Ibn 'AtiyyaAl‑Mumtahanah · 60:1–11

Ibn 'Atiyya · Tafsir · in Arabic

الممتحنة

Al-Mumtahanah

She that is to be examined · Medinan · 13 ayahs

60:1Page 549

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمۡ أَوۡلِيَآءَ تُلۡقُونَ إِلَيۡهِم بِٱلۡمَوَدَّةِ وَقَدۡ كَفَرُواْ بِمَا جَآءَكُم مِّنَ ٱلۡحَقِّ يُخۡرِجُونَ ٱلرَّسُولَ وَإِيَّاكُمۡ أَن تُؤۡمِنُواْ بِٱللَّهِ رَبِّكُمۡ إِن كُنتُمۡ خَرَجۡتُمۡ جِهَٰدٗا فِي سَبِيلِي وَٱبۡتِغَآءَ مَرۡضَاتِيۚ تُسِرُّونَ إِلَيۡهِم بِٱلۡمَوَدَّةِ وَأَنَا۠ أَعۡلَمُ بِمَآ أَخۡفَيۡتُمۡ وَمَآ أَعۡلَنتُمۡۚ وَمَن يَفۡعَلۡهُ مِنكُمۡ فَقَدۡ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ ١

O you who have believed, do not take My enemies and your enemies as allies,1 extending to them affection while they have disbelieved in what came to you of the truth, having driven out the Prophet and yourselves [only] because you believe in Allāh, your Lord. If you have come out for jihād [i.e., fighting or striving] in My cause and seeking means to My approval, [take them not as friends]. You confide to them affection [i.e., instruction], but I am most knowing of what you have concealed and what you have declared. And whoever does it among you has certainly strayed from the soundness of the way.

(p-٢٧٦)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ

تَفْسِيرُ سُورَةِ المُمْتَحَنَةِ

وهِيَ مَدَنِيَّةٌ بِإجْماعِ المُفَسِّرِينَ.

قوله عزّ وجلّ:

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكم أولِياءَ تُلْقُونَ إلَيْهِمْ بِالمَوَدَّةِ وقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكم مِنَ الحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَسُولَ وإيّاكم أنْ تُؤْمِنُوا بِاللهِ رَبِّكم إنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهادًا في سَبِيلِي وابْتِغاءَ مَرْضاتِي تُسِرُّونَ إلَيْهِمْ بِالمَوَدَّةِ وأنا أعْلَمُ بِما أخْفَيْتُمْ وما أعْلَنْتُمْ ومَن يَفْعَلْهُ مِنكم فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَبِيلِ﴾

"العَدُوُّ" اسْمٌ يَقَعُ لِلْجَمْعِ والمُفْرِدِ، والمُرادُ بِهِ هاهُنا كَفّارُ قُرَيْشٍ، وهَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ بِسَبَبِ حاطِبِ بْنِ أبِي بَلْتَعَةَ، وذَلِكَ «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أرادَ الخُرُوجَ إلى مَكَّةَ عامَ الفَتْحِ، فَوَرى عن ذَلِكَ بِخَيْبَرَ، فَشاعَ في الناسِ أنَّهُ خارِجٌ إلى خَيْبَرَ، وأخْبَرَ هو جَماعَةً مِن أصْحابِهِ بِقَصْدِهِ إلى مَكِّهَ، مِنهم حاطِبُ بْنُ أبِي بَلْتَعَةَ، فَكَتَبَ حاطِبٌ إلى قَوْمٍ مِن كَفّارِ مَكَّةَ يُخْبِرُهم بِقَصْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ إيّاهُمْ، فَجاءَ الخَبَرُ إلى رَسُولِ اللهِ ﷺ بِذَلِكَ فَبَعَثَ عَلِيًّا والزُبَيْرَ وثالِثًا، قِيلَ هو المِقْدادُ، وقِيلَ أبُو مِرْثَدٍ، وقالَ: انْطَلِقُوا حَتّى تَأْتُوا (p-٢٧٧)رَوْضَةَ خاخٍ، فَإنَّ بِها ظَعِينَةً مَعَها كِتابُ مِن حاطِبٍ إلى المُشْرِكِينَ، فانْطَلَقُوا حَتّى وجَدُوا المَرْأةَ، واسْمُها سارَّةٌ، مَوْلاةٌ لِقَوْمٍ مِن قُرَيْشٍ، وقِيلَ بَلْ كانَتِ امْرَأةً مِن مُزَيْنَةَ ولَمْ تَكُنْ سارَّةً، فَقالُوا لَها: أخْرِجِي الكِتابَ، فَقالَتْ: ما مَعِي كِتابٌ، فَفَتَّشُوا جَمِيعَ رَحْلِها فَما وجَدُوا شَيْئًا، فَقالَ بَعْضُهُمْ: ما مَعَها كِتابٌ، فَقالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عنهُ: ما كَذَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ولا كُذِّبَ، واللهِ لِتُخْرِجَنَّ الكِتابَ أو لِنُجَرِّدَنَّكِ، فَقالَتْ: أعْرِضُوا عَنِّي، فَحَلَّتْهُ مِن قُرُونِ رَأْسِها، وقِيلَ: أخْرَجَتْهُ مَن حَجْزَتِها، فَجاءُوا بِهِ رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَقالَ لِحاطِبٍ: مَن كَتَبَ هَذا؟ فَقالَ أنا يا رَسُولَ اللهِ، ولَكِنْ لا تَعْجَلْ عَلَيَّ، فَواللهِ ما فَعَلْتُ ذَلِكَ ارْتِدادًا عن دِينِي ولا رَغْبَةً عنهُ، ولَكِنِّي كُنْتُ امْرَءًا مُلْصَقًا في قُرَيْشٍ ولَمْ أكُنْ مِن أنْفُسِها، فَأحْبَبْتُ أنْ تَكُونَ لِي عِنْدَهم يَدٌ يَرْعَوْنَنِي بِها في قَرابَتِي، فَقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: دَعْنِي يا رَسُولَ اللهِ أضْرِبُ عُنُقَ هَذا المُنافِقِ، فَقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ "صَدَقَ حاطِبٌ، إنَّهُ مِن أهْلِ بَدْرٍ، وما يُدْرِيكَ يا عُمَرُ لَعَلَّ اللهَ قَدِ اطَّلَعَ عَلى أهْلِ بَدْرٍ فَقالَ: اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ، ولا تَقُولُوا لِحاطِبٍ إلّا خَيْرًا"، فَنَزَلَتِ الآيَةُ لِهَذا السَبَبِ.» ورُوِيَ أنْ حاطِبًا كَتَبَ: "إنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ يُرِيدُ غَزْوَكم في مِثْلِ اللَيْلِ، والسَيْلِ، وأُقْسِمُ بِاللهِ لَوْ غَزاكم وحْدَهُ لَنَصَرَ عَلَيْكم فَكَيْفَ وهو في جَمٍّ كَثِيرٍ".

و"تُلْقُونَ" في مَوْضِعِ الصِفَةِ لِـ "أولِياءَ"، و"ألْقَيْتُ" يَتَعَدّى بِحَرْفِ الجَرِّ وبِغَيْرِ حَرْفِ جَرٍّ، فَدُخُولُ الباءِ وزَوالُها سَواءٌ، وهَذا نَظِيرُ قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ [طه: ٣٩] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَنُلْقِي في قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُعْبَ﴾ [آل عمران: ١٥١]، ورَوى المُعَلّى عن عاصِمٍ أنَّهُ قَرَأ: وقَدْ "كَفَرُوا لِما" بِلامٍ.

(p-٢٧٨)وَقَوْلُهُ تَعالى: "يُخْرِجُونَ" في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَمِيرِ في "كَفَرُوا" والمَعْنى: يُخْرِجُونَ الرَسُولَ ويُخْرِجُونَكُمْ، وهي حالٌ مُؤَكَّدَةٌ، فَلِذَلِكَ ساقَ الفِعْلَ مُسْتَقْبَلًا والإخْراجُ قَدْ مَرَّ، وتَضْيِيقُ الكُفّارِ عَلى النَبِيِّ ﷺ والمُؤْمِنِينَ إخْراجٌ إذْ كانَ مُؤَدِّيًا إلى الإخْراجِ، وقَوْلُهُ تَعالى: "أنْ تُؤْمِنُوا"" مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، أيْ: أخْرِجُوكم مِن أجْلِ أنْ آمَنتُمْ بِرَبِّكُمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: "إنْ كُنْتُمْ" شَرْطٌ جَوابُهُ مُتَقَدِّمٌ في مَعْنى ما قَبْلُهُ، وجازَ ذَلِكَ لِما لَمْ يَظْهَرْ عَمَلُ الشَرْطِ، والتَقْدِيرُ: إنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهادًا في سَبِيلِي وابْتِغاءَ مَرْضاتِي فَلا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكم أولِياءَ، و"جِهادًا" نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ، وكَذَلِكَ "ابْتِغاءَ"، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَفْعُولًا مِن أجْلِهِ، و"المَرْضاةُ" مَصْدَرٌ كالرِضى، و"تُسِرُّونَ" بَدَلٌ مِن "تُلْقُونَ"، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ خَبَرٍ ابْتِداءً، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: أنْتُمْ تُسِرُّونَ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ فِعْلًا مُرْسَلًا ابْتَدَأ بِهِ القَوْلُ، والإلْقاءُ بِالمَوَدَّةِ مَعْنى ما، والإسْرارُ بِها مَعْنًى زائِدٌ عَلى الإلْقاءِ، فَتَرْجِعُ بِهَذا أنَّ "تُسِرُّونَ" فِعْلٌ ابْتُدِئَ بِهِ القَوْلُ، أيْ: تَفْعَلُونَ ذَلِكَ وأنا أعْلَمُ، وقَوْلُهُ تَعالى: "أعْلَمُ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "أفْعَلُ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ فِعْلًا لِأنَّكَ تَقُولُ "عَلِمْتُ بِكَذا" فَتَدْخُلُ الباءُ، وقَوْلُهُ تَعالى: "وَأنا أعْلَمُ" الآيَةُ... جُمْلَةً في مَوْضِعِ الحالِ، وقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ: و"أنا" بِإشْباعِ الألِفِ في الإدْراجِ، وقَرَأ غَيْرُهم "وَأنا" بِطَرْحِ الألِفِ في الإدْراجِ.

والضَمِيرُ في "يَفْعَلُهُ" عائِدٌ عَلى الِاتِّخاذِ المَذْكُورِ، و"سَواءٌ" يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا مَفْعُولًا بـِ "ضَلَّ"، وذَلِكَ عَلى تَعَدِّي "ضَلَّ"، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا عَلى غَيْرِ التَعَدِّي لِأنَّهُ يَجِيءُ بِالوَجْهَيْنِ، والأوَّلُ أحْسَنُ في المَعْنى، و"السَواءُ": الوَسَطُ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَتَساوى نِسْبَتُهُ إلى أطْرافِ الشَيْءِ، و"السَبِيلُ" هُنا شَرْعُ اللهِ تَعالى وطَرِيقُ دِينِهِ.

60:2–4Page 549

إِن يَثۡقَفُوكُمۡ يَكُونُواْ لَكُمۡ أَعۡدَآءٗ وَيَبۡسُطُوٓاْ إِلَيۡكُمۡ أَيۡدِيَهُمۡ وَأَلۡسِنَتَهُم بِٱلسُّوٓءِ وَوَدُّواْ لَوۡ تَكۡفُرُونَ ٢

If they gain dominance over you, they would be [i.e., behave] to you as enemies and extend against you their hands and their tongues with evil, and they wish you would disbelieve.

لَن تَنفَعَكُمۡ أَرۡحَامُكُمۡ وَلَآ أَوۡلَٰدُكُمۡۚ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ يَفۡصِلُ بَيۡنَكُمۡۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ ٣

Never will your relatives or your children benefit you; the Day of Resurrection He will judge between you. And Allāh, of what you do, is Seeing.

قَدۡ كَانَتۡ لَكُمۡ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ فِيٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥٓ إِذۡ قَالُواْ لِقَوۡمِهِمۡ إِنَّا بُرَءَٰٓؤُاْ مِنكُمۡ وَمِمَّا تَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ كَفَرۡنَا بِكُمۡ وَبَدَا بَيۡنَنَا وَبَيۡنَكُمُ ٱلۡعَدَٰوَةُ وَٱلۡبَغۡضَآءُ أَبَدًا حَتَّىٰ تُؤۡمِنُواْ بِٱللَّهِ وَحۡدَهُۥٓ إِلَّا قَوۡلَ إِبۡرَٰهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسۡتَغۡفِرَنَّ لَكَ وَمَآ أَمۡلِكُ لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن شَيۡءٖۖ رَّبَّنَا عَلَيۡكَ تَوَكَّلۡنَا وَإِلَيۡكَ أَنَبۡنَا وَإِلَيۡكَ ٱلۡمَصِيرُ ٤

There has already been for you an excellent pattern1 in Abraham and those with him, when they said to their people, "Indeed, we are disassociated from you and from whatever you worship other than Allāh. We have denied you, and there has appeared between us and you animosity and hatred forever until you believe in Allāh alone" - except for the saying of Abraham to his father, "I will surely ask forgiveness for you, but I have not [power to do] for you anything against Allāh. Our Lord, upon You we have relied, and to You we have returned, and to You is the destination.

قوله عزّ وجلّ:

﴿إنْ يَثْقَفُوكم يَكُونُوا لَكم أعْداءً ويَبْسُطُوا إلَيْكم أيْدِيَهم وألْسِنَتَهم بِالسُوءِ ووَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ ﴿لَنْ تَنْفَعَكم أرْحامُكم ولا أولادُكم يَوْمَ القِيامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكم واللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ﴿قَدْ كانَتْ لَكم أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ في إبْراهِيمَ والَّذِينَ مَعَهُ إذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إنّا بُرَآءُ مِنكم ومِمّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ كَفَرْنا بِكم وبَدا بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ العَداوَةُ والبَغْضاءُ أبَدًا حَتّى تُؤْمِنُوا بِاللهِ وحْدَهُ إلا قَوْلَ إبْراهِيمَ لأبِيهِ لأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وما أمْلِكُ لَكَ مِن اللهِ مِن شَيْءٍ رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا وإلَيْكَ أنَبْنا وإلَيْكَ المَصِيرُ﴾

أخْبَرَ اللهُ تَعالى أنَّ مُداراةَ هَؤُلاءِ الكُفّارِ غَيْرُ نافِعَةٍ في الدُنْيا وأنَّها ضارَّةٌ في الآخِرَةِ، (p-٢٧٩)لِيُبَيِّنَ فَسادَ رَأْيِ مَصانِعِهِمْ، فَقالَ تَعالى: "إنْ يَثْقَفُوكُمْ" أيْ: إنْ يَتَمَكَّنُوا مِنكم وتَحْصُلُوا في ثِقِافِهِمْ ظَهَرَتِ العَداوَةُ وانْبَسَطَتْ أيْدِيهِمْ بِضَرَرِكم وقَتْلِكُمْ، وألْسِنَتِهم بِسَبِّكُمْ، وهَذا هو السُوءُ، وأشَدُّ مِن هَذا كُلِّهِ أنَّهم إنَّما يُقْنِعُهم مِنكم أنْ تَكْفُرُوا، وهَذا هو وِدُّهم.

ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّ هَذِهِ الأرْحامَ الَّتِي رَغِبْتُمْ في وصْلِها لَيْسَتْ بِنافِعَةٍ يَوْمَ القِيامَةِ، فالعامِلُ في "يَوْمَ" قَوْلُهُ تَعالى: "تَنْفَعَكُمْ"، وقالَ بَعْضُ النُحاةِ في كِتابِ الزَهْراوِيِّ: العامِلُ فِيهِ "يَفْصِلُ" وهو مِمّا بَعْدَهُ لا مِمّا قَبْلَهُ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، والعامَّةُ: "يَفْصِلُ" بِضَمِّ الياءِ وسُكُونِ الفاءِ وتَخْفِيفِ الصادِ مَفْتُوحَةً، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، والأعْرَجُ، وعِيسى: "يُفَصَّلُ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الفاءِ وشَدِّ الصادِ مَنصُوبَةً، واخْتَلَفَ -عَلى هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ- في إعْرابِ قَوْلِهِ تَعالى: "بَيْنَكُمْ" فَقِيلَ: نُصِبَ عَلى الظَرْفِ، وقِيلَ: رُفِعَ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ إلّا أنَّ لَفْظَهُ بَقِيَ مَنصُوبًا لِأنَّهُ كَذَلِكَ كَثُرَ اسْتِعْمالُهُ، وقَرَأ عاصِمٌ، والأعْمَشُ: "يَفْصِلُ" بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ الفاءِ وكَسْرِ الصادِ خَفِيفَةً، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وابْنُ وثّابٍ: "يُفَصِّلُ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الفاءِ وشَدِّ الصادِ المَكْسُورَةِ، وإسْنادِ الفِعْلِ في هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ إلى اللهِ تَعالى، وقَرَأ النَخْعِيُّ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "نُفَصِّلُ" بِنُونِ العَظَمَةِ مَرْفُوعَةً وفَتْحِ الفاءِ وشَدِّ الصادِ وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ وعِيدٌ وتَحْذِيرٌ.

وقَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ: "إسْوَةٌ" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ عاصِمٌ وحْدَهُ: "أُسْوَةٌ" بِضَمِّها، وهُما لُغَتانِ، والمَعْنى: قُدْوَةٌ وإمامٌ، ومِثالٌ، و"إبْراهِيمُ" ﷺ هو خَلِيلُ الرَحْمَنِ عَزَّ وجَلَّ واخْتَلَفَ الناسُ في "الَّذِينَ مَعَهُ"، فَقالَ قَوْمٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: أرادَ مَن آمَنَ بِهِ مِنَ الناسِ، وقالَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ: أرادَ الأنْبِياءَ الَّذِينَ كانُوا في عَصْرِهِ عَلَيْهِ السَلامُ وقَرِيبًا مِن عَصْرِهِ، وهَذا القَوْلُ أرْجَحُ لِأنَّهُ لَمْ يَرْوِ أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ كانَ لَهُ أتْباعٌ مُؤْمِنُونَ في مُكافَحَتِهِ نَمْرُوذَ، وفي البُخارِيِّ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ قالَ لِسارَّةَ حِينَ رَحَلَ بِها إلى الشامِ مُهاجِرًا مِن بَلَدٍ النَمْرُوذِ: ما عَلى الأرْضِ مَن يَعْبُدُ اللهَ غَيْرِي وغَيْرُكَ، وهَذِهِ الأُسْوَةُ مُفِيدَةٌ في التَبَرِّي مِنَ الإشْراكِ وهو مُطَّرِدٌ في كُلِّ مِلَّةٍ، وفي نَبِيِّنا صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ عَلى الإطْلاقِ لِأنَّها في العَقائِدِ وفي أحْكامِ الشَرْعِ كُلِّها.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ "بُرَءاءُ" عَلى وزْنٍ فُعَلاءُ، والهَمْزَةُ الأُولى لامُ الفِعْلِ، وقَرَأ عِيسى الثَقَفِيُّ: "بِراءٌ" عَلى وزْنِ فِعالٌ، بِكَسْرِ الباءِ كَكَرِيمٍ وكِرامٍ، وقَرَأ يَزِيدُ بْنُ القَعْقاعِ: (p-٢٨٠)"بُراءُ" عَلى وزْنِ فُعالٍ بِضَمِّ الفاءِ كَتُؤامٍ، وقَدْ رُوِيَتْ عن عِيسى قِراءَةً، قالَ أبُو حاتِمٍ: زَعَمُوا أنَّهُ عِيسى الهَمْدانِيُّ-، "وَيَجُوزُ": "بَراءٌ" عَلى المَصْدَرِ بِفَتْحِ الباءِ، يُوصَفُ بِهِ الجَمْعُ والإفْرادُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "كَفَرْنا بِكُمْ" مَعْناهُ: كَذَّبْناكم في أقْوالِكم ولَمْ نُؤْمِن بِشَيْءٍ مِنها، ونَظِيرُ هَذا قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ حِكايَةً عَنِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ: « "فَهُوَ مُؤْمِنٌ بِي كافِرٌ بِالكَوْكَبِ"،» ولَمْ يُلْحَقِ العَلامَةُ في "بَدا" لِأنَّ تَأْنِيثَ العَداوَةِ والبَغْضاءِ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ.

ثُمَّ اسْتَثْنى تَعالى اسْتِغْفارَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلام لِأبِيهِ، فَذَكَرَ أنَّهُ كانَ عن مَوْعِدَةٍ، وقَدْ فَسَّرْنا ذَلِكَ في مَوْضِعِهِ، وهَذا اسْتِثْناءٌ لَيْسَ مِنَ الأوَّلِ، والمَعْنى عند مُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، وعَطاءٍ الخُراسانِيِّ، وغَيْرِهِمْ أنَّ الأُسْوَةَ لَكم في هَذا الوَجْهِ لا في هَذا الآخَرِ لِأنَّهُ كانَ في عِلَّةٍ لَيْسَتْ في نازِلَتِكُمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مِنَ التَبَرِّي والقَطِيعَةِ الَّتِي ذُكِرَتْ، أيْ: لَمْ تَبْقَ صِلَةٌ إلّا كَذا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا﴾ الآيَةُ... حِكايَةٌ عن قَوْلِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ والَّذِينَ مَعَهُ إنَّهُ هَكَذا كانَ.

60:5–7Page 549

رَبَّنَا لَا تَجۡعَلۡنَا فِتۡنَةٗ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ وَٱغۡفِرۡ لَنَا رَبَّنَآۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٥

Our Lord, make us not [objects of] torment for the disbelievers and forgive us, our Lord. Indeed, it is You who is the Exalted in Might, the Wise."

لَقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِيهِمۡ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ لِّمَن كَانَ يَرۡجُواْ ٱللَّهَ وَٱلۡيَوۡمَ ٱلۡأٓخِرَۚ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡغَنِيُّ ٱلۡحَمِيدُ ٦

There has certainly been for you in them an excellent pattern for anyone whose hope is in Allāh and the Last Day. And whoever turns away - then indeed, Allāh is the Free of need, the Praiseworthy.

۞ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَجۡعَلَ بَيۡنَكُمۡ وَبَيۡنَ ٱلَّذِينَ عَادَيۡتُم مِّنۡهُم مَّوَدَّةٗۚ وَٱللَّهُ قَدِيرٞۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٧

Perhaps Allāh will put, between you and those to whom you have been enemies among them, affection. And Allāh is competent,1 and Allāh is Forgiving and Merciful.

قوله عزّ وجلّ:

﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا واغْفِرْ لَنا رَبَّنا إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿لَقَدْ كانَ لَكم فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كانَ يَرْجُو اللهَ واليَوْمَ الآخِرَ ومَن يَتَوَلَّ فَإنَّ اللهَ هو الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾ ﴿عَسى اللهُ أنْ يَجْعَلَ بَيْنَكم وبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنهم مَوَدَّةً واللهُ قَدِيرٌ واللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

(p-٢٨١)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا﴾ الآيَةُ... حِكايَةٌ عن إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ ومَن مَعَهُ، والمَعْنى: لا تَغْلِبُهم عَلَيْنا، فَنَكُونُ لَهم فِتْنَةً وسَبَبَ ضَلالَةٍ لِأنَّهم يَتَمَسَّكُونَ بِكُفْرِهِمْ ويَقُولُونَ: إنَّما غَلَبْناهم لِأنّا عَلى الحَقِّ وهم عَلى الباطِلِ، نَحا هَذا المَعْنى قَتادَةُ، وأبُو مَجْلَزٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: لا تُسَلِّطُهم عَلَيْنا فَيَفْتِنُونا عن أدْيانِنا فَكَأنَّهُ قالَ: لا تَجْعَلْنا مَفْتُونِينَ، فَعَبَّرَ عن ذَلِكَ بِالمَصْدَرِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا أرْجَحُ الأقْوالِ لِأنَّهم إنَّما دَعَوْا لِأنْفُسِهِمْ، وعَلى مَنحى قَتادَةَ إنَّما دَعَوْا لِلْكُفّارِ، أمّا أنَّ مَقْصِدَهم إنَّما هو أنْ يَنْدَفِعَ عنهم ظُهُورُ الكُفّارِ الَّذِي يُسَبِّبُهُ فِتَنُ الكُفّارِ، فَجاءَ في المَعْنى تَحْلِيقٌ بَلِيغٌ، ونَحْوُهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "بِئْسَ المَيِّتُ سَعْدٌ "» لِيَهُودٍ؛ لِأنَّهم يَقُولُونَ: لَوْ كانَ مُحَمَّدٌ نَبِيًّا لَمْ يَمُتْ صاحِبُهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ كانَ لَكُمْ﴾ الآيَةُ... خَطابٌ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: "لِمَن" بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ "لَكُمْ"، وكَرَّرَ حَرْفَ الجَرِّ لِيَتَحَقَّقَ البَدَلُ، وذَلِكَ عُرْفُ هَذِهِ المُبْدَلاتِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِلْفُقَراءِ المُهاجِرِينَ﴾ [الحشر: ٨]، وهو في القُرْآنِ كَثِيرٌ، وأكْثَرُ ما يَلْزَمُ مِنَ الحُرُوفِ اللامُ، ثُمَّ أعْلَمَ تَعالى بِاسْتِغْنائِهِ عَنِ العِبادَةِ، وأنَّهُ الحَمِيدُ في ذاتِهِ وأفْعالِهِ، لا يَنْقُصُ ذَلِكَ كُفْرُ كافِرٍ ولا نِفاقُ مُنافِقٍ.

ورُوِيَ أنَّ هَذِهِ الآياتِ لَمّا نَزَلَتْ وأزْمَعَ المُؤْمِنُونَ امْتِثالَ أمْرِها وصَرْمَ حِبالِ الكَفَرَةِ وإظْهارِ عَداوَتِهِمْ، لِحَقَهم تَأسُّفٌ عَلى قَراباتِهِمْ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا ولَمْ يَهْتَدُوا حَتّى يَكُونَ (p-٢٨٢)بَيْنَهُمُ الوِدُّ والتَواصُلُ فَنَزَلَتْ: "عَسى اللهُ" الآيَةُ مُؤْنِسَةٌ في ذَلِكَ، ومُرْجِيَةٌ أنْ يَقَعَ، مَوْقِعٌ ذَلِكَ بِإسْلامِهِمْ في الفَتْحِ، وصارَ الجَمِيعُ إخْوانًا، ومَن ذَكَرَ أنَّ هَذِهِ المَوَدَّةَ تَزْوِيجُ النَبِيِّ ﷺ أمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ أبِي سُفْيانَ وأنَّها كانَتْ بَعْدَ الفَتْحِ فَقَدْ أخْطَأ؛ لِأنَّ النَبِيَّ ﷺ تَزَوَّجَها وقْتَ هِجْرَةِ الحَبَشَةِ، وهَذِهِ الآياتُ نَزَلَتْ سَنَةَ ثَمانٍ مِنَ الهِجْرَةِ، ولا يَصِحُّ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما إلّا أنْ يَسُوقَهُ مِثالًا وإنْ كانَ مُتَقَدِّمًا لِهَذِهِ الآيَةِ لِأنَّهُ اسْتَمَرَّ بَعْدَ الفَتْحِ كَسائِرِ ما نَشَأ مِنَ المَوَدّاتِ، و"عَسى" مِنَ اللهِ واجِبَةُ الوُقُوعِ إنْ شاءَ اللهُ.

60:8–10Page 550

لَّا يَنۡهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمۡ يُقَٰتِلُوكُمۡ فِي ٱلدِّينِ وَلَمۡ يُخۡرِجُوكُم مِّن دِيَٰرِكُمۡ أَن تَبَرُّوهُمۡ وَتُقۡسِطُوٓاْ إِلَيۡهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُقۡسِطِينَ ٨

Allāh does not forbid you from those who do not fight you because of religion and do not expel you from your homes - from being righteous toward them and acting justly toward them. Indeed, Allāh loves those who act justly.

إِنَّمَا يَنۡهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ قَٰتَلُوكُمۡ فِي ٱلدِّينِ وَأَخۡرَجُوكُم مِّن دِيَٰرِكُمۡ وَظَٰهَرُواْ عَلَىٰٓ إِخۡرَاجِكُمۡ أَن تَوَلَّوۡهُمۡۚ وَمَن يَتَوَلَّهُمۡ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ ٩

Allāh only forbids you from those who fight you because of religion and expel you from your homes and aid in your expulsion - [forbids] that you make allies1 of them. And whoever makes allies of them, then it is those who are the wrongdoers.

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا جَآءَكُمُ ٱلۡمُؤۡمِنَٰتُ مُهَٰجِرَٰتٖ فَٱمۡتَحِنُوهُنَّۖ ٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِإِيمَٰنِهِنَّۖ فَإِنۡ عَلِمۡتُمُوهُنَّ مُؤۡمِنَٰتٖ فَلَا تَرۡجِعُوهُنَّ إِلَى ٱلۡكُفَّارِۖ لَا هُنَّ حِلّٞ لَّهُمۡ وَلَا هُمۡ يَحِلُّونَ لَهُنَّۖ وَءَاتُوهُم مَّآ أَنفَقُواْۚ وَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ أَن تَنكِحُوهُنَّ إِذَآ ءَاتَيۡتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّۚ وَلَا تُمۡسِكُواْ بِعِصَمِ ٱلۡكَوَافِرِ وَسۡـَٔلُواْ مَآ أَنفَقۡتُمۡ وَلۡيَسۡـَٔلُواْ مَآ أَنفَقُواْۚ ذَٰلِكُمۡ حُكۡمُ ٱللَّهِ يَحۡكُمُ بَيۡنَكُمۡۖ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ ١٠

O you who have believed, when the believing women come to you as emigrants, examine [i.e., test] them. Allāh is most knowing as to their faith. And if you know them to be believers, then do not return them to the disbelievers; they are not lawful [wives] for them, nor are they lawful [husbands] for them. But give them [i.e., the disbelievers] what they have spent.1 And there is no blame upon you if you marry them when you have given them their due compensation [i.e., mahr]. And hold not to marriage bonds with disbelieving women, but ask for what you have spent and let them [i.e., the disbelievers] ask for what they have spent.2 That is the judgement of Allāh; He judges between you. And Allāh is Knowing and Wise.

قوله عزّ وجلّ:

﴿لا يَنْهاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكم في الدِينِ ولَمْ يُخْرِجُوكم مِن دِيارِكم أنْ تَبَرُّوهم وتُقْسِطُوا إلَيْهِمْ إنَّ اللهُ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ﴾ ﴿إنَّما يَنْهاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكم في الدِينِ وأخْرَجُوكم مِن دِيارِكم وظاهَرُوا عَلى إخْراجِكم أنْ تَوَلَّوْهم ومَن يَتَوَلَّهم فَأُولَئِكَ هُمُ الظالِمُونَ﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا جاءَكُمُ المُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فامْتَحِنُوهُنَّ اللهُ أعْلَمُ بِإيمانِهِنَّ فَإنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إلى الكُفّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهم ولا هم يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾

اخْتَلَفَ الناسُ في هَؤُلاءِ الَّذِينَ لَمْ يَنْهَ عنهم أنْ يَبَرُّوا مِنهُمْ، فَقالَ مُجاهِدٌ: هُمُ المُؤْمِنُونَ مِن أهْلِ مَكَّةَ الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يُهاجِرُوا وكانُوا لِذَلِكَ في رُتْبَةِ سُوءٍ لِتَرْكِهِمْ فُرَصَ الهِجْرَةِ، وقالَ آخَرُونَ: أرادَ المُؤْمِنِينَ التارِكِينَ لِلْهِجْرَةِ كانُوا مِن أهْلِ مَكَّةَ ومِن غَيْرِها، وقالَ الحَسَنُ، وأبُو صالِحٍ: أرادَ خُزاعَةَ وبَنِي الحارِثِ وقَبائِلَ مِنَ العَرَبِ كُفّارًا إلّا أنَّهم كانُوا مُظاهِرِينَ لِلنَّبِيِّ ﷺ، مُحِبِّينَ فِيهِ وفي ظُهُورِهِ، ومِنهم كِنانَةُ وبَنُو الحارِثِ بْنُ عَبْدِ مَناةَ ومُزَيْنَةَ، وقالَ قَوْمٌ: أرادَ مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ مَن لَمْ يُقاتِلْ ولا أُخْرِجَ ولا أظْهَرَ سُوءًا، وعَلى هَذَيْنَ القَوْلَيْنِ فالآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِالقِتالِ، وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ الزُبَيْرِ رَضِيَ اللهُ عنهُما: أرادَ النِساءَ والصِبْيانَ مِنَ الكَفَرَةِ، وقالَ: إنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ بِسَبَبٍ أُمِّ أسْماءَ حِينَ اسْتَأْذَنَتِ النَبِيَّ ﷺ في بِرِّها وصِلَتِها فَأذِنَ لَها، وكانَتِ المَرْأةُ خالَتَها فِيما رُوِيَ فَسَمَّتْها في حَدِيثِها أُمًّا، وقالَ أبُو جَعْفَرِ بْنِ النَحّاسِ، والثَعْلَبِيُّ: أرادَ المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ لَمْ يَسْتَطِيعُوا الهِجْرَةَ، وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ، وقالَ مُرَّةُ الهَمْدانِيُّ، وعَطِيَّةُ العَوْفِيُّ: نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِن بَنِي هاشِمٍ مِنهُمُ العَبّاسُ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُ، وقالَ قَتادَةُ: نَسَخَتْها "فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ". وقَوْلُهُ تَعالى: "أنْ تَبَرُّوهُمْ" بَدَلٌ، وهَذا هو بَدَلُ (p-٢٨٣)الِاشْتِمالِ، و"الإقْساطُ": العَدْلُ، و"ظاهَرُوا" مَعْناهُ: عاوَنُوا، و"الَّذِينَ قاتَلُوا في الدِينِ وأخْرَجُوهُمْ" مَرَدَةُ قُرَيْشٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا جاءَكُمُ المُؤْمِناتُ﴾ الآيَةُ... نَزَلَتْ إثْرَ صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ، وذَلِكَ أنَّ الصُلْحَ تَضَمَّنَ أنْ يَرُدَّ المُؤْمِنُونَ إلى الكُفّارِ كُلَّ مَن جاءَ مُسْلِمًا مِن رَجُلٍ وامْرَأةٍ، فَنَقَضَ اللهُ تَعالى مِن ذَلِكَ أمْرَ النِساءِ بِهَذِهِ الآيَةِ، وحَكَمَ أنَّ المُهاجِرَةَ المُؤْمِنَةَ لا تُرَدُّ إلى الكُفْرِ بَلْ تَبْقى تَسْتَبْرِئُ وتَتَزَوَّجُ، ويُعْطى زَوْجُها الكافِرُ الصَداقَ الَّذِي أنْفَقَ، وأمَرَ أيْضًا المُؤْمِنِينَ بِطَلَبِ صَداقِ مَن فَرَّتِ امْرَأتُهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وحَكَمَ تَعالى بِهَذا في النازِلَةِ، وسَمّاهُنَّ مُؤْمِناتٍ قَبْلَ أنْ يُتَيَقَّنَ ذَلِكَ لِأنَّهُ ظاهِرُ أمْرِهِنَّ، و"مُهاجِراتٍ" نُصِبَ عَلى الحالِ، و"امْتَحِنُوهُنَّ" مَعْناهُ: جَرِّبُوهُنَّ واسْتَخْبِرُوا حَقِيقَةَ ما عِنْدَهُنَّ.

واخْتَلَفَ الناسُ في هَذا الِامْتِحانِ، كَيْفَ كانَ؟ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ: كانَ بِأنْ تَسْتَحْلِفَ المَرْأةُ أنَّها ما هاجَرَتْ لِبُغْضِ زَوْجِها، وبِجَرِيرَةٍ جَرَّتْها، ولا بِسَبَبٍ مِن أعْراضِ الدُنْيا سِوى حُبِّ اللهِ تَعالى ورَسُولِهِ ﷺ والدارِ الآخِرَةِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أيْضًا: الِامْتِحانُ أنْ تُطْلَبَ بِأنْ تَشْهَدَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللهُ وأنْ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، فَإذا فَعَلْتَ ذَلِكَ لَمْ تُرِدْ، فَقالَ فَرِيقٌ مِنهم عائِشَةُ أُمُّ المُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللهُ عنهُا: الِامْتِحانُ هو أنْ تَعْرِضَ عَلَيْها الشُرُوطَ الَّتِي في الآيَةِ بَعْدَ هَذا مِن تَرْكِ السَرِقَةِ والزِنا والبُهْتانِ والعِصْيانِ، فَإذا أقَرَّتْ بِذَلِكَ فَهو امْتِحانُها، وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في أُمَيْمَةَ بِنْتِ بِشْرٍ امْرَأةِ حَسّانَ بْنِ الدَحْداحَةِ، وفي كِتابِ الثَعْلَبِيِّ أنَّها نَزَلَتْ في سُبَيْعَةَ بِنْتِ الحارِثِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللهُ أعْلَمُ بِإيمانِهِنَّ﴾ إشارَةٌ إلى الِاسْتِرابَةِ بِبَعْضِهِنَّ، وحَضَّ عَلى امْتِحانِهِنَّ، وذَكَرَ تَعالى العِلَّةَ في ألّا يُرَدَّ النِساءُ إلى الكُفّارِ وهي امْتِناعُ الوَطْءِ وحُرْمَتُهُ، وقَرَأ طَلْحَةُ: "لا هُنَّ يَحْلَلْنَ لَهُمْ".

60:11Page 550

وَإِن فَاتَكُمۡ شَيۡءٞ مِّنۡ أَزۡوَٰجِكُمۡ إِلَى ٱلۡكُفَّارِ فَعَاقَبۡتُمۡ فَـَٔاتُواْ ٱلَّذِينَ ذَهَبَتۡ أَزۡوَٰجُهُم مِّثۡلَ مَآ أَنفَقُواْۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِيٓ أَنتُم بِهِۦ مُؤۡمِنُونَ ١١

And if you have lost any of your wives to the disbelievers and you subsequently obtain [something],1 then give those whose wives have gone the equivalent of what they had spent. And fear Allāh, in whom you are believers.

قوله عزّ وجلّ:

﴿وَآتُوهم ما أنْفَقُوا ولا جُناحَ عَلَيْكم أنْ تَنْكِحُوهُنَّ إذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ولا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الكَوافِرِ واسْألُوا ما أنْفَقْتُمْ ولْيَسْألُوا ما أنْفَقُوا ذَلِكم حُكْمُ اللهِ يَحْكُمُ بَيْنَكم واللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الممتحنة: ١٠] ﴿وَإنْ فاتَكم شَيْءٌ مِن (p-٢٨٤)أزْواجِكم إلى الكُفّارِ فَعاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أزْواجُهم مِثْلَ ما أنْفَقُوا واتَّقُوا اللهَ الَّذِي أنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾

أمَرَ اللهُ تَعالى أنْ يُؤْتى الكُفّارُ مُهُورَ نِسائِهِمُ اللاتِي هاجَرْنَ مُؤْمِناتٍ، ورَفَعَ الجُناحَ في أنْ يَتَزَوَّجْنَ بَعْدَ إتاءِ أُجُورِهِنَّ، وأمَرَ المُسْلِمِينَ بِفِراقِ الكافِراتِ وأنْ لا يُمْسِكُوا بِعِصَمِهِنَّ، فَقِيلَ: الآياتُ في عابِداتِ الأوثانِ ومَن لا يَجُوزُ نِكاحُها، ابْتِداءً، وقِيلَ: هي عامَّةٌ نُسِخَ مِنها نِساءُ أهْلِ الكِتابِ.

و"العِصَمُ" جَمْعُ عِصْمَةٍ، وهي أسْبابُ الصُحْبَةِ والبَقاءِ في الزَوْجِيَّةِ، وكَذَلِكَ العِصْمَةُ في كُلِّ شَيْءٍ هي السَبَبُ الَّذِي يَعْتَصِمُ بِهِ ويَعْتَمِدُ عَلَيْهِ، وقَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ والناسُ: "تُمْسِكُوا" بِضَمِّ التاءِ وكَسْرِ السِينِ وتَخْفِيفِها، مِن "أمْسَكَ"، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وحْدَهُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، والأعْرَجُ، والحَسَنُ، بِخِلافٍ: "وَلا تُمْسِكُوا"، مِن "مَسَّكَ" بِالشَدِّ في السِينِ، وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ أبِي لَيْلى، وابْنُ عامِرٍ -فِي رِوايَةِ عَبْدِ الحَمِيدِ-: "وَلا تَمَسَّكُوا" بِفَتْحِ التاءِ والمِيمِ وفَتْحِ السِينِ وشَدِّها، وقَرَأ الحَسَنُ: "وَتَمْسِكُوا" بِفَتْحِ التاءِ وسُكُونِ المِيمِ وكَسْرِ السِينِ مُخَفَّفَةً، ورَأيْتُ لِأبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ أنَّهُ قالَ: سَمِعْتُ الفَقِيهَ أبا الحَسَنِ الكَرْخِيِّ يَقُولُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الكَوافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠] إنَّهُ في الرِجالِ والنِساءِ، فَقُلْتُ لَهُ: النَحْوِيُّونَ لا يَرَوْنَ هَذا إلّا في النِساءِ؛ لِأنَّ "كَوافِرَ"، جَمْعُ "كافِرَةٍ"، فَقالَ: وايْشَ يَمْنَعُ مِن هَذا؟ ألَيْسَ الناسُ يَقُولُونَ: طائِفَةٌ كافِرَةٌ وقَرْيَةٌ كافِرَةٌ؟ فَبُهَتُّ، وقُلْتُ: هَذا تَأْيِيدٌ.

وأمَرَ تَعالى أنْ يَسْألَ أيْضًا الكافِرُونَ أنْ يَدْفَعُوا الصَدَقاتِ الَّتِي أعْطاها المُؤْمِنُونَ لِمَن فَرَّ مِن أزْواجِهِمْ إلى الكَفّارِ، وقَرَّرَ الحُكْمُ بِذَلِكَ عَلى الجَمِيعِ، فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ شِهابٍ أنَّ قُرَيْشًا قالَتْ: نَحْنُ لا نَرْضى هَذا الحُكْمَ ولا نَلْتَزِمُهُ ولا نَدْفَعُ لِأحَدٍ صَداقًا، فَنَزَلَتْ بِسَبَبِ ذَلِكَ هَذِهِ الآيَةُ الأُخْرى "وَإنْ فاتَكُمْ" الآيَةُ، فَأمَرَ اللهُ تَعالى المُؤْمِنِينَ أنْ يَدْفَعُوا إلى مَن فَرَّتْ زَوْجَتُهُ فَفاتَتْ بِنَفْسِها إلى الكُفّارِ صَداقَهُ الَّذِي أنْفَقَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ (p-٢٨٥)رَضِيَ اللهُ عنهُما -فِي كِتابِ الثَعْلَبِيِّ -: «خَمْسُ نِسْوَةٍ مِن نِساءِ المُهاجِرِينَ رَجَعْنَ عَنِ الإسْلامِ ولَحِقْنَ بِالمُشْرِكِينَ: أُمُّ الحَكَمِ بِنْتُ أبِي سُفْيانَ، وكانَتْ تَحْتَ عِياضِ بْنِ شَدّادٍ، وفاطِمَةَ بِنْتِ أبِي أُمِّيَّةَ أُخْتِ أُمِّ سَلَمَةَ، كانَتْ تَحْتَ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وعَبَدَةَ بِنْتِ عَبْدِ العَزِيزِ، كانَتْ تَحْتَ هِشامِ بْنِ العاصِ. وأمِّ كُلْثُومَ بِنْتِ جَرُولَ، كانَتْ تَحْتَ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، فَأعْطاهُمُ النَبِيُّ ﷺ مُهُورَ نِسائِهِمْ مِنَ الغَنِيمَةِ.»

واخْتَلَفَ الناسُ، في أيِّ مالٍ يُدْفَعُ إلَيْهِ الصَداقُ؟ فَقالَ مُحَمَّدُ بْنُ شِهابٍ الزُهْرِيُّ: يُدْفَعُ إلَيْهِ مِنَ الصَدَقاتِ الَّتِي كانَتْ تُدْفَعُ إلى الكَفّارِ بِسَبَبِ مِن هاجَرَ مِن أزْواجِهِمْ، وأرادَ اللهُ تَعالى دَفْعَها إلَيْهِمْ حِينَ لَمْ يَرْضَوْا حُكْمَهُ حَسَبَ ما ذَكَرْناهُ، وهَذا قَوْلٌ صَحِيحٌ يَقْتَضِيهِ قَوْلُهُ تَعالى: "فَعاقَبْتُمْ"، وسَنُبَيِّنُ ذَلِكَ عِنْدَ تَفْسِيرِ اللَفْظَةِ إنْ شاءَ اللهُ تَعالى، وقالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: يُدْفَعُ إلَيْهِ مِن غَنائِمَ المَغازِي، وقالَ هَؤُلاءِ: "المُعاقَبَةُ" هي الغَزْوُ والمَغْنَمُ، وتَأوَّلُوا اللَفْظَةَ بِهَذا المَعْنى، وقالَ الزَهْراوِيُّ أيْضًا: يُدْفَعُ إلَيْهِ مِن أيِّ وُجُوهِ الفَيْءِ أمْكَنَ.

و"المُعاقَبَةُ" في هَذِهِ الآيَةِ لَيْسَتْ بِمَعْنى مُجازاةِ السُوءِ بِسُوءٍ، ولَكِنَّها بِمَعْنى: فَصِرْتُمْ مِنهم إلى الحالِ الَّتِي صارُوا إلَيْها مِنكُمْ، وذَلِكَ بِأنْ يَفُوتَ إلَيْكم شَيْءٌ مِن أزْواجِكُمْ، وهَكَذا هو التَعْقِيبُ عَلى الجَمَلِ والدَوابِّ، أنْ يَرْكَبَ هَذا عُقْبَةً وهَذا عُقْبَةً، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "وَإنْ فاتَكم أحَدٌ مِن أزْواجِكُمْ"، ويُقالُ عاقَبَ الرَجُلُ صاحِبَهُ في كَذا، أيْ: كُلُّ واحِدٍ مِنهُما بِعَقِبِ فِعْلِ الآخَرِ، ويُقالُ: أعْقَبَ الرَجُلُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:

؎ وحارَدَتِ النُكْدُ الجِلادُ ولَمْ يَكُنْ لِعُقْبَةِ قَدْرِ المُسْتَعِيرِينَ مُعْقِبُ

(p-٢٨٦)وَيُقالُ: عَقَّبَ -بِشَدِّ القافِ- أيْ: أصابَ عُقْبى، والتَعْقِيبُ: غَزْوٌ إثْرَ غَزْوٍ، ويُقالُ: عَقَبَ بِتَخْفِيفِها-، ويُقالُ: عَقِبَ بِكَسْرِها-، كُلُّ ذَلِكَ بِمَعْنًى يُقَرِّبُ بَعْضُهُ مِن بَعْضٍ، ويَجْمَعُ ذَلِكَ قُرْبى. قَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "عاقَبْتُمْ" بِالتَشْدِيدِ في القافِ، وقَرَأ الأعْرَجُ أيْضًا وأبُو حَيْوَةَ والزَهْراوِيُّ أيْضًا: عَقَّبْتُمْ"بِفَتْحِ" القافِ خَفِيفَةً، وقَرَأ النَخْعِيُّ، والزَهْرِيُّ أيْضًا: "عَقِبْتُمْ" بِكَسْرِ القافِ، وكُلُّها بِمَعْنى: غَنِمْتُمْ، ورُوِيَ عن مُجاهِدٍ: "أعْقَبْتُمْ" بِألْفٍ مَقْطُوعَةٍ قَبْلَ العَيْنِ، وهَذِهِ الآيَةُ كُلُّها قَدِ ارْتَفَعَ حُكْمُها. ثُمَّ نَدَبَ تَعالى إلى التَقْوى وأوجَبَها، وذَكَرَ العِلَّةَ الَّتِي بِها تَجِبُ التَقْوى وهي الإيمانُ بِاللهِ تَعالى والتَصْدِيقُ بِوَحْدانِيَّتِهِ وصِفاتِهِ وعِقابِهِ وإنْعامِهِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском