Ibn 'AtiyyaMaryam · 19:1–15

Ibn 'Atiyya · Tafsir · in Arabic

مريم

Maryam

Mary · Meccan · 98 ayahs

19:1–6Page 305

كٓهيعٓصٓ ١

Kāf, Hā, Yā, ʿAyn, Ṣād.1

ذِكۡرُ رَحۡمَتِ رَبِّكَ عَبۡدَهُۥ زَكَرِيَّآ ٢

[This is] a mention of the mercy of your Lord to His servant Zechariah

إِذۡ نَادَىٰ رَبَّهُۥ نِدَآءً خَفِيّٗا ٣

When he called to his Lord a private call [i.e., supplication].

قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ ٱلۡعَظۡمُ مِنِّي وَٱشۡتَعَلَ ٱلرَّأۡسُ شَيۡبٗا وَلَمۡ أَكُنۢ بِدُعَآئِكَ رَبِّ شَقِيّٗا ٤

He said, "My Lord, indeed my bones have weakened, and my head has filled1 with white, and never have I been in my supplication to You, my Lord, unhappy [i.e., disappointed].

وَإِنِّي خِفۡتُ ٱلۡمَوَٰلِيَ مِن وَرَآءِي وَكَانَتِ ٱمۡرَأَتِي عَاقِرٗا فَهَبۡ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيّٗا ٥

And indeed, I fear the successors1 after me, and my wife has been barren, so give me from Yourself an heir

يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنۡ ءَالِ يَعۡقُوبَۖ وَٱجۡعَلۡهُ رَبِّ رَضِيّٗا ٦

Who will inherit me1 and inherit from the family of Jacob. And make him, my Lord, pleasing [to You]."

(p-٥)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ

تَفْسِيرُ سُورَةِ مَرْيَمَ

هَذِهِ السُورَةُ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعٍ، إلّا السَجْدَةَ مِنها، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هي مَكِّيَّةٌ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي مَدَنِيَّةٌ.

قوله عزّ وجلّ:

﴿كهيعص﴾ ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيّا﴾ ﴿إذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا﴾ ﴿قالَ رَبِّ إنِّي وهَنَ العَظْمُ مِنِّي واشْتَعَلَ الرَأْسُ شَيْبًا ولَمْ أكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ ﴿وَإنِّي خِفْتُ المَوالِيَ مِن ورائِي وكانَتِ امْرَأتِي عاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ولِيًّا﴾ ﴿يَرِثُنِي ويَرِثُ مِن آلِ يَعْقُوبَ واجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾

اخْتَلَفَ الناسُ في الحُرُوفِ الَّتِي في أوائِلِ السُوَرِ عَلى قَوْلَيْنِ: فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هي سِرُّ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى في القُرْآنِ، لا يَنْبَغِي أنْ يَعْرِضَ لَهُ، يُؤْمَنُ بِظاهِرِهِ ويُتْرَكُ باطِنَهُ. وقالَ الجُمْهُورُ: بَلْ يَنْبَغِي أنْ يُتَكَلَّمَ فِيها وتُطْلَبَ مَعانِيَها؛ فَإنَّ العَرَبَ قَدْ تَأْتِي بِالحَرْفِ الواحِدِ دالًّا عَلى كَلِمَةٍ، ولَيْسَ في كِتابِ اللهِ ما لا يُفْهَمُ، ثُمُ اخْتَلَفَ هَذا الجُمْهُورُ عَلى أقْوالٍ قَدِ اسْتَوْفَيْنا ذِكْرَها في سُورَةِ البَقَرَةِ، ونَذْكُرُ الآنَ ما يَخْتَصُّ بِهَذِهِ السُورَةِ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والضَحّاكُ: هَذِهِ حُرُوفٌ دالَّةٌ عَلى أسْماءٍ مِن أسْماءِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، الكافُ مِن "كَبِيرٍ"، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ أيْضًا: الكافُ مِن "كافٍ"، وقالَ أيْضًا: هي مِن "كَرِيمٍ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

فَمُقْتَضى أقْوالِهِ أنَّها دالَّةٌ عَلى كُلِّ اسْمٍ فِيهِ كافٌ مِن أسْمائِهِ تَعالى. قالُوا: والهاءُ مِن "هادٍ"، والياءُ مِن "عَلِيٍّ"، وقِيلَ: مِن "حَكِيمٍ"، وقالَ الرَبِيعُ بْنُ أنَسٍ: هي (p-٦)مِن "يَأْمَنُ لا يُجِيرُ ولا يُجارُ عَلَيْهِ". قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: والعَيْنُ مِن "عَزِيزٍ"، وقِيلَ: مِن "عَلِيمٍ"، وقِيلَ: مِن "عَدْلٍ"، والصادُ مِن "صادِقٌ". وقالَ قَتادَةُ: بَلْ "كَهَيَعَصَ" بِجُمْلَتِهِ اسْمٌ لِلسُّورَةِ، وقالَتْ فَرْقَةٌ: بَلْ هي اسْمٌ مِن أسْماءِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى، ورُوِيَ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: "يا كَهَيَعَصَ اغْفِرْ لِي".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

فَهَذا يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ مِن أسْماءِ اللهِ تَعالى، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنْ يُنادِيَ اللهَ تَعالى بِجَمِيعِ الأسْماءِ الَّتِي تَضَمَّنَها "كَهَيَعَصَ"، كَأنَّهُ أرادَ أنْ يَقُولَ: يا كَرِيمُ يا هادِي يا عَلِيُّ يا عَزِيزُ يا صادِقُ اغْفِرْ لِي، فَجَمَعَ هَذا كُلَّهُ بِاخْتِصارٍ في قَوْلِهِ: "يا كَهَيَعَصَ". وقالَ ابْنُ المُسْتَنِيرِ وغَيْرُهُ: "كَهَيَعَصَ" عِبارَةٌ عن حُرُوفِ المُعْجَمِ، ونَسَبَهُ الزَجّاجُ إلى أكْثَرِ أهْلِ اللُغَةِ، أيْ: هَذِهِ الحُرُوفُ مِنها ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيّا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وعَلى هَذا يَتَرَكَّبُ قَوْلُ مَن يَقُولُ: ارْتَفَعَ "ذِكْرُ" بِأنَّهُ خَبَرٌ عن "كَهَيَعَصَ"، وهي حُرُوفُ تَهَجٍّ يُوقَفُ عَلَيْها بِالسُكُونِ.

وقَرَأ الجَمِيعُ: "كافْ" بِإثْباتِ الألِفِ والفاءِ، وقَرَأ نافِعٌ "الهاءُ والياءُ" وبَيْنَ الكَسْرِ والفَتْحِ، ولا يُدْغِمُ الدالُّ في الذالِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ أيْضًا بِفَتْحِ الهاءِ والياءِ، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ بِضَمِّ الهاءِ وفَتْحِ الياءِ، وقَدْ رُوِيَ عنهُ ضَمُّ الياءِ، ورُوِيَ عنهُ أنَّهُ قَرَأ: "كافْ" بِضَمِّ الفاءِ، قالَ أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ: مَعْنى الضَمِّ في الهاءِ والياءِ إشْباعُ التَفْخِيمِ، ولَيْسَ بِالضَمِّ الخالِصِ الَّذِي يُوجِبُ القَلْبَ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِكَسْرِ الهاءِ وفَتْحِ الياءِ، وقَرَأ عاصِمْ بِكَسْرِها، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بِإظْهارِ النُونِ مِن "عَيِينْ"، وهي قِراءَةُ حَفْصٍ عن عاصِمْ، وهو القِياسُ؛ إذْ هي حُرُوفٌ مُنْفَصِلَةٌ، وقَرَأ الجَمِيعُ: "عَيِينْ" بِإخْفاءِ النُونِ، جَعَلُوها في حُكْمِ الِاتِّصالِ، وقَرَأ الأكْثَرُ بِإظْهارِ الدالِّ مِن "صادْ"، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِإدْغامِهِ في الذالِ مِن قَوْلِهِ: "ذِكْرُ"، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ بْنُ القَعْقاعِ بِإظْهارِ هَذِهِ الحُرُوفِ كُلِّها وتَخْلِيصِ بَعْضِها مِن بَعْضٍ.

(p-٧)وارْتَفَعَ قَوْلُهُ: "ذِكْرُ" -فِيما قالَتْ فِرْقَةٌ- بِقَوْلِهِ: "كَهَيَعَصَ"، وقَدْ تَقَدَّمَ وجْهُ ذَلِكَ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: ارْتَفَعَ عَلى خَبَرِ مُبْتَدَإٍ تَقْدِيرُهُ: هَذا ذِكْرُ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: ارْتَفَعَ بِالِابْتِداءِ والخَبَرُ مُقَدَّرٌ، تَقْدِيرُهُ: "فِيما أُوحِيَ إلَيْكَ ذِكْرُ". وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وابْنُ يَعْمُرَ: "ذَكَّرَ رَحْمَةَ رَبِّكَ"، بِفَتْحِ الذالِ والكافِ "المُشَدَّدَةِ" والراءِ، عَلى مَعْنى: هَذا المَتْلُوُّ ذَكَّرَ رَحْمَةَ رَبِّكَ عَبْدَهُ، ومَن قالَ:"فِي الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ" فَقَدْ تَعَسَّفَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "زَكَرِيّاءَ" بِالمَدِّ، وقَرَأ الأعْمَشُ، ويَحْيى، وطَلْحَةُ: "زَكَرِيّا" بِالقَصْرِ، وهُما لُغَتانِ، وفِيهِ لُغاتٌ غَيْرُهُما.

وقَوْلُهُ تَعالى: "نادى" مَعْناهُ: بِالدُعاءِ والرَغْبَةِ. واخْتُلِفَ في مَعْنى "إخْفائِهِ" هَذا النِداءَ، فَقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: ذَلِكَ لِأنَّ الأعْمالَ الخَفِيَّةَ أفْضَلُ وأبْعَدُ مِنَ الرِياءِ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: «خَيْرُ الذِكْرِ الخَفِيُّ»، وقالَ غَيْرُهُ: يُسْتَحَبُّ الإخْفاءُ بَيْنَ العَبْدِ ومَوْلاهُ في الدُعاءِ الَّذِي هو في مَعْنى العَفْوِ والمَغْفِرَةِ، لِأنَّهُ يَدُلُّ مِنَ الإنْسانِ عَلى أنَّهُ خَيْرٌ، فَإخْفاؤُهُ أبْعَدُ مِنَ الرِياءِ، وأمّا دُعاءُ زَكَرِيّا وطَلَبُهُ فَكانَ في أمْرِ دُنْيا وهو طَلَبُ الوَلَدِ فَإنَّما إخْفاؤُهُ لِئَلّا يَلُومَهُ الناسُ في ذَلِكَ، ولِيَكُونَ عَلى أوَّلِ أمْرِهِ، إنْ أُجِيبَ نالَ بُغْيَتَهُ، وإنْ لَمْ يُجَبْ لَمْ يَعْرِفْ أحَدٌ بِذَلِكَ. ويُقالُ: وُصِفَ بِالخَفاءِ لِأنَّهُ كانَ في جَوْفِ اللَيْلِ.

و "وَهَنَ" مَعْناهُ: ضَعُفَ، والوَهْنُ في الشَخْصِ أوِ الأمْرِ: الضَعْفُ. وقَرَأ الأعْمَشُ: "وَهِنَ" بِكَسْرِ الهاءِ. "واشْتَعَلَ" مُسْتَعارَةٌ لِلشَّيْبِ مِنَ اشْتِعالِ النارِ، عَلى التَشْبِيهِ بِهِ، و"شَيْبًا" نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ في قَوْلِ مَن رَأى "اشْتَعَلَ" في مَعْنى شابٍّ، وعَلى التَمْيِيزِ في قَوْلِ مَن لا يَرى ذَلِكَ، بَلْ رَآهُ فِعْلًا آخَرَ، فالأمْرُ عِنْدَهُ كَقَوْلِهِمْ: وامْتَلَأتْ غَيْظًا.

قَوْلُهُ: ﴿وَلَمْ أكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ شُكْرٌ لِلَّهِ تَعالى عَلى سالِفِ أيادِيهِ عِنْدَهُ، مَعْناهُ: قَدْ أحْسَنْتَ إلَيَّ فِيما سَلَفَ، وسَعِدْتُ بِدُعائِي إيّاكَ، فالإنْعامُ يَقْتَضِي أنْ يَشْفَعَ آخِرُهُ أوَّلَهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنِّي خِفْتُ المَوالِيَ﴾ الآيَةُ، اخْتَلَفَ الناسُ في المَعْنى (p-٨)الَّذِي مِن أجْلِهِ خافَ المَوالِيَ، فَقالَ ابْنُ عامِرٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وأبُو صالِحٍ: خافَ أنْ يَرِثُوا مالَهُ وأنْ تَرِثَهُ الكَلالَةُ، فَأشْفَقَ مِن ذَلِكَ، ورَوى قَتادَةُ، والحَسَنُ عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «يَرْحَمُ اللهُ أخِي زَكَرِيّا، ما كانَ عَلَيْهِ مِمَّنْ يَرِثُ مالَهُ»، وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّما كانَ مَوالِيهِ مُهْمِلِينَ لِلدِّينِ، فَخافَ بِمَوْتِهِ أنْ يَضِيعَ الدِينُ، فَطَلَبَ ولِيًّا يَقُومُ بِالدِينِ بَعْدَهُ، حَكى هَذا القَوْلَ الزَجّاجُ، وفِيهِ أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَسْألَ زَكَرِيّا مَن يَرِثُ مالَهُ إذِ الأنْبِياءُ لا تُورَثُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا يُؤَيِّدُ قَوْلَ النَبِيِّ ﷺ: «إنّا مَعْشَرَ الأنْبِياءِ لا نُورَثُ، ما تَرَكْنا صَدَقَةٌ»، ويُوهِنُهُ ذِكْرُ العاقِرِ، والأكْثَرُ مِنَ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّهُ أرادَ وِراثَةَ المالِ، ويَحْتَمَلُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: «إنّا مَعْشَرَ الأنْبِياءِ لا نُورَثُ» ألّا يُرِيدَ بِهِ العُمُومَ، بَلْ عَلى أنَّهُ غالِبُ أمْرِهِمْ، فَتَأمَّلْهُ. والأظْهَرُ الألْيَقُ بِزَكَرِيّا عَلَيْهِ السَلامُ أنْ يُرِيدَ وِراثَةَ العِلْمِ والدِينِ، فَتَكُونَ الوِراثَةُ مُسْتَعارَةً، ألا تَرى أنَّهُ إنَّما طَلَبَ ولِيًّا، ولَمْ يُخَصِّصْ ولَدًا فَبَلَّغَهُ اللهُ أمَلَهُ عَلى أكْمَلِ الوُجُوهِ؟ وقالَ أبُو صالِحٍ وغَيْرُهُ: قَوْلُهُ: "يَرِثُنِي" يُرِيدُ المالَ، وقَوْلُهُ: ﴿وَيَرِثُ مِن آلِ يَعْقُوبَ﴾ يُرِيدُ العِلْمَ والنُبُوَّةَ، وقالَ السُدِّيُّ: رَغِبَ زَكَرِيّا في الوَلَدِ.

و "خِفْتُ" مِنَ الخَوْفِ، هي قِراءَةُ الجُمْهُورِ، وعَلَيْها هو هَذا التَفْسِيرُ، وقَرَأ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدُ بْنُ العاصِي، وابْنُ يَعْمُرَ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وعَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ، وغَيْرُهُمْ: "خَفَّتِ" بِفَتْحِ الخاءِ وفَتْحِ الفاءِ وشَدِّها وكَسْرِ التاءِ، وعَلى إسْنادِ الفِعْلِ إلى "المَوالِيَ"، والمَعْنى -عَلى هَذا-: انْقَطَعَ أولِيائِي وماتُوا، وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ فَإنَّما طَلَبَ ولِيًّا يَقُولُ بِالدِينِ. و"المَوالِيَ": بَنُو العَمِّ والقُرابَةُ الَّذِينَ يَلُونَ بِالنَسَبِ. وقَوْلُهُ: ﴿مِن ورائِي﴾ أيْ: مِن بَعْدِي في الزَمَنِ، فَهم (p-٩)الوَراءُ عَلى ما بَيَّنّاهُ في سُورَةِ الكَهْفِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ في هَذِهِ الآيَةِ: أيْ مِن بَيْنِ يَدِي ومِن أمامِي، وهَذا قِلَّةُ تَحْرِيرٍ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "مِن ورائِيَ" بِالمَدِّ والهَمْزِ وفَتْحِ الياءِ، وقَرَأ أيْضًا ابْنُ كَثِيرٍ: "مِن ورايَ" بِالياءِ المَفْتُوحَةِ مِثْلُ "عَصايَ"، والباقُونَ هَمَزُوا ومَدُّوا وسَكَّنُوا الياءَ.

و "العاقِرُ" مِنَ النِساءِ الَّتِي لا تَلِدُ مِن غَيْرِ كِبَرٍ، وكَذَلِكَ العاقِرُ مِنَ الرِجالِ، ومِنهُ قَوْلُ عامِرِ بْنِ الطُفَيْلِ:

؎ لَبِئْسَ الفَتى إنْ كَنْتُ أعْوَرَ عاقِرًا جَبانًا فَما عُذْرِي لَدى كُلِّ مَحْضَرِ

و "زَكَرِيّا" عَلَيْهِ السَلامُ لِما رَأى مِن حالِهِ إنَّما طَلَبَ ولِيًّا، ولَمْ يُصَرِّحْ "بِالوَلَدِ" لِبُعْدِ ذَلِكَ عِنْدَهُ بِسَبَبِ المَرْأةِ، ثُمْ وصَفَ الوَلِيَّ بِالصِفَةِ الَّتِي هي قَصْدُهُ، وهو أنْ يَكُونَ وارِثًا، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ طَلَبَ الوَلَدَ، ثُمْ شَرَطَ أنْ تَكُونَ الإجابَةُ في أنْ يَعِيشَ حَتّى يَرِثَهُ، تَحَفُّظًا مِن أنْ تَقَعَ الإجابَةُ في الوَلَدِ لَكِنْ يَخْتَرِمْ فَلا يَتَحَصَّلُ مِنهُ الغَرَضُ المَقْصُودُ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يَرِثُنِي ويَرِثُ" بِرَفْعِ الفِعْلَيْنِ عَلى مَعْنى الصِفَةِ لِلْوَلِيِّ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ: "يَرِثْنِي ويَرِثْ" بِجَزْمِ الفِعْلَيْنِ، وهَذا عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ لَيْسَ هو جَوابَ "هَبْ"، إنَّما تَقْدِيرُهُ: إنْ تَهَبْهُ يَرِثْنِي، والأوَّلُ أصْوَبُ في المَعْنى؛ لِأنَّهُ طَلَبَ وارِثًا مَوْصُوفًا، ويُضْعِفُ الجَزْمَ أنَّهُ لَيْسَ كُلُّ مَوْهُوبٍ يَرِثُ. وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، (p-١٠)وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وغَيْرُهُما: "يَرِثُنِي وارِثٌ مِن آلِ يَعْقُوبَ"، قالَ أبُو الفَتْحِ: وهَذا مَعْناهُ التَجْرِيدُ، التَقْدِيرُ: يَرِثُنِي مِنهُ أو بِهِ وارِثٌ، وقَرَأ مُجاهِدٌ: "يَرِثُنِي ويَرِثُ" عَلى التَصْغِيرِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن آلِ يَعْقُوبَ﴾ يُرِيدُ مِنهُمُ الحِكْمَةَ والعِلْمَ والنُبُوَّةَ، والمِيراثُ في هَذا كُلِّهِ اسْتِعارَةٌ. و "رَضِيٌّ" مَعْناهُ: مَرْضِيٌّ، فَهو فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ.

19:7–11Page 305

يَٰزَكَرِيَّآ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَٰمٍ ٱسۡمُهُۥ يَحۡيَىٰ لَمۡ نَجۡعَل لَّهُۥ مِن قَبۡلُ سَمِيّٗا ٧

[He was told],1 "O Zechariah, indeed We give you good tidings of a boy whose name will be John. We have not assigned to any before [this] name."

قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَٰمٞ وَكَانَتِ ٱمۡرَأَتِي عَاقِرٗا وَقَدۡ بَلَغۡتُ مِنَ ٱلۡكِبَرِ عِتِيّٗا ٨

He said, "My Lord, how will I have a boy when my wife has been barren and I have reached extreme old age?"

قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٞ وَقَدۡ خَلَقۡتُكَ مِن قَبۡلُ وَلَمۡ تَكُ شَيۡـٔٗا ٩

[An angel] said, "Thus [it will be]; your Lord says, 'It is easy for Me, for I created you before, while you were nothing.'"

قَالَ رَبِّ ٱجۡعَل لِّيٓ ءَايَةٗۖ قَالَ ءَايَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ ثَلَٰثَ لَيَالٖ سَوِيّٗا ١٠

[Zechariah] said, "My Lord, make for me a sign." He said, "Your sign is that you will not speak to the people for three nights, [being] sound."1

فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوۡمِهِۦ مِنَ ٱلۡمِحۡرَابِ فَأَوۡحَىٰٓ إِلَيۡهِمۡ أَن سَبِّحُواْ بُكۡرَةٗ وَعَشِيّٗا ١١

So he came out to his people from the prayer chamber and signaled to them to exalt [Allāh] in the morning and afternoon.

قوله عزّ وجلّ:

﴿يا زَكَرِيّا إنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا﴾ ﴿قالَ رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وكانَتِ امْرَأتِي عاقِرًا وقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الكِبَرِ عِتِيًّا﴾ ﴿قالَ كَذَلِكَ قالَ رَبُّكَ هو عَلَيَّ هَيِّنٌ وقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ ولَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ ﴿قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ ألا تُكَلِّمَ الناسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا﴾ ﴿فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ المِحْرابِ فَأوحى إلَيْهِمْ أنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾

المَعْنى: قِيلَ لَهُ بِإثْرِ دُعائِهِ: إنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ يُولَدُ لَكَ اسْمُهُ يَحْيى، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "نُبَشِّرُكَ" بِفَتْحِ الباءِ وكَسْرِ الشِينِ مُشَدَّدَةً، وقَرَأ أصْحابُ ابْنُ مَسْعُودٍ: "نَبْشُرُكَ" بِسُكُونِ الباءِ وضَمِّ الشِينِ.

قالَ قَتادَةُ: سُمِّيَ يَحْيى لِأنَّ اللهَ أحْياهُ بِالنُبُوءَةِ والإيمانِ، وقالَ بَعْضُهُمْ: سُمِّي بِذَلِكَ لِأنَّ اللهَ أحْيا بِهِ الناسَ بِالتَدَيُّنِ، وقَوْلُهُ: "سَمِيًّا" مَعْناهُ في اللُغَةِ: لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مُشارِكًا في هَذا الِاسْمِ، أيْ: لَمْ يُسَمَّ قَبْلُ بِيَحْيى، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ، وابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ أسْلَمَ، والسُدِّيِّ، وقالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: "سَمِيًّا" مَعْناهُ: مَثَلًا ونَظِيرًا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا كَأنَّهُ مِنَ المُساماةِ والسُمُوِّ، وفي هَذا بُعْدٌ؛ لِأنَّهُ لا يَفْضُلُ عَلى إبْراهِيمَ ومُوسى عَلَيْهِما السَلامُ إلّا أنْ يَفْضُلَ في خاصٍّ بِالسُؤُودِ والحَصْرِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: مَعْناهُ: لَمْ تَلِدِ العَواقِرُ مِثْلَهُ.

وقَوْلُ زَكَرِيّا: "أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ" اخْتَلَفَ الناسُ فِيهِ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّما كانَ طَلَبَ الوَلِيَّ (p-١١)دُونَ تَخْصِيصِ ولَدٍ، فَلَمّا بُشِّرَ بِالوَلَدِ اسْتَفْهَمَ عن طَرِيقِهِ مَعَ هَذِهِ المَوانِعِ مِنهُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّما كانَ طَلَبَ الوَلَدَ وهو بِحالٍ يَرْجُو الوَلَدَ فِيها بِزَواجِ غَيْرِ العاقِرِ، أو بُشِّرَ ولَمْ تَقَعْ إجابَتُهُ إلّا بَعْدَ مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ صارَ فِيها إلى حالِ مَن لا يُولَدُ لَهُ، فَحِينَئِذٍ اسْتَفْهَمَ وأخْبَرَ عن نَفْسِهِ بِالكِبَرِ والعُتُوِّ فِيهِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ طَلَبَ الوَلَدَ فَلَمّا بُشِّرَ بِهِ لِحِينِ الدَعْوَةِ تَفَهَّمَ عَلى جِهَةِ السُؤالِ لا عَلى جِهَةِ الشَكِّ. كَيْفَ طَرِيقُ الوُصُولِ إلى هَذا؟ وكَيْفَ نَفَذَ القَدَرُ بِهِ؟ لا أنَّهُ بَعُدَ عِنْدَهُ هَذا في قُدْرَةِ اللهِ.

والعِتِيُّ والعُسِيُّ: المُبالَغَةُ في الكِبَرِ ويُبْسُ العُودِ أو شَيْبُ الرَأْسِ ونَحْوُ هَذا، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "عِتِيًّا" بِكَسْرِ العَيْنِ، والباقُونَ بِضَمِّها، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "عَتِيًّا" بِفَتْحِ العَيْنِ، وحَكى أبُو حاتِمْ أنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قَرَأ: "عُسِيًّا" بِضَمِّ العَيْنِ وبِالسِينِ، وحَكاها الدانِي عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، وحَكى الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ قالَ: لا أدْرِي، أكانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقْرَأُ في الظَهْرِ والعَصْرِ، ولا أدْرِي أكانَ يَقْرَأُ: "عِتِيًّا" أو "عُسِيًّا" بِالسِينِ، وحَكى الطَبَرِيُّ عَنِ السُدِّيِّ أنَّهُ قالَ: نادى جِبْرِيلُ زَكَرِيّاءَ "إنَّ اللهَ يُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى"، فَلَقِيَهُ الشَيْطانُ فَقالَ لَهُ: إنَّ ذَلِكَ الصَوْتَ لَمْ يَكُنْ لِمَلَكٍ وإنَّما كانَ لِشَيْطانٍ، فَحِينَئِذٍ قالَ زَكَرِيّا: "أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ"؟ لِيُثْبِتَ أنَّ ذَلِكَ مِن عِنْدِ اللهِ.

وقالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وزَكَرِيّا هو مِن ذُرِّيَّةِ هارُونَ عَلَيْهِ السَلامُ، وقالَ قَتادَةُ: جَرى لَهُ هَذا الأمْرُ وهو ابْنُ بِضْعٍ وسَبْعِينَ سَنَةً، وقِيلَ: ابْنُ سَبْعِينَ، وقالَ الزَجّاجُ: ابْنُ خَمْسٍ وسِتِّينَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

فَقَدْ كانَ غَلَبَ عَلى ظَنِّهِ أنَّهُ لا يُولَدُ لَهُ.

وقَوْلُهُ: ﴿قالَ كَذَلِكَ﴾، قِيلَ: إنَّ المَعْنى: قالَ لَهُ المَلَكُ: كَذَلِكَ فَلْيَكُنِ الوُجُودُ، كَما قِيلَ لَكَ: قالَ رَبُّكَ: خَلْقُ الغُلامِ عَلَيَّ هَيِّنٌ، أيْ: غَيْرُ بِدْعٍ، وكَما خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وأخْرَجْتُكَ مِن عَدَمٍ إلى وُجُودٍ كَذَلِكَ أفْعَلُ الآنَ...... وقالَ الطَبَرِيُّ: مَعْنى قَوْلِهِ: "كَذَلِكَ" أيِ: الأمْرانِ اللَذانِ ذَكَرْتَ مِنَ المَرْأةِ العاقِرِ والكِبَرَةِ هو كَذَلِكَ ولَكِنْ قالَ رَبُّكَ.

(p-١٢)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

والمَعْنى عِنْدِي: قالَ المَلَكُ كَذَلِكَ، أيْ: عَلى هَذِهِ الحالِ قالَ رَبُّكَ هو عَلَيَّ هَيِّنٌ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَقَدْ خَلَقْتُكَ"، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "وَقَدْ خَلَقْناكَ". وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾، أيْ: مَوْجُودًا. قالَ زَكَرِيّا: "رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً"، أيْ: عَلامَةً أعْرِفُ بِها صِحَّةَ هَذا وكَوْنَهُ مِن عِنْدِكَ، ورُوِيَ أنَّ زَكَرِيّاءَ عَلَيْهِ السَلامُ لَمّا عَرَفَ ثُمْ طَلَبَ الآيَةَ بَعْدَ ذَلِكَ عاقَبَهُ اللهُ تَعالى بِأنْ أصابَهُ بِذَلِكَ السُكُوتُ عن كَلامِ الناسِ، وذَلِكَ وإنْ لَمْ يَكُنْ عن مَرَضٍ -خَرَسٍ أو نَحْوِهِ- فَفِيهِ عَلى كُلِّ حالٍ عِقابٌ ما، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ أنَّ زَكَرِيّا لَمّا حَمَلَتْ زَوْجَةٌ مِنهُ يَحْيى أصْبَحَ لا يَسْتَطِيعُ أنْ يُكَلِّمْ أحَدًا، وهو مَعَ ذَلِكَ يَقْرَأُ التَوْراةَ، ويَذْكُرُ اللهَ، فَإذا أرادَ مُقاوَلَةَ أحَدٍ لَمْ يُطِقْهُ.

ويُحْتَمَلُ عَلى هَذا أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿اجْعَلْ لِي آيَةً﴾ مَعْناهُ: عَلامَةً أعْرِفُ بِها أنَّ الحَمْلَ قَدْ وقَعَ، وبِذَلِكَ فَسَّرَ الزَجّاجُ.

ومَعْنى قَوْلِهِ: "سَوِيًّا" فِيما قالَ الجُمْهُورُ: صَحِيحًا مِن غَيْرِ عِلَّةٍ ولا خَرَسٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أيْضًا: ذَلِكَ عائِدٌ عَلى اللَيالِي، أرادَ: كامِلاتٍ مُسْتَوِياتٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ﴾ [القصص: ٧٩]، المَعْنى أنَّ اللهَ تَعالى أظْهَرَ الآيَةَ بِأنْ خَرَجَ زَكَرِيّا مِن مِحْرابِهِ وهو مَوْضِعُ الصَلاةِ، و"المِحْرابُ" أرْفَعُ المَواضِعِ والمَبانِي؛ إذْ هي تُحارِبُ مَن ناوَأها، ثُمْ خُصَّ بِهَذا الِاسْمِ مَبْنى الصَلاةِ، وكانُوا يَتَّخِذُونَها فِيما ارْتَفَعَ مِنَ الأرْضِ، واخْتَلَفَ الناسُ في اشْتِقاقِهِ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هو مَأْخُوذٌ مِنَ الحَرْبِ، كَأنَّ مُلازِمَهُ يُحارِبُ الشَيْطانَ والشَهَواتِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو مَأْخُوذٌ مِنَ الحَرَبِ -بِفَتْحِ الراءِ-، كَأنَّ مُلازِمَهُ يَلْقى مِنهُ حَرْبًا وتَعَبًا ونَصْبًا، وفي اللَفْظِ بَعْدَ هَذا نَظَرٌ.

وقَوْلُهُ: "فَأوحى"، قالَ قَتادَةُ، وابْنُ مُنَبِّهٍ: كانَ ذَلِكَ بِإشارَةٍ، وقالَ مُجاهِدٌ: بَلْ بِأنْ كَتَبَهُ في التُرابِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وكِلا القَوْلَيْنِ وحْيٌّ. وقَوْلُهُ: ﴿أنْ سَبِّحُوا﴾، "أنْ" مُفَسِّرَةٌ، بِمَعْنى أيْ، (p-١٣)وَ "سَبِّحُوا" قالَ قَتادَةُ: مَعْناهُ: صَلُّوا، والسُبْحَةِ: الصَلاةُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ أمَرَهم بِذِكْرِ اللهِ وقَوْلِ: سُبْحانَ اللهِ، وقَرَأ طَلْحَةُ: "أنْ سَبِّحُوهُ" بِضَمِيرٍ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.

19:12–15Page 306

يَٰيَحۡيَىٰ خُذِ ٱلۡكِتَٰبَ بِقُوَّةٖۖ وَءَاتَيۡنَٰهُ ٱلۡحُكۡمَ صَبِيّٗا ١٢

[Allāh said], "O John, take the Scripture [i.e., adhere to it] with determination." And We gave him judgement [while yet] a boy

وَحَنَانٗا مِّن لَّدُنَّا وَزَكَوٰةٗۖ وَكَانَ تَقِيّٗا ١٣

And affection from Us and purity, and he was fearing of Allāh

وَبَرَّۢا بِوَٰلِدَيۡهِ وَلَمۡ يَكُن جَبَّارًا عَصِيّٗا ١٤

And dutiful to his parents, and he was not a disobedient tyrant.

وَسَلَٰمٌ عَلَيۡهِ يَوۡمَ وُلِدَ وَيَوۡمَ يَمُوتُ وَيَوۡمَ يُبۡعَثُ حَيّٗا ١٥

And peace be upon him the day he was born and the day he dies and the day he is raised alive.

قوله عزّ وجلّ:

﴿يا يَحْيى خُذِ الكِتابَ بِقُوَّةٍ وآتَيْناهُ الحُكْمَ صَبِيًّا﴾ ﴿وَحَنانًا مِن لَدُنّا وزَكاةً وكانَ تَقِيًّا﴾ ﴿وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ ولَمْ يَكُنْ جَبّارًا عَصِيًّا﴾ ﴿وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ ويَوْمَ يَمُوتُ ويَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾

المَعْنى: "فَوُلِدَ لَهُ، وقالَ اللهُ لِلْمَوْلُودِ: يا يَحْيى ". وهَذا اخْتِصارُ ما يَدُلُّ الكَلامُ عَلَيْهِ. و"الكِتابُ": التَوْراةُ بِلا اخْتِلافٍ؛ لِأنَّهُ وُلِدَ قَبْلَ عِيسى ولَمْ يَكُنِ الإنْجِيلُ مَوْجُودًا عِنْدَ الناسِ، وقَوْلُهُ: "بِقُوَّةٍ"، أيِ: العِلْمُ بِهِ، والحِفْظُ لَهُ، والعَمَلُ بِهِ، والِالتِزامُ لِلَوازِمِهِ.

ثُمْ أخْبَرَ اللهُ تَعالى فَقالَ: ﴿وَآتَيْناهُ الحُكْمَ صَبِيًّا﴾، واخْتُلِفَ في "الحُكْمِ"، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: الأحْكامُ والمَعْرِفَةُ بِها، و "صَبِيًّا" يُرِيدُ: شابًا لَمْ يَبْلُغْ حَدَّ الكُهُولِ، وقالَ الحَسَنُ رَحِمَهُ اللهُ: الحُكْمُ: النُبُوَّةُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وفِي لَفْظَةِ "صَبِيٍّ" -عَلى هَذا- تَجَوُّزٌ واسْتِصْحابُ حالٍ.

وقالَتْ فِرْقَةُ: الحُكْمُ: الحِكْمَةُ، ورَوى مَعْمَرُ في ذَلِكَ أنَّ الصِبْيانَ دَعَوْهُ وهو طِفْلٌ إلى اللَعِبِ فَقالَ لَهُمْ: إنِّي لَمْ أُخْلَقْ لِلَّعِبِ، فَتِلْكَ الحِكْمَةُ الَّتِي آتاهُ اللهُ عَزَّ وجَلَّ وهو صَبِيٌّ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: مَن قَرَأ القُرْآنَ مِن قَبْلِ أنْ يَحْتَلِمْ فَقَدْ أُوتِيَ الحُكْمُ صَبِيًّا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَحَنانًا مِن لَدُنّا﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: "الحُكْمَ"، و‎"‎زَكاةً" عَطْفٌ عَلَيْهِ، أُعْمِلَ في جَمِيعِ ذَلِكَ "آتَيْناهُ"، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ "وَحَنانًا" عَطْفٌ عَلى "صَبِيًّا"، أيْ: وبِحالِ حَنانٍ مِنّا وتَزْكِيَةٍ لَهُ. و "الحَنانُ": الرَحْمَةُ والشَفَقَةُ والمَحَبَّةُ، قالَهُ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ، وهو تَفْسِيرُ اللُغَةِ، وهو فِعْلٌ مِن أفْعالِ النَفْسِ، ويُقالُ: حَنانُكَ وحَنانَيْكَ، فَقِيلَ: هُما لُغَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ، وقِيلَ: حَنانَيْكَ تَثْنِيَةُ الحَنانِ. وقالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ: "حَنانًا مِن لَدُنّا": تَعْظِيمًا مِن لَدُنّا.

(p-١٤)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

والحَنانُ في كَلامِ العَرَبِ أيْضًا ما عَظُمْ مِنَ الأُمُورِ في ذاتِ اللهِ تَعالى، ومِنهُ قَوْلُ زَيْدِ بْنِ عَمْرٍو بْنِ نُفَيْلٍ في خَبَرِ بِلالِ بْنِ رَباحٍ: واللهِ لَئِنْ قَتَلْتُمْ هَذا العَبْدَ لَأتَّخِذَنَّ قَبْرَهُ حَنانًا". وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: "واللهِ ما أدْرِي ما الحَنانُ". و"الزَكاةُ" التَطْهِيرُ والتَنْمِيَةُ في وُجُوهِ الخَيْرِ والبِرِّ، و"التَقِيُّ" فَعِيلٌ مِن تَقْوى اللهِ عَزَّ وجَلَّ، ورُوِيَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ مِن طَرِيقِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ رَضِيَ اللهُ عنهُما، عَنِ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ أنَّهُ قالَ: «كُلُّ بَنِي آدَمَ يَأْتِي يَوْمَ القِيامَةِ ولَهُ ذَنْبٌ؛ إلّا ما كانَ مِن يَحْيى بْنِ زَكَرِيّا صَلَواتُ اللهِ عَلَيْهِ»، وقالَ قَتادَةُ رَحِمَهُ اللهُ: إنَّ يَحْيى عَلَيْهِ السَلامُ لَمْ يَعْصِ اللهَ قَطُّ بِصَغِيرَةٍ ولا بِكَبِيرَةِ ولا هَمَّ بِامْرَأةٍ، وقالَ مُجاهِدٌ: كانَ طَعامُ يَحْيى العُشْبَ، وكانَ لِلدَّمْعِ في خَدِّهِ مَجارٍ ثابِتَةٍ. ومِنَ الشَواهِدِ في الحَنانِ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:

؎ وتَمْنَحُها بَنُو شَمَجى بْنِ جِرْمٍ مُعِيزَهُمْ، حَنانَكَ ذا الحَنانِ

(p-١٥)وَقَوْلُ النابِغَةِ:

؎ أبا مُنْذِرٍ أفْنَيْتَ فاسْتَبَقِ بَعْضَنا ∗∗∗ حَنانَيْكَ بَعْضُ الشَرِّ أهْوَنُ مِن بَعْضِ

وقالَ الآخَرُ:

؎ فَقالَتْ: حَنانٌ ما أتى بِكَ ها هُنا؟ ∗∗∗ أذُو نَسَبٍ أمْ أنْتَ بِالحَيِّ عارِفُ؟

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ ولَمْ يَكُنْ جَبّارًا عَصِيًّا﴾، البَرُّ: الكَثِيرُ البِرِّ، و الجَبّارُ: المُتَكَبِّرُ، كَأنَّهُ يَجْبُرُ الناسَ عَلى أخْلاقِهِ، الجَبّارَةُ: النَخْلَةُ العالِيَةُ العَظِيمَةُ، و العَصِيُّ أصِلُهُ عَصُويٌ، فَعُولٌ بِمَعْنى فاعِلٌ، ورَوِيَ أنْ يَحْيى عَلَيْهِ السَلامُ لَمْ يُواقِعْ مَعْصِيَةً صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَسَلامٌ عَلَيْهِ﴾، قالَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ: مَعْناهُ: أمانٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

والأظْهَرُ عِنْدِي أنَّها التَحِيَّةُ المُتَعارَفَةُ، فَهي أشْرَفُ وأنْبَهُ مِنَ الأمانِ؛ لِأنَّ الأمانَ مُتَحَصِّلٌ لَهُ بِنَفْيِ العِصْيانِ، وهي أقَلُّ دَرَجاتِهِ، وإنَّما الشَرَفُ في أنْ سَلَّمَ اللهُ عَلَيْهِ وحَيّاهُ في المَواطِنِ الَّتِي الإنْسانُ فِيها في غايَةِ الضَعْفِ والحاجَةِ وقِلَّةِ الحِيلَةِ والفَقْرِ إلى اللهِ وعَظِيمِ الهَوْلِ.

وذَكَرَ الطَبَرِيُّ عَنِ الحَسَنِ رَحِمَهُ اللهُ أنَّ عِيسى بْنَ مَرْيَمَ ويَحْيى بْنَ زَكَرِيّا صَلَواتُ اللهِ (p-١٦)عَلَيْهِما التَقَيا، وهُما ابْنا الخالَةِ، فَقالَ يَحْيى لِعِيسى: ادْعُ لِي فَأنْتَ خَيْرٌ مِنِّي، فَقالَ لَهُ عِيسى: بَلْ أنْتَ ادْعُ لِي فَأنْتَ خَيْرٌ مِنِّي، سَلَّمَ اللهُ عَلَيْكَ وأنا سَلَّمْتُ عَلى نَفْسِي.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

قالَ لِي أبِي رَحِمَهُ اللهُ: انْتَزَعَ بَعْضُ العُلَماءِ مِن هَذِهِ الآيَةِ في التَسْلِيمِ فَضْلُ عِيسى بِأنْ قالَ: إذْلالُهُ في التَسْلِيمِ عَلى نَفْسِهِ ومَكانَتُهُ مِنَ اللهِ الَّتِي اقْتَضَتْ ذَلِكَ حِينَ قَرَّرَ وحَكى في مُحْكَمِ التَنْزِيلِ أعْظَمُ في المَنزِلَةِ مِن أنْ يُسَلِّمْ عَلَيْهِ. ولِكُلٍّ وجْهٌ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском