَ، ومُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ"، وذَكَرَ الناسُ مِن أسْماءِ الرُسُلِ: صادِقٌ وصَدُوقٌ وشَلُومُ، وغَيْرُ هَذا، والصِحَّةُ مَعْدُومَةٌ فاخْتَصَرْتُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском