Ibn 'AtiyyaFatir · 35:1–14

Ibn 'Atiyya · Tafsir · in Arabic

فاطر

Fatir

Originator · Meccan · 45 ayahs

35:1–5Page 434

ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ جَاعِلِ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ رُسُلًا أُوْلِيٓ أَجۡنِحَةٖ مَّثۡنَىٰ وَثُلَٰثَ وَرُبَٰعَۚ يَزِيدُ فِي ٱلۡخَلۡقِ مَا يَشَآءُۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ١

[All] praise is [due] to Allāh, Creator of the heavens and the earth, [who] made the angels messengers having wings, two or three or four. He increases in creation what He wills. Indeed, Allāh is over all things competent.

مَّا يَفۡتَحِ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحۡمَةٖ فَلَا مُمۡسِكَ لَهَاۖ وَمَا يُمۡسِكۡ فَلَا مُرۡسِلَ لَهُۥ مِنۢ بَعۡدِهِۦۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٢

Whatever Allāh grants to people of mercy - none can withhold it; and whatever He withholds - none can release it thereafter. And He is the Exalted in Might, the Wise.

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡۚ هَلۡ مِنۡ خَٰلِقٍ غَيۡرُ ٱللَّهِ يَرۡزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِۚ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ فَأَنَّىٰ تُؤۡفَكُونَ ٣

O mankind, remember the favor of Allāh upon you. Is there any creator other than Allāh who provides for you from the heaven and earth? There is no deity except Him, so how are you deluded?

وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدۡ كُذِّبَتۡ رُسُلٞ مِّن قَبۡلِكَۚ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرۡجَعُ ٱلۡأُمُورُ ٤

And if they deny you, [O Muḥammad] - already were messengers denied before you. And to Allāh are returned [all] matters.

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٞۖ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلۡغَرُورُ ٥

O mankind, indeed the promise of Allāh is truth, so let not the worldly life delude you and be not deceived about Allāh by the Deceiver [i.e., Satan].

(p-٢٠٠)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ

تَفْسِيرُ سُورَةِ فاطِرٍ

هَذِهِ السُورَةُ مَكِّيَّةٌ.

قوله عزّ وجلّ:

﴿الحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَماواتِ والأرْضِ جاعِلِ المَلائِكَةِ رُسُلا أُولِي أجْنِحَةٍ مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ يَزِيدُ في الخَلْقِ ما يَشاءُ إنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿ما يَفْتَحِ اللهُ لِلنّاسِ مِن رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها وما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿يا أيُّها الناسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكم هَلْ مِن خالِقٍ غَيْرُ اللهِ يَرْزُقُكم مِن السَماءِ والأرْضِ لا إلَهَ إلا هو فَأنّى تُؤْفَكُونَ﴾ ﴿وَإنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ وإلى اللهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ ﴿يا أيُّها الناسُ إنَّ وعْدَ اللهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الحَياةُ الدُنْيا ولا يَغُرَّنَّكم بِاللهِ الغَرُورُ﴾

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "الحَمْدُ لِلَّهِ"،﴾ الألِفُ واللامُ في "الحَمْدُ" لِاسْتِغْراقِ الجِنْسِ عَلى أتَمِّ عُمُومٍ؛ لِأنَّ الحَمْدَ بِالإطْلاقِ عَلى الأفْعالِ الشَرِيفَةِ والكَمالُ هو لِلَّهِ، والشُكْرُ مُسْتَغْرَقٌ فِيهِ؛ لِأنَّهُ فَصْلٌ مِن فُصُولِهِ. و"فاطِرِ" مَعْناهُ: خالِقِ، لَكِنْ يَزِيدُ في المَعْنى الِانْفِرادُ بِالِابْتِداءِ لِخِلْقَتِها، ومِنهُ قَوْلُ الأعْرابِيِّ: "أنا فَطَرْتُها"، أرادَ: بَدَأْتُ حَفْرَها، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: ما كُنْتُ أفْهَمُ مَعْنى "فاطِرٍ" حَتّى سَمِعْتُ قَوْلَ الأعْرابِيِّ. وقَرَأ الزُهْرِيُّ ؛ "الحَمْدُ لِلَّهِ فَطَرَ"، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "جاعِلِ" بِالخَفْضِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: [جاعِلُ] بِالرَفْعِ، عَلى قَطْعِ الصِفَةِ، وقَرَأ خالِدُ بْنُ نَشِيطٍ: [جَعَلَ] عَلى صِيغَةِ الماضِي (p-٢٠١)"المَلائِكَةَ" نَصْبًا، فَأمّا عَلى هَذِهِ القِراءَةِ الأخِيرَةِ فَنُصِبَ قَوْلُهُ: "رُسُلًا" عَلى المَفْعُولِ الثانِي، وأمّا عَلى القِراءَتَيْنِ المُتَقَدِّمَتَيْنِ فَقِيلَ: أرادَ بِـ"جاعِلِ" الِاسْتِقْبالَ؛ لِأنَّ القَضاءَ في الأزَلِ، وحُذِفَ التَنْوِينُ تَخْفِيفًا، وعَمِلَ عَمَلَ المُسْتَقْبَلِ في "رُسُلًا". وقالَتْ فِرْقَةٌ: "جاعِلِ" بِمَعْنى المُضِيِّ، و"رُسُلًا" نُصِبَ بِإضْمارِ فِعْلٍ، و"رُسُلًا" مَعْناهُ: بِالوَحْيِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن أوامِرَ، فَجِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ وعِزْرائِيلُ وإسْرافِيلُ رُسُلٌ، والمَلائِكَةُ المُتَعاقِبُونَ رُسُلٌ، والمُسَدِّدُونَ لِحُكّامِ العَدْلِ رُسُلٌ، وغَيْرُ ذَلِكَ. وقَرَأ الحَسَنُ: "رُسْلًا" بِسُكُونِ السِينِ.

و"أُولِي" جَمْعُ (ذُو)، ومِنهُ: التَقِيُّ ذُو نُهْيَةٍ، والقَوْمُ أُولُو نَهْيً، ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ في تَفْسِيرِ قَوْلِ مَرْيَمَ عَلَيْها السَلامُ: ﴿إنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ [مريم: ١٨]: عَلِمَتْ مَرْيَمُ أنَّ التَقِيَّ ذُو نُهْيَةٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ﴾ ألْفاظٌ مَعْدُولَةٌ مِنَ اثْنَيْنِ وثَلاثَةٍ وأرْبَعَةٍ، عُدِلَتْ في حالِ التَنْكِيرِ فَتَعَرَّفَتْ بِالعَدْلِ، فَهي لا تَنْصَرِفُ لِلْعَدْلِ والتَعْرِيفِ، وقِيلَ: لِلْعَدْلِ والصِفَةِ، وفائِدَةُ العَدْلِ الدَلالَةُ عَلى التَكْرارِ: لِأنَّ "مَثْنى" بِمَنزِلَةِ قَوْلِكِ: اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ. وقالَ قَتادَةُ: إنَّ أنْواعَ المَلائِكَةِ هي هَكَذا، مِنها ما لَهُ جَناحانِ، ومِنها ما لَهُ ثَلاثَةٌ، ومِنها ما لَهُ أرْبَعَةٌ، وشَذَّ مِنها ما لَهُ أكْثَرُ مِن ذَلِكَ، ورُوِيَ أنَّ لِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ سِتَّمِائَةِ جَناحٍ مِنها اثْنانِ تَبْلُغُ مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: المَعْنى: إنَّ في كُلِّ جانِبٍ مِنَ المَلَكِ جَناحَيْنِ، ولِبَعْضِهِمْ أرْبَعَةٌ، وإلّا فَلَوْ كانَتْ ثَلاثَةٌ لِكُلِّ واحِدٍ لِما اعْتَدَلَتْ في مُعْتادِ ما رَأيْناهُ نَحْنُ مِنَ الأجْنِحَةِ، وقِيلَ: بَلْ هي ثَلاثَةٌ لِكُلِّ واحِدٍ كالحُوتِ، واللهُ أعْلَمُ بِذَلِكَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَزِيدُ في الخَلْقِ ما يَشاءُ﴾ تَقْرِيرٌ لِما يَقَعُ في النُفُوسِ مِنَ التَعَجُّبِ والِاسْتِغْرابِ عِنْدَ الخَبَرِ بِالمَلائِكَةِ أُولِي الأجْنِحَةِ، أيْ: لَيْسَ هَذا بِبِدْعٍ في قُدْرَةِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى؛ فَإنَّهُ يَزِيدُ في خَلْقِهِ ما يَشاءُ، ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ، وابْنِ شِهابٍ أنَّهُما قالا: المَزِيدُ هو حُسْنُ الصَوْتِ، قالَ الهَيْثَمُ الفارِسِيُّ: رَأيْتُ النَبِيَّ ﷺ في النَوْمِ، فَقالَ لِي: "أنْتَ الهَيْثَمُ الَّذِي تُزَيِّنُ القُرْآنَ بِصَوْتِكَ، جَزاكَ اللهُ خَيْرًا"، وقِيلَ: الزِيادَةُ: الخَطُّ الحَسَنُ، وقالَ النَبِيُّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "الخَطُّ الحَسَنُ يَزِيدُ الحَقَّ وُضُوحًا"،» وقالَ (p-٢٠٢)قَتادَةُ: الزِيادَةُ: مَلاحَةُ العَيْنَيْنِ، وقِيلَ غَيْرُ هَذا، وإنَّما ذَكَرَ هَذِهِ الأشْياءَ مَن ذَكَرَها عَلى جِهَةِ المِثالِ، لا أنَّ المَقْصُودَ هي فَقَطْ، وإنَّما مَثَّلُوا بِأشْياءَ هي زِياداتٌ خارِجَةٌ عَنِ الغالِبِ المُعْتادِ المَوْجُودِ كَثِيرًا، وباقِي الآيَةِ بَيْنٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما يَفْتَحِ اللهُ﴾، "ما" شَرْطٌ، و"يَفْتَحِ" جُزِمَ بِالشَرْطِ، و﴿مِن رَحْمَةٍ﴾ عامٌّ في كُلِّ خَيْرٍ يُعْطِيهِ اللهُ لِعِبادِهِ جَماعَتِهِمْ وأفْرادِهِمْ، وقَوْلُهُ: ﴿مِن بَعْدِهِ﴾ فِيهِ حَذْفُ مُضافٍ، أيْ: مِن بَعْدِ إمْساكِهِ، ومِن هَذِهِ الآيَةِ سَمَّتِ الصُوفِيَّةُ ما يُعْطاهُ (الصُوفِيُّ) مِنَ الأمْوالِ والمَطاعِمِ وغَيْرِ ذَلِكَ: الفُتُوحاتِ، ومِنها كانَ أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ يَقُولُ: "مُطِرْنا بِنَوْءِ الفَتْحِ"، ويَقْرَأُ الآيَةَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الناسُ اذْكُرُوا﴾ الآيَةُ... خِطابٌ لِقُرَيْشٍ، وهو مُتَّجِهٌ لِكُلِّ كافِرٍ، ولا سِيَّما لِعُبّادِ غَيْرِ اللهِ، وذَكَّرَهم تَعالى بِنِعْمَةِ اللهِ عَلَيْهِمْ في خَلْقِهِمْ وإيجادِهِمْ، ثُمَّ اسْتَفْهَمَهم عَلى جِهَةِ التَقْرِيرِ والتَوْقِيفِ بِقَوْلِهِ: ﴿هَلْ مِن خالِقٍ غَيْرُ اللهِ﴾ ؟ أيْ: فَلَيْسَ الإلَهُ إلّا الخالِقُ، لا ما تَعْبُدُونَ أنْتُمْ مِنَ الأصْنامِ، وقَرَأ حَمْزَةُ: "غَيْرِ" بِالخَفْضِ نَعَتٌ عَلى اللَفْظِ، وخَبَرُ الِابْتِداءِ ﴿ "يَرْزُقُكُمْ"،﴾ وبِها قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وشَقِيقٌ، وابْنُ وثّابٍ، وقَرَأ الباقُونَ بِالرَفْعِ، وهي قِراءَةُ شَيْبَةَ بْنِ نِصاحٍ، وعِيسى، والحَسْنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وذَلِكَ يَحْتَمِلُ ثَلاثَةَ أوجُهٍ: النَعْتُ عَلى المَوْضِعِ والخَبَرُ مُضْمَرٌ، تَقْدِيرُهُ: في الوُجُودِ، أو في العالَمِ. وأنْ يَكُونَ "غَيْرُ" خَبَرَ الِابْتِداءِ الَّذِي هو في المَجْرُورِ، والرَفْعُ عَلى الِاسْتِثْناءِ، كَأنَّهُ قالَ: هَلْ خالِقٌ إلّا اللهُ؟ فَجَرَتْ "غَيْرُ" مَجْرى الفاعِلِ بَعْدَ إلّا. وقَوْلُهُ: ﴿مِنَ السَماءِ﴾ يُرِيدُ: بِالمَطَرِ، ومِنَ "الأرْضِ" يُرِيدُ: بِالنَباتِ، وقَوْلُهُ: ﴿فَأنّى تُؤْفَكُونَ﴾ أيْ:فَلا وجْهَ تُصْرَفُونَ "فِيهِ" عَنِ الحَقِّ.

(p-٢٠٣)ثُمَّ سَلّى نَبِيَّهُ ﷺ بِما سَلَفَ مِن حالِ الرُسُلِ مَعَ الأُمَمِ، و"الأُمُورُ" تَعُمُّ جَمِيعَ المَوْجُوداتِ المَخْلُوقاتِ، إلى اللهِ مَصِيرُ جَمِيعِ ذَلِكَ عَلى اخْتِلافِ أحْوالِها، وفي هَذا وعِيدٌ لِلْكُفّارِ ووَعْدٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ.

ثُمَّ وعَظَ جَمِيعَ العالِمِ وحَذَّرَهم غُرُورَ الدُنْيا بِنَعِيمِها وزُخْرُفِها، الشاغِلَةِ عَنِ المَعادِ الَّذِي لَهُ يَقُولُ الإنْسانُ: يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي، ولا يَنْفَعُهُ "لَيْتَ" يَوْمَئِذٍ، وحَذَّرَ غُرُورَ الشَيْطانِ. وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ وعْدَ اللهِ حَقٌّ﴾ عِبارَةٌ عن جَمِيعِ خَبَرِهِ عَزَّ وجَلَّ في خَيْرٍ وتَنْعِيمٍ أو عَذابٍ وعِقابٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "الغَرُورُ" بِفَتْحِ الغَيْنِ، وهو الشَيْطانُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وقَرَأ سَمّاكٌ العَبْدِيُّ، وأبُو حَيْوَةَ: "الغُرُورُ" بِضَمِّ الغَيْنِ، وذَلِكَ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ غارٍّ كَجالِسٍ وجُلُوسٍ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ غَرٍّ، وهو مَصْدَرُ غَرَّهُ يَغُرُّهُ غَرًّا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا وإنْ كانَ شاذًّا في الأفْعالِ المُتَعَدِّيَةِ أنْ يَجِيءَ مَصْدَرُها عَلى "فُعُولٍ" لَكِنَّهُ قَدْ جاءَ: "لَزِمَهُ لُزُومًا"، و"نَهَكَهُ المَرَضُ نُهُوكًا"، فَهَذا مِثْلُهُ، وكَذَلِكَ هو مَصْدَرٌ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَدَلاهُما بِغُرُورٍ﴾ [الأعراف: ٢٢].

35:6–8Page 435

إِنَّ ٱلشَّيۡطَٰنَ لَكُمۡ عَدُوّٞ فَٱتَّخِذُوهُ عَدُوًّاۚ إِنَّمَا يَدۡعُواْ حِزۡبَهُۥ لِيَكُونُواْ مِنۡ أَصۡحَٰبِ ٱلسَّعِيرِ ٦

Indeed, Satan is an enemy to you; so take him as an enemy. He only invites his party to be among the companions of the Blaze.

ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمۡ عَذَابٞ شَدِيدٞۖ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَهُم مَّغۡفِرَةٞ وَأَجۡرٞ كَبِيرٌ ٧

Those who disbelieve will have a severe punishment, and those who believe and do righteous deeds will have forgiveness and great reward.

أَفَمَن زُيِّنَ لَهُۥ سُوٓءُ عَمَلِهِۦ فَرَءَاهُ حَسَنٗاۖ فَإِنَّ ٱللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهۡدِي مَن يَشَآءُۖ فَلَا تَذۡهَبۡ نَفۡسُكَ عَلَيۡهِمۡ حَسَرَٰتٍۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمُۢ بِمَا يَصۡنَعُونَ ٨

Then is one to whom the evil of his deed has been made attractive so he considers it good [like one rightly guided]? For indeed, Allāh sends astray whom He wills and guides whom He wills. So do not let yourself perish over them in regret. Indeed, Allāh is Knowing of what they do.

قوله عزّ وجلّ:

﴿إنَّ الشَيْطانَ لَكم عَدُوٌّ فاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إنَّما يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِن أصْحابِ السَعِيرِ﴾ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ كَبِيرٌ﴾ ﴿أفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإنَّ اللهَ يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ إنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ﴾

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الشَيْطانَ﴾ الآيَةُ... يُقَوِّي قِراءَةَ مَن قَرَأ: "الغَرُورُ" بِفَتْحِ الغَيْنِ، وقَوْلُهُ: ﴿فاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ أيْ: بِالمُبايَنَةِ والمُقاطَعَةِ والمُخالَفَةِ لَهُ بِاتِّباعِ الشَرْعِ. و"الحِزْبُ": الحاشِيَةُ والصاغِيَةُ، واللامُ في "لِيَكُونُوا" لامُ الصَيْرُورَةِ: لِأنَّهُ لَمْ يَدْعُهم إلى السَعِيرِ، وإنَّما اتَّفَقَ أنْ صارَ أمْرُهم عن دُعائِهِ إلى ذَلِكَ، و"السَعِيرُ" طَبَقَةٌ مِن طَبَقاتِ جَهَنَّمَ، وهي سَبْعُ طَبَقاتٍ.

وقَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، وهَذا هو الحَسَنُ لِعَطْفِ الَّذِينَ (p-٢٠٤)آمَنُوا عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ، فَهُما جُمْلَتانِ تَعادَلَتا، وجَوَّزَ بَعْضُ الناسِ أنْ يَكُونَ "الَّذِينَ" بَدَلًا مِنَ الضَمِيرِ في "يَكُونُوا"، وجَوَّزَ غَيْرُهُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ خَفْضٍ بَدَلًا مِن "أصْحابِ"، وهَذا مُحْتَمَلٌ، غَيْرَ أنَّ الِابْتِداءَ أرْجَحُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَمَن زُيِّنَ لَهُ﴾ الآيَةُ... تَوْقِيفٌ، وجَوابُهُ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ عِنْدَ الكِسائِيِّ: تَذْهَبُ نَفْسُكَ حَسَراتٍ عَلَيْهِ، ويُمْكِنُ أنْ يَتَقَدَّرَ: كَمَنِ اهْتَدى، ونَحْوُ هَذا مِنَ التَقْدِيرِ، وأحْسَنُها ما دَلَّ اللَفْظُ بَعْدُ عَلَيْهِ، وقَرَأ طَلْحَةُ: "أمَّنْ" بِغَيْرِ فاءٍ، وهَذِهِ الآيَةُ تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ عن كُفْرِ قَوْمِهِ، ووَجَبَ التَسْلِيمُ لِلَّهِ تَعالى في إضْلالِ مَن شاءَ وهِدايَةِ مَن شاءَ، وأمَرَ نَبِيَّهُ ﷺ بِالإعْراضِ عن أمْرِهِمْ، وألّا يَبْخَعَ نَفْسَهُ أسَفًا عَلَيْهِمْ. وقَرَأ الحَسَنُ: "تَذْهَبَ" بِفَتْحِ التاءِ والهاءِ "نَفْسُكَ" بِالرَفْعِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وقَتادَةُ، وعِيسى، والأشْهَبُ: "تُذْهِبْ" بِضَمِّ التاءِ وكَسْرِ الهاءِ "نَفْسَكَ" نَصْبًا، ورُوِيَتْ عن نافِعٍ. و"الحَسْرَةُ": هَمُّ النَفْسِ عَلى فَواتِ أمْرٍ، واسْتَشْهَدَ ابْنُ زَيْدٍ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿أنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتا عَلى ما فَرَّطْتُ﴾ [الزمر: ٥٦]، ثُمَّ تَوَعَّدَ الكَفَرَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ﴾.

35:9–10Page 435

وَٱللَّهُ ٱلَّذِيٓ أَرۡسَلَ ٱلرِّيَٰحَ فَتُثِيرُ سَحَابٗا فَسُقۡنَٰهُ إِلَىٰ بَلَدٖ مَّيِّتٖ فَأَحۡيَيۡنَا بِهِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَاۚ كَذَٰلِكَ ٱلنُّشُورُ ٩

And it is Allāh who sends the winds, and they stir the clouds, and We drive them to a dead land and give life thereby to the earth after its lifelessness. Thus is the resurrection.

مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلۡعِزَّةَ فَلِلَّهِ ٱلۡعِزَّةُ جَمِيعًاۚ إِلَيۡهِ يَصۡعَدُ ٱلۡكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ وَٱلۡعَمَلُ ٱلصَّٰلِحُ يَرۡفَعُهُۥۚ وَٱلَّذِينَ يَمۡكُرُونَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ لَهُمۡ عَذَابٞ شَدِيدٞۖ وَمَكۡرُ أُوْلَٰٓئِكَ هُوَ يَبُورُ ١٠

Whoever desires honor [through power] - then to Allāh belongs all honor.1 To Him ascends good speech, and righteous work raises it.2 But they who plot evil deeds will have a severe punishment, and the plotting of those - it will perish.

قوله عزّ وجلّ:

﴿واللهُ الَّذِي أرْسَلَ الرِياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا فَسُقْناهُ إلى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأحْيَيْنا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها كَذَلِكَ النُشُورُ﴾ ﴿مَن كانَ يُرِيدُ العِزَّةَ فَلِلَّهِ العِزَّةَ جَمِيعًا إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَيِّبُ والعَمَلُ الصالِحُ يَرْفَعُهُ والَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَيِّئاتِ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ ومَكْرُ أُولَئِكَ هو يَبُورُ﴾

هَذِهِ آيَةُ احْتِجاجٍ عَلى الكَفَرَةِ في إنْكارِ البَعْثِ مِنَ القُبُورِ، فَدَلَّهم تَعالى عَلى المِثالِ الَّذِي يُعايِنُونَهُ وهو سَواءٌ مَعَ إحْياءِ المَوْتى. و"البَلَدُ المَيِّتُ" هو الَّذِي لا نَبْتَ فِيهِ، قَدِ اغْبَرَّ مِنَ القَحْطِ، فَإذا أصابَهُ الماءُ مِنَ السَحابِ اخْضَرَّ وأنْبَتَ، فَتِلْكَ حَياتُهُ، و"النُشُورُ" مَصْدَرُ: نَشَرَ المَيِّتُ إذا حَيِيَ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى:

؎ يا عَجَبًا لِلْمَيِّتِ الناشِرِ

(p-٢٠٥)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ العِزَّةَ﴾ يَحْتَمِلُ ثَلاثَةَ مَعانٍ: أحَدُها أنْ يُرِيدَ: مَن كانَ يُرِيدُ العِزَّةَ بِمُغالَبَةٍ فَلِلَّهِ العِزَّةُ، أيْ: لَيْسَتْ لِغَيْرِهِ، ولا تَتِمُّ إلّا لَهُ، وهَذا المُغالِبُ مَغْلُوبٌ، ونَحا إلَيْهِ مُجاهِدٌ، وقالَ: مَن كانَ يُرِيدُ العِزَّةَ بِعِبادَةِ الأوثانِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا تَمَسُّكٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِ اللهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهم عِزًّا﴾ [مريم: ٨١].

والمَعْنى الثانِي: مَن كانَ يُرِيدُ العِزَّةَ وطَرِيقَها القَوِيمَ، ويُحِبُّ نَيْلَها عَلى وجْهِها، فَلِلَّهِ العِزَّةُ، أيْ: بِهِ وعن أمْرِهِ، لا تُنالُ عِزَّتُهُ إلّا بِطاعَتِهِ، ونَحا إلَيْهِ قَتادَةُ.

والمَعْنى الثالِثُ - وقالَهُ الفَرّاءُ -: مَن كانَ يُرِيدُ عِلْمَ العِزَّةِ فَلِلَّهِ العِزَّةُ، أيْ: هو المُتَّصِفُ بِها. و"جَمِيعًا" حالٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَيِّبُ﴾ أيِ التَوْحِيدُ والتَمْجِيدُ وذِكْرُ اللهِ ونَحْوُهُ. وقَرَأ الضَحّاكُ: "يُصْعَدُ" بِضَمِّ الياءِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "الكَلِمُ" وهو جَمْعُ كَلِمَةٍ، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ: "الكَلامُ"، و"الطَيِّبُ": الَّذِي يُسْتَحْسَنُ سَماعُهُ الِاسْتِحْسانَ الشَرْعِيَّ. وقالَ كَعْبُ الأحْبارِ: إنَّ لـِ"سُبْحانَ اللهِ، والحَمْدُ لِلَّهِ، ولا إلَهَ إلّا اللهُ، واللهُ أكْبَرُ" لَدَوِيًّا حَوْلَ العَرْشِ كَدَوِيِّ النَحْلِ، تُذَكِّرُ بِصاحِبِها.

(p-٢٠٦)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والعَمَلُ الصالِحُ يَرْفَعُهُ﴾، اخْتَلَفَ الناسُ في الضَمِيرِ، عَلى مَن يَعُودُ؟ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: يَعُودُ عَلى "العَمَلِ"، واخْتَلَفَتْ هَذِهِ الفِرْقَةُ: فَقالَ قَوْمٌ: الفاعِلُ بـِ"يَرْفَعُ" هو "الكَلِمُ"، أيْ: والعَمَلُ يَرْفَعُهُ الكَلِمُ، وهو قَوْلُ: "لا إلَهَ إلّا اللهُ"؛ لِأنَّهُ لا يَرْتَفِعُ عَمَلٌ إلّا بِتَوْحِيدٍ. وقالَ بَعْضُهُمُ: الفِعْلُ مُسْنَدٌ إلى اللهِ تَعالى، أيْ: والعَمَلُ الصالِحُ يَرْفَعُهُ هُوَ، وهَذا أرْجَحُ الأقْوالِ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وشَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ، ومُجاهِدُ، وقَتادَةُ: الضَمِيرُ في "يَرْفَعُهُ" عائِدٌ عَلى "الكَلِمِ"، أيْ: إنَّ العَمَلَ الصالِحَ هو يَرْفَعُ الكَلِمَ، واخْتَلَفَتْ عِباراتُ أهْلُ هَذِهِ المَقالَةِ، فَقالَ بَعْضُها: رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّ العَبْدَ إذا ذَكَرَ اللهَ تَعالى، وقالَ كَلامًا طَيِّبًا، وأدّى فَرائِضَهُ، ارْتَفَعَ قَوْلُهُ مَعَ عَمَلِهِ، وإذا قالَ - ولَمْ يُؤَدِّ فَرائِضَهُ - رُدَّ قَوْلُهُ عَلى عَمَلِهِ وقِيلَ: عَمَلُهُ أولى بِهِ. وهَذا قَوْلٌ يَرُدُّهُ مُعْتَقَدُ أهْلِ الحَقِّ والسُنَةِ، ولا يَصِحُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، والحَقُّ أنَّ العاصِي التارِكَ لِلْفَرائِضِ إذا ذَكَرَ اللهَ تَعالى، وقالَ كَلامًا طَيِّبًا فَإنَّهُ مَكْتُوبٌ لَهُ، مُتَقَبَّلٌ مِنهُ، ولَهُ حَسَناتُهُ، وعَلَيْهِ سَيِّئاتُهُ، واللهُ يَتَقَبَّلُ مِن كُلِّ مَنِ اتَّقى الشِرْكَ، وأيْضًا فَإنَّ الكَلِمَ الطَيِّبَ عَمَلٌ صالِحٌ، وإنَّما يَسْتَقِيمُ قَوْلُ مَن يَقُولُ: "إنَّ العَمَلَ هو الرافِعُ لَلْكَلِمِ" بِأنْ يَتَأوَّلَ أنَّهُ يَزِيدُ في رَفْعِهِ وحُسْنِ مَوْقِعِهِ إذا تَعاضَدَ مَعَهُ؛ كَما أنَّ صاحِبَ الأعْمالِ مِن صَلاةٍ وصِيامٍ وغَيْرِ ذَلِكَ - إذا تَخَلَّلَ أعْمالُهُ كَلِمٌ طَيِّبٌ، وذِكْرٌ لِلَّهِ - كانَتِ الأعْمالُ، أشْرَفَ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿والعَمَلُ الصالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ مَوْعِظَةً وتَذْكِرَةً وحَضًّا عَلى الأعْمالِ. وذَكَرَ الثَعْلَبِيُّ أنَّ النَبِيَّ ﷺ قالَ: « "لا يَقْبَلُ اللهُ قَوْلًا إلّا بِعَمَلٍ، ولا عَمَلَ إلّا بِنِيَّةٍ"،» ومَعْناهُ: قَوْلًا يَتَضَمَّنُ أنَّ قائِلَهُ عَمِلَ (p-٢٠٧)عَمَلًا، أو يَعْمَلُهُ في الآنِفِ، وأمّا الأقْوالُ الَّتِي هي أعْمالٌ في نُفُوسِها - كالتَوْحِيدِ والتَسْبِيحِ - فَمَقْبُولَةٌ عَلى ما قَدَّمْناهُ.

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "والعَمَلَ الصالِحَ" بِالنَصْبِ فِيهِما، وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ فـَ"يَرْفَعُهُ" مُسْنَدٌ إمّا إلى اللهِ تَعالى، وإمّا إلى "الكَلِمِ"، والضَمِيرُ في "يَرْفَعُهُ" عائِدٌ عَلى العَمَلِ لا غَيْرُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَمْكُرُونَ السَيِّئاتِ﴾ إمّا أنَّهُ عَدّى "يَمْكُرُونَ" لَمّا أحَلَّهُ مَحَلَّ "يَكْسِبُونَ"، وإمّا أنَّهُ حَذَفَ المَفْعُولَ وأقامَ صِفَتَهُ مَقامَهُ، وتَقْدِيرُهُ: يَمْكُرُونَ المَكَراتِ السَيِّئاتِ، و"يَمْكُرُونَ" مَعْناهُ: يَتَخابَثُونَ ويَخْدَعُونَ وهم يُظْهِرُونَ أنَّهم لا يَفْعَلُونَ.

و"يَبُورُ" مَعْناهُ: يَفْسُدُ ويَبْقى لا نَفْعَ فِيهِ، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: يَدْخُلُ في الآيَةِ أهْلُ الرِياءِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

ونُزُولُ الآيَةِ أوَّلًا في المُشْرِكِينَ.

35:11Page 435

وَٱللَّهُ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٖ ثُمَّ مِن نُّطۡفَةٖ ثُمَّ جَعَلَكُمۡ أَزۡوَٰجٗاۚ وَمَا تَحۡمِلُ مِنۡ أُنثَىٰ وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلۡمِهِۦۚ وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٖ وَلَا يُنقَصُ مِنۡ عُمُرِهِۦٓ إِلَّا فِي كِتَٰبٍۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٞ ١١

And Allāh created you from dust, then from a sperm-drop; then He made you mates. And no female conceives nor does she give birth except with His knowledge. And no aged person is granted [additional] life nor is his lifespan lessened but that it is in a register. Indeed, that for Allāh is easy.

قوله عزّ وجلّ:

﴿واللهُ خَلَقَكم مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكم أزْواجًا وما تَحْمِلُ مِن أُنْثى ولا تَضَعُ إلا بِعِلْمِهِ وما يُعَمَّرُ مِن مُعَمَّرٍ ولا يُنْقَصُ مِن عُمُرِهِ إلا في كِتابٍ إنَّ ذَلِكَ عَلى اللهِ يَسِيرٌ﴾

هَذِهِ الآيَةُ آيَةُ تَذْكِيرٍ بِصِفاتِ اللهِ تَعالى عَلى نَحْوِ ما تَقَدَّمَ، وهَذِهِ المُحاوَرَةُ إنَّما هي في أمْرِ الأصْنامِ وفي بَعْثِ الأجْسادِ مِنَ القُبُورِ، وقالَ تَعالى خَلَقَكم مِن تُرابٍ مِن حَيْثُ خَلَقَ آدَمَ أبانا مِنهُ عَلَيْهِ السَلامُ. ﴿ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ﴾ أيْ بِالتَناسُلِ مِن مَنِيِّ الرِجالِ، وأزْواجًا قِيلَ: مَعْناهُ: أنْواعًا، وقِيلَ: أرادَ تَزْوِيجَ الرِجالِ النِساءَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما يُعَمَّرُ مِن مُعَمَّرٍ﴾ الآيَةُ... اخْتَلَفَ الناسُ في عَوْدِ الضَمِيرِ في قَوْلِهِ: ﴿وَلا يُنْقَصُ مِن عُمُرِهِ﴾، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وغَيْرُهُ ما مُقْتَضاهُ أنَّهُ عائِدٌ عَلى ﴿ " مُعَمَّرٍ "﴾ الَّذِي هو اسْمُ جِنْسٍ، والمُرادُ غَيْرُ الَّذِي يُعَمَّرُ، أيْ أنَّ القَوْلَ تَضْمَّنَ شَخْصَيْنِ، يُعَمَّرُ أحَدُهُما مِائَةَ سَنَةٍ أو نَحْوَها، ويُنْقَصُ مِنَ الآخَرِ بِأنْ يَكُونَ عامًا واحِدًا أو نَحْوَهُ، وهَذا قَوْلُ الضَحّاكِ، وابْنُ زَيْدٍ، لَكِنَّهُ أعادَ ضَمِيرًا إيجازًا واخْتِصارًا، والبَيانُ التامُّ أنْ يَقُولَ: ولا يُنْقَصُ مِن عُمْرِ مُعَمَّرٍ ؛ لِأنَّ لَفْظَةَ " ﴿مُعَمَّرٍ "﴾ هي بِمَنزِلَةِ: ذِي عُمْرٍ، كَأنَّهُ (p-٢٠٨)قالَ: ولا يُعَمَّرُ مِن ذِي عُمْرٍ ولا يُنْقَصُ مِن عُمْرِ ذِي عُمْرٍ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أيْضًا، وأبُو مالِكٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ: المُرادُ شَخْصٌ واحِدٌ، وعَلَيْهِ يَعُودُ الضَمِيرُ، أيْ: ما يُعَمَّرُ إنْسانٌ ولا يُنْقَصُ مِن عُمْرِهِ، بِأنْ يُحْصى ما مَضى مِنهُ، إذا مَرَّ حَوْلٌ كُتِبَ ذَلِكَ، ثُمَّ حَوْلٌ، فَهَذا هو النَقْصُ، قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: ما مَضى مِن عُمْرِهِ فَهو النَقْصُ، وما يُسْتَقْبَلُ فَهو الَّذِي يُعَمَّرُهُ، ورُوِيَ عن كَعْبِ الأحْبارِ أنَّهُ قالَ: المَعْنى: ولا يُنْقَصُ مِن عُمُرِهِ، أيْ: لا يُخْتَرَمُ بِسَبَبِ قُدْرَةِ اللهِ تَعالى، ولَوْ شاءَ لَأخَّرَ ذَلِكَ السَبَبَ، ورُوِيَ أنَّهُ قالَ: حِينَ طُعِنَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُ: "لَوْ دَعا اللهَ تَعالى لَزادَ في أجَلِهِ"، فَأنْكَرَ عَلَيْهِ المُسْلِمُونَ ذَلِكَ، وقالُوا إنَّ اللهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿فَإذا جاءَ أجَلُهم لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً﴾ [الأعراف: ٣٤]، فاحْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ. وهو قَوْلٌ ضَعِيفٌ مَرْدُودٌ، يَقْتَضِي القَوْلَ بِالأجَلَيْنِ، وبِنَحْوِهِ تَمَسَّكَتِ المُعْتَزِلَةُ.

وقَرَأ الحَسَنُ، والأعْرَجُ، وابْنُ سِيرِينَ: "يَنْقُصُ" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ، أيْ: يَنْقُصُ اللهُ، وقَرَأ: "مِن عُمْرِهِ" بِسُكُونِ المِيمِ الحَسَنُ، وداوُدُ. والكِتابُ المَذْكُورُ في الآيَةِ: اللَوْحُ المَحْفُوظُ. وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى تَحْصِيلِ هَذِهِ الأعْمارِ واخْتِصارِ دَقائِقِها وساعاتِها.

35:12Page 436

وَمَا يَسۡتَوِي ٱلۡبَحۡرَانِ هَٰذَا عَذۡبٞ فُرَاتٞ سَآئِغٞ شَرَابُهُۥ وَهَٰذَا مِلۡحٌ أُجَاجٞۖ وَمِن كُلّٖ تَأۡكُلُونَ لَحۡمٗا طَرِيّٗا وَتَسۡتَخۡرِجُونَ حِلۡيَةٗ تَلۡبَسُونَهَاۖ وَتَرَى ٱلۡفُلۡكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِهِۦ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ١٢

And not alike are the two seas [i.e., bodies of water]. One is fresh and sweet, palatable for drinking, and one is salty and bitter. And from each you eat tender meat and extract ornaments which you wear, and you see the ships plowing through [them] that you might seek of His bounty; and perhaps you will be grateful.

قوله عزّ وجلّ:

﴿وَما يَسْتَوِي البَحْرانِ هَذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ وهَذا مِلْحٌ أُجاجٌ ومِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وتَرى الفُلْكَ فِيهِ مَواخِرَ لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾

هَذِهِ آيَةٌ أُخْرى يَسْتَدِلُّ بِها كُلُّ عاقِلٍ، ويَقْطَعُ أنَّها مِمّا لا مَدْخَلَ لِصَنَمٍ فِيهِ، و"البَحْرانِ" يُرِيدُ بِهِما جَمِيعَ الماءِ المِلْحِ وجَمِيعَ الماءِ العَذْبِ حَيْثُ كانَ، فَهو يَعْنِي بِهِ جُمْلَةَ هَذا وجُمْلَةَ هَذا، و"الفُراتُ": الشَدِيدُ العُذُوبَةِ، و"الأُجاجُ": الشَدِيدُ المُلُوحَةِ الَّتِي تَمِيلُ إلى المَرارَةِ مِن مُلُوحَتِهِ. قالَ الرُمّانِيُّ: هو مِن: أجَّجْتُ النارَ، كَأنَّهُ يَحْرُقُ مِن حَرارَتِهِ. وقَرَأ عِيسى الثَقَفِيُّ: "سَيِّغٌ شَرابُهُ" بِغَيْرِ ألْفٍ وبِشَدِّ الياءِ، وقَرَأ طَلْحَةُ: "مَلِحٌ" بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ اللامِ.

(p-٢٠٩)وَ"اللَحْمُ الطَرِيُّ": الحُوتُ، وهو مَوْجُودٌ في البَحْرَيْنِ، وكَذَلِكَ الفُلْكُ تَجْرِي في البَحْرَيْنِ، وبَقِيَتِ الحِلْيَةُ وهي اللُؤْلُؤُ والمَرْجانُ، فَقالَ الزَجّاجُ وغَيْرُهُ: هَذِهِ عِبارَةٌ تَقْتَضِي أنَّ الحِلْيَةَ تَخْرُجُ مِنهُما، وهي إنَّما تَخْرُجُ مِنَ المِلْحِ، وذَلِكَ يَجُوزُ، كَما قالَ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿يَخْرُجُ مِنهُما اللُؤْلُؤُ والمَرْجانُ﴾ [الرحمن: ٢٢]، وكَما قالَ: ﴿يا مَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٠]، والرُسُلُ إنَّما هي مِنَ الإنْسِ.

وقالَ بَعْضُ الناسِ: بَلِ الحِلْيَةُ تَخْرُجُ مِنَ البَحْرَيْنِ؛ وذَلِكَ أنَّ صَدَفَ اللُؤْلُؤِ إنَّما يَلْحَقُهُ - فِيما يَزْعُمُونَ - ماءُ السَماءِ، فَمِنهُ ما يُخْرَجُ ويُوجَدُ الجَوْهَرُ فِيهِ، ومِنهُ ما يَنْشَقُّ في البَحْرِ عِنْدَ مَوْتِهِ ويَقْطَعُهُ فَيَخْرُجُ جَوْهَرُهُ بِالعَطَشِ وغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الحِيَلِ، فَهَذا هو مِنَ الماءِ الفُراتِ، فَنُسِبَ إلَيْهِ الإخْراجُ لِما كانَ مِنَ الحِلْيَةِ بِسَبَبٍ، وأيْضًا فَإنَّ البَحْرَ الفُراتَ كُلَّهُ يَنْصَبُّ في البَحْرِ الأُجاجِ فَيَجِيءُ الإخْراجُ مِنهُما جَمِيعًا، وقَدْ خُطِّئَ أبُو ذُؤَيْبٍ في قَوْلِهِ في صِفَةِ الجَوْهَرِ:

؎ فَجاءَ بِها ما شِئْتَ مِن لَطِمِيَّةِ ∗∗∗ عَلى وجْهِها ماءُ الفُراتِ يَمُوجُ

ولَيْسَ ذَلِكَ بِخَطَإٍ عَلى ما ذَكَرْنا مِن تَأْوِيلِ هَذِهِ الفِرْقَةِ.

و"الفُلْكَ" في هَذا المَوْضِعِ جَمْعٌ بِدَلِيلِ صِفَتِهِ بِجَمْعٍ.

و"مَواخِرَ" جُمَعُ ماخِرَةٍ، وهي الَّتِي تَمْخُرُ الماءَ، أيْ تَشُقُّهُ، وقِيلَ: الماخِرَةُ: الَّتِي تَشُقُّ الرِيحَ، وحِينَئِذٍ يَحْدُثُ الصَوْتُ، والمَخْرُ: الصَوْتُ الَّذِي يَحْدُثُ مِن جَرْيِ السَفِينَةِ بِالرِيحِ، وعَبَّرَ المُفَسِّرُونَ عن هَذا بِعِباراتٍ لا تَخْتَصُّ بِاللَفْظَةِ، فَقالَ بَعْضُهُمُ: المَواخِرُ (p-٢١٠)هِيَ الَّتِي تَجِيءُ وتَذْهَبُ بِرِيحٍ واحِدَةٍ، وقالَ مُجاهِدٌ: الرِيحُ تَمْخُرُ السُفُنَ، ولا تَمْخُرُ الرِيحُ مِنَ السُفُنِ إلّا الفَلَكَ العِظامَ، هَكَذا وقَعَ لَفْظُهُ في البُخارِيِّ، والصَوابُ أنْ تَكُونَ الفُلْكُ هي الماخِرَةُ لا المَمْخُورَةُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ [لِتَبْتَغُوا]﴾ يُرِيدُ بِالتِجارَةِ والحَجِّ والغَزْوِ وكُلِّ سَفَرٍ لَهُ وجْهٌ شَرْعِيٌّ.

35:13–14Page 436

يُولِجُ ٱلَّيۡلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلَّيۡلِ وَسَخَّرَ ٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَۖ كُلّٞ يَجۡرِي لِأَجَلٖ مُّسَمّٗىۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمۡ لَهُ ٱلۡمُلۡكُۚ وَٱلَّذِينَ تَدۡعُونَ مِن دُونِهِۦ مَا يَمۡلِكُونَ مِن قِطۡمِيرٍ ١٣

He causes the night to enter the day, and He causes the day to enter the night and has subjected the sun and the moon - each running [its course] for a specified term. That is Allāh, your Lord; to Him belongs sovereignty. And those whom you invoke other than Him do not possess [as much as] the membrane of a date seed.

إِن تَدۡعُوهُمۡ لَا يَسۡمَعُواْ دُعَآءَكُمۡ وَلَوۡ سَمِعُواْ مَا ٱسۡتَجَابُواْ لَكُمۡۖ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ يَكۡفُرُونَ بِشِرۡكِكُمۡۚ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثۡلُ خَبِيرٖ ١٤

If you invoke them, they do not hear your supplication; and if they heard, they would not respond to you. And on the Day of Resurrection they will deny your association.1 And none can inform you like [one] Aware [of all matters].

قوله عزّ وجلّ:

﴿يُولِجُ اللَيْلَ في النَهارِ ويُولِجُ النَهارِ في اللَيْلَ وسَخَّرَ الشَمْسَ والقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأجَلٍ مُسَمًّى ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكم لَهُ المُلْكُ والَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ ما يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ﴾ ﴿إنْ تَدْعُوهم لا يَسْمَعُوا دُعاءَكم ولَوْ سَمِعُوا ما اسْتَجابُوا لَكم ويَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكم ولا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾

﴿ "يُولِجُ"﴾ مَعْناهُ: يُدْخِلُ، وهَذِهِ عِبارَةٌ عن أنَّ ما نَقَصَ مِنَ اللَيْلِ زادَ في النَهارِ، فَكَأنَّهُ دَخَلَ فِيهِ، وكَذَلِكَ ما نَقَصَ مِنَ النَهارِ يَدْخُلُ في اللَيْلِ. والألِفُ واللامُ في ﴿الشَمْسَ والقَمَرَ﴾ هي لِلْعَهْدِ، وقِيلَ: هي زائِدَةٌ لا مَعْنى لَها ولا تَعْرِيفَ. وهَذا هو الصَوابُ. و"الأجَلُ المُسَمّى" هو قِيامُ الساعَةِ، وقِيلَ: آمادُ اللَيْلِ وآمادُ النَهارِ، فَـ"أجْلٌ" - عَلى هَذا - اسْمُ جِنْسٍ. وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "تَدْعُونَ" بِالتاءِ، وقَرَأ الحَسَنُ ويَعْقُوبُ بِالياءِ. و"القِطْمِيرُ": القِشْرَةُ الرَفِيعَةُ الَّتِي عَلى نَوى التَمْرَةِ، هَذا قَوْلُ الناسِ الحُجَّةِ، وقالَ جُوَيْبِرٌ عن رِجالِهِ: القِطْمِيرُ: القُمْعُ الَّذِي في رَأْسِ التَمْرَةِ، وقالَ الضَحّاكُ: والأوَّلُ أشْهَرُ وأصْوَبُ.

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أمْرَ الأصْنامِ بِثَلاثَةِ أشْياءٍ، كُلِّها تُعْطِي بُطْلانَها: أوَّلُها أنَّها لا تَسْمَعُ إنْ دُعِيَتْ، والثانِي أنَّها لا تُجِيبُ إنْ لَوْ سَمِعَتْ، وإنَّما جاءَ بِهَذِهِ لَأنَّ لِقائِلٍ مُتَعَسِّفٍ أنْ يَقُولَ: عَساها تَسَمْعُ، والثالِثُ أنَّها تَتَبَرَّأُ يَوْمَ القِيامَةِ مِنَ الكُفّارِ.

و ﴿يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ أيْ: بِأنْ جَعَلُوهم شُرَكاءَ لِلَّهِ، فَأضافَ الشِرْكَ إلَيْهِمْ مِن حَيْثُ هم قَرَّرُوهُ، فَهو مَصْدَرٌ مُضافٌ إلى الفاعِلِ، وقَوْلُهُ: ﴿ "يَكْفُرُونَ"﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ (p-٢١١)بِكَلامٍ وعِبارَةٍ يُقْدِرُ اللهُ الأصْنامَ عَلَيْها، ويَخْلُقُ لَها إدْراكًا يَقْتَضِيها، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِما يَظْهَرُ هُناكَ مِن جُمُودِها وبُطُولِها عِنْدَ حَرَكَةِ كُلِّ ناطِقٍ، ومُدافِعَةِ كُلِّ مُحْتَجٍّ، فَيَجِيءُ هَذا عَلى طَرِيقِ التَجَوُّزِ، كَما قالَ ذُو الرُمَّةِ:

؎ وقَفَتُ عَلى رَبْعٍ لِمَيَّةَ ناطِقٍ ∗∗∗ تُخاطِبُنِي آثارُهُ وأُخاطِبُهْ

؎ وأسْقِيهِ حَتّى كادَ مِمّا أبُثُّهُ ∗∗∗ ∗∗∗ تُكَلِّمُنِي أحْجارُهُ ومَلاعِبُهْ

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ - قَتادَةُ وغَيْرِهُ -: الخَبِيرُ: أرادَ بِهِ تَعالى نَفْسَهُ، فَهو الخَبِيرُ الصادِقُ الخَبَرَ، نَبَّأ بِهَذا فَلا شَكَّ في وُقُوعِهِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ مِن تَمامِ ذِكْرِ الأصْنامِ، كَأنَّهُ قالَ: ولا يُخْبِرُكَ مِثْلُ مَن يُخْبِرُ عن نَفْسِهِ، وهي قَدْ أخْبَرَتْ عن نَفْسِها بِالكُفْرِ بِهَؤُلاءِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском