Ibn 'Atiyya · Tafsir · in Arabic
الحديد
Al-Hadid
The Iron · Medinan · 29 ayahs
57:1–4Page 537
سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ١
Whatever is in the heavens and earth exalts Allāh,1 and He is the Exalted in Might, the Wise.
لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ يُحۡيِۦ وَيُمِيتُۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ ٢
His is the dominion of the heavens and earth. He gives life and causes death, and He is over all things competent.
هُوَ ٱلۡأَوَّلُ وَٱلۡأٓخِرُ وَٱلظَّٰهِرُ وَٱلۡبَاطِنُۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٌ ٣
He is the First1 and the Last,2 the Ascendant3 and the Intimate,4 and He is, of all things, Knowing.
هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ يَعۡلَمُ مَا يَلِجُ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَا يَخۡرُجُ مِنۡهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ وَمَا يَعۡرُجُ فِيهَاۖ وَهُوَ مَعَكُمۡ أَيۡنَ مَا كُنتُمۡۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ ٤
It is He who created the heavens and earth in six days and then established Himself above the Throne.1 He knows what penetrates into the earth and what emerges from it and what descends from the heaven and what ascends therein; and He is with you2 wherever you are. And Allāh, of what you do, is Seeing.
(p-٢١٧)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ الحَدِيدِ
وهِيَ مَدَنِيَّةُ، قالَ النَقّاشُ وغَيْرُهُ: بِإجْماعٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وقالَ غَيْرُهُ: هي مَكِّيَّةٌ، ولا خِلافَ أنَّ فِيها قُرْآنًا مَدَنِيًّا، لَكِنْ يُشْبِهُ صَدْرَها أنْ يَكُونَ مَكِّيًّا، واللهُ تَعالى أعْلَمُ، وقَدْ ذَكَرْنا قَوْلَ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما إنَّ اسْمَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ الأعْظَمَ هو في سِتِّ آياتٍ مِن أوَّلِ سُورَةِ الحَدِيدِ، ورُوِيَ أنَّ الدُعاءَ بَعْدَ قِراءَتِها مُسْتَجابٌ.
قوله عزّ وجلّ:
﴿سَبَّحَ لِلَّهِ ما في السَماواتِ والأرْضِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿لَهُ مُلْكُ السَماواتِ والأرْضِ يُحْيِي ويُمِيتُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿هُوَ الأوَّلُ والآخِرُ والظاهِرُ والباطِنُ وهو بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ يَعْلَمُ ما يَلِجُ في الأرْضِ وما يَخْرُجُ مِنها وما يَنْزِلُ مِنَ السَماءِ وما يَعْرُجُ فِيها وهو مَعَكم أيْنَ ما كُنْتُمْ واللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾
قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: التَسْبِيحُ هُنا هو التَنْزِيهُ المَعْرُوفُ في قَوْلِهِمْ: "سُبْحانَ اللهِ"، وهَذا عِنْدَهم إخْبارٌ بِصِيغَةِ الماضِي مُضَمِّنُهُ الدَوامُ وأنَّ التَسْبِيحَ مِمّا ذُكِرَ دائِمٌ مُسْتَمِرٌّ، واخْتَلَفُوا، هَلْ هَذا التَسْبِيحُ حَقِيقَةٌ أو مَجازٌ عَلى مَعْنى أنَّ أثَرَ الصَنْعَةِ فِيها يُنَبِّهُ الرائِي عَلى التَسْبِيحِ؟ قالَ الزَجّاجُ وغَيْرُهُ: والقَوْلُ بِالحَقِيقَةِ أحْسَنُ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ فِيهِ غَيْرَ مَرَّةٍ، وهَذا كُلُّهُ في الجَماداتِ، وأمّا ما يُمْكِنُ التَسْبِيحُ مِنهُ فَقَوْلٌ واحِدٌ إنَّ تَسْبِيحَهم حَقِيقَةٌ، وقالَ قَوْمٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: التَسْبِيحُ في هَذِهِ السُورَةِ الصَلاةُ، وهَذا قَوْلٌ مُتَكَلَّفٌ، فَأمّا (p-٢١٨)فِيمَن يُمَكَّنُ مِنهُ ذَلِكَ فَسائِغٌ، وعَلى أنَّ سُجُودَ ظِلالِ الكُفّارِ هي صَلاتُهُمْ، وأمّا في الجَماداتِ فَيُقْلِقُ، وذَلِكَ أنَّ خُضُوعَها وخُشُوعَ هَيْئاتِها قَدْ يُسَمّى في اللُغَةِ سُجُودًا أوِ اسْتِعارَةً، كَما قالَ الشاعِرُ:
؎ ............ تَرى الأكَمَ فِيها سُجَّدًا لِلْحَوافِرِ
؎ ويَبْعُدُ أنْ تُسَمّى تِلْكَ صَلاةً إلّا عَلى تَجَوُّزٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما في السَماواتِ والأرْضِ﴾ عامٌّ في جَمِيعِ المَخْلُوقاتِ، وقالَ بَعْضُ النُحاةِ: التَقْدِيرُ: ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ، فَـ "ما" نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ، فَلَمّا تَكَرَّرَ مَوْصُوفُها حَذَفَها وأقامَ الصِفَةَ مَقامَها، وهو العَزِيزُ بِقُدْرَتِهِ، وسُلْطانِهِ، الحَكِيمُ بِلُطْفِهِ وتَدْبِيرِهِ وحِكْمَتِهِ، ومُلْكُ السَماواتِ والأرْضِ هو سُلْطانُها الحَقِيقِيُّ الدائِمُ؛ لِأنَّ مُلْكَ البَشَرِ مَجازٌ فانٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، أيْ: عَلى كُلِّ شَيْءٍ مَقْدُورٍ.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿هُوَ الأوَّلُ والآخِرُ﴾. الأوَّلُ: الَّذِي لَيْسَ لِوُجُودِهِ بِدايَةً مُفْتَتَحَةً، والآخَرُ بِالأبَدِيَّةِ، وهو الأوَّلُ بِالوُجُودِ؛ إذْ كَلُّ مَوْجُودٍ فَبَعْدَهُ وبِهِ، والآخَرُ إذا نَظَرَ العَقْلُ في المَوْجُوداتِ حَتّى يَكُونَ إلَيْهِ مُنْتَهاها، قالَ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَأنَّ إلى رَبِّكَ المُنْتَهى﴾ [النجم: ٤٢]. و"الظاهِرُ" مَعْناهُ: بِالأدِلَّةِ ونَظَرِ العُقُولِ في صَنْعَتِهِ، و"الباطِنُ" بِلُطْفِهِ وغَوامِضِ حِكْمَتِهِ وباهِرِ صِفَتِهِ الَّتِي لا تَصِلُ إلى مَعْرِفَتِها -عَلى ما هي عَلَيْهِ- الأوهامُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿والظاهِرُ والباطِنُ﴾ الَّذِي بِهَرَ ومَلَكَ فِيما ظَهَرَ لِلْعُقُولِ وفِيما خَفِيَ عنها، فَلَيْسَ في الظاهِرِ غَيْرُهُ حَسَبَ قِيامِ الأدِلَّةِ، ولَيْسَ في باطِنِ الأمْرِ وفِيما عَلى النَظْرَةِ مِمّا عَسى أنْ يَتَوَهَّمَ غَيْرُهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ عامٌّ في الأشْياءِ عُمُومًا تامًّا.
وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في خَلْقِ السَماواتِ والأرْضِ، وأكْثَرُ الناسِ عَلى أنَّ بَدْأةَ الخَلْقِ في (p-٢١٩)يَوْمِ الأحَدِ، ووَقَعَ في مُسْلِمٍ أنَّ البِدايَةَ في يَوْمِ السَبْتِ، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: الأيّامُ السِتَّةُ مِن أيّامِ القِيامَةِ، وقالَ الجُمْهُورُ: مِن أيّامِ الدُنْيا، وهو الأصْوَبُ، و"الِاسْتِواءُ عَلى العَرْشِ" هو بِالغَلَبَةِ والقَهْرِ المُسْتَمِرَّيْنِ بِالقُدْرَةِ، ولَيْسَ ما في قَهْرِ العِبادِ مِنَ المُحاوَلَةِ والتَعَبِ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في مَسْألَةِ الِاسْتِواءِ مُسْتَوْعِبًا في [طه] وغَيْرِها. و"ما يَلِجُ في الأرْضِ" هو المَطَرُ والأمْواتُ وغَيْرُ ذَلِكَ، و"ما يَخْرُجُ مِنها" هو النَباتُ والمَعادِنُ وغَيْرُ ذَلِكَ، ﴿وَما يَنْزِلُ مِنَ السَماءِ﴾ المَلائِكَةُ والرَحْمَةُ والعَذابُ وغَيْرُ ذَلِكَ، ﴿وَما يَعْرُجُ فِيها﴾ هو الأعْمالُ صالِحُها وسَيِّئُها والمَلائِكَةُ وغَيْرُ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكم أيْنَ ما كُنْتُمْ﴾ مَعْناهُ: بِقُدْرَتِهِ وعِلْمِهِ وإحاطَتِهِ وهِدايَتِهِ، أجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى هَذا التَأْوِيلِ فِيها، وأنَّها مُخْرِجَةٌ عن مَعْنى لَفْظِها المَعْهُودِ، ودَخَلَ في الإجْماعِ مَن يَقُولُ بِأنَّ هَذا أمْرُ المُشْتَبَهِ كُلِّهِ، يَنْبَغِي أنْ يَمُرَّ ويُؤْمِنَ بِهِ ولا يُفَسِّرَ، وقَدْ أجْمَعُوا عَلى تَأْوِيلِ هَذِهِ لِبَيانِ وُجُوبِ إخْراجِها عن ظاهِرِها، قالَ سُفْيانُ الثَوْرِيُّ: المَعْنى: عِلْمُهُ مَعَكُمْ، وتَأْوِيلُهم هَذِهِ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ في غَيْرِها.
57:5–9Page 538
لَّهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرۡجَعُ ٱلۡأُمُورُ ٥
His is the dominion of the heavens and earth. And to Allāh are returned [all] matters.
يُولِجُ ٱلَّيۡلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلَّيۡلِۚ وَهُوَ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ٦
He causes the night to enter the day and causes the day to enter the night, and He is Knowing of that within the breasts.
ءَامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُم مُّسۡتَخۡلَفِينَ فِيهِۖ فَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡ وَأَنفَقُواْ لَهُمۡ أَجۡرٞ كَبِيرٞ ٧
Believe in Allāh and His Messenger and spend out of that in which He has made you successive inheritors. For those who have believed among you and spent,1 there will be a great reward.
وَمَا لَكُمۡ لَا تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلرَّسُولُ يَدۡعُوكُمۡ لِتُؤۡمِنُواْ بِرَبِّكُمۡ وَقَدۡ أَخَذَ مِيثَٰقَكُمۡ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ٨
And why do you not believe in Allāh while the Messenger invites you to believe in your Lord and He has taken your covenant, if you should [truly] be believers?
هُوَ ٱلَّذِي يُنَزِّلُ عَلَىٰ عَبۡدِهِۦٓ ءَايَٰتِۭ بَيِّنَٰتٖ لِّيُخۡرِجَكُم مِّنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ بِكُمۡ لَرَءُوفٞ رَّحِيمٞ ٩
It is He who sends down upon His Servant [Muḥammad (ﷺ)] verses of clear evidence that He may bring you out from darknesses into the light. And indeed, Allāh is to you Kind and Merciful.
قوله عزّ وجلّ:
﴿لَهُ مُلْكُ السَماواتِ والأرْضِ وإلى اللهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ ﴿يُولِجُ اللَيْلَ في النَهارِ ويُولِجُ النَهارِ في اللَيْلَ وهو عَلِيمٌ بِذاتِ الصُدُورِ﴾ ﴿آمِنُوا بِاللهِ ورَسُولِهِ وأنْفِقُوا مِمّا جَعَلَكم مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فالَّذِينَ آمِنُوا مِنكم وأنْفِقُوا لَهم أجْرٌ كَبِيرٌ﴾ ﴿وَما لَكم لا تُؤْمِنُونَ بِاللهِ والرَسُولُ يَدْعُوكم لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكم وقَدْ أخَذَ مِيثاقَكم إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلى عَبْدِهِ آياتٍ بَيِّناتٍ لِيُخْرِجَكم مِنَ الظُلُماتِ إلى النُورِ وإنَّ اللهَ بِكم لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإلى اللهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ خَبَرٌ يَعُمُّ جَمِيعَ المَوْجُوداتِ، و"الأُمُورُ" هُنا لَيْسَتْ جَمْعَ المَصْدَرِ، بَلْ هي جَمِيعُ المَوْجُوداتِ لِأنَّ الأمْرَ والشَيْءَ والوُجُودَ أسْماءٌ شائِعَةٌ في جَمِيعِ المَوْجُوداتِ أعْراضِها وجَواهِرِها، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "تُرْجَعُ" بِضَمِّ التاءِ، وقَرَأ الأعْرَجُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ: "تَرْجِعُ" بِفَتْحِ التاءِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُولِجُ اللَيْلَ في النَهارِ﴾ الآيَةُ تَنْبِيهٌ عَلى العِبْرَةِ فِيما يَتَجاذَبُهُ اللَيْلُ والنَهارُ مِنَ الطُولِ والقِصَرِ، وذَلِكَ مُتَشَعِّبٌ مُخْتَلِفٌ حَسَبَ اخْتِلافِ الأقْطارِ والأزْمانِ الأرْبَعَةِ، وذَلِكَ بَحْرٌ مِن بِحارِ الفِكْرَةِ لِمَن تَأمَّلَهُ، و"يُولِجُ" مَعْناهُ: يَدْخُلُ، و"ذاتُ الصُدُورِ": ما فِيها مِنَ الأسْرارِ والمُعْتَقَداتِ وذَلِكَ أغْمَضُ ما يَكُونُ، وهَذا كَما قالُوا: (p-٢٢٠)"الذِئْبُ مَغْبُوطٌ بِذِي بَطْنِهِ"، وكَما قالَ أبُو بَكْرٍ الصَدِيقُ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "إنَّما هو ذُو بَطْنِ بِنْتِ خارِجَةٍ ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿آمِنُوا بِاللهِ ورَسُولِهِ﴾ الآيَةُ. أمْرٌ لِلْمُؤْمِنِينَ بِالثُبُوتِ عَلى الإيمانِ والنَفَقَةِ في سَبِيلِ اللهِ، ويُرْوى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في غَزْوَةِ العُسْرَةِ، وهي غَزْوَةُ تَبُوكٍ، قالَهُ الضَحّاكُ، وقالَ: الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فالَّذِينَ آمَنُوا مِنكم وأنْفَقُوا﴾ إلى عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وحُكْمُها باقٍ يَنْدُبُ إلى هَذِهِ الأفْعالِ بَقِيَّةَ الدَهْرِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِمّا جَعَلَكم مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ تَزْهِيدٌ وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الأمْوالَ إنَّما تَصِيرُ إلى الإنْسانِ مِن غَيْرِهِ ويَتْرُكُها لِغَيْرِهِ، ولَيْسَ لَهُ مِن ذَلِكَ إلّا ما تَضَمَّنَهُ قَوْلُ الرَسُولِ ﷺ: « "يَقُولُ ابْنُ آدَمَ: مالِي مالِي، وهَلْ لَكَ مِن مالِكٍ إلّا ما أكَلْتَ فَأفْنَيْتَ، أو لَبِسْتَ فَأبْلَيْتَ، أو تَصَدَّقْتَ فَأمْضَيْتَ"،» ويُرْوى أنَّ رَجُلًا مَرَّ بِأعْرابِيٍّ لَهُ إبِلٌ فَقالَ لَهُ: يا أعْرابِيُّ، لِمَن هَذِهِ الإبِلُ؟ فَقالَ: هي لِلَّهِ عِنْدِي، فَهَذا مُوافِقٌ مُصِيبٌ إنْ كانَ مِمَّنْ صَحِبَ قَوْلُهُ عَمَلَهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما لَكم لا تُؤْمِنُونَ بِاللهِ﴾ الآيَةُ تَوْطِئَةٌ لِدُعائِهِمْ وإيجابٌ لِأنَّهم أهْلُ هَذِهِ الرُتَبِ الرَفِيعَةِ، فَإذا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَلا مانِعَ مِنَ الإيمانِ، وهَذا كَما تُرِيدُ أنْ تَنْدُبَ رَجُلًا إلى عَطاءٍ فَتَقُولُ لَهُ: أنْتَ يا فُلانُ مِن قَوْمٍ أجَوادٍ فَيَنْبَغِي أنْ تُكْرَمَ، وهَذا مُطَّرِدٌ في جَمِيعِ الأُمُورِ، إذا أرَدْتَ مِن أحَدٍ فِعٍلًا خَلَّقْتَهُ بِخُلُقِ أهْلِ ذَلِكَ الفِعْلِ وجَعَلْتَ لَهُ رُتْبَتَهُمْ، فَإذا تَقَرَّرَ في هَؤُلاءِ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَدْعُوهُمْ، وأنَّهم مِمَّنْ أخَذَ اللهُ مِيثاقَهُمْ، فَكَيْفَ (p-٢٢١)يَمْتَنِعُونَ مِنَ الإيمانِ؟ وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "وَقَدْ أخَذَ مِيثاقَكُمْ" عَلى بِناءِ الفِعْلِ الفاعِلِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: "وَقَدْ أخَذَ" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، والآخِذُ عَلى كُلِّ قَوْلٍ هو اللهُ تَعالى، وهَذا الأخْذُ كانَ حِينَ الإخْراجِ مِن ظَهْرِ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ عَلى ما مَضى في غَيْرِ هَذِهِ السُورَةِ، والمُخاطَبَةُ بِبِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ أشُدُّ غِلْظًا عَلى المُخاطَبِ، ونَحْوُهُ قَوْلُ اللهِ تَعالى: ﴿فاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ﴾ [هود: ١١٢]، وكَما تَقُولُ لِامْرِئٍ: افْعَلْ كَما قِيلَ لَكَ، فَهو أبْلَغُ مِن قَوْلِكَ: افْعَلْ ما قُلْتُ لَكَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ قالَ الطَبَرِيُّ: المَعْنى: إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ فالآنَ، وهَذا مَعْنًى لَيْسَ في لَفْظِ الآيَةِ وفِيهِ إضْمارٌ كَثِيرٌ، وإنَّما المَعْنى عِنْدِي أنَّ قَوْلَ اللهِ تَعالى: ﴿والرَسُولُ يَدْعُوكم لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكم وقَدْ أخَذَ مِيثاقَكم إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ يَقْتَضِي أنْ يُقَدَّرَ بِأثَرِهِ: فَأنْتُمْ في رُتَبٍ شَرِيفَةٍ وأقْدارٍ رَفِيعَةٍ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، أيْ: إنْ دُمْتُمْ عَلى ما بَدَأْتُمْ بِهِ.
وقَرَأ بَعْضُ السَبْعَةِ: "يُنَزِّلُ" مُثْقَلَةً، وقَرَأ بَعْضُهُمْ: "يَنْزِلُ" مُخَفَّفَةً، وقَرَأها الحَسَنُ وعِيسى بِالوَجْهَيْنِ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "أنْزِلُ"، والعَبْدُ في قَوْلِهِ تَعالى: "عَلى عَبْدِهِ" مُحَمَّدٍ ﷺ و"الآياتُ" آياتُ القُرْآنِ، و"الظُلُماتِ": الكُفْرُ، و"النُورُ": الإيمانُ، وما في الآيَةِ وعْدٌ وتَأْنِيسٌ مُؤَكَّدٌ.
57:10–11Page 538
وَمَا لَكُمۡ أَلَّا تُنفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَٰثُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ لَا يَسۡتَوِي مِنكُم مَّنۡ أَنفَقَ مِن قَبۡلِ ٱلۡفَتۡحِ وَقَٰتَلَۚ أُوْلَٰٓئِكَ أَعۡظَمُ دَرَجَةٗ مِّنَ ٱلَّذِينَ أَنفَقُواْ مِنۢ بَعۡدُ وَقَٰتَلُواْۚ وَكُلّٗا وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلۡحُسۡنَىٰۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ ١٠
And why do you not spend in the cause of Allāh while to Allāh belongs the heritage of the heavens and the earth? Not equal among you are those who spent before the conquest [of Makkah] and fought [and those who did so after it]. Those are greater in degree than they who spent afterwards and fought. But to all Allāh has promised the best [reward]. And Allāh, of what you do, is Aware.
مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقۡرِضُ ٱللَّهَ قَرۡضًا حَسَنٗا فَيُضَٰعِفَهُۥ لَهُۥ وَلَهُۥٓ أَجۡرٞ كَرِيمٞ ١١
Who is it that would loan Allāh a goodly loan so He will multiply it for him and he will have a noble reward?
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَما لَكم ألا تُنْفِقُوا في سَبِيلِ اللهِ ولِلَّهِ مِيراثُ السَماواتِ والأرْضِ لا يَسْتَوِي مِنكم مَن أنْفَقَ مَن قَبْلِ الفَتْحِ وقاتَلَ أُولَئِكَ أعْظَمُ دَرَجَةً مَن الَّذِينَ أنْفَقُوا مَن بَعْدُ وقاتَلُوا وكُلا وعَدَ اللهِ الحُسْنى واللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضاعِفَهُ لَهُ ولَهُ أجْرٌ كَرِيمٌ﴾
المَعْنى: وما لَكم ألّا تُنْفِقُوا في سَبِيلِ اللهِ وأنْتُمْ تَمُوتُونَ وتَتْرُكُونَ أمْوالَكُمْ؟ فَنابَ مَنابَ هَذا القَوْلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِلَّهِ مِيراثُ السَماواتِ والأرْضِ﴾ وفِيهِ زِيادَةُ تَذْكِيرٍ بِاللهِ عَزَّ وجَلَّ وعِبْرَةٌ، وعنهُ يَلْزَمُ القَوْلَ الَّذِي قَدَّرْناهُ.
(p-٢٢٢)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَسْتَوِي مِنكم مَن أنْفَقَ مَن قَبْلِ الفَتْحِ وقاتَلَ﴾ الآيَةُ، رُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ بِسَبَبِ أنَّ جَماعَةً مِنَ الصَحابَةِ رَضِيَ اللهُ عنهم أنْفَقَتْ نَفَقاتٍ كَثِيرَةً حَتّى قالَ الناسُ: هَؤُلاءِ أعْظَمُ أجْرًا مِن كُلِّ مَن أنْفَقَ قَدِيمًا، فَنَزَلَتِ الآيَةُ مُبِيِّنَةً أنَّ النَفَقَةَ قَبْلَ الفَتْحِ أعْظَمُ أجْرًا، وهَذا التَأْوِيلُ عَلى أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ الفَتْحِ، وقَدْ قِيلَ. إنَّها نَزَلَتْ قَبْلَ الفَتْحِ تَحْرِيضًا عَلى الإنْفاقِ، والأوَّلُ أشْهَرُ، وحَكى الثَعْلَبِيُّ أنَّها نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ الصَدِيقِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وفى نَفَقاتِهِ، وفي مَعْناهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ لِخالِدِ بْنِ الوَلِيدِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: « "اتْرُكُوا لِي أصْحابِي، فَلَوْ أنْفَقَ أحَدُكم مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا ما بَلَغَ مُدَّ أحَدِهِمْ ولا نَصِيفَهُ".»
واخْتَلَفَ الناسُ في الفَتْحِ المُشارِ إلَيْهِ في هَذِهِ الآيَةِ- فَقالَ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، والشَعْبِيُّ: هو فَتْحُ الحُدَيْبِيَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ [الفَتْحِ] تَقْرِيرُ كَوْنِهِ فَتْحًا، ورَفَعَهُ أبُو سَعِيدٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ إلى النَبِيِّ ﷺ «أنَّ أفْضَلَ ما بَيْنَ الهِجْرَتَيْنِ فَتْحُ الحُدَيْبِيَةِ.» وقالَ (p-٢٢٣)قَتادَةُ، ومُجاهِدٌ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: هو فَتْحُ مَكَّةَ الَّذِي أزالَ الهِجْرَةَ، وهَذا هو المَشْهُورُ الَّذِي قالَ فِيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ: « "لا هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ ولَكِنْ جِهادٌ ونِيَّةٌ"،»«وَقالَ لَهُ رَجُلٌ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ: أُبايِعُكَ عَلى الهِجْرَةِ، فَقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: "إنَّ الهِجْرَةَ قَدْ ذَهَبَتْ بِما فِيها".» وإنَّ الهِجْرَةَ لِشَأْنُها شَدِيدٌ، ولَكِنْ أُبايِعُكَ عَلى الجِهادِ"، وحُكْمُ الجِهادِ باقٍ إلى غابِرِ الدَهْرِ، فَمَن أنْفَقَ في وقْتِ حاجَةِ السَبِيلِ أعْظَمُ أجْرًا مِمَّنْ أنْفَقَ مَعَ اسْتِغْناءِ السَبِيلِ، وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: "يَسْتَوِي" مُسْنَدٌ إلى "مَن" وتَرَكَ ذِكْرَ المُعادِلِ الَّذِي لا يَسْتَوِي مَعَهُ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ أنْفَقُوا مِنَ بَعْدُ﴾ قَدْ فَسَّرَهُ وبَيَّنَهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ فاعِلُ "يَسْتَوِي" مَحْذُوفًا تَقْدِيرُهُ: لا يَسْتَوِي مِنكُمُ الإنْفاقُ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ أنَّ ذِكْرَهُ قَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما لَكم ألا تُنْفِقُوا﴾ ويَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: "مَن أنْفَقَ" ابْتِداءٌ وخَبَرُهُ الجُمْلَةُ الآتِيَةُ بَعْدُ.
وقَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ: "وَكُلًّا وعَدَ اللهُ الحُسْنى"، وهي الوَجْهُ لِأنَّ "وَعْدَ" اللهِ لَيْسَ يَعُوقُهُ عائِقٌ عَلى أنْ يَنْصِبَ الفِعْلَ المُقَدَّمَ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "وَكُلٌّ وعَدَ اللهُ الحُسْنى"، فَأمّا سِيبَوَيْهِ رَحِمَهُ اللهُ فَقَدَّرَ الفِعْلَ خَبَرًا لِابْتِداءٍ، وفِيهِ ضَمِيرٌ عائِدٌ، وحَذْفُهُ عِنْدَهُ قَبِيحٌ (p-٢٢٤)لا يَجْرِي إلّا في شِعْرٍ ونَحْوِهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ قَدْ أصْبَحَتْ أُمُّ الخِيارِ تَدَّعِي عَلِيَّ ذَنْبًا كُلُّهُ لَمْ أصْنَعِ
قالَ: ولَكِنْ حَمَلُوا الخَبَرَ عَلى الصِفاتِ كَقَوْلِ جَرِيرٍ:
؎ .......... ∗∗∗ وما شَيْءٌ حَمَيْتُ بِمُسْتَباحٍ
وعَلى الصِلاتِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أبَعَثَ اللهُ بَشَرًا رَسُولا﴾ [الإسراء: ٩٤]، وذَهَبَ غَيْرُ سِيبَوَيْهِ إلى أنَّ "وَعَدَ" في مَوْضِعِ الصِفَةِ، كَأنَّهُ قالَ: أُولَئِكَ وكُلٌّ وعَدَ اللهُ الحُسْنى، وصاحِبُ هَذا المَذْهَبِ حَصَلَ في هَذا التَعَسُّفِ في المَعْنى فِرارًا مِن حَذْفِ الضَمِيرِ مِن خَبَرِ الِابْتِداءِ، و"الحُسْنى": الجَنَّةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والوَعْدُ يَتَضَمَّنُ ما قَبْلَ الجَنَّةِ مِن نَصْرٍ وغَنِيمَةٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ قَوْلٌ فِيهِ وعْدٌ ووَعِيدٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ الآيَةُ. قالَ بَعْضُ النَحْوِيِّينَ: "مَن" (p-٢٢٥)ابْتِداءٌ، و"ذا" خَبَرُهُ، و"الَّذِي" صِفَةٌ، وقالَ آخَرُونَ مِنهُمْ: "مَن" ابْتِداءٌ، و"ذا" زائِدَةٌ مَعَ "الَّذِي"، و"الَّذِي" خَبَرُ الِابْتِداءِ، وقالَ الحَسَنُ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في التَطَوُّعِ في جَمِيعِ أمْرِ الدِينِ، و"القَرْضِ "وَ "السَلَفِ" ونَحْوِهِ: أنْ يُعْطِيَ الإنْسانُ شَيْئًا ويَنْتَظِرَ جَزاءَهُ، و"التَضْعِيفُ" مِنَ اللهِ تَعالى هو في الحَسَنِاتِ، يُضاعِفُ اللهُ لِمَن يَشاءُ مِن عَشْرَةٍ إلى سَبْعمِائَةٍ، وقَدْ ورَدَ أنَّ التَضْعِيفَ يُرَبّى عَلى سَبْعمِائَةٍ، وقَدْ مَرَّ ذِكْرُ ذَلِكَ في سُورَةِ [البَقَرَةِ] بِوُجُوهِهِ مِنَ التَأْوِيلِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، ونافِعٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "فَيُضاعِفُهُ" بِالرَفْعِ عَلى العَطْفِ أو عَلى القَطْعِ والِاسْتِئْنافِ، وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: "فَيُضاعِفُهُ" بِالنَصْبِ بِالفاءِ في جَوابِ الِاسْتِفْهامِ، وفي ذَلِكَ قَلَقٌ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: لِأنَّ السُؤالَ لَمْ يَقَعْ عَنِ القَرْضِ، وإنَّما وقَعَ السُؤالُ عن فاعِلِ القَرْضِ، وإنَّما تَنْصِبُ الفاءُ فِعْلًا مَرْدُودًا عَلى فِعْلٍ مُسْتَفْهَمٍ عنهُ، لَكِنَّ هَذِهِ الفُرْقَةَ حَمَلَتْ ذَلِكَ عَلى المَعْنى، كَأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ﴾ بِمَنزِلَةِ أنْ لَوْ قالَ: أيُقْرِضُ اللهَ أحَدٌ فَيُضاعِفُهُ، وقَرَأ ابْنُ كَثِرٍ: "فَيُضَعِّفُهُ" مُشَدَّدَةَ العَيْنِ مَضْمُومَةَ الفاءِ، وكَذَلِكَ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ، إلّا أنَّهُ فَتَحَ الفاءَ. و"الأجْرُ الكَرِيمُ": الَّذِي يُقْتَرَنُ بِهِ رِضًى وإقْبالٌ، وهَذا مَعْنى الدُعاءِ: "يا كَرِيمَ العَفْوِ"، أيْ: أنَّ مَعَ عَفْوِهِ رِضًى ومَغْنَمًا، وعَفْوُ البَشَرِ لَيْسَ كَذَلِكَ.
57:12–14Page 539
يَوۡمَ تَرَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ يَسۡعَىٰ نُورُهُم بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَبِأَيۡمَٰنِهِمۖ بُشۡرَىٰكُمُ ٱلۡيَوۡمَ جَنَّٰتٞ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ ١٢
On the Day you see the believing men and believing women, their light proceeding before them and on their right, [it will be said], "Your good tidings today are [of] gardens beneath which rivers flow, wherein you will abide eternally." That is what is the great attainment.
يَوۡمَ يَقُولُ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ وَٱلۡمُنَٰفِقَٰتُ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱنظُرُونَا نَقۡتَبِسۡ مِن نُّورِكُمۡ قِيلَ ٱرۡجِعُواْ وَرَآءَكُمۡ فَٱلۡتَمِسُواْ نُورٗاۖ فَضُرِبَ بَيۡنَهُم بِسُورٖ لَّهُۥ بَابُۢ بَاطِنُهُۥ فِيهِ ٱلرَّحۡمَةُ وَظَٰهِرُهُۥ مِن قِبَلِهِ ٱلۡعَذَابُ ١٣
On the [same] Day the hypocrite men and hypocrite women will say to those who believed, "Wait for us that we may acquire some of your light." It will be said, "Go back behind you1 and seek light." And a wall will be placed between them with a door, its interior containing mercy, but on the outside of it is torment.
يُنَادُونَهُمۡ أَلَمۡ نَكُن مَّعَكُمۡۖ قَالُواْ بَلَىٰ وَلَٰكِنَّكُمۡ فَتَنتُمۡ أَنفُسَكُمۡ وَتَرَبَّصۡتُمۡ وَٱرۡتَبۡتُمۡ وَغَرَّتۡكُمُ ٱلۡأَمَانِيُّ حَتَّىٰ جَآءَ أَمۡرُ ٱللَّهِ وَغَرَّكُم بِٱللَّهِ ٱلۡغَرُورُ ١٤
They [i.e., the hypocrites] will call to them [i.e., the believers], "Were we not with you?" They will say, "Yes, but you afflicted yourselves1 and awaited [misfortune for us] and doubted, and wishful thinking deluded you until there came the command of Allāh. And the Deceiver [i.e., Satan] deceived you concerning Allāh.
قوله عزّ وجلّ:
﴿يَوْمَ تَرى المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ يَسْعى نُورُهم بَيْنَ أيْدِيهِمْ وبِأيْمانِهِمْ بُشْراكُمُ اليَوْمَ جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ ﴿يَوْمَ يَقُولُ المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِن نُورِكم قِيلَ ارْجِعُوا وراءَكم فالتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهم بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَحْمَةُ وظاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ العَذابُ﴾ ﴿يُنادُونَهم ألَمْ نَكُنْ مَعَكم قالُوا بَلى ولَكِنَّكم فَتَنْتُمْ أنْفُسَكم وتَرَبَّصْتُمْ وارْتَبْتُمْ وغَرَّتْكُمُ الأمانِيُّ حَتّى جاءَ أمْرُ اللهِ وغَرَّكم بِاللهِ الغَرُورُ﴾
العامِلُ في "يَوْمَ" قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَهُ أجْرٌ كَرِيمٌ﴾ [الحديد: ١١]، و"الرُؤْيَةُ" في هَذِهِ الآيَةِ رُؤْيَةُ عَيْنٍ، و"النُورُ"، قالَ الضَحّاكُ بْنُ مُزاحِمٍ: هي اسْتِعارَةٌ، عِبارَةٌ عَنِ الهُدى والحَقِّ الَّذِي هم عَلَيْهِ وهِدايَتُهُمُ الناسَ إلى الحَقِّ وصِدْقُهم في الأفْعالِ والأقْوالِ، وقِيلَ: تَتَبُّعُهُمُ الرَشادَ واعْتِقادُهم بِهِ واقْتِصاصُهم آثارَهُ وعَلاماتِهِ وأنْوارَهُ، وقِيلَ: هي اسْتِعارَةٌ، عِبارَةٌ عَنِ الهُدى والرِضْوانِ الَّذِي هم فِيهِ، وقالَ الجُمْهُورُ: بَلْ هو نُورٌ حَقِيقَةً، ورُوِيَ في هَذا (p-٢٢٦)عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ آثارٌ مُضَمِّنُها أنَّ كُلَّ مُؤْمِنٍ مَظْهَرٌ لِلْإيمانِ يُعْطى يَوْمَ القِيامَةِ نُورًا، فَيُطْفى نُورُ كُلِّ مُنافِقٍ ويَبْقى نُورُ المُؤْمِنِينَ، حَتّى أنَّ مِنهم مَن نُورُهُ يُضِيءُ كَما بَيْنَ مَكَّةَ وصَنْعاءَ، رَفَعَهُ قَتادَةُ إلى النَبِيِّ ﷺ، ومِنهم مَن نُورُهُ كالنَخْلَةِ السَحُوقِ، ومِنهم مَن نُورُهُ يُضِيءُ ما بَيْنَ قُرْبٍ مِن قَدَمَيْهِ، قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، ومِنهم مَن يَهِمُ نُورُهُ بِالِانْطِفاءِ مَرَّةً ويَبِينُ مَرَّةً، عَلى قَدْرِ المَنازِلِ في الطاعَةِ والمَعْصِيَةِ، وخَصَّ تَعالى "بَيْنَ الأيْدِي" لِأنَّهُ مَوْضِعُ حاجَةِ الإنْسانِ إلى النُورِ.
واخْتَلَفَ الناسُ في قَوْلِهِ تَعالى: "وَبِأيْمانِهِمْ"، فَقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: المَعْنى: وعن أيْمانِهِمْ، فَكَأنَّهُ تَعالى خَصَّ جِهَةَ اليَمِينِ تَشْرِيفًا، ونابَ ذَلِكَ مَنابَ أنْ يَقُولَ: وفي جَمِيعِ جِهاتِهِمْ، وقالَ آخَرُونَ مِنهُمْ: المَعْنى: وبِأيْمانِهِمْ كَتُبُهم بِالرَحْمَةِ، وقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: المَعْنى: يَسْعى نُورُهم بَيْنَ أيْدِيهِمْ، يُرِيدُ تَعالى الضَوْءَ المُنْبَسِطَ مِن أهْلِ النُورِ، وبِأيْمانِهِمْ أصْلُهُ والشَيْءُ هو مُتَّقِدٌ فِيهِ، فَمُضَمَّنُ هَذا القَوْلِ أنَّهم يَحْمِلُونَ الأنْوارَ، وكَوْنُهم غَيْرَ حامِلِينَ "لَها" أكْرَمُ، ألا تَرى أنَّ فَضِيلَةَ عَبّادِ بْنِ بِشْرٍ، وأُسِيدِ بْنِ حُضَيْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما إنَّما كانَتْ بِنُورٍ لا يَحْمِلانِهِ؟ هَذا في الدُنْيا فَكَيْفَ في الآخِرَةِ؟ ومِن هَذِهِ الآيَةِ انْتُزِعَ حَمْلُ المُعْتِقِ لِلشَّمْعَةِ. وقَرَأ الناسُ: "وَبِأيْمانِهِمْ" جَمْعُ يَمِينٍ، وقَرَأ سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ، وأبُو حَيْوَةَ: "وَبِإيمانِهِمْ" بِكَسْرِ الألِفِ، وهو مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: "بَيْنَ أيْدِيهِمْ"، كَأنَّهُ تَعالى قالَ: كافِيًا بَيْنَ أيْدِيهِمْ وكائِنًا بِسَبَبِ إيمانِهِمْ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "بُشْراكُمُ" مَعْناهُ: يُقالُ لَهم بُشْراكم جَنّاتٍ، أيْ: دُخُولُ جَنّاتٍ، فَحُذِفَ المُضافُ وأقامَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ، وقَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: "خالِدِينَ فِيها" إلى (p-٢٢٧)آخِرِ الآيَةِ، مُخاطَبَةً لِمُحَمَّدٍ ﷺ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ" بِدُونِ "هُوَ".
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَقُولُ المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ﴾، قالَ بَعْضُ النُحاةِ: "يَوْمَ" بَدَلٌ مِنَ الأوَّلِ، وقالَ آخَرُونَ مِنهُمْ: العامِلُ فِيهِ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: اذْكُرْ، قالَ ويَظْهَرُ لِي أنَّ العامِلَ فِيهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾، ويَجِيءُ مَعْنى الفَوْزِ أفْخَمُ، كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: إنَّ المُؤْمِنِينَ يَفُوزُونَ بِالرَحْمَةِ يَوْمَ يَعْتَرِي المُنافِقِينَ كَذا وكَذا، لِأنَّ ظُهُورَ المَرْءِ يَوْمَ خُمُولِ عَدُوِّهِ ومُضادِّهِ أبْدَعُ وأفْخَمُ، وقَوْلُ المُنافِقِينَ هَذِهِ المَقالَةَ المَحْكِيَّةَ هو عِنْدَ انْطِفاءِ أنْوارِهِمْ كَما ذَكَرْنا قَبْلُ، وقَوْلُهُمْ: "انْظُرُونا" مَعْناهُ: انْتَظِرُونا، ومِنهُ قَوْلُ الحُطَيْئَةِ:
؎ وقَدْ نَظَرْتُكُمُ إيناءُ عاشِيَةٍ لِلْخَمْسِ طالَ بِها حَبْسِي وتِبْساسِي
وقَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ، وابْنُ وثّابٍ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ: "أنْظُرُونا" بِقَطْعِ الألِفِ وكَسْرِ الظاءِ عَلى وزْنِ أكْرَمَ، ومِنهُ قَوْلُ عَمْرِو بْنِ كَلْثُومٍ:
؎ أبا هِنْدٍ فَلا تَعْجَلْ عَلَيْنا ∗∗∗ وأنْظِرْنا نُخَبِّرْكَ اليَقِينا
(p-٢٢٨)وَمَعْناهُ: أخِّرُونا، ومِنهُ النَظْرَةُ إلى مَيْسَرَةٍ، وقَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "مَن أنْظِرَ مُعْسِرًا"» الحَدِيثُ، ومَعْنى قَوْلِهِمْ "أخِّرُونا": أخِّرُوا مَشْيَكم لَنا حَتّى نَلْحَقَ فَنَقْتَبِسْ مِن نُورِكُمْ، و"اقْتَبَسَ الرَجُلُ واسْتَقْبَسَ": أخَذَ مِن نُورِ غَيْرِهِ قَبَسًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قِيلَ ارْجِعُوا وراءَكُمْ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِ المُؤْمِنِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِ المَلائِكَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: "وَراءَكُمْ" حَكى المَهْدَوِيُّ وغَيْرُهُ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّهُ لا مَوْضِعَ لَهُ مِنَ الإعْرابِ، وأنَّهُ كَما لَوْ قالَ: ارْجِعُوا ارْجِعُوا، وأنَّهُ عَلى نَحْوِ قَوْلِ أبِي الأُسُودِ الدُؤَلِيِّ لِلسّائِلِ "وَراءَكَ أوسَعُ لَكَ"، ولَسْتُ أعْرِفُ مانِعًا يَمْنَعُ أنْ يَكُونَ العامِلُ فِيهِ "ارْجِعُوا"، والقَوْلُ لَهُمْ: "فالتَمِسُوا نُورًا" هو عَلى مَعْنى التَوْبِيخِ لَهُمْ، أيْ: أنَّكم لا تَجِدُونَهُ، ثُمَّ أعْلَمَ عَزَّ وجَلَّ أنَّهُ يَضْرِبُ بَيْنَهم في هَذِهِ الحالِ بِسُورٍ حاجِزٍ، فَيَسْعى المُنافِقُونَ في ظُلْمَةٍ، ويَأْخُذُهُمُ العَذابُ مِنَ اللهِ تَعالى، وحُكِيَ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ أنَّ هَذا السُورَ هو الأعْرافُ المَذْكُورُ في سُورَةِ [الأعْرافِ]، وقَدْ حَكاهُ المَهْدَوِيُّ، وقِيلَ: هو حاجِزٌ آخَرُ غَيْرُ ذَلِكَ، وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو، وكَعْبُ الأحْبارِ، وعَبادَةُ بْنُ الصامِتِ، وابْنُ عَبّاسٍ: هو الجِدارُ الشَرْقِيُّ في مَسْجِدِ بَيْتِ المَقْدِسِ، وقالَ زِيادُ بْنُ أبِي سِوادَةَ: قامَ عُبادَةُ بْنُ الصامِتِ عَلى السُورِ الشَرْقِيِّ مِن بَيْتِ المَقْدِسِ فَبَكى وقالَ: مِن هاهُنا أخْبَرَنا النَبِيُّ ﷺ أنَّهُ رَأى جَهَنَّمَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وفِيهِ بابٌ يُسَمّى بابُ الرَحْمَةِ، سَمّاهُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ عُبادَةُ وكَعْبٌ، وفي الشَرْقِ مِنَ الجِدارِ المَذْكُورِ وادٍ يُقالُ لَهُ: وادِي جَهَنَّمَ: سَمّاهُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ، وهَذا القَوْلُ في السُورِ بِعِيدٌ، واللهُ تَعالى أعْلَمُ. وقالَ قَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ: الرَحْمَةُ الجَنَّةُ، والعَذابُ جَهَنَّمُ، والسُورُ في اللُغَةِ الحِجابُ (p-٢٢٩)الَّذِي لِلْمُدُنِ وهو مُذَكَّرٌ، والسُورُ أيْضًا جَمْعُ سُورَةٍ وهي القِطْعَةُ مِنَ البِناءِ فَيُضافُ بَعْضُها إلى بَعْضٍ حَتّى يَتِمَّ الجِدارُ، فَهَذا اسْمُ جَمْعٍ يَسُوغُ تَذْكِيرُهُ وتَأْنِيثُهُ، وهَذا الجَمْعُ هو الَّذِي أرادَ جَرِيرٌ في قَوْلِهِ:
؎ لَمّا أتى خَبَرُ الزُبَيْرِ تَواضَعَتْ ∗∗∗ سُورُ المَدِينَةِ والجِبالُ الخُشَّعُ
وذَلِكَ أنَّ المَدِينَةَ لَمْ يَكُنْ لَها قَطُّ حِجًى، وأيْضًا فَإنَّ وصْفَهُ أنَّ جَمِيعَ ما في المَدِينَةِ مِن بِناءٍ تَواضَعَ أبْلَغُ، ومَن رَأى أنَّهُ قَصَدَ قَصْدَ السُورِ الَّذِي هو الحِجى قالَ: إنَّ ذَلِكَ إذا تَواضَعَ فَغَيْرُهُ مِنَ المَبانِي أحْرى بِالتَواضُعِ، فَإذا كانَ السُورُ في البَيْتِ يَحْتَمِلُ الوَجْهَيْنِ فَلَيْسَ هو في قُوَّةِ مَرِّ الرِياحِ، وصَدْرِ القَناةِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا هو مُذَكَّرٌ مَحْضٌ اسْتَفادَ التَأْنِيثَ مِمّا أُضِيفَ إلَيْهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿باطِنُهُ فِيهِ الرَحْمَةُ﴾، أيْ: جِهَةُ المُؤْمِنِينَ، "وَظاهِرُهُ" أيْ: جِهَةُ المُنافِقِينَ، والظاهِرُ هُنا البادِي، ومِنهُ قَوْلُ الكِتابِ: "مِن ظاهِرِ مَدِينَةِ كَذا".
وقَوْلُهُ تَعالى: "يُنادُونَهُمْ" مَعْناهُ: يُنادِي المُنافِقُونَ المُؤْمِنِينَ: ألَمْ نَكُنْ مَعَكم في الدُنْيا؟ فَيَرُدُّ المُؤْمِنُونَ عَلَيْهِمْ: بَلى كُنْتُمْ مَعَنا ولَكِنَّكم عَرَّضْتُمْ أنْفُسَكم لِلْفِتْنَةِ وحُبِّ العاجِلِ والقِتالِ عَلَيْهِ، قالَ مُجاهِدٌ: فَتَنْتُمْ أنْفُسَكم بِالنِفاقِ، و"تَرَبَّصْتُمْ" مَعْناهُ هُنا: بِإيمانِكُمْ، فَأبْطَأْتُمْ بِهِ حَتّى مُتُّمْ، وقالَ قَتادَةُ: مَعْناهُ: تَرَبَّصْتُمْ بِنا وبِمُحَمَّدٍ ﷺ الدَوائِرَ، وشَكَكْتُمْ في أمْرِ اللهِ تَعالى و"الِارْتِيابُ": التَشَكُّكُ، و"الأمانِيُّ الَّتِي غَرَّتْهُمْ" هي قَوْلُهُمْ: سَيَهْلَكُ مُحَمَّدٌ هَذا العامِ، سَتَهْزِمُهُ قُرَيْشٌ، سَتَأْخُذُهُ الأحْزابُ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن أمانِيهِمْ، وطُولُ الأمَلِ غِرارٌ لِكُلِّ أحَدٍ، و"أمْرُ اللهِ الَّذِي جاءَ" هو الفَتْحُ وظُهُورُ الإسْلامِ، وقِيلَ: هو مَوْتُ المُنافِقِينَ ومُوافاتُهم عَلى هَذِهِ الحالِ المُوجِبَةِ لِلْعَذابِ. و"الغَرُورُ" الشَيْطانُ بِإجْماعٍ مِنَ المُتَأوِّلِينَ، وقَرَأ سَمّاكُ بْنُ حَرْبٍ بِضَمِّ الغَيْنِ، وأبُو حَيْوَةَ، ويَنْبَغِي لِكُلِّ مُؤْمِنٍ أنْ يَعْتَبِرَ هَذِهِ الآيَةَ في نَفْسِهِ وتَسْوِيفِهِ في تَوْبَتِهِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences