Ibn 'AtiyyaAl‑Anfal · 8:1–4

Ibn 'Atiyya · Tafsir · in Arabic

الأنفال

Al-Anfal

The Spoils of War · Medinan · 75 ayahs

8:1Page 177

يَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡأَنفَالِۖ قُلِ ٱلۡأَنفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِۖ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَصۡلِحُواْ ذَاتَ بَيۡنِكُمۡۖ وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ١

They ask you, [O Muḥammad], about the bounties [of war]. Say, "The [decision concerning] bounties is for Allāh and the Messenger." So fear Allāh and amend that which is between you and obey Allāh and His Messenger, if you should be believers.

(p-١٢٦)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ

تَفْسِيرُ سُورَةِ الأنْفالِ

هِيَ مَدَنِيَّةٌ كُلُّها، كَذا قالَ أكْثَرُ الناسِ، وقالَ مُقاتِلٌ: هي مَدَنِيَّةٌ غَيْرَ آيَةٍ واحِدَةٍ وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنفال: ٣٠] الآيَةُ كُلُّها، وهَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ في قِصَّةٍ وقَعَتْ بِمَكَّةَ، ويُمْكِنُ أنْ تَنْزِلَ الآيَةُ في ذَلِكَ بِالمَدِينَةِ، ولا خِلافَ في هَذِهِ السُورَةِ أنَّها نَزَلَتْ في يَوْمِ بَدْرٍ وأمْرِ غَنائِمِهِ.

قوله عزّ وجلّ:

﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ قُلِ الأنْفالِ لِلَّهِ والرَسُولِ فاتَّقُوا اللهَ وأصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكم وأطِيعُوا اللهَ ورَسُولَهُ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾

النَفْلُ والنَفَلُ والنافِلَةُ في كَلامِ العَرَبِ: الزِيادَةُ عَلى الواجِبِ، وسُمِّيَتِ الغَنِيمَةُ نَفْلًا لِأنَّها زِيادَةٌ عَلى القِيامِ بِالجِهادِ وحِمايَةِ الدِينِ والدُعاءِ إلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ، ومِنهُ قَوْلُ لَبِيدٍ:

؎ إنَّ تَقْوى رَبِّنا خَيْرُ نَفْلِ ∗∗∗.................

أيْ خَيْرُ غَنِيمَةٍ، وقَوْلُ عنتَرَةَ:

؎ إنّا إذا احْمَرَّ الوَغى نَرْوِي القَنا ∗∗∗ ∗∗∗ ونَعِفُّ عِنْدَ مَقاسِمِ الأنْفالِ

(p-١٢٧)والسُؤالُ في كَلامِ العَرَبِ يَجِيءُ لِاقْتِضاءِ مَعْنًى في نَفْسِ المَسْؤُولِ، وقَدْ يَجِيءُ لِاقْتِضاءِ مالٍ أو نَحْوِهِ، والأكْثَرُ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ السُؤالَ إنَّما هو عن حُكْمِ الأنْفالِ فَهو مِنَ الضَرْبِ الأوَّلِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّما سَألُوهُ الأنْفالَ نَفْسَها أنْ يُعْطِيَهم إيّاها، واحْتَجُّوا في ذَلِكَ بِقِراءَةِ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ، وعَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وعَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ، وأبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، وزَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ، وجَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وطَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ، وعِكْرِمَةَ، والضَحّاكِ، وعَطاءٍ: ( يَسْألُونَك الأنْفال )، وقالُوا في قِراءَةِ مَن قَرَأ "عن" أنَّها بِمَعْنى (مِن)، فَهَذا الضَرْبُ الثانِي مِنَ السُؤالِ.

واخْتَلَفَ الناسُ في المُرادِ بِالأنْفالِ في هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، والضَحّاكُ، وقَتادَةُ، وعَطاءٌ، وابْنُ زَيْدٍ: هي الغَنائِمُ مُجْمَلَةً، قالُوا وذَلِكَ أنَّ سَبَبَ الآيَةِ ما جَرى يَوْمَ بَدْرٍ، وهو أنَّ أصْحابَ رَسُولِ اللهِ ﷺ افْتَرَقُوا يَوْمَ بَدْرٍ ثَلاثَ فِرَقٍ: فِرْقَةً أقامَتْ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ في العَرِيشِ الَّذِي صُنِعَ لَهُ وحَمَتْهُ وآنَسَتْهُ، وفِرْقَةً أحاطَتْ بِعَسْكَرِ العَدُوِّ وأسْلابِهِمْ لَمّا انْكَشَفُوا، وفِرْقَةً اتَّبَعُوا العَدُوَّ فَقَتَلُوا وأسَرُوا. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ في كِتابِ الطَبَرِيِّ: وكانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَدْ حَرَّضَ الناسَ قَبْلَ ذَلِكَ فَقالَ: « "مَن قَتَلَ قَتِيلًا أو أسَرَ أسِيرًا فَلَهُ كَذا ولَهُ كَذا"،» فَسارَعَ الشُبّانُ وبَقِيَ الشُيُوخُ عِنْدَ الراياتِ، فَلَمّا انْجَلَتِ الحَرْبُ واجْتَمَعَ الناسُ رَأتْ كُلُّ فِرْقَةٍ الفَضْلَ لِنَفْسِها، وقالَتْ: نَحْنُ أولى بِالمَغْنَمِ، وساءَتْ أخْلاقُهم في ذَلِكَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ بِأنَّ الغَنائِمَ لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ فَكَفُّوا، فَقَسَّمَهُ حِينَئِذٍ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلى السَواءِ.

وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ «عن أبِي أُمامَةَ الباهِلِيِّ قالَ: سَألْتُ عُبادَةَ بْنَ الصامِتِ عَنِ (p-١٢٨)الأنْفالِ، فَقالَ: فِينا - أهْلَ بَدْرٍ - نَزَلَتْ حِينَ اخْتَلَفْنا وساءَتْ أخْلاقُنا، فَنَزَعَهُ اللهُ مِن أيْدِينا فَجَعَلَهُ إلى رَسُولِ اللهِ ﷺ، وقَسَّمَهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ السَلامُ عن بَواءٍ.»

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

يُرِيدُ عن سَواءٍ، فَكانَ في ذَلِكَ تَقْوى اللهِ وطاعَةُ رَسُولِهِ ﷺ وصَلاحُ ذاتِ البَيْنِ.

مِمّا جَرى أيْضًا يَوْمَ بَدْرٍ فَقِيلَ إنَّهُ سَبَبٌ ما أسْنَدَهُ الطَبَرِيُّ «عن سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ، قالَ: لَمّا كانَ يَوْمُ بَدْرٍ قُتِلَ أخِي عُمَيْرٌ، وقَتَلْتُ سَعِيدَ بْنَ العاصِ وأخَذْتُ سَيْفَهُ، وكانَ يُسَمّى ذا الكَثِيفَةِ، فَجِئْتُ بِهِ إلى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللهِ، هَذا السَيْفُ قَدْ شَفى اللهُ بِهِ مِنَ المُشْرِكِينَ فَأعْطِنِيهِ، فَقالَ: "لَيْسَ هَذا لِي ولا لَكَ فاطْرَحْهُ في القَبَضِ" فَطَرَحْتُهُ، فَرَجَعْتُ وبِي ما لا يَعْلَمُهُ إلّا اللهُ مِن قَتْلِ أخِي وأخْذِ سَلَبِي، قالَ: فَما جاوَزْتُ إلّا قَلِيلًا حَتّى نَزَلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الأنْفالِ، فَقالَ: "اذْهَبْ فَخُذْ سَيْفَكَ فَإنَّكَ سَألْتَنِي السَيْفَ ولَيْسَ لِي، وإنَّهُ قَدْ صارَ لِي فَهو لَكَ".»

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وفِي بَعْضِ طُرُقِ هَذا الحَدِيثِ، «قالَ سَعْدٌ: فَقُلْتُ لَمّا قالَ لِي: "فَضَعْهُ في القَبَضِ": إنِّي أخافُ أنْ تُعْطِيَهُ مَن لَمْ يَبْلُ بَلائِي، قالَ: فَإذا رَسُولُ اللهِ ﷺ خَلْفِي، قالَ: فَقُلْتُ: أخافُ أنْ يَكُونَ نَزَلَ فِيَّ شَيْءٌ، فَقالَ: "إنَّ السَيْفَ قَدْ صارَ لِي" فَأعْطانِيهِ، ونَزَلَتْ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ﴾». وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ أيْضًا «عن أبِي أُسَيْدٍ مالِكِ بْنِ رَبِيعَةَ قالَ: (p-١٢٩)أصَبْتُ سَيْفَ ابْنِ عائِدٍ يَوْمَ بَدْرٍ، وكانَ يُسَمّى المَرْزَبانَ، فَلَمّا أمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أنْ يَرُدُّوا ما في أيْدِيهِمْ مِنَ النَفْلِ أقْبَلْتُ بِهِ، فَألْقَيْتُهُ في النَفْلِ، وكانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لا يَمْنَعُ شَيْئًا يَسْألُهُ، فَرَآهُ الأرْقَمُ المَخْزُومِيُّ فَسَألَهُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَأعْطاهُ إيّاهُ.»

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

فَيَجِيءُ مِن مَجْمُوعِ هَذِهِ الآثارِ أنَّ نُفُوسَ أهْلِ بَدْرٍ تَنافَرَتْ، ووَقَعَ فِيها ما يَقَعُ في نُفُوسِ البَشَرِ مِن إرادَةِ الأثْرَةِ، لا سِيَّما مَن أبْلى، فَأنْزَلَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ الآيَةَ فَرَضِيَ المُسْلِمُونَ وسَلَّمُوا، فَأصْلَحَ اللهُ ذاتَ بَيْنِهِمْ ورَدَّ عَلَيْهِمْ غَنائِمَهُمْ، وقالَ بَعْضُ أهْلِ هَذا التَأْوِيلِ " عِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ ": كانَ هَذا الحُكْمُ مِنَ اللهِ لِرَفْعِ الشَغَبِ، ثُمَّ نُسِخَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنفال: ٤١] الآيَةُ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: لَمْ يَقَعْ في الآيَةِ نَسْخٌ، وإنَّما أُخْبِرَ أنَّ الغَنائِمَ لِلَّهِ مِن حَيْثُ هي مِلْكُهُ ورِزْقُهُ، ولِلرَّسُولِ مِن حَيْثُ هو مُبَيِّنٌ بِها أحْكامَ اللهِ والصادِعُ بِها لِيَقَعَ التَسْلِيمُ فِيها مِنَ الناسِ، وحُكْمُ القِسْمَةِ نازِلٌ خِلالَ ذَلِكَ، ولا شَكَّ في أنَّ الغَنائِمَ وغَيْرَها والدُنْيا بِأسْرِها هي لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: الأنْفالُ في الآيَةِ: ما يُعْطِيهِ الإمامُ لِمَن رَآهُ مِن سَيْفٍ أو فَرَسٍ أو نَحْوِهِ، وهَذا أيْضًا يَحْسُنُ مَعَ الآيَةِ ومَعَ ما ذَكَرْناهُ مِن آثارِ يَوْمِ بَدْرٍ. وقالَ عَلِيُّ بْنُ صالِحِ بْنِ حَيٍّ، والحَسَنُ فِيما حَكى المَهْدَوِيُّ: الأنْفالُ في الآيَةِ: ما تَجِيءُ بِهِ السَرايا خاصَّةً.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا القَوْلُ بَعِيدٌ عَنِ الآيَةِ غَيْرُ مُلْتَئِمٍ مَعَ الأسْبابِ المَذْكُورَةِ، بَلْ يَجِيءُ خارِجًا عن يَوْمِ بَدْرٍ، وقالَ مُجاهِدٌ: الأنْفالُ في الآيَةِ: الخُمُسُ، قالَ المُهاجِرُونَ: لَمْ يَخْرُجْ مِنّا هَذا الخُمُسُ، فَقالَ اللهُ تَعالى: هو لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ، وهَذا أيْضًا قَوْلٌ قَلِيلُ التَناسُبِ مَعَ الآيَةِ. (p-١٣٠)وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعَطاءٌ أيْضًا: الأنْفالُ في الآيَةِ: ما شَدَّ مِن أمْوالِ المُشْرِكِينَ إلى المُسْلِمِينَ كالفَرَسِ العائِرِ والعَبْدِ الآبِقِ، وهو لِلنَّبِيِّ ﷺ يَصْنَعُ فِيهِ ما شاءَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: الأنْفالُ في الآيَةِ: ما أُصِيبَ مِن أمْوالِ المُشْرِكِينَ بَعْدَ قِسْمَةِ الغَنِيمَةِ هو لِلَّهِ ورَسُولِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذانِ القَوْلانِ لا تَخْرُجُ بِهِما الآيَةُ عَنِ الأسْبابِ الَّتِي رُوِيَتْ في يَوْمِ بَدْرٍ، ولا تَخْتَصُّ الآيَةُ بِيَوْمِ بَدْرٍ عَلى هَذا، وكَأنَّ هاتَيْنِ المَقالَتَيْنِ إنَّما هي فِيما نالَهُ الجَيْشُ دُونَ قِتالٍ وبَعْدَ تَمامِ الحَرْبِ وارْتِفاعِ الخَوْفِ، وأولى هَذِهِ الأقْوالِ وأوضَحُها القَوْلُ الأوَّلُ الَّذِي تَظاهَرَتِ الرِواياتُ بِأسْبابِهِ، وناسَبَهُ الوَقْتُ الَّذِي نَزَلَتِ الآيَةُ فِيهِ، وحَكى النَقّاشُ عَنِ الشَعْبِيِّ أنَّهُ قالَ: الأنْفالُ: الأسارى.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا إنَّما هو عَلى جِهَةِ المِثالِ فَيَعْنِي كُلَّ ما يُغْنَمُ.

ويَحْسُنُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ أنْ نَذْكُرَ شَيْئًا مِنِ اخْتِلافِ العُلَماءِ في تَنْفِيلِ الإمامِ لِمَن رَآهُ مِن أهْلِ النَجْدَةِ والغِناءِ، وما يَجُوزُ مِن ذَلِكَ وما يَمْتَنِعُ، وما لَهم في السَلَبِ مِنَ الِاخْتِلافِ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: لا نَفْلَ بَعْدَ النَبِيِّ ﷺ، وقالَ الجُمْهُورُ: النَفْلُ باقٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، يُنَفِّلُ إمامُ الجَيْشِ ما رَآهُ لِمَن رَآهُ لَكِنْ بِحَسَبِ الِاجْتِهادِ والمَصْلَحَةِ لِلْمُسْلِمِينَ لِيَحُضَّ الناسَ عَلى النَجْدَةِ، ويُنَشِّطَهم إلى مُكافَحَةِ العَدُوِّ والِاجْتِهادِ في الحَرْبِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا، فَقالَ ابْنُ القاسِمِ عن مالِكٍ في "المُدَوَّنَةِ": إنَّما يُنَفِّلُ الإمامُ مِنَ الخُمُسِ لا مِن جُمْلَةِ الغَنِيمَةِ، ويُنَفِّلُ في أوَّلِ المَغْنَمِ وفي آخِرِهِ بِحَسَبِ اجْتِهادِهِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّما يُنَفِّلُ الإمامُ قَبْلَ القِتالِ، وأمّا إذا جُمَعَتِ الغَنائِمُ فَلا نَفْلَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا إنَّما يَكُونُ -عَلى هَذا القَوْلِ- بِأنْ يَقُولَ الإمامُ: مَن قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ كَذا وكَذا، (p-١٣١)أو يَقُولُ لِسِرِّيَّةٍ: إنْ وصَلْتُمْ إلى مَوْضِعِ كَذا فَلَكم كَذا، وقالَ الشافِعِيُّ وابْنُ حَنْبَلٍ: لا نَفْلَ إلّا بَعْدَ الغَنِيمَةِ قَبْلَ التَخْمِيسِ. وقالَ إبْراهِيمُ النَخْعِيُّ: يُنَفِّلُ الإمامُ مَتّى شاءَ قَبْلَ التَخْمِيسِ. وقالَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ، ورَجاءُ بْنُ حَيَوَةَ، ومَكْحُولٌ، والقاسِمُ، وجَماعَةٌ مِنهُمُ الأوزاعِيُّ، وأحْمَدُ، وإسْحاقُ، وعَدِيُّ بْنُ عَدِيٍّ: لا نَفْلَ إلّا بَعْدَ إخْراجِ الخُمُسِ، ثُمَّ يُنَفِّلُ الإمامُ مِن أرْبَعَةِ الأخْماسِ، ثُمَّ يُقَسَّمُ الباقِي بَيْنَ الناسِ. وقالَ ابْنُ المُسَيِّبِ: إنَّما يُنَفِّلُ الإمامُ مِن خُمْسِ الخُمْسِ، وقالَ مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ: لا يَجُوزُ أنْ يَقُولَ الأمِيرُ: مَن هَدَمَ كَذا مِنَ الحِصْنِ فَلَهُ كَذا، ومَن بَلَغَ إلى كَذا فَلَهُ كَذا، ولا أُحِبُّ لِأحَدٍ أنْ يَسْفِكَ دَمًا عَلى مِثْلِ هَذا. قالَ سِحْنُونٌ: فَإنْ نَزَلَ ذَلِكَ لَزِمَهُ فَإنَّهُ مُبايَعَةٌ. وقالَ مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ: لا يَجُوزُ أنْ يَقُولَ الإمامُ لِسَرِيَّةٍ: ما أخَذْتُمْ فَلَكم ثُلُثُهُ، قالَ سِحْنُونٌ: يُرِيدُ ابْتِداءً، فَإنْ نَزَلَ مَضى ولَهم أنْصِباؤُهم في الباقِي. وقالَ سِحْنُونٌ: إذا قالَ الإمامُ لِسَرِيَّةٍ: ما أخَذْتُمْ فَلا خُمْسَ عَلَيْكم فِيهِ، فَهَذا لا يَجُوزُ، فَإنْ نَزَلَ رَدَدْتُهُ لِأنَّ هَذا حُكْمٌ شاذٌّ لا يَجُوزُ ولا يُمْضى، ويُسْتَحَبُّ -عَلى مَذْهَبِ مالِكٍ - إنْ نَفَّلَ الإمامُ أنْ يُنَفِّلَ ما يَظْهَرُ كالعِمامَةِ والفَرَسِ والسَيْفِ، وقَدْ مَنَعَ بَعْضُ العُلَماءِ أنْ يُنَفِّلَ الإمامُ ذَهَبًا أو فِضَّةً أو لُؤْلُؤًا أو نَحْوَ هَذا. وقالَ بَعْضُهُمُ:النَفْلُ جائِزٌ مِن كُلِّ شَيْءٍ.

وأمّا السَلَبُ فَقالَ مالِكُ رَحِمَهُ اللهُ: الأسْلابُ مِنَ المَغْنَمِ تُقَسَّمُ عَلى جَمِيعِ الجَيْشِ إلّا أنْ يَشْرُطَ الإمامُ، وقالَهُ غَيْرُهُ. وقالَ اللَيْثُ، والأوزاعِيُّ، والشافِعِيُّ، وأحْمَدُ، وأبُو ثَوْرٍ، وأبُو عُبَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ: السَلَبُ حَقٌّ لِلْقاتِلِ بِحُكْمِ النَبِيِّ ﷺ، قالَ الشافِعِيُّ، وأحْمَدُ، وأبُو عُبَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ: قالَهُ الإمامُ أو لَمْ يَقُلْهُ، وقالَ مالِكٌ: إذا قالَ الإمامُ: "مَن قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ" فَذَلِكَ لازِمٌ، ولَكِنَّهُ عَلى قَدْرِ اجْتِهادِ الإمامِ وبِسَبَبِ الأحْوالِ والضِيقاتِ واسْتِصْراخِ الأنْجادِ، وقالَ الشافِعِيُّ، وابْنُ حَنْبَلٍ: تَخْرُجُ الأسْلابُ مِنَ الغَنِيمَةِ ثُمَّ تُخَمَّسُ بَعْدَ ذَلِكَ وتُعْطى الأسْلابُ لِلْقَتَلَةِ، وقالَ إسْحاقُ بْنُ راهَوَيْهِ: إنْ كانَ السَلَبُ يَسِيرًا فَهو لِلْقاتِلِ، وإنْ كانَ كَثِيرًا خُمِّسَ، وفَعَلَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ مَعَ البَراءِ بْنِ مالِكٍ حِينَ بارَزَ المَرْزَبانَ فَقَتَلَهُ فَكانَتْ قِيمَةُ مِنطَقَتِهِ وسَوارِيهِ ثَلاثِينَ (p-١٣٢)ألْفًا، فَخَمَّسَ ذَلِكَ، ورُوِيَ في ذَلِكَ حَدِيثٌ عَنِ النَبِيِّ ﷺ هو حَدِيثُ عَوْفِ بْنِ مالِكٍ في مُصَنَّفِ أبِي داوُدَ، وقالَ مَكْحُولٌ: السَلَبُ مَغْنَمٌ وفِيهِ الخُمْسُ. ورُوِيَ نَحْوُهُ عن عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

يُرِيدُ: يُخَمَّسُ عَلى القاتِلِ وحْدَهُ. وقالَ جُمْهُورُ الفُقَهاءِ: لا يُعْطى القاتِلُ السَلَبَ إلّا أنْ يُقِيمَ البَيِّنَةَ عَلى قَتْلِهِ، قالَ أكْثَرُهُمْ: ويُجْزِئُ شاهِدٌ واحِدٌ بِحُكْمِ حَدِيثِ أبِي قَتادَةَ، وقالَ الأوزاعِيُّ: يُعْطاهُ بِمُجَرَّدِ دَعْواهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا ضَعِيفٌ.

وقالَ الشافِعِيُّ: لا يُعْطى القاتِلُ إلّا إذا كانَ قَتِيلُهُ مُقْبِلًا مُبارِزًا مُضَحِّيًا، وأمّا مَن قَتَلَ مُنْهَزِمًا فَلا، وقالَ أبُو ثَوْرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ صاحِبُ "الأشْرافِ": لِلْقاتِلِ السَلَبُ مُنْهَزِمًا كانَ القَتِيلُ أو غَيْرَ مُنْهَزِمٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا أصَحُّ لِحَدِيثِ سَلَمَةَ بْنِ الأكْوَعِ في اتِّباعِهِ رَبِيئَةَ الكُفّارِ في غَزْوَةِ حُنَيْنٍ وأخْذِهِ بِخِطامِ بِعِيرِهِ وقَتْلِهِ إيّاهُ وهو هارِبٌ، فَأعْطاهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ سَلَبَهُ، وقالَ ابْنُ حَنْبَلٍ: لا يَكُونُ السَلَبُ لِلْقاتِلِ إلّا في المُبارَزَةِ فَقَطْ.

واخْتَلَفُوا في السَلَبِ. فَأمّا السِلاحُ وكُلُّ ما يُحْتاجُ لِلْقِتالِ فَلا أحْفَظُ فِيهِ خِلافًا أنَّهُ مِن (p-١٣٣)السَلَبِ، وفَرَسُهُ إنْ قاتَلَ عَلَيْهِ وصُرِعَ عنهُ. وقالَ أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ في الفَرَسِ: لَيْسَ مِنَ السَلَبِ، وكَذَلِكَ إنْ كانَ في هِمْيانِهِ أو مَنطَقَتِهِ دَنانِيرُ أو جَوْهَرٌ أو نَحْوُ هَذا مِمّا يُعِدُّهُ فَلا أحْفَظُ خِلافًا أنَّهُ لَيْسَ مِنَ السَلَبِ. واخْتُلِفَ فِيما يُتَزَيَّنُ بِهِ لِلْحَرْبِ ويُهَوَّلُ فِيها كالتاجِ والسُوارَيْنِ والأقْراطِ والمَناطِقِ المُثْقَلَةِ بِالذَهَبِ والأحْجارِ، فَقالَ الأوزاعِيُّ: ذَلِكَ كُلُّهُ مِنَ السَلَبِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: لَيْسَ مِنَ السَلَبِ، وهَذا مَرْوِيٌّ عن سِحْنُونٍ رَحِمَهُ اللهُ إلّا المَنطَقَةَ فَإنَّها عِنْدَهُ مِنَ السَلَبِ. قالَ ابْنُ حَبِيبٍ في "الواضِحَةِ": والسُوارَيْنِ مِنَ السَلَبِ، وتَرَدَّدَ الشافِعِيُّ هَلْ هَذِهِ كُلُّها مِنَ السَلَبِ أو لا؟

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وإذا قالَ الإمامُ: "مَن قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ" فَقَتَلَ ذِمِّيٌّ قَتِيلًا فالمَشْهُورُ أنْ لا شَيْءَ لَهُ، وعَلى قَوْلِ أشْهَبَ: "يَرْضَخُ أهْلُ الذِمَّةِ مِنَ الغَنِيمَةِ" يَلْزَمُ أنْ يُعْطى السَلَبَ. وإنْ قَتَلَ الإمامُ بِيَدِهِ بَعْدَ هَذِهِ المَقالَةِ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وأمّا الصَفِيُّ فَكانَ خالِصًا لِرَسُولِ اللهِ ﷺ.

وقوله عزّ وجلّ: ﴿فاتَّقُوا اللهَ﴾ مَعْناها في الكَلامِ: اجْعَلْ بَيْنَكَ وبَيْنَ المَحْذُورِ وِقايَةً، وقَوْلُهُ: ﴿وَأصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ﴾ تَصْرِيحٌ بِأنَّهُ شَجَرَ بَيْنَهُمُ اخْتِلافٌ، ومالَتِ النُفُوسُ إلى التَشاحِّ، و( ذاتَ ) -فِي هَذا المَوْضِعِ- يُرادُ بِها نَفْسُ الشَيْءِ وحَقِيقَتُهُ. والَّذِي يُفْهَمُ مِن ( بَيْنِكم ) هو مَعْنًى يَعُمُّ جَمِيعَ الوَصْلِ والِالتِحاماتِ والمُوَدّاتِ، وذاتُ ذَلِكَ هي المَأْمُورُ بِإصْلاحِها، أيْ: نَفْسُهُ وعَيْنُهُ، فَحَضَّ اللهُ عَزَّ وجَلَّ عَلى إصْلاحِ تِلْكَ الأجْزاءِ، فَإذا صَلَحَتْ تِلْكَ حَصَلَ إصْلاحُ ما يَعُمُّها وهو البَيْنُ الَّذِي لَهُمْ، وقَدْ تُسْتَعْمَلُ لَفْظَةُ "الذاتِ" عَلى أنَّها لَزِيمَةُ ما تُضافُ إلَيْهِ وإنْ لَمْ تَكُنْ عَيْنَهُ ونَفْسَهُ، (p-١٣٤)وَذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ( عَلِيمٌ بِذاتِ الصُدُورِ )، و( ذاتِ الشَوْكَةِ ) فَإنَّها هاهُنا مُؤَنَّثَةُ قَوْلِهِمُ: "الذِئْبُ مَغْبُوطٌ بِذِي بَطْنِهِ"، وقَوْلِ أبِي بَكْرٍ الصِدِّيقِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "إنَّما هو ذُو بَطْنِ بِنْتِ خارِجَةَ ". ويُحْتَمَلُ "ذاتُ البَيْنِ" أنْ تَكُونَ هَذِهِ، وقَدْ تُقالُ "الذاتُ" أيْضًا بِمَعْنًى آخَرَ وإنْ كانَ يَقْرُبُ مِن هَذا، وهو قَوْلُهُمْ: "فَعَلْتُ كَذا ذاتَ يَوْمٍ"، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:

؎ لا يَنْبَحُ الكَلْبُ فِيها غَيْرَ واحِدَةٍ ∗∗∗ ∗∗∗ ذاتَ العَشاءِ ولا تَسْرِي أفاعِيها

وذَكَرَ الطَبَرِيُّ عن بَعْضِهِمْ أنَّهُ قالَ: ﴿ذاتَ بَيْنِكُمْ﴾ الحالَ الَّتِي لِبَيْنِكُمْ، كَما "ذاتَ العِشاءِ" الساعَةَ الَّتِي فِيها العِشاءُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

ورَجَّحَهُ الطَبَرِيُّ، وهو قَوْلٌ بَيِّنُ الِانْتِقاضِ. وقالَ الزَجّاجُ: البَيْنُ هاهُنا الوَصْلُ، ومْثْلُهُ قوله عزّ وجلّ: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤].

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وفِي هَذا كُلِّهِ نَظَرٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأطِيعُوا اللهَ ورَسُولَهُ﴾ لَفْظٌ عامٌّ، وسَبَبُهُ الأمْرُ بِالوُقُوفِ عِنْدَما يُنَفِّذُهُ (p-١٣٥)رَسُولُ اللهِ ﷺ في الغَنائِمِ، وقَوْلُهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: كامِلِي الإيمانِ، كَما تَقُولُ لِرَجُلٍ: "إنْ كُنْتَ رَجُلًا فافْعَلْ كَذا" أيْ: إنْ كُنْتَ كامِلَ الرُجُولَةِ، وجَوابُ الشَرْطِ في قَوْلِهِ المُتَقَدِّمِ ( وأطِيعُوا )، ومَذْهَبُ أبِي العَبّاسِ أنَّ الجَوابَ مَحْذُوفٌ مُتَأخِّرٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ المُتَقَدِّمُ تَقْدِيرُهُ: إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ أطِيعُوا، ومَذْهَبُهُ في هَذا ألّا يَتَقَدَّمَ الجَوابُ الشَرْطَ.

8:2–4Page 177

إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتۡ قُلُوبُهُمۡ وَإِذَا تُلِيَتۡ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتُهُۥ زَادَتۡهُمۡ إِيمَٰنٗا وَعَلَىٰ رَبِّهِمۡ يَتَوَكَّلُونَ ٢

The believers are only those who, when Allāh is mentioned, their hearts become fearful, and when His verses are recited to them, it increases them in faith; and upon their Lord they rely -

ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ ٣

The ones who establish prayer, and from what We have provided them, they spend.

أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ حَقّٗاۚ لَّهُمۡ دَرَجَٰتٌ عِندَ رَبِّهِمۡ وَمَغۡفِرَةٞ وَرِزۡقٞ كَرِيمٞ ٤

Those are the believers, truly. For them are degrees [of high position] with their Lord and forgiveness and noble provision.

قوله عزّ وجلّ:

﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللهُ وجِلَتْ قُلُوبُهم وإذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهم إيمانًا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَلاةَ ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهم دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ ومَغْفِرَةٌ ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾

"إنَّما" لَفْظٌ لا تُفارِقُهُ المُبالَغَةُ والتَأْكِيدُ حَيْثُ وقَعَ، ويَصْلُحُ مَعَ ذَلِكَ لِلْحَصْرِ، فَإذا دَخَلَ في قِصَّةٍ وساعَدَ مَعْناها عَلى الِانْحِصارِ صَحَّ ذَلِكَ وتَرَتَّبَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ [الكهف: ١١٠] وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأمْثِلَةِ، وإذا كانَتِ القِصَّةُ لا تَتَأتّى لِلِانْحِصارِ بَقِيَتْ "إنَّما" لِلْمُبالَغَةِ والتَأْكِيدِ فَقَطْ، كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "إنَّما الرِبا في النَسِيئَةِ"»، وكَقَوْلِهِمْ: "إنَّما الشُجاعُ عنتَرَةُ"، وأمّا مَن قالَ: "إنَّما" هي لِبَيانِ المَوْصُوفِ، فَهي عِبارَةٌ فاتِرَةٌ، إذْ بَيانُ المَوْصُوفِ يَكُونُ في مُجَرَّدِ الإخْبارِ دُونَ "إنَّما". وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ هاهُنا ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ﴾ ظاهِرُها أنَّها لِلْمُبالَغَةِ والتَأْكِيدِ فَقَطْ، أيِ:الكامِلُونَ.

و﴿وَجِلَتْ﴾ مَعْناهُ: فَزِعَتْ ورَقَّتْ وخافَتْ، وبِهَذِهِ المَعانِي فَسَّرَتِ العُلَماءُ. وقَرَأ (p-١٣٦)ابْنُ مَسْعُودٍ: (فَرِقَتْ)، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: (فَزِعَتْ). يُقالُ: وجَلَ يَوْجَلُ وياجَلَ ويَيْجَلُ -وَهِيَ شاذَّةٌ- ويِيجَلُ بِكَسْرِ الياءِ الأُولى، ووَجْهُ هَذِهِ أنَّهم لَمّا أبْدَلُوا الواوَ ياءً لَمْ يَكُنْ لِذَلِكَ وجْهُ قِياسٍ فَكَسَرُوا الياءَ الأُولى لِيَجِيءَ بَدَلَ الواوِ ياءٌ لِعِلَّةٍ، حَكى هَذِهِ اللُغاتِ الأرْبَعَ سِيبَوَيْهِ رَحِمَهُ اللهُ. و( تُلِيَتْ ) مَعْناهُ: سُرِدَتْ وقُرِئَتْ، والآياتُ هُنا: القُرْآنُ المَتْلُوُّ، وزِيادَةُ الإيمانِ عَلى وُجُوهٍ كُلُّها خارِجٌ عن نَفْسِ التَصْدِيقِ، مِنها أنَّ المُؤْمِنَ إذا كانَ لَمْ يَسْمَعْ حُكْمًا مِن أحْكامِ اللهِ في القُرْآنِ فَنَزَلَ عَلى النَبِيِّ ﷺ فَسَمِعَهُ فَآمَنَ بِهِ زادَ إيمانًا إلى سائِرِ ما قَدْ آمَنَ بِهِ، إذْ لِكُلِّ حُكْمٍ تَصْدِيقٌ خاصٌّ بِهِ، وهَذا يَتَرَتَّبُ فِيمَن بَلَغَهُ ما لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مِنَ الشَرْعِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وتَتَرَتَّبُ زِيادَةُ الإيمانِ بِزِيادَةِ الدَلائِلِ، ولِهَذا قالَ مالِكٌ: الإيمانُ يَزِيدُ ولا يَنْقُصُ، وتَتَرَتَّبُ زِيادَةُ الأعْمالِ البَرَّةِ عَلى قَوْلِ مَن يَرى لَفْظَةَ الإيمانِ واقِعَةً عَلى التَصْدِيقِ والطاعاتِ، وهَؤُلاءِ يَقُولُونَ: يَزِيدُ ويَنْقُصُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ عِبارَةٌ جامِعَةٌ لِمَصالِحِ الدُنْيا والآخِرَةِ إذا اعْتُبِرَتْ وعُمِلَ بِحَسَبِها في أنْ يَمْتَثِلَ الإنْسانُ ما أُمِرَ بِهِ ويَبْلُغُ في ذَلِكَ أقْصى جُهْدِهِ دُونَ عَجْزٍ، ويَنْتَظِرُ بَعْدَما تَكَفَّلَ لَهُ بِهِ مِن نَصْرٍ أو رِزْقٍ أو غَيْرِهِ.

وهَذِهِ أوصافٌ جَمِيلَةٌ وصَفَ اللهُ بِها فُضَلاءَ المُؤْمِنِينَ، فَجَعَلَها غايَةً لِلْأُمَّةِ لِيَسْتَبِقَ إلَيْها الأفاضِلُ، ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ عَدَّهم ووَسْمَهم بِإقامَةِ الصَلاةِ، ومَدْحَهم بِها حَضًّا عَلى ذَلِكَ.

وقَوْلُهُ: ﴿وَمِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ قالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: هي الزَكاةُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وإنَّما حَمَلَهم عَلى ذَلِكَ اقْتِرانُ الكَلامِ بِإقامَةِ الصَلاةِ وإلّا فَهو لَفْظٌ عامٌّ في الزَكاةِ ونَوافِلِ الخَيْرِ وصِلاتِ المُسْتَحِقِّينَ، ولَفْظُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما في هَذا المَعْنى مُحْتَمَلٌ.

(p-١٣٧)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ يُرِيدُ: كُلَّ المُؤْمِنِينَ، و"حَقًّا" مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ، كَذا نَصَّ عَلَيْهِ سِيبَوَيْهِ، وهو المَصْدَرُ غَيْرُ المُتَنَقِّلِ، والعامِلُ فِيهِ أحُقُّ ذَلِكَ حَقًّا. وقَوْلُهُ: ﴿دَرَجاتٌ﴾ ظاهِرُهُ -وَهُوَ قَوْلُ الجُمْهُورِ- أنَّ المُرادَ: مَراتِبُ الجَنَّةِ ومَنازِلُها، ودَرَجَتُها عَلى قَدْرِ أعْمالِهِمْ. وحَكى الطَبَرِيُّ عن مُجاهِدٍ أنَّها دَرَجاتُ أعْمالِ الدُنْيا. وقَوْلُهُ: ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ يُرِيدُ بِهِ: مَآكِلَ الجَنَّةِ ومَشارِبَها، و"كَرِيمٌ" صِفَةٌ تَقْتَضِي رَفْعَ المَذامِّ كَقَوْلِكَ: ثَوْبٌ كِرِيمٌ وحَسَبٌ كَرِيمٌ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском