Ibn 'Atiyya · Tafsir · in Arabic
فصلت
Fussilat
Explained in Detail · Meccan · 54 ayahs
41:1–7Page 477
حمٓ ١
Ḥā, Meem.1
تَنزِيلٞ مِّنَ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ ٢
[This is] a revelation from the Entirely Merciful, the Especially Merciful -
كِتَٰبٞ فُصِّلَتۡ ءَايَٰتُهُۥ قُرۡءَانًا عَرَبِيّٗا لِّقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ ٣
A Book whose verses have been detailed, an Arabic Qur’ān1 for a people who know,
بَشِيرٗا وَنَذِيرٗا فَأَعۡرَضَ أَكۡثَرُهُمۡ فَهُمۡ لَا يَسۡمَعُونَ ٤
As a giver of good tidings and a warner; but most of them turn away, so they do not hear.
وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِيٓ أَكِنَّةٖ مِّمَّا تَدۡعُونَآ إِلَيۡهِ وَفِيٓ ءَاذَانِنَا وَقۡرٞ وَمِنۢ بَيۡنِنَا وَبَيۡنِكَ حِجَابٞ فَٱعۡمَلۡ إِنَّنَا عَٰمِلُونَ ٥
And they say, "Our hearts are within coverings [i.e., screened] from that to which you invite us, and in our ears is deafness, and between us and you is a partition, so work;1 indeed, we are working."
قُلۡ إِنَّمَآ أَنَا۠ بَشَرٞ مِّثۡلُكُمۡ يُوحَىٰٓ إِلَيَّ أَنَّمَآ إِلَٰهُكُمۡ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞ فَٱسۡتَقِيمُوٓاْ إِلَيۡهِ وَٱسۡتَغۡفِرُوهُۗ وَوَيۡلٞ لِّلۡمُشۡرِكِينَ ٦
Say, [O Muḥammad], "I am only a man like you to whom it has been revealed that your god is but one God; so take a straight course to Him and seek His forgiveness." And woe to those who associate others with Allāh –
ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَهُم بِٱلۡأٓخِرَةِ هُمۡ كَٰفِرُونَ ٧
Those who do not give zakāh, and in the Hereafter they are disbelievers.
(p-٤٦١)
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ فُصِّلَتْ
هَذِهِ السُورَةُ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، ويُرْوى «أنَّ عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ ذَهَبَ إلى رَسُولِ اللهِ ﷺ لِيُبَيِّنَ عَلَيْهِ أمْرَ مُخالَفَتِهِ لِقَوْمِهِ، ولْيَحْتَجَّ عَلَيْهِ فِيما بَيْنَهُ وبَيْنَهُ، ولْيُبْعِدْ ما جاءَ بِهِ، فَلَمّا تَكَلَّمَ عُتْبَةُ قَرَأ رَسُولُ اللهِ ﷺ: "حم" ومَرَّ في صَدْرِ هَذِهِ السُورَةِ، حَتّى انْتَهى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ أعْرَضُوا فَقُلْ أنْذَرْتُكم صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةً عادٍ وثَمُودَ﴾ [فصلت: ١٣]، فَأُرْعِدَ الشَيْخُ وقَفَّ شَعْرُهُ، وأمْسَكَ عَلى فَمِ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِيَدِهِ وناشَدَهُ بِالرَحِمِ أنْ يُمْسِكَ، وقالَ حِينَ فارَقَهُ: "واللهِ لَقَدْ سَمِعْتُ شَيْئًا ما هو بِالشِعْرِ ولا بِالسِحْرِ ولا بِالكِهانَةِ، ولَقَدْ ظَنَنْتُ أنَّ صاعِقَةَ العَذابِ عَلى رَأْسِي".»
(p-٥٦٢)قوله عزّ وجلّ:
﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ﴾ ﴿كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿بَشِيرًا ونَذِيرًا فَأعْرَضَ أكْثَرُهم فَهم لا يَسْمَعُونَ﴾ ﴿وَقالُوا قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ وفي آذانِنا وقْرٌ ومِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ فاعْمَلْ إنَّنا عامِلُونَ﴾ ﴿قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم يُوحى إلَيَّ أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ فاسْتَقِيمُوا إلَيْهِ واسْتَغْفِرُوهُ ووَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَكاةَ وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾
تَقَدَّمَ القَوْلِ في أوائِلِ السُورِ مِمّا يَخْتَصُّ بِهِ الحَوامِيمُ، وأمالَ الأعْمَشُ "حم" في كُلِّها، و"تَنْزِيلٌ" خَبَرُ الِابْتِداءِ، إمّا عَلى أنْ يُقَدِّرَ الِابْتِداءِ في "حم" عَلى ما تَقْتَضِيهِ بَعْضُ الأقاوِيلِ فِيها، إذا جُعِلَتِ اسْمًا لِلسُّورَةِ أو لِلْقُرْآنِ أو إشارَةً إلى حُرُوفِ المُعْجَمِ، وإمّا عَلى أنْ يَكُونَ التَقْدِيرُ: هَذا تَنْزِيلٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ "تَنْزِيلٌ" ابْتِداءٌ وخَبَرُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كِتابٌ فُصِّلَتْ﴾، عَلى مَعْنى: ذُو تَنْزِيلٍ. و﴿الرَحْمَنِ الرَحِيمِ﴾ صِفَتا رَجاءٍ ورَحْمَةٍ لِلَّهِ تَعالى، و"فُصِّلَتْ" قالَ السَدِّيُّ: مَعْناهُ: بُيِّنَتْ آياتُهُ، أيْ فُسِّرَتْ مَعانِيهِ، فَفَصَلَ بَيْنَ حَلالِهِ وحَرامِهِ، وزَجْرِهِ وأمْرِهِ ونَهْيِهِ، ووَعْدِهِ ووَعِيدِهِ، وقِيلَ: فُصِّلَتْ في التَنْزِيلِ، أيْ نَزَلَ نُجُومًا، ولَمْ يَنْزِلْ مَرَّةً واحِدَةً، وقِيلَ: فُصِّلَتْ بِالمَواقِفِ وأنْواعِ أواخِرِ الآيِ، ولَمْ يَكُنْ يَرْجِعُ إلى قافِيَةٍ ونَحْوَها كالشِعْرِ والسَجْعِ، و"قُرْآنًا" نَصْبٌ عَلى الحالِ عِنْدَ قَوْمٍ، وهي مُؤَكَّدَةٌ لِأنَّ هَذِهِ الحالَ لَيْسَتْ مِمّا تَنْتَقِلُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو نَصْبٌ عَلى المَصْدَرِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: "قُرْآنًا" تَوْطِئَةٌ لِلْحالِ و"عَرَبِيًّا" حالٌ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: "قُرْآنًا" نَصْبٌ عَلى المَدْحِ، وهو قَوْلٌ ضَعِيفٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ قالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: يَعْلَمُونَ الأشْياءَ ويَعْقِلُونَ الدَلائِلَ ويَنْظُرُونَ عَلى طَرِيقِ النَظَرِ، فَكَأنَّ القُرْآنَ فُصِّلَتْ آياتُهُ لِهَؤُلاءِ إذْ هم أهْلُ الِانْتِفاعِ بِها، فَخُصُّوا بِالذِكْرِ تَشْرِيفًا، ومَن لَمْ يَنْتَفِعْ بِالتَفْصِيلِ، فَكَأنَّهُ لَمْ يُفَصَّلْ لَهُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: ﴿ "يَعْلَمُونَ"﴾ مُتَعَلِّقٌ في المَعْنى بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "عَرَبِيًّا"،﴾ أيْ: جَعَلْناهُ بِكَلامِ العَرَبِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ألْفاظَهُ، ويَتَحَقَّقُونَ أنَّها لَمْ يَخْرُجْ شَيْءٌ مِنها عن كَلامِ العَرَبِ، وكَأنَّ الآيَةَ رادَّةٌ عَلى مَن زَعَمَ أنَّ في كِتابِ اللهِ تَعالى ما لَيْسَ في كَلامِ العَرَبِ، فالعِلْمُ - عَلى هَذا التَأْوِيلِ - أخَصُّ مِنَ العِلْمِ عَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ، والأوَّلُ أشْرَفُ مَعْنى، وبَيِّنٌ أنَّهُ لَيْسَ في (p-٤٦٣)القُرْآنِ إلّا ما هو مِن كَلامِ العَرَبِ، إمّا عَلى أصْلِ لُغَتِها، وإمّا عَرَّبَتْهُ مِن لُغَةِ غَيْرِها، ثُمَّ ذُكِرَ في القُرْآنِ وهو مُعَرَّبٌ مُسْتَعْمَلٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَشِيرًا ونَذِيرًا﴾ نَعْتٌ لِلْقُرْآنِ، أيْ يُبَشِّرُ مَن آمَنَ بِالجَنَّةِ ويُنْذِرُ مَن كَفَرَ بِالنارِ، والضَمِيرُ في ﴿ "أكْثَرُهُمْ"﴾ عائِدٌ عَلى القَوْمِ المَذْكُورِينَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَهم لا يَسْمَعُونَ﴾ نَفْيٌ لِسَمْعِهِمُ النافِعَ، الَّذِي يُعْتَدُّ بِهِ سَمْعًا. ثُمَّ حُكِيَ عنهم مَقالَتُهُمُ الَّتِي باعَدُوا فِيها كُلَّ المُباعَدَةِ، وأرادُوا أنْ يُؤْيِسُوهُ مِن قُبُولِهِمْ دِينَهُ، وهِيَ: ﴿قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ﴾، و"أكِنَّةٌ": جَمْعُ كِنانٍ، وهو بابُ فِعالِ وأفْعِلَةٍ، والكِنانُ: ما يَجْمَعُ الشَيْءَ ويَضُمُّهُ ويَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَ غَيْرِهِ، ومِنهُ الكِنُّ، ومِنهُ كِنانَةُ النُبْلِ، وبِها فَسَّرَ مُجاهِدٌ هَذِهِ الآيَةَ، و"مِن" في قَوْلِهِمْ: ﴿مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ﴾ لِابْتِداءِ الغايَةِ، وكَذَلِكَ هي في قَوْلِهِمْ: ﴿وَمِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ﴾ مُؤَكِّدَةٌ لِابْتِداءِ الغايَةِ، و"الوَقْرُ" الثِقَلٍ في الأُذُنِ الَّذِي يَمْنَعُ السَمْعَ، وقَرَأ ابْنُ مَصْرِفٍ: "وِقَرٌ" بِكَسْرِ الواوِ، و"الحِجابُ" الَّذِي أشارُوا إلَيْهِ هو مُخالَفَتُهُ إيّاهُمْ، ودَعْوَتُهُ إلى اللهِ تَعالى دُونَ أصْنامِهِمْ، أيْ: هَذا أمْرٌ يَحْجُبُنا عنكَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذِهِ مَقالَةٌ تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ مَعَها قَرِينَةُ الجَدِّ في المُحاوَرَةِ وتَتَضَمَّنُ المُباعَدَةَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَعَها قَرِينَةُ الهَزْلِ والِاسْتِخْفافِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُمْ: ﴿فاعْمَلْ إنَّنا عامِلُونَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ القَوْلُ تَهْدِيدًا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُتارَكَةً مَحْضَةً. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "قُلْ إنَّما" عَلى الأمْرِ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ: "قُلْ إنَّما" عَلى المُضِيِّ والخَبَرِ عنهُ، وهَذا هو الصَدْعُ بِالتَوْحِيدِ والرِسالَةُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾، قالَ الحَسَنُ: عَلَّمَهُ اللهُ تَعالى التَواضُعَ، و"إنَّ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما إلَهُكُمُ﴾ [طه: ٩٨] رَفْعٌ عَلى المَفْعُولِ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، وقَوْلُهُ: ﴿ "فاسْتَقِيمُوا"﴾ أيْ عَلى مَحَجَّةِ الهُدى وطَرِيقِ الشَرْعِ والتَوْحِيدِ، وهَذا المَعْنى مُضَمِّنٌ قَوْلُهُ: "إلَيْهِ"، و"الوَيْلُ": الحُزْنُ والثُبُورُ، وفَسَّرَهُ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ في هَذِهِ الآيَةِ بِقُبْحِ أهْلِ النارِ وما يَسِيلُ مِنهم. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَكاةَ﴾ قالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، وغَيْرُهُما: هي (p-٤٦٤)زَكاةُ المالِ، ورُوِيَ أنَّ الزَكاةَ قَنْطَرَةُ الإسْلامِ، مَن قَطَعَها نَجا، ومَن جانَبَها هَلَكَ، واحْتُجَّ لِهَذا التَأْوِيلِ بِقَوْلِ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ في الزَكاةِ وقْتَ الرِدَّةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، والجُمْهُورُ: الزَكاةُ في هَذِهِ الآيَةِ: "لا إلَهَ إلّا اللهَ" التَوْحِيدُ، كَما قالَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ لِفِرْعَوْنَ: ﴿هَلْ لَكَ إلى أنْ تَزَكّى﴾ [النازعات: ١٨]، ويُرَجِّحُ هَذا التَأْوِيلَ أنَّ الآيَةَ مِن أوَّلِ المَكِّيِّ، وزَكاةَ المالِ إنَّما نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ، وإنَّما هَذِهِ زَكاةُ القَلْبِ والبَدَنِ، أيْ تَطْهِيرِهِما مِنَ الشِرْكِ والمَعاصِي، وقالَهُ مُجاهِدٌ والرَبِيعُ، وقالَ الضَحّاكُ ومُقاتِلٌ: مَعْنى الزَكاةِ هُنا: النَفَقَةُ في الطاعاتِ، وأعادَ الضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هم كافِرُونَ﴾ تَوْكِيدًا.
41:8–10Page 477
إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَهُمۡ أَجۡرٌ غَيۡرُ مَمۡنُونٖ ٨
Indeed, those who believe and do righteous deeds - for them is a reward uninterrupted.
۞ قُلۡ أَئِنَّكُمۡ لَتَكۡفُرُونَ بِٱلَّذِي خَلَقَ ٱلۡأَرۡضَ فِي يَوۡمَيۡنِ وَتَجۡعَلُونَ لَهُۥٓ أَندَادٗاۚ ذَٰلِكَ رَبُّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٩
Say, "Do you indeed disbelieve in He who created the earth in two days and attribute to Him equals? That is the Lord of the worlds."
وَجَعَلَ فِيهَا رَوَٰسِيَ مِن فَوۡقِهَا وَبَٰرَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقۡوَٰتَهَا فِيٓ أَرۡبَعَةِ أَيَّامٖ سَوَآءٗ لِّلسَّآئِلِينَ ١٠
And He placed on it [i.e., the earth] firmly set mountains over its surface, and He blessed it and determined therein its [creatures'] sustenance in four days without distinction1 - for [the information of] those who ask.
قوله عزّ وجلّ:
﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ ﴿قُلْ أإنَّكم لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ وتَجْعَلُونَ لَهُ أنْدادًا ذَلِكَ رَبُّ العالَمِينَ﴾ ﴿وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِن فَوْقِها وبارَكَ فِيها وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها في أرْبَعَةِ أيّامٍ سَواءً لِلسّائِلِينَ﴾
ذَكَرَ عَزَّ وجَلَّ حالَةَ الَّذِينَ آمَنُوا مُعادِلًا بِذَلِكَ حالَةَ الكافِرِينَ المَذْكُورِينَ لِيُبَيِّنَ الفَرْقَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: مَعْناهُ: غَيْرُ مَنقُوصٍ، وقالَتْ فِرْقَةٌ مَعْناهُ: غَيْرُ مَقْطُوعٍ، يُقالُ: مَنَنْتُ الحَبْلَ، إذا قَطَعْتُهُ، وقالَ مُجاهِدٌ: مَعْناهُ: غَيْرُ مَحْسُوبٍ؛ مَحْصُورٌ، فَهو مُعَدٌّ لِأنْ يُمَنَّ بِهِ، ويَظْهَرُ في الآيَةِ أنَّهُ وصَفَهُ بِعَدَمِ المَنِّ والأذى، مِن حَيْثُ هو مِن جِهَةِ اللهِ تَعالى، فَهو شَرِيفٌ لا مَنَّ فِيهِ، وأُعْطِيّاتُ البَشَرِ هي الَّتِي يَدْخُلُها المَنُّ، وقالَ السَدِّيُّ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في المَرْضى (p-٤٦٥)والزَمْنى، إذا عَجَزُوا عن إكْمالِ الطاعاتِ كُتِبَ لَهم مِنَ الأجْرِ، كَأصَحِّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ.
ثُمَّ أمَرَ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ أنْ يُوقِفَهم مُوَبَّخًا عَلى كَفْرِهِمْ بِخالِقِ الأرْضِ والسَماواتِ ومُخْتَرِعِها، ووَصَفَ صُورَةَ الخَلْقِ ومَدَّهُ، والحِكْمَةُ في خَلْقِهِ هَذِهِ المَخْلُوقاتِ في مُدَّةٍ مُمْتَدَّةٍ مَعَ قُدْرَةِ اللهِ عَلى إيجادِها في حِينٍ واحِدٍ، هي إظْهارُ القُدْرَةِ في ذَلِكَ حَسَبَ شَرَفِ الإيجادِ أوَّلًا أوَّلًا، قالَ قَوْمٌ: لِيُعَلِّمَ عِبادَهُ التَأنِّي في الأُمُورِ والمَهَلُ. وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ غَيْرَ مَرَّةٍ في نَظِيرِ قَوْلِهِ: [أإنَّكُمْ]، واخْتَلَفَ رُواةُ الحَدِيثِ في اليَوْمِ الَّذِي ابْتَدَأ اللهُ تَعالى فِيهِ خَلْقَ الأرْضِ، فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - وغَيْرِهِ «أنَّ أوَّلَ يَوْمٍ هو الأحَدُ، وأنَّ اللهَ تَعالى خَلَقَ فِيهِ وفي الِاثْنَيْنِ الأرْضَ، ثُمَّ خَلَقَ الجِبالَ ونَحْوَها يَوْمَ الثُلاثاءِ،» قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: فَمِن هُنا قِيلَ: هو يَوْمٌ ثَقِيلٌ، ثُمَّ خَلَقَ الشَجَرَ والثِمارَ والأنْهارَ يَوْمَ الأرْبِعاءِ، ومِن هُنا قِيلَ: هو يَوْمُ راحَةٍ وتَفَكُّرٍ في هَذِهِ الَّتِي خُلِقَتْ فِيهِ، ثُمَّ خَلَقَ السَماواتِ وما فِيها يَوْمَ الخَمِيسِ ويَوْمَ الجُمْعَةِ، وفي آخِرِ ساعَةٍ مِن يَوْمِ الجُمْعَةِ: خَلَقَ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ، وقالَ السَدِّيُّ: وسُمِّيَ يَوْمُ الجُمْعَةِ لِاجْتِماعِ المَخْلُوقاتِ فِيهِ وتَكامُلِها. فَهَذِهِ رِوايَةٌ فِيها أحادِيثٌ مَشْهُورَةٌ، ولَمّا لَمْ يَخْلُقْ تَعالى في يَوْمِ السَبْتِ شَيْئًا امْتَنَعَ فِيهِ بَنُو إسْرائِيلَ عَنِ الشُغْلِ فِيهِ، ووَقَعَ في كِتابٍ مُسْلِمٍ «أنَّ أوَّلَ يَوْمٍ خَلَقَ اللهُ فِيهِ التُرْبَةَ يَوْمَ السَبْتِ، ثُمَّ رَتَّبَ المَخْلُوقاتِ عَلى سِتَّةِ أيّامٍ، وجَعَلَ الجُمْعَةَ عارِيًا مِنَ المَخْلُوقاتِ، إلّا مِن آدَمَ وحْدَهُ.» والظاهِرُ مِنَ القِصَصِ في طِينَةِ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ أنَّ الجُمْعَةَ الَّتِي خُلِقَ فِيها آدَمُ قَدْ تَقَدَّمَتْها أيّامٌ وجُمَعٌ كَثِيرَةٌ، وأنَّ هَذِهِ الأيّامَ الَّتِي خَلَقَ اللهُ فِيها هَذِهِ المَخْلُوقاتِ هي أوَّلُ الأيّامِ، لِأنَّ بِإيجادِ الأرْضِ والسَماءِ والشَمْسِ وُجِدَ اليَوْمُ، وقَدْ يُحْتَمَلُ أنْ يَجْعَلَ تَعالى قَوْلَهُ ﴿ "يَوْمَيْنِ"﴾ عَلى التَقْدِيرِ، وإنْ لَمْ تَكُنِ الشَمْسُ خُلِقَتْ بَعْدُ، وكَأنَّ تَفْصِيلَ الوَقْتِ يُعْطِي أنَّها الأحَدُ ويَوْمُ الِاثْنَيْنِ كَما ذُكِرَ.
و"الأنْدادُ": الأشْباهُ والأمْثالُ، وهَذِهِ إشارَةٌ إلى كُلِّ ما عُبِدَ مِنَ المَلائِكَةِ والأصْنامِ وغَيْرِ ذَلِكَ، قالَ السَدِّيُّ: أكْفاءٌ مِنَ الرِجالِ يُطِيعُونَهم. و"الرَواسِي": هي الجِبالُ الثَوابِتُ، رَسا الجَبَلُ إذا ثَبَتَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَبارَكَ فِيها﴾ أيْ جَعَلَها مُنْبِتَةً لِلطَّيِّباتِ والأطْعِمَةِ، وجَعَلَها طَهُورًا، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن وُجُوهِ البَرَكَةِ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ (p-٤٦٦)رَضِيَ اللهُ عنهُ: [وَقَسَّمَ فِيها أقْواتَها]، وفي مُصْحَفِ عُثْمانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "وَقَدَّرَ".
واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: [أقْواتَها]، فَقالَ السَدِّيُّ: هي أقْواتُ البَشَرِ وأرْزاقُهُمْ، وأضافَها إلى الأرْضِ مِن حَيْثُ هي فِيها وعنها، وقالَ قَتادَةُ: هي أقْواتُ الأرْضِ مِنَ الجِبالِ والأنْهارِ والأشْجارِ والصُخُورِ والمَعادِنِ والأشْياءِ، الَّتِي بِها قِوامُ الأرْضِ ومَصالِحُها، ورَوى ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما في هَذا حَدِيثًا مَرْفُوعًا، فَشَبَّهَها بِالقُوتِ الَّذِي بِهِ قِوامُ الحَيَوانِ، وقالَ مُجاهِدٌ: أرادَ أقْواتَها مِنَ المَطَرِ والمِياهِ، وقالَ عِكْرِمَةُ، والضَحّاكُ، ومُجاهِدٌ أيْضًا: أرادَ تَبارَكَ وتَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿ "أقْواتَها":﴾ خَصائِصَها الَّتِي قَسَّمَها في البِلادِ، فَجَعَلَ في اليَمَنِ أشْياءَ لَيْسَتْ في غَيْرِهِ، وكَذَلِكَ في العِراقِ والشامِ والأنْدَلُسِ وغَيْرِها مِنَ الأقْطارِ، لِيَحْتاجَ بَعْضُها إلى بَعْضٍ، ويَتَقَوَّتُ مِن هَذِهِ في هَذِهِ المَلابِسِ والمَطْعُومِ، وهَذا نَحْوَ القَوْلِ الأوَّلِ، إلّا أنَّهُ بِوَجْهٍ أعْمٍّ مِنهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي أرْبَعَةِ أيّامٍ﴾ يُرِيدُ تَعالى: بِاليَوْمَيْنِ الأوَّلِينَ، وهَذا كَما تَقُولُ: بَنَيْتُ جِدارَ دارِي في يَوْمٍ، وأكْمَلْتُ جَمِيعَها في يَوْمَيْنِ، أيْ بِالأوَّلِ.
وقَرَأ الحَسَنُ البَصْرِيُّ، وأبُو جَعْفَرٍ، وجُمْهُورُ الناسِ: "[سَواءً]" بِالنَصْبِ عَلى الحالِ، أيْ: سَواءٌ هي وما انْقَضى فِيها، وقَرَأ أبُو جَعْفَرِ بْنِ القَعْقاعِ: "سَواءٌ" بِالرَفْعِ، أيْ هي سَواءٌ، وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ أبِي إسْحاقٍ، وعِيسى، وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ: "سَواءٍ" بِالخَفْضِ عَلى نَعْتِ "الأيّامِ". واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى ﴿ "لِلسّائِلِينَ"﴾ فَقالَ قَتادَةُ، والسَدِّيُّ: مَعْناهُ: سَواءٌ لِمَن سَألَ عَنِ الأمْرِ واسْتَفْهَمَ عن حَقِيقَةِ وُقُوعِهِ وأرادَ العِبْرَةَ فِيهِ، فَإنَّهُ يَجِدُهُ كَما قالَ عَزَّ وجَلَّ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ وجَماعَةٌ: مَعْناهُ: مُسْتَوٍ مُهَيَّأٌ أمْرَ هَذِهِ المَخْلُوقاتِ ونَفْعِها لِلْمُحْتاجِينَ إلَيْها مِنَ البَشَرِ، فَعَبَّرَ عنهم بِالسائِلِينَ، بِمَعْنى الطالِبِينَ؛ لِأنَّهم مِن شَأْنِهِمْ ولا بُدَّ طَلَبُ ما يَنْتَفِعُونَ بِهِ، فَهم في حُكْمِ مَن سَألَ هَذِهِ الأشْياءَ؛ إذْ هم أهْلَ حاجَةٍ إلَيْها. ولَفْظَةُ "سَواءٍ" تَجْرِي مَجْرى "عَدْلٍ" و"زَوْرٍ" في أنْ تَرِدْ عَلى المُفْرَدِ والمُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ.
41:11–12Page 477
ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰٓ إِلَى ٱلسَّمَآءِ وَهِيَ دُخَانٞ فَقَالَ لَهَا وَلِلۡأَرۡضِ ٱئۡتِيَا طَوۡعًا أَوۡ كَرۡهٗا قَالَتَآ أَتَيۡنَا طَآئِعِينَ ١١
Then He directed Himself1 to the heaven while it was smoke and said to it and to the earth, "Come [into being],2 willingly or by compulsion." They said, "We have come willingly."
فَقَضَىٰهُنَّ سَبۡعَ سَمَٰوَاتٖ فِي يَوۡمَيۡنِ وَأَوۡحَىٰ فِي كُلِّ سَمَآءٍ أَمۡرَهَاۚ وَزَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنۡيَا بِمَصَٰبِيحَ وَحِفۡظٗاۚ ذَٰلِكَ تَقۡدِيرُ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡعَلِيمِ ١٢
And He completed them as seven heavens within two days and inspired [i.e., made known] in each heaven its command. And We adorned the nearest heaven with lamps [i.e., stars, for beauty] and as protection.1 That is the determination of the Exalted in Might, the Knowing.
(p-٤٦٧)قوله عزّ وجلّ:
﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَماءِ وهي دُخانٌ فَقالَ لَها ولِلأرْضِ ائْتِيا طَوْعًا أو كَرْهًا قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ﴾ ﴿فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ في يَوْمَيْنِ وأوحى في كُلِّ سَماءٍ أمْرَها وزَيَّنّا السَماءَ الدُنْيا بِمَصابِيحَ وحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾
﴿اسْتَوى إلى السَماءِ﴾ مَعْناهُ: بِقُدْرَتِهِ واخْتِراعِهِ، أيْ: إلى خَلْقِ السَماءِ وإيجادِها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهِيَ دُخانٌ﴾ رُوِيَ أنَّها كانَتْ جِسْمًا رَخْوًا كالدُخانِ أوِ البُخارِ، ورُوِيَ أنَّهُ مِمّا أمَرَهُ اللهُ أنْ يَصْعَدَ مِنَ الماءِ، وهُنا لَفْظٌ مَتْرُوكٌ ويَدُلُّ عَلَيْهِ الظاهِرُ، وتَقْدِيرُهُ: فَأوجَدَها وأتْقَنَها وأكْمَلَ أمْرَها، وحِينَئِذٍ قِيلَ لَها ولِلْأرْضِ: ﴿ائْتِيا طَوْعًا أو كَرْهًا﴾. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "ائْتِيا"،﴾ مَن أتى يَأْتِي، ﴿قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ﴾ عَلى وزْنِ فَعَلْنا، وذَلِكَ بِمَعْنى: ائْتِيا أوامِرِي وإرادَتِي فِيكُما، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٍ: "آتِيا"، مِن آتى يُؤْتى، ﴿قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ﴾ عَلى وزْنِ أفْعَلْنا، وذَلِكَ بِمَعْنى أعْطِيا مِن أنْفُسِكُما مِنَ الطاعَةِ ما أرَدْتُهُ مِنكُما، والإشارَةُ بِهَذا كُلِّهِ إلى تَسْخِيرِهِما وما قَدَّرَهُ اللهُ مِن أعْمالِها.
وقَوْلُهُ تَعالِي: ﴿أو كَرْهًا﴾ فِيهِ مَحْذُوفٌ ومُقْتَضَبٌ، والتَقْدِيرُ: ائْتِيا طَوْعًا وإلّا أتَيْتُما كَرْهًا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "قالَتا"﴾ أرادَ الفِرْقَتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ، وجَعَلَ تَعالى السَماواتِ سَماءً والأرْضِينَ أرْضًا، ونَحْوَ هَذا قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ ألَمْ يَحْزُنُكِ أنَّ حِبالَ قَوْمِي ∗∗∗ وقَوْمِكَ قَدْ تَبايَنَتا انْقِطاعا؟
(p-٤٦٨)جَعَلَها فِرْقَتَيْنِ وعَبَّرَ عنهُما بِتَبايَنَتا. وقَوْلُهُ: ﴿ "طائِعِينَ"،﴾ لِما كانَ مِمَّنْ يَقُولُ - وهي حالُ يَعْقِلُ - جَرى الضَمِيرُ في "طائِعِينَ" ذَلِكَ المَجْرى، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَأيْتُهم لِي ساجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤].
واخْتَلَفَ الناسُ في هَذِهِ المَقالَةِ مِنَ السَماءِ والأرْضِ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: نَطَقَتا حَقِيقَةً، وجَعَلَ اللهُ تَعالى لَها حَياةً وإدْراكًا يَقْتَضِي نُطْقَها، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هَذا مَجازٌ، وإنَّما المَعْنى أنَّهُما ظَهَرَ مِنها مِنَ اخْتِيارِ الطاعَةِ والخُضُوعِ والتَذَلُّلِ ما هو بِمَنزِلَةِ قَوْلِ: ﴿أتَيْنا طائِعِينَ﴾. والقَوْلُ الأوَّلُ أحْسَنُ؛ لِأنَّهُ لا شَيْءَ يَدْفَعُهُ، ولِأنَّ العِبْرَةَ بِهِ أتَمُّ، والقُدْرَةُ فِيهِ أظْهَرَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقَضاهُنَّ﴾ مَعْناهُ: فَأوجَدَهُنَّ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي ذُؤَيْبٍ:
؎ وعَلَيْهِما مَسْرُودَتانِ قَضاهُما ∗∗∗ ∗∗∗ داوُدُ أو صَنَعُ السَوابِغِ تُبَّعُ
(p-٤٦٩)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأوحى في كُلِّ سَماءٍ أمْرَها﴾ قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: أوحى إلى سُكّانِها وعَمَرَتِها مِنَ المَلائِكَةِ، وإلَيْها هي في نَفْسِها ما شاءَ اللهُ تَعالى مِنَ الأُمُورِ الَّتِي بِها قِوامُها وصَلاحُها، قالَ السَدِّيُّ، وقَتادَةُ: مِنَ الأُمُورِ الَّتِي هي لِغَيْرِها مِثْلُ ما فِيها مِن جِبالِ البَرَدِ ونَحْوَها، وأضافَ اللهُ تَعالى الأمْرَ إلَيْها مِن حَيْثُ هو فِيها.
ثُمَّ أخْبَرَ اللهُ تَعالى أنَّ الكَواكِبَ زَيَّنَ بِها السَماءَ الدُنْيا، وذَلِكَ ظاهِرُ اللَفْظِ وهو بِحَسَبِ ما يَقْتَضِيهِ حَسُّ البَصَرِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "وَحِفْظًا"﴾ مَنصُوبٌ بِإضْمارِ فِعْلٍ، أيْ: وحَفَظْناها حِفْظًا. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "ذَلِكَ"﴾ إشارَةٌ إلى جَمِيعِ ما ذُكِرَ، أيْ: أوجَدَهُ بِقُدْرَتِهِ وعِزَّتِهِ، وأحْكَمَهُ بِعِلْمِهِ.
41:13–15Page 478
فَإِنۡ أَعۡرَضُواْ فَقُلۡ أَنذَرۡتُكُمۡ صَٰعِقَةٗ مِّثۡلَ صَٰعِقَةِ عَادٖ وَثَمُودَ ١٣
But if they turn away, then say, "I have warned you of a thunderbolt like the thunderbolt [that struck] ʿAad and Thamūd.
إِذۡ جَآءَتۡهُمُ ٱلرُّسُلُ مِنۢ بَيۡنِ أَيۡدِيهِمۡ وَمِنۡ خَلۡفِهِمۡ أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّا ٱللَّهَۖ قَالُواْ لَوۡ شَآءَ رَبُّنَا لَأَنزَلَ مَلَٰٓئِكَةٗ فَإِنَّا بِمَآ أُرۡسِلۡتُم بِهِۦ كَٰفِرُونَ ١٤
[That occurred] when the messengers had come to them before them and after them, [saying], "Worship not except Allāh." They said, "If our Lord had willed,1 He would have sent down the angels, so indeed we, in that with which you have been sent, are disbelievers."
فَأَمَّا عَادٞ فَٱسۡتَكۡبَرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّ وَقَالُواْ مَنۡ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةًۖ أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِي خَلَقَهُمۡ هُوَ أَشَدُّ مِنۡهُمۡ قُوَّةٗۖ وَكَانُواْ بِـَٔايَٰتِنَا يَجۡحَدُونَ ١٥
As for ʿAad, they were arrogant upon the earth without right and said, "Who is greater than us in strength?" Did they not consider that Allāh who created them was greater than them in strength? But they were rejecting Our signs.
قوله عزّ وجلّ:
﴿فَإنْ أعْرَضُوا فَقُلْ أنْذَرْتُكم صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةً عادٍ وثَمُودَ﴾ ﴿إذْ جاءَتْهُمُ الرُسُلُ مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ ألا تَعْبُدُوا إلا اللهَ قالُوا لَوْ شاءَ رَبُّنا لأنْزَلَ مَلائِكَةً فَإنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ ﴿فَأمّا عادٌ فاسْتَكْبَرُوا في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وقالُوا مَن أشَدُّ مِنّا قُوَّةً أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَهم هو أشَدُّ مِنهم قُوَّةً وكانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ﴾
المَعْنى: فَإنَّ أعْرَضَتْ قُرَيْشٌ والعَرَبُ الَّذِينَ دَعَوْتُهم إلى اللهِ تَعالى عن هَذِهِ الآياتِ البَيِّناتِ، فَأعْلِمْهم بِأنَّكَ تُحَذِّرْهم أنْ يُصِيبَهم مِنَ العَذابِ الَّذِي أصابَ الأُمَمَ الَّتِي كَذَّبَتْ كَما تُكَذِّبُ هي الآنَ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةً"،﴾ وقَرَأ النَخْعِيُّ، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ، وابْنُ مُحَيْصِنٌ: "صَعْقَةٌ مِثْلَ صَعْقَةِ"، فَأمّا هَذِهِ القِراءَةُ الأخِيرَةُ، فَفِيها المَعْنى بَيِّنٌ؛ لِأنَّ الصَعْقَةَ: الهَلاكُ لِلْإنْسانِ، وأمّا الأُولى، فالمَعْرُوفُ في الصاعِقَةِ أنَّها الوَقْعَةُ الشَدِيدَةُ مِن صَوْتِ الرَعْدِ، وهي تَكُونُ مَعَها في الأحْيانِ قِطْعَةُ نارٍ، فَشُبِّهَتْ هُنا وقْعَةُ العَذابِ بِها؛ لِأنَّ عادًا لَمْ تُعَذَّبْ إلّا بِرِيحٍ، وإنَّما هَذا تَشْبِيهٌ واسْتِعارَةٌ، وبِالوَقْعَةِ فَسَرَّ هُنا الصاعِقَةَ قَتادَةُ وغَيْرُهُ. وخَصَّ عادًا وثَمُودًا بِالذِكْرِ لِوُقُوفِ قُرَيْشٍ عَلى بِلادِها في اليَمَنِ وفي الحَجَرِ في طَرِيقِ الشامِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ﴾، أيْ: قَدْ تَقَدَّمُوا في الزَمَنِ واتَّصَلَتْ نِذارَتُهم إلى أعْمارِ عادٍ وثَمُودٍ، وبِهَذا الِاتِّصالِ قامَتِ الحُجَّةُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِن خَلْفِهِمْ﴾، أيْ: جاءَهم رَسُولٌ بَعْدَ اكْتِمالِ أعْمارِهِمْ وبَعْدَ تَقَدُّمِ وجُودِهِمْ في الزَمَنِ، فَلِذَلِكَ قالَ تَعالى: (p-٤٧٠)﴿وَمِن خَلْفِهِمْ﴾، وجاءَ مِن مَجْمُوعِ العِبارَةِ إقامَةُ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ في أنَّ الرِسالَةَ والنِذارَةَ عَمَّتْهم خَبَرًا ومُباشَرَةً، ولا يَتَوَجَّهُ أنْ يَجْعَلَ ﴿وَمِن خَلْفِهِمْ﴾ عِبارَةً عَمّا أتى بَعْدَهم في الزَمانِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ لا يَلْحَقُهم مِنهُ تَقْصِيرٌ، وأمّا الطَبَرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعالى، فَقالَ: إنَّ الضَمِيرَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمِن خَلْفِهِمْ﴾ عائِدٌ عَلى الرُسُلِ، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ﴾ عَلى الأُمَمِ، وتابَعَهُ الثَعْلَبِيُّ، وهَذا غَيْرُ قَوِيٍّ؛ لِأنَّهُ يُفَرِّقُ الضَمائِرَ ويُشَعِّبُ المَعْنى.
و"أنْ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألا تَعْبُدُوا إلا اللهَ﴾ نَصْبٌ عَلى إسْقاطِ الخافِضِ، التَقْدِيرُ: "بِأنْ"، و"تَعْبُدُوا" مَجْزُومٌ عَلى النَهْيِ، ويَتَوَجَّهُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى أنْ تَكُونَ "لا" نافِيَةٌ، وفِيهِ بُعْدٌ، وكانَ مِن تِلْكَ الأُمَمِ إنْكارُ بِعْثَةِ البَشَرِ واسْتِدْعاءُ المَلائِكَةِ، وهَذِهِ أيْضًا كانَتْ مِن مَقالاتِقُرَيْشٍ، وقَوْلُهُمْ: ﴿فَإنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ لَيْسَ عَلى جِهَةِ الإقْرارِ بِأنَّهم أُرْسِلُوا بِشَيْءٍ، وإنَّما مَعْناهُ: عَلى زَعْمِكم ودَعْواكم.
ثُمَّ وصَفَ حالَةَ القَوْمِ، وأنَّ عادًا طَلَبُوا التَكَبُّرَ ووَضَعُوا أنْفُسَهم فِيهِ بِغَيْرِ حَقٍّ، بَلْ بِالكُفْرِ والمَعاصِي، وغَوَتْهم قُوَّتُهم وعِظَمُ أبْدانِهِمْ والنِعَمُ عَلَيْهِمْ، فَقالُوا - عَلى جِهَةِ التَقْرِيرِ -: ﴿مَن أشَدُّ مِنّا قُوَّةً﴾ ؟ أيْ: لا أحَدَ أشَدَّ مِنّا قُوَّةً، فَعَرَضَ اللهُ تَعالى بِقَوْلِهِ:
﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَهم هو أشَدُّ مِنهم قُوَّةً﴾، وهَذا بَيِّنٌ في العَقْلِ، فَإنَّ المُوجِدَ لِلشَّيْءِ المُخْتَرِعَ لَهُ المُذْهِبَ مَتى شاءَ هو أقْوى مِنهُ، وأخْبَرَ تَبارَكَ وتَعالى عنهم بِجُحُودِهِمْ لِآياتِهِ المَنصُوبَةِ لِلنَّظَرِ والمُنَزَّلَةِ مِن عِنْدِهِ؛ إذْ لَفْظُ الآيَةِ يَعُمُّ ذَلِكَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences