Ibn 'Atiyya · Tafsir · in Arabic
التغابن
At-Taghabun
The Mutual Disillusion · Medinan · 18 ayahs
64:1–4Page 556
يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۖ لَهُ ٱلۡمُلۡكُ وَلَهُ ٱلۡحَمۡدُۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ ١
Whatever is in the heavens and whatever is on the earth is exalting Allāh.1 To Him belongs dominion, and to Him belongs [all] praise, and He is over all things competent.
هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمۡ فَمِنكُمۡ كَافِرٞ وَمِنكُم مُّؤۡمِنٞۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٌ ٢
It is He who created you, and among you is the disbeliever, and among you is the believer. And Allāh, of what you do, is Seeing.
خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ بِٱلۡحَقِّ وَصَوَّرَكُمۡ فَأَحۡسَنَ صُوَرَكُمۡۖ وَإِلَيۡهِ ٱلۡمَصِيرُ ٣
He created the heavens and earth in truth and formed you and perfected your forms; and to Him is the [final] destination.
يَعۡلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَيَعۡلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعۡلِنُونَۚ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ٤
He knows what is within the heavens and earth and knows what you conceal and what you declare. And Allāh is Knowing of that within the breasts.
(p-٣١٧)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ التَغابُنِ
قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: هي مَدَنِيَّةٌ، وقالَ آخَرُونَ مِنهُمْ: هي مَكِّيَّةٌ، إلّا مِن قَوْلِهِ تَعالى وجَلَّ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ مِن أزْواجِكم وأولادِكُمْ﴾ [التغابن: ١٤] إلى آخِرِ السُورَةِ فَإنَّهُ مَدَنِيٌّ، وذَكَرَ الثَعْلَبِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّ النَبِيَّ ﷺ قالَ: « "ما مِن مَوْلُودٍ يُولَدُ إلّا وفي تَشابِيكِ رَأْسِهِ خَمْسُ آياتٍ مِن فاتِحَةِ سُورَةِ التَغابُنِ.»
قوله عزّ وجلّ:
﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم فَمِنكم كافِرٌ ومِنكم مُؤْمِنٌ واللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ﴿خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ وصَوَّرَكم فَأحْسَنَ صُوَرَكم وإلَيْهِ المَصِيرُ﴾ ﴿يَعْلَمُ ما في السَماواتِ والأرْضِ ويَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وما تُعْلِنُونَ واللهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُدُورِ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ عُمُومُ مَعْناهُ التَنْبِيهُ، و"الشَيْءُ" هو المَوْجُودُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ تَعْدِيدُ نِعْمَةٍ، والمَعْنى: فَمِنكم كافِرٌ لِنِعْمَتِهِ في الإيجادِ حِينَ لَمْ يُوجَدْ كافِرٌ لِجَهْلِهِ بِاللهِ، ومِنكم مُؤْمِنٌ بِاللهِ، والإيمانُ بِهِ شُكْرٌ لِنِعْمَتِهِ، فالإشارَةُ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ في الإيمانِ والكُفْرِ- هي إلى اكْتِسابِ العَبْدِ، هَذا قَوْلُ جَماعَةٍ مِنَ المُتَأوِّلِينَ، وحُجَّتُهم قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ"،» (p-٣١٨)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ الناسَ عَلَيْها﴾ [الروم: ٣٠]، وكَأنَّ العِبارَةَ في قَوْلِهِ تَعالى: "فَمِنكُمْ" تُعْطِي هَذا كُلَّهُ، وكَذَلِكَ يُقَوِّيهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾.
وقِيلَ: المَعْنى خَلَقَكم مِنكم مُؤْمِنٌ ومِنكم كافِرٌ في أصْلِ الخَلْقِ، فَهي جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الحالِ، فالإشارَةُ -عَلى هَذا- في الإيمانِ والكُفْرِ هي إلى اخْتِراعِ اللهِ تَعالى وخَلْقِهِ، وهَذا تَأْوِيلُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وأبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللهُ عنهُما، ويَجْرِي مَعَ هَذا المَعْنى قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "إنَّ أحَدَكم يَكُونُ في بَطْنِ أُمِّهِ نُطْفَةً أرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ عَلَقَةً أرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ مُضْغَةً أرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَجِيءُ المَلِكُ فَيَقُولُ: يا رَبِّ، أذَكَرٌ أمْ أُنْثى؟ أشَقِيٌّ أمْ سَعِيدٌ ؟ فَما الرِزْقُ؟ فَما الأجَلُ، فَيَكْتُبُ ذَلِكَ في بَطْنِ أُمِّهِ"،» فَقَوْلُهُ في الحَدِيثِ: "أشَقِيٌّ أمْ سَعِيدٌ "؟ هو في هَذِهِ الآيَةِ ﴿فَمِنكم كافِرٌ ومِنكم مُؤْمِنٌ﴾، ويَجْرِي مَعَ هَذا المَعْنى قَوْلُهُ في الغُلامِ الَّذِي قَتَلَهُ الخَضِرُ: « "إنَّهُ طُبِعَ يَوْمَ طُبِعَ كافِرًا"،» وما رَوى ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ قالَ: « "خَلَقَ اللهُ فِرْعَوْنَ في البَطْنِ كافِرًا، وخَلَقَ يَحْيى بْنَ زَكَرِيّاءَ مُؤْمِنًا"،» وقالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ: مَعْنى الآيَةِ: فَمِنكم كافِرٌ بِاللهِ مُؤْمِنٌ بِالكَوْكَبِ، ومُؤْمِنٌ بِاللهِ كافِرٌ بِالكَوْكَبِ، وقُدِّمَ الكافِرُ لِأنَّهُ أعْرَفُ مِن جِهَةِ الكَثْرَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "بِالحَقِّ" أيْ: حِينَ خَلَقَها مَحْقُوقًا في نَفْسِهِ لَيْسَتْ عَبَثًا ولا لِغَيْرِ مَعْنًى،
(p-٣١٩)وَقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "صَوَّرَكُمْ" بِضَمِّ الصادِ، وقَرَأ أبُو رَزِينٍ: "صَوَّرَكُمْ" بِكَسْرِها، وهَذا تَعْدِيدُ النِعْمَةِ في حُسْنِ الخِلْقَةِ لِأنَّ أعْضاءَ ابْنِ آدَمَ مُتَصَرِّفَةٌ في جَمِيعِ ما تَتَصَرَّفُ بِهِ أعْضاءُ الحَيَوانِ وبِزِياداتٍ كَثِيرَةٍ فُضِّلَ بِها، ثُمَّ هو مُفَضَّلٌ بِحُسْنِ الوَجْهِ وجَمالِ الجَوارِحِ، وحُجَّةُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤]، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: النِعْمَةُ المُعَدَّدَةُ هُنا إنَّما هي صُورَةُ الإنْسانِ مِن حَيْثُ هو إنْسانٌ مُدْرِكٌ عاقِلٌ، فَهَذا هو الَّذِي حَسُنَ لَهُ حَتّى لَحِقَ ذَلِكَ كِمالاتٌ كَثِيرَةٌ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
والقَوْلُ الأوَّلُ أحْرى في لُغَةِ العَرَبِ لِأنَّها لا تَعْرِفُ الصُوَرَ إلّا الشَكْلَ.
وذَكَرَ تَعالى عِلْمَهُ بِما في السَماواتِ والأرْضِ، فَعَلِمَ أعْظَمُ المَخْلُوقاتِ، ثُمَّ تَدَرَّجَ القَوْلُ إلى أخْفى مِن ذَلِكَ وهو جَمِيعُ ما يَقُولُهُ الناسُ في سِرٍّ وعَلَنٍ، ثُمَّ تَدَرَّجَ إلى خَفِيٍّ وهو ما يَهْجِسُ بِالخَواطِرِ، و"ذاتِ الصُدُورِ": ما فِيهِ مِن خَطِراتٍ واعْتِقاداتٍ، كَما يُقالُ: "الذِئْبُ مَغْبُوطٌ بِذِي بَطْنِهِ"، والصَدْرُ هُنا عِبارَةٌ عَنِ القَلْبِ.
64:5–7Page 556
أَلَمۡ يَأۡتِكُمۡ نَبَؤُاْ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبۡلُ فَذَاقُواْ وَبَالَ أَمۡرِهِمۡ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ٥
Has there not come to you the news of those who disbelieved before? So they tasted the bad consequence of their affair, and they will have a painful punishment.
ذَٰلِكَ بِأَنَّهُۥ كَانَت تَّأۡتِيهِمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَقَالُوٓاْ أَبَشَرٞ يَهۡدُونَنَا فَكَفَرُواْ وَتَوَلَّواْۖ وَّٱسۡتَغۡنَى ٱللَّهُۚ وَٱللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٞ ٦
That is because their messengers used to come to them with clear evidences, but they said, "Shall human beings guide us?" and disbelieved and turned away. And Allāh dispensed [with them]; and Allāh is Free of need and Praiseworthy.
زَعَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَن لَّن يُبۡعَثُواْۚ قُلۡ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتُبۡعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلۡتُمۡۚ وَذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٞ ٧
Those who disbelieve have claimed that they will never be resurrected. Say, "Yes, by my Lord, you will surely be resurrected; then you will surely be informed of what you did. And that, for Allāh, is easy."
قوله عزّ وجلّ:
﴿ألَمْ يَأْتِكم نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ فَذاقُوا وبالَ أمْرِهِمْ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهُ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَقالُوا أبَشَرٌ يَهْدُونَنا فَكَفَرُوا وتَوَلَّوْا واسْتَغْنى اللهُ واللهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى ورَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ وذَلِكَ عَلى اللهِ يَسِيرٌ﴾
"ألَمْ يَأْتِكُمْ" جَزْمٌ، أصْلُهُ: يَأْتِيكُمْ، قالَ سِيبَوَيْهِ: "واعْلَمْ أنَّ الآخَرَ إذا كانَ يَسْكُنُ في الرَفْعِ حُذِفَ في الجَزْمِ"، والخِطابُ في هَذِهِ الآيَةِ لِقُرَيْشٍ، ذَكَرُوا ما حَلَّ بِعادٍ وثَمُودَ وقَوْمِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلام وغَيْرِهِمْ مِمَّنْ سَمِعَتْ قُرَيْشٌ أخْبارَهُمْ، و"وَبالُ الأمْرِ": مَكْرُوهُهُ وما يَسُوءُ مِنهُ.
(p-٣٢٠)وَقَوْلُهُ تَعالى: "ذَلِكَ بِأنَّهُ" إشارَةٌ إلى ذَوْقِ الوَبالِ وكَوْنِ عَذابِ الآخِرَةِ لَهُمْ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى مِن مَقالاتِ أُولَئِكَ الماضِينَ ما هو مُشْبِهٌ لِقَوْلِ الكُفّارِ مِن قُرَيْشٍ مِنَ اسْتِبْعادِ بَعْثِ اللهِ لِلْبَشَرِ، ونُبُوَّةِ أحَدٍ مِن بَنِي آدَمَ، وحَسَدِ الشَخْصِ المَبْعُوثِ. وقَوْلُهُ: "أبَشَرٌ" رَفْعٌ بِالِابْتِداءِ، وجَمْعُ الضَمِيرِ "يَهْدُونَنا" مِن حَيْثُ كانَ "البَشَرُ" اسْمَ هَذا النَوْعِ الآدَمِيِّ، كَأنَّهم قالُوا: أناسٌ هُداتُنا؟ وقَوْلُهُ تَعالى: "واسْتَغْنى اللهُ" عِبارَةٌ عَمّا ظَهَرَ مِن هَلاكِهِمْ وأنَّهم لَنْ يَضُرُّوا اللهَ شَيْئًا فَبانَ أنَّهُ كانَ غَنِيًّا أوَّلًا، وبِسَبَبِ ظُهُورِ هَلاكِهِمْ بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ ظاهِرًا ساغَ اسْتِعْمالُ هَذا الغِناءِ مُسْتَنَدًا إلى اسْمِ اللهِ تَعالى؛ لِأنَّ بِناءَ "اسْتَفْعَلَ" إنَّما هو لِطَلَبِ الشَيْءِ وتَحْصِيلِهِ بِالطَلَبِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يَخُصُّ قُرَيْشًا ثُمَّ هي بَعْدُ تَعُمُّ كُلَّ كافِرٍ بِالبَعْثِ، وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "الزَعْمُ كُنْيَةُ الكَذِبِ"، وقالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "بِئْسَ مَطِيَّةُ الرَجُلِ زَعَمُوا"،» ولا تُوجَدُ "زَعَمَ" مُسْتَعْمَلَةً في فَصِيحٍ مِنَ الكَلامِ إلّا عِبارَةٌ عَنِ الكَذِبِ أو قَوْلٍ انْفَرَدَ بِهِ قائِلُهُ فَيُرِيدُ ناقِلُهُ أنْ يُلْقِيَ عُهْدَتَهُ عَلى الزاعِمِ، فَفي ذَلِكَ ما يَنْحُو إلى تَضْعِيفِ الزَعْمِ، وقَوْلُ سِيبَوَيْهِ: "زَعَمَ الخَلِيلُ" إنَّما يَجِيءُ فِيما يَنْفَرِدُ بِهِ الخَلِيلُ.
ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى أنْ يُجِيبَ نَفْيَهم بِما يَقْتَضِي الرَدَّ عَلَيْهِمْ وإيجابَ البَعْثِ وأنْ يُؤَكِّدَ ذَلِكَ بِالقَسَمِ، ثُمَّ تَوَعَّدَهم في آخِرِ الآيَةِ بِأنَّهم يُخْبِرُونَ بِأعْمالِهِمْ عَلى جِهَةِ التَوْقِيفِ والتَوْبِيخِ المُؤَدِّي إلى العِقابِ.
64:8–11Page 556
فَـَٔامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَٱلنُّورِ ٱلَّذِيٓ أَنزَلۡنَاۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ ٨
So believe in Allāh and His Messenger and the light [i.e., the Qur’ān] which We have sent down. And Allāh is Aware of what you do.
يَوۡمَ يَجۡمَعُكُمۡ لِيَوۡمِ ٱلۡجَمۡعِۖ ذَٰلِكَ يَوۡمُ ٱلتَّغَابُنِۗ وَمَن يُؤۡمِنۢ بِٱللَّهِ وَيَعۡمَلۡ صَٰلِحٗا يُكَفِّرۡ عَنۡهُ سَيِّـَٔاتِهِۦ وَيُدۡخِلۡهُ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۚ ذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ ٩
The Day He will assemble you for the Day of Assembly - that is the Day of Deprivation.1 And whoever believes in Allāh and does righteousness - He will remove from him his misdeeds and admit him to gardens beneath which rivers flow, wherein they will abide forever. That is the great attainment.
وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَآ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِ خَٰلِدِينَ فِيهَاۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ ١٠
But the ones who disbelieved and denied Our verses - those are the companions of the Fire, abiding eternally therein; and wretched is the destination.
مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۗ وَمَن يُؤۡمِنۢ بِٱللَّهِ يَهۡدِ قَلۡبَهُۥۚ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ ١١
No disaster strikes except by permission of Allāh. And whoever believes in Allāh - He will guide his heart. And Allāh is Knowing of all things.
قوله عزّ وجلّ:
﴿فَآمِنُوا بِاللهِ ورَسُولِهِ والنُورِ الَّذِي أنْزَلْنا واللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكم لِيَوْمِ الجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمَ التَغابُنِ ومَن يُؤْمِن بِاللهِ ويَعْمَلْ صالِحًا يُكَفِّرْ عنهُ سَيِّئاتِهِ ويُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولَئِكَ أصْحابُ النارِ خالِدِينَ فِيها وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ ﴿ما أصابَ مِن مُصِيبَةٍ إلا بِإذْنِ اللهِ ومَن يُؤْمِن بِاللهِ يَهْدِ قَلْبَهُ واللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾
هَذا دُعاءٌ إلى اللهِ تَعالى وتَبْلِيغٌ وتَحْذِيرٌ، و"النُورُ" القُرْآنُ. والعامِلُ في "يَوْمَ" (p-٣٢١)يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "تُنَبَّؤُنَّ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "خَبِيرٌ"، وهو تَعالى خَبِيرٌ في كُلِّ يَوْمٍ ولَكِنْ يَخُصُّ ذَلِكَ اليَوْمَ لِأنَّهُ يَوْمٌ تَضُرُّهم فِيهِ خِبْرَةُ اللهِ تَعالى بِأُمُورِهِمْ، وقَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ: "يَجْمَعُكُمْ" بِضَمِّ العَيْنِ، وقَرَأ أبُو عُمَرَ بِسُكُونِها، ورُوِيَ عنهُ أنَّهُ أشَمَّها الضَمَّ، وهَذا عَلى جَوازِ تَسْكِينِ الحَرَكَةِ وإنْ كانَتْ لِإعْرابٍ، كَما قالَ جَرِيرٌ:
؎ ............ فَلَمْ تَعْرِفْكُمُ العَرَبُ
و"يَوْمَ الجَمْعِ" هو يَوْمُ القِيامَةِ، وهو يَوْمُ التَغابُنِ؛ وذَلِكَ أنَّ كُلَّ واحِدٍ يَنْبَعِثُ مِن قَبْرِهِ وهو يَرْجُو حَظًّا أوَمَنزِلَةً، فَإذا وقَعَ الجَزاءُ عَيَّرَ المُؤْمِنُونَ الكافِرِينَ لِأنَّهم يُجْزَوْنَ الجَنَّةَ ويَحْصُلُ الكُفّارُ في النارِ، نَحا هَذا المَعْنى مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ، ولَيْسَ هَذا الفِعْلُ في "التَغابُنِ" مِنَ اثْنَيْنِ، بَلْ هو كَتَواضَعَ وتَحامَلَ.
وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، والمُفَضَّلُ عن عاصِمٍ: "نَكْفُرُ" بِنُونٍ، وكَذَلِكَ "نُدْخِلُهُ"، وهي قِراءَةُ الأعْرَجِ، وأبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ، والحَسَنِ بِخِلافٍ- وطَلْحَةَ، وقَرَأ الباقُونَ، والأعْمَشُ، وعِيسى، والحَسَنُ في المَوْضِعَيْنِ بِالياءِ، عَلى مَعْنى: يُكَفِّرُ اللهُ، والأوَّلُ هو نُونُ العَظَمَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما أصابَ مِن مُصِيبَةٍ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ المَصائِبَ الَّتِي هي رَزايا، وخَصَّها بِالذِكْرِ لِأنَّها الأهَمُّ عَلى الناسِ والأبْيَنُ أثَرًا في نُفُوسِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ جَمِيعَ الحَوادِثِ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ، وذَلِكَ أنَّ الحُكْمَ واحِدٌ في أنَّها بِإذْنِ اللهِ تَعالى، و"الإذْنُ" في (p-٣٢٢)هَذا المَوْضِعِ عِبارَةٌ عَنِ العِلْمِ والإرادَةِ وتَمْكِينِ الوُقُوعِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن يُؤْمِن بِاللهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ قالَ فِيهِ المُفَسِّرُونَ: المَعْنى: مَن آمَنَ بِاللهِ تَعالى وعَرَفَ أنَّ كُلَّ شَيْءٍ بِقَضاءِ اللهِ وقَدَرِهِ وعِلْمِهِ، هانَتْ عَلَيْهِ مُصِيبَتُهُ، وسَلَّمَ الأمْرَ لِلَّهِ تَعالى. وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "نَهْدِ" بِالنُونِ، وقَرَأ الضَحّاكُ: "يُهْدَ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الدالِ "قَلْبُهُ" رَفْعًا، وقَرَأ عِكْرِمَةُ أنَّهُ سَكَّنَ بَدَلَ الهَمْزَةِ ألِفًا، عَلى مَعْنى أنَّ صاحِبَ المُصِيبَةِ يُسَلِّمُ فَتَسْكُنُ نَفْسُهُ، ويُرْشِدُ اللهُ تَعالى المُؤْمِنَ بِهِ إلى الصَوابِ في الأُمُورِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ عُمُومٌ مُطْلَقٌ عَلى ظاهِرِهِ.
64:12–15Page 557
وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَۚ فَإِن تَوَلَّيۡتُمۡ فَإِنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ ١٢
And obey Allāh and obey the Messenger; but if you turn away - then upon Our Messenger is only [the duty of] clear notification.
ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ١٣
Allāh - there is no deity except Him. And upon Allāh let the believers rely.
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّ مِنۡ أَزۡوَٰجِكُمۡ وَأَوۡلَٰدِكُمۡ عَدُوّٗا لَّكُمۡ فَٱحۡذَرُوهُمۡۚ وَإِن تَعۡفُواْ وَتَصۡفَحُواْ وَتَغۡفِرُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌ ١٤
O you who have believed, indeed, among your spouses and your children are enemies to you, so beware of them. But if you pardon and overlook and forgive - then indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.
إِنَّمَآ أَمۡوَٰلُكُمۡ وَأَوۡلَٰدُكُمۡ فِتۡنَةٞۚ وَٱللَّهُ عِندَهُۥٓ أَجۡرٌ عَظِيمٞ ١٥
Your wealth and your children are but a trial, and Allāh has with Him a great reward.
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَأطِيعُوا اللهَ وأطِيعُوا الرَسُولَ فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإنَّما عَلى رَسُولِنا البَلاغُ المُبِينُ﴾ ﴿اللهُ لا إلَهَ إلا هو وعَلى اللهُ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ مِن أزْواجِكم وأولادِكم عَدُوًّا لَكم فاحْذَرُوهم وإنْ تَعْفُوا وتَصْفَحُوا وتَغْفِرُوا فَإنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿إنَّما أمْوالُكم وأولادُكم فِتْنَةٌ واللهُ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: "وَأطِيعُوا" عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ "فَآمِنُوا"، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: "فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ" إلى آخِرِ الآيَةِ وعِيدٌ وتَبْرِئَةٌ لِمُحَمَّدٍ ﷺ إذا بَلَغَ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَعَلى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ تَحْرِيضٌ لِلْمُؤْمِنِينَ عَلى مُكافَحَةِ الكُفّارِ والصَبْرِ عَلى دِينِ اللهِ تَعالى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ مِن أزْواجِكم وأولادِكم عَدُوًّا لَكم فاحْذَرُوهُمْ﴾ إلى آخِرِ السُورَةِ، قُرْآنٌ مَدَنِيٌّ، اخْتَلَفَ الناسُ في سَبَبِهِ، فَقالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ: إنَّهُ نَزَلَ في عَوْفِ بْنِ مالِكٍ الأشْجَعِيِّ، وذَلِكَ أنَّهُ أرادَ غَزْوًا مَعَ النَبِيِّ ﷺ، فاجْتَمَعَ أهْلُهُ وأولادُهُ فَثَبَّطُوهُ وشَكَوْا إلَيْهِ فِراقَهُ، فَلَمْ يَغْزُ، ثُمَّ إنَّهُ نَدِمَ وهَمَّ بِمُعاقَبَتِهِمْ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ بِسَبَبِهِ مُحَذِّرَةً مِنَ الأزْواجِ والأولادِ وفِتْنَتِهِمْ، ثُمَّ صَرَفَهُ تَعالى عن مُعاقَبَتِهِمْ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وَإنْ تَعْفُوا وتَصْفَحُوا وتَغْفِرُوا﴾.
وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ سَبَبُ الآيَةِ أنَّ قَوْمًا آمَنُوا بِاللهِ تَعالى وثَبَّطَهم أزْواجُهم وأولادُهم عَنِ الهِجْرَةِ فَلَمْ يُهاجِرُوا إلّا بَعْدَ مُدَّةٍ، فَوَجَدُوا غَيْرَهم قَدْ تَفَقَّهَ في الدَيْنِ، (p-٣٢٣)فَنَدِمُوا وأسِفُوا وهَمُّوا بِمُعاقَبَةِ أزْواجِهِمْ وأولادِهِمْ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّ الأمْوالَ والأولادَ فِتْنَةٌ تَشْغَلُ المَرْءَ عن مَراشِدِهِ، وتَحْمِلُهُ مِنَ الرَغْبَةِ في الدُنْيا عَلى ما لا يَحْمَدُهُ في آخِرَتِهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ ﷺ: « "الوَلَدُ مَبْخَلَةٌ مَجْبَنَةٌ"،» وخَرَّجَ أبُو داوُدَ حَدِيثًا في مُصَنَّفِهِ «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كانَ يَخْطُبُ يَوْمَ الجُمْعَةِ حَتّى جاءَ الحَسَنُ والحُسَيْنُ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُما، وعَلَيْهِما قَمِيصانِ أحْمَرانِ يَجُرّانِهِما، يَعْثِرانِ ويَقُومانِ، فَنَزَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ المِنبَرِ حَتّى أخَذَهُما وصَعِدَ بِهِما، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ وقالَ: إنِّي رَأيْتُ هَذَيْنِ فَلَمْ أصْبِرْ، ثُمَّ أخَذَ في خُطْبَتِهِ.»
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذِهِ ونَحْوُها هي فِتْنَةُ الفُضَلاءِ، فَأمّا فِتْنَةُ الجُهّالِ الفَسَقَةِ فَمُؤَدِّيَةٌ إلى كُلِّ مَهْلَكَةٍ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "لا يَقُولُ أحَدُكُمْ: اللهُمَّ اعْصِمْنِي عَنِ الفِتْنَةِ، فَإنَّهُ لَيْسَ يَرْجِعُ أحَدٌ إلى أهْلٍ ومالٍ إلّا وهو مُشْتَمِلٌ عَلى الفِتْنَةِ، ولَكِنْ لِيَقُلِ: اللهُمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَ مِن مُضِلّاتِ الفِتَنِ"، وقالَ عُمَرُ: لِحُذَيْفَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُما: كَيْفَ أصْبَحْتَ؟ قالَ: أصْبَحْتُ أُحِبُّ الفِتْنَةَ وأكْرَهُ الحَقَّ، فَقالَ عُمَرُ: ما هَذا؟ قالَ: أُحِبُّ ولَدِي وأكْرَهُ المَوْتَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللهُ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ تَزْهِيدٌ في الدُنْيا وتَرْغِيبٌ في الآخِرَةِ.
64:16–18Page 557
فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسۡتَطَعۡتُمۡ وَٱسۡمَعُواْ وَأَطِيعُواْ وَأَنفِقُواْ خَيۡرٗا لِّأَنفُسِكُمۡۗ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفۡسِهِۦ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ١٦
So fear Allāh as much as you are able and listen and obey and spend [in the way of Allāh]; it is better for your selves. And whoever is protected from the stinginess of his soul - it is those who will be the successful.
إِن تُقۡرِضُواْ ٱللَّهَ قَرۡضًا حَسَنٗا يُضَٰعِفۡهُ لَكُمۡ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡۚ وَٱللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ ١٧
If you loan Allāh a goodly loan, He will multiply it for you and forgive you. And Allāh is [most] Appreciative1 and Forbearing,2
عَٰلِمُ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ١٨
Knower of the unseen and the witnessed, the Exalted in Might, the Wise.
قوله عزّ وجلّ:
﴿فاتَّقُوا اللهَ ما اسْتَطَعْتُمْ واسْمَعُوا وأطِيعُوا وأنْفِقُوا خَيْرًا لأنْفُسِكم ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ ﴿إنْ تُقْرِضُوا اللهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضاعِفْهُ لَكم ويَغْفِرْ لَكم واللهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ﴾ ﴿عالِمُ الغَيْبِ والشَهادَةِ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾
(p-٣٢٤)قالَ قَتادَةُ وفَرِيقٌ مِنَ الناسِ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فاتَّقُوا اللهَ ما اسْتَطَعْتُمْ﴾ ناسِخٌ لِقَوْلُهُ تَعالى: ﴿اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢]، ورُوِيَ أنَّ الأمْرَ بِحَقِّ التُقاةِ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلى الناسِ حَتّى نَزَلَ "ما اسْتَطَعْتُمْ"، وذَهَبَتْ فِرْقَةٌ مِنهم أبُو جَعْفَرِ النَحّاسُ إلى أنَّهُ لا نَسْخَ في الآيَتَيْنِ، وأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: "حَقَّ تُقاتِهِ" مَقْصِدُهُ: فِيما اسْتَطَعْتُمْ، ولا يَعْقِلُ أنْ يُطِيعَ أحَدٌ فَوْقَ طاقَتِهِ واسْتِطاعَتِهِ، فَهَذِهِ عَلى هَذا التَأْوِيلِ مُبَيِّنَةٌ لِتِلْكَ، وتَحْتَمِلُ هَذِهِ الآيَةُ أنْ تَكُونَ: فاتَّقُوا اللهَ مُدَّةَ اسْتِطاعَتِكُمُ التَقْوى، وتَكُونُ: "ما" ظَرْفًا لِلزَّمانِ كُلِّهِ، كَأنَّهُ يَقُولُ: حَياتُكم وما دامَ العَمَلُ مُمْكِنًا.
قَوْلُهُ تَعالى: "خَيْرًا" ذَهَبَ بَعْضُ النُحاةِ إلى أنَّهُ نُصِبَ عَلى الحالِ، وفي ذَلِكَ ضَعْفٌ، وذَهَبَ آخَرُونَ مِنهم إلى أنَّهُ نُصِبَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: و"أنْفِقُوا"، قالُوا: والخَبَرُ هُنا المالُ، وذَهَبَ فَرِيقٌ آخَرُونَ مِنهم إلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: إَنْفاقًا خَيْرًا، ومَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّهُ نُصِبَ بِإضْمارِ فِعْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ "أنْفِقُوا".
وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "يُوَقَّ" بِفَتْحِ الواوِ وشَدِّ القافِ، وقَرَأ أبُو عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "شِحَّ" بِكَسْرِ الشِينِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في سُورَةِ [الحَشْرِ]، وقالَ الحَسَنُ: نَظَرُكَ إلى امْرَأةٍ لا تَمْلِكُها مِنَ الشُحِّ، «وَقِيلَ: يا رَسُولَ اللهِ، ما يُدْخِلُ العَبْدَ النارَ؟ قالَ: "إذا رَأيْتَ شُحًّا مُطاعًا وهَوًى مُتَّبَعًا وإعْجابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيهِ، فَعَلَيْكَ بِخُوَيْصَةِ نَفْسِكَ".»
وقَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ: "يُضاعِفُهُ" وقَرَأ ابْنُ كَثِرٍ وابْنُ عامِرٍ: "يُضاعِفُهُ"، وذَهَبَ (p-٣٢٥)بَعْضُ العُلَماءِ إلى أنَّ هَذا الحَضَّ هو عَلى أداءِ الزَكاةِ المَفْرُوضَةِ، وذَهَبَ آخَرُونَ مِنهم إلى أنَّ الآيَةَ في المَندُوبِ إلَيْهِ، وهو الأصَحُّ إنْ شاءَ اللهُ تَعالى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللهُ شَكُورٌ﴾ إخْبارٌ بِمَجازاتِهِ تَعالى.
عَلى الشَيءِ، وأنَّهُ يَحُطُّ بِهِ عَمَّنْ شاءَ اللهُ العَظِيمُ، لا رَبَّ غَيْرُهُ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [ التَغابُنِ ] والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences