Ibn 'Atiyya · Tafsir · in Arabic
Ad-Dukhan 44:29–59
44:29–36Page 497
فَمَا بَكَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلسَّمَآءُ وَٱلۡأَرۡضُ وَمَا كَانُواْ مُنظَرِينَ ٢٩
And the heaven and earth wept not for them, nor were they reprieved.
وَلَقَدۡ نَجَّيۡنَا بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ مِنَ ٱلۡعَذَابِ ٱلۡمُهِينِ ٣٠
And We certainly saved the Children of Israel from the humiliating torment -
مِن فِرۡعَوۡنَۚ إِنَّهُۥ كَانَ عَالِيٗا مِّنَ ٱلۡمُسۡرِفِينَ ٣١
From Pharaoh. Indeed, he was a haughty one among the transgressors.
وَلَقَدِ ٱخۡتَرۡنَٰهُمۡ عَلَىٰ عِلۡمٍ عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ ٣٢
And We certainly chose them by knowledge over [all] the worlds.
وَءَاتَيۡنَٰهُم مِّنَ ٱلۡأٓيَٰتِ مَا فِيهِ بَلَٰٓؤٞاْ مُّبِينٌ ٣٣
And We gave them of signs that in which there was a clear trial.
إِنَّ هَٰٓؤُلَآءِ لَيَقُولُونَ ٣٤
Indeed, these [disbelievers] are saying,
إِنۡ هِيَ إِلَّا مَوۡتَتُنَا ٱلۡأُولَىٰ وَمَا نَحۡنُ بِمُنشَرِينَ ٣٥
"There is not but our first death, and we will not be resurrected.
فَأۡتُواْ بِـَٔابَآئِنَآ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٣٦
Then bring [back] our forefathers, if you should be truthful."
قوله عزّ وجلّ:
﴿فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَماءُ والأرْضُ وما كانُوا مُنْظَرِينَ﴾ ﴿وَلَقَدْ نَجَّيْنا بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ العَذابِ المُهِينِ﴾ ﴿مِن فِرْعَوْنَ إنَّهُ كانَ عالِيًا مِن المُسْرِفِينَ﴾ ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْناهم عَلى عِلْمٍ عَلى العالَمِينَ﴾ ﴿وَآتَيْناهم مِنَ الآياتِ ما فِيهِ بَلاءٌ مُبِينٌ﴾ ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَيَقُولُونَ﴾ ﴿إنْ هي إلا مَوْتَتُنا الأُولى وما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ﴾ ﴿فَأْتُوا بِآبائِنا إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾
(p-٥٧٨)نَفَتْ هَذِهِ الآيَةُ أنْ تَكُونَ السَماءُ والأرْضُ بَكَتْ عَلى قَوْمِ فِرْعَوْنَ، فاقْتَضى اللَفْظُ أنَّ لِلسَّماءِ والأرْضِ بُكاءٌ، واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى ذَلِكَ؛ فَقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ: إنَّ الرَجُلَ المُؤْمِنَ إذا ماتَ بَكى عَلَيْهِ مِنَ الأرْضِ مَوْضِعَ عِبادَتِهِ أرْبَعِينَ صَباحًا، وبَكى عَلَيْهِ مِنَ السَماءِ مَوْضِعَ صُعُودِ عَمَلِهِ، قالُوا: فَلَمْ يَكُنْ في قَوْمِ فِرْعَوْنَ مَن هَذِهِ حالُهُ، فَهَذا مَعْنى الآيَةِ. وقالَ السُدِّيُّ وعَطاءٌ: بُكاءُ السَماءِ: حُمْرَةُ أطْرافِها. وقالُوا: إنَّ السَماءَ احْمَرَّتْ يَوْمَ قُتِلَ الحُسَيْنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وكانَ ذَلِكَ بُكاءً عَلَيْهِ، وهَذا هو مَعْنى الآيَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
والمَعْنى الجَيِّدُ في الآيَةِ أنَّها اسْتِعارَةٌ باهِيَةٌ فَصِيحَةٌ تَتَضَمَّنُ تَحْقِيرَ أمْرِهِمْ، وأنَّهم لَمْ يَتَغَيَّرْ عن هَلاكِهِمْ شَيْءٌ، وهَذا نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ كانَ مَكْرُهم لِتَزُولَ مِنهُ الجِبالُ﴾ [إبراهيم: ٤٦] عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ: "لِتَزُولَ" بِكَسْرِ اللامِ ونَصْبِ الفِعْلِ وجَعْلِ "إنْ" نافِيَةً، ومِثْلُ هَذا المَعْنى قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "لا يَنْتَطِحُ فِيها عنزانِ"» فَإنَّهُ يَتَضَمَّنُ التَحْقِيرَ، لَكِنَّ هَذِهِ الألْفاظَ هي بِحَسْبَ ما قِيلَتْ فِيهِ، وهو قَتْلُ المَرْأةِ الكافِرَةِ الَّتِي كانَتْ تُؤْذِي النَبِيَّ ﷺ، وعِظَمُ قِصَّةِ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ يَجِيءُ بِحَسَبِها جَمالُ الوَصْفِ وبَهاءُ العِبارَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَماءُ والأرْضُ﴾، ومِن نَحْوِ هَذا أنْ يَعْكِسَ قَوْلُ جَرِيرٍ:
؎ لَمّا أتى خَبَرُ الزُبَيْرِ تَواضَعَتْ ∗∗∗ سُورُ المَدِينَةِ والجِبالُ الخُشَّعُ
(p-٥٧٩)فَيُقالُ في التَحْقِيرِ: "ماتَ فُلانٌ فَما خَشَعَتِ الجِبالُ"، ونَحْوُ هَذا، وفي الحَدِيثِ عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "ما ماتَ مُؤْمِنٌ في غُرْبَةٍ غابَتْ عنهُ فِيها بَواكِيهِ إلّا بَكَتْ عَلَيْهِ السَماءُ والأرْضُ"، ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ،» وقالَ: « "إنَّهُما لا يَبْكِيانِ عَلى كافِرٍ"»، ومِنَ التَفْخِيمِ بِبُكاءِ المَخْلُوقاتِ العِظامِ قَوْلُ يَزِيدَ بْنِ مُفَرَّغٍ:
؎ الرِيحُ تَبْكِي شَجْوَها ∗∗∗ ∗∗∗ والبَرْقُ يَلْمَعُ في الغَمامَهْ
وقَوْلُ الفَرَزْدَقِ:
؎ فالشَمْسُ طالِعَةٌ لَيْسَتْ بِكاسِفَةٍ ∗∗∗ ∗∗∗ تَبْكِي عَلَيْكَ نُجُومُ اللَيْلِ والقَمَرا
(p-٥٨٠)و"مُنْظَرِينَ": مَعْناهُ: مُؤَخَّرِينَ ومُمْهَلِينَ.
ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى نِعْمَتَهُ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ في إنْجائِهِمْ مِن فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ، والعَذابُ المُهِينُ: هو ذَبْحُ الأبْناءِ والتَسْخِيرُ في المِهَنِ كالبُنْيانِ والحُفَرِ وغَيْرِهِ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "مِن عَذابِ المُهِينِ" بِسُقُوطِ التَعْرِيفِ بِالألِفِ واللامِ مِنَ "العَذابِ"، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن فِرْعَوْنَ﴾ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِنَ العَذابِ﴾، و"مِن" بِكَسْرِ المِيمِ هي قِراءَةُ الجُمْهُورِ، ورَوى قَتادَةُ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما كانَ يَقْرَؤُها "مَن" بِفَتْحِ المِيمِ "فِرْعَوْنُ" بِرَفْعِ النُونِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى عِلْمٍ﴾ أيْ: عَلى شَيْءٍ سَبَقَ عِنْدَنا فِيهِمْ وثَبَتَ في عِلْمِنا أنَّهُ سَيُنَفَّذُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى العالَمِينَ﴾ يُرِيدُ: عَلى جَمِيعِ الناسِ، هَذا عَلى التَأْوِيلِ المُتَقَدِّمِ في العِلْمِ، والمَعْنى: لَقَدِ اخْتَرْناها لِهَذا الإنْجاءِ وهَذِهِ النِعَمِ عَلى سابِقِ عِلْمٍ لَنا فِيهِمْ، وخَصَّصْناهم بِذَلِكَ دُونَ العالَمِ، ويُحْتَمَلُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى عِلْمٍ﴾ أنْ يَكُونَ: عَلى عِلْمٍ لَهم وفَضائِلَ فِيهِمْ، والمَعْنى: اخْتَرْناهم للنُّبُوءاتِ والرِسالاتِ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى العالَمِينَ﴾ -فِي هَذا التَأْوِيلِ- مَعْناهُ: عَلى عالَمِ زَمانِهِمْ، وذَلِكَ بِدَلِيلِ فَضْلِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ لَهم وعَلَيْهِمْ، وأنَّ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ هي خَيْرُ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَآتَيْناهم مِنَ الآياتِ﴾ لَفْظٌ جامِعٌ لِمُعْجِزاتِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، ولِلْعِبَرِ الَّتِي ظَهَرَتْ في قَوْمِ فِرْعَوْنَ مِنَ الجَرادِ والقَمْلِ والضَفادِعِ وغَيْرِ ذَلِكَ، ولِما أنْعَمَ بِهِ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ مِن تَظْلِيلِ الغَمامِ والمَنِّ والسَلْوى وغَيْرِ ذَلِكَ، فَإنَّ لَفْظَ الآياتِ يَعُمُّ جَمِيعَ هَذا، و"البَلاءُ" -فِي هَذا المَوْضِعِ-: الِاخْتِبارُ والِامْتِحانُ، وهَذا كَما قالَ تَعالى: ﴿وَنَبْلُوكم بِالشَرِّ والخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: ٣٥]، و﴿ "مُبِينٌ"﴾ هُنا بِمَعْنى: بَيِّنٌ.
ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى قُرَيْشًا وحَكى عنهم -عَلى جِهَةِ الإنْكارِ لِقَوْلِهِمْ حِينَ أنْكَرُوا فِيهِ ما هو جائِزٌ في العَقْلِ- فَقالَ تَعالى: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَيَقُولُونَ﴾ ﴿إنْ هي إلا مَوْتَتُنا الأُولى﴾ أيْ: ما آخِرُ أمْرِنا ومُنْتَهى وجُودِنا إلّا عِنْدَ مَوْتِنا، ﴿وَما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ﴾ أيْ: بِمَبْعُوثِينَ، يُقالُ: أنْشَرَ اللهُ المَيِّتَ فَنُشِرَ هُوَ، وقَوْلُ قُرَيْشٍ: ﴿فَأْتُوا بِآبائِنا﴾ مُخاطَبَةً لِلنَّبِيِّ ﷺ، إلّا أنَّهُ مِن (p-٥٨١)حَيْثُ كانَ النَبِيُّ ﷺ مُسْنَدًا في أقْوالِهِ وأفْعالِهِ إلى اللهِ تَعالى وبِواسِطَةِ مَلَكٍ خاطَبُوهُ كَما تُخاطِبُ الجَماعَةَ، وهم يُرِيدُونَهُ ورَبَّهُ تَعالى ومَلائِكَتَهُ. واسْتَدْعى الكُفّارُ في هَذِهِ الآيَةِ أنْ يُحْيِيَ لَهم بَعْضَ آبائِهِمْ -وَسُمُّوا قَصِيًّا- لِكَيْ يَسْألُوهم عَمّا رَأوا في آخِرَتِهِمْ، ولَمْ يَسْتَقْصِ في هَذِهِ الآيَةِ الرَدُّ عَلَيْهِمْ لِبَيانِهِ، وإثْباتِهِ في غَيْرِ ما آيَةٍ مِن كِتابِ اللهِ تَعالى، فَإنَّ اللهَ تَعالى قَدْ جَزَمَ البَعْثَ مِنَ القُبُورِ في أجَلٍ مُسَمّى لا يَتَعَدّاهُ أحَدٌ، وقَدْ بَيَّنَتِ الأمْثِلَةُ مِنَ الأرْضِ المَيْتَةِ وحالُ النَباتِ أمْرُ البَعْثِ مِنَ القُبُورِ.
44:37–44Page 497
أَهُمۡ خَيۡرٌ أَمۡ قَوۡمُ تُبَّعٖ وَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ أَهۡلَكۡنَٰهُمۡۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ مُجۡرِمِينَ ٣٧
Are they better or the people of Tubbaʿ1 and those before them? We destroyed them, [for] indeed, they were criminals.
وَمَا خَلَقۡنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَا لَٰعِبِينَ ٣٨
And We did not create the heavens and earth and that between them in play.
مَا خَلَقۡنَٰهُمَآ إِلَّا بِٱلۡحَقِّ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ٣٩
We did not create them except in truth, but most of them do not know.
إِنَّ يَوۡمَ ٱلۡفَصۡلِ مِيقَٰتُهُمۡ أَجۡمَعِينَ ٤٠
Indeed, the Day of Judgement is the appointed time for them all -
يَوۡمَ لَا يُغۡنِي مَوۡلًى عَن مَّوۡلٗى شَيۡـٔٗا وَلَا هُمۡ يُنصَرُونَ ٤١
The Day when no relation1 will avail a relation at all, nor will they be helped -
إِلَّا مَن رَّحِمَ ٱللَّهُۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ٤٢
Except those [believers] on whom Allāh has mercy. Indeed, He is the Exalted in Might, the Merciful.
إِنَّ شَجَرَتَ ٱلزَّقُّومِ ٤٣
Indeed, the tree of zaqqūm
طَعَامُ ٱلۡأَثِيمِ ٤٤
Is food for the sinful.
قوله عزّ وجلّ:
﴿أهم خَيْرٌ أمْ قَوْمُ تُبَّعٍ والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ أهْلَكْناهم إنَّهم كانُوا مُجْرِمِينَ﴾ ﴿وَما خَلَقْنا السَماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ﴾ ﴿ما خَلَقْناهُما إلا بِالحَقِّ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿إنَّ يَوْمَ الفَصْلِ مِيقاتُهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عن مَوْلًى شَيْئًا ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ ﴿إلا مَن رَحِمَ اللهُ إنَّهُ هو العَزِيزُ الرَحِيمُ﴾ ﴿إنَّ شَجَرَتَ الزَقُّومِ﴾ ﴿طَعامُ الأثِيمِ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أهم خَيْرٌ أمْ قَوْمُ تُبَّعٍ والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ تَقْرِيرٌ فِيهِ وعِيدٌ، وتُبَّعٌ مَلِكُ حَمِيرِي، وكانَ يُقالُ لِكُلِّ مَلِكٍ مِنهُمْ: "تَبَعٌ"، إلّا أنَّ المُشارَ إلَيْهِ في هَذِهِ الآيَةِ رَجُلٌ صالِحٌ مِنَ التَبابِعَةِ، قالَ كَعْبُ الأحْبارِ: ذَمَّ اللهُ تَعالى قَوْمَهُ ولَمْ يَذُمَّهُ، ونَهى العُلَماءُ عن سَبِّهِ، ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ ﷺ مِن طَرِيقِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ: «أنَّ تُبَّعًا هَذا أسْلَمَ وآمَنَ بِاللهِ تَعالى، ورُوِيَ أنَّ ذَلِكَ كانَ عَلى يَدِ أهْلِ كِتابٍ كانُوا بِحَضْرَتِهِ.» وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: كانَ "تُبَّعُ" نَبِيًّا. ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُ عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "ما أدْرِي أكانَ "تُبَّعُ" نَبِيًّا أمْ غَيْرَ نَبِيٍّ؟".» وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: هو الَّذِي كَسا الكَعْبَةَ، وقَدْ ذَكَرَهُ ابْنُ إسْحاقَ في السِيرَةِ، واللهُ أعْلَمُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهم كانُوا مُجْرِمِينَ﴾ يُرِيدُ: بِالكُفْرِ. (p-٥٨٢)وَقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "أنَّهُمْ" بِفَتْحِ الألِفِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما خَلَقْنا السَماواتِ والأرْضَ﴾ الآيَةُ... إخْبارٌ فِيهِ تَنْبِيهٌ وتَحْذِيرٌ، وقَوْلُهُ: ﴿إلا بِالحَقِّ﴾ يُرِيدُ: بِالواجِبِ المُفْضِي إلى الخَيْراتِ وفَيْضِ الهِباتِ، و﴿ "يَوْمَ الفَصْلِ":﴾ هو يَوْمُ القِيامَةِ، وهَذا هو الإخْبارُ بِالبَعْثِ، وهو أمْرٌ جَوَّزَهُ العَقْلُ وأثْبَتَهُ الشَرْعُ بِهَذِهِ الآيَةِ وغَيْرِها، والمَوْلى في هَذِهِ الآيَةِ يَعُمُّ جَمِيعَ المَوالِي مِنَ القَراباتِ ومَوالِي العِتْقِ ومَوالِي الصَداقَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا هم يُنْصَرُونَ﴾: إنْ كانَ الضَمِيرُ يُرادُ بِهِ العالَمَ، فَيَصِحُّ أنْ تَكُونَ "مِن" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلا مَن رَحِمَ اللهُ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الِاسْتِثْناءِ المُتَّصِلِ، وإنْ كانَ الضَمِيرُ يُرادُ بِهِ الكُفّارَ، فالِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرُ مُقَدَّرٌ، تَقْدِيرُهُ: فَإنَّهُ يُغْنِي بَعْضُهم عن بَعْضٍ في الشَفاعَةِ ونَحْوِها، أو يَكُونُ تَقْدِيرُهُ: فَإنَّ اللهَ يَنْصُرُهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ شَجَرَتَ الزَقُّومِ﴾ ﴿طَعامُ الأثِيمِ﴾، رُوِيَ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ "الأثِيمِ" المُشارُ إلَيْهِ هو أبُو جَهْلٍ، ثُمَّ هي بِالمَعْنى- تَتَناوَلُ كُلَّ أثِيمٍ، وهو كُلُّ تاجِرٍ يَكْتَسِبُ الإثْمَ، ورُوِيَ عن هَمّامٍ أنَّ أبا الدَرْداءِ أقْرَأ أعْرابِيًّا، فَكانَ يَقُولُ: "طَعامُ اليَتِيمِ"، فَرَدَّ عَلَيْهِ أبُو الدَرْداءِ مِرارًا فَلَمْ يُلَقَّنْ، فَقالَ لَهُ: قُلْ: "طَعامُ الفاجِرِ"، فَقُرِئَتْ كَذَلِكَ، وإنَّما هي عَلى التَفْسِيرِ، وهي الشَجَرَةُ المَلْعُونَةُ في القُرْآنِ، وهي تَنْبُتُ في أصْلٍ الجَحِيمِ، ورُوِيَ أنَّ أبا جَهْلٍ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وأشارَ الناسُ بِها إلَيْهِ، جَمَعَ عَجْوَةٍ بِزَبَدٍ، ثُمَّ دَعا إلَيْها ناسًا، فَقالَ لَهُمْ: "تَزَقَّمُوا، فَإنَّ الزُقُّومَ هو عَجْوَةُ يَثْرِبَ بِالزُبْدِ، وهو طَعامِي الَّذِي حَدَّثَ بِهِ مُحَمَّدٌ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وإنَّما قَصَدَ بِذَلِكَ ضَرْبًا مِنَ المُغالَطَةِ والتَلْبِيسِ عَلى الجَهَلَةِ.
44:45–59Page 498
كَٱلۡمُهۡلِ يَغۡلِي فِي ٱلۡبُطُونِ ٤٥
Like murky oil, it boils within bellies
كَغَلۡيِ ٱلۡحَمِيمِ ٤٦
Like the boiling of scalding water.
خُذُوهُ فَٱعۡتِلُوهُ إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلۡجَحِيمِ ٤٧
[It will be commanded], "Seize him and drag him into the midst of the Hellfire,
ثُمَّ صُبُّواْ فَوۡقَ رَأۡسِهِۦ مِنۡ عَذَابِ ٱلۡحَمِيمِ ٤٨
Then pour over his head from the torment of scalding water."
ذُقۡ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡكَرِيمُ ٤٩
[It will be said], "Taste! Indeed, you are the honored, the noble!1
إِنَّ هَٰذَا مَا كُنتُم بِهِۦ تَمۡتَرُونَ ٥٠
Indeed, this is what you used to dispute."
إِنَّ ٱلۡمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٖ ٥١
Indeed, the righteous will be in a secure place:
فِي جَنَّٰتٖ وَعُيُونٖ ٥٢
Within gardens and springs,
يَلۡبَسُونَ مِن سُندُسٖ وَإِسۡتَبۡرَقٖ مُّتَقَٰبِلِينَ ٥٣
Wearing [garments of] fine silk and brocade, facing each other.
كَذَٰلِكَ وَزَوَّجۡنَٰهُم بِحُورٍ عِينٖ ٥٤
Thus. And We will marry them to fair women with large, [beautiful] eyes.
يَدۡعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَٰكِهَةٍ ءَامِنِينَ ٥٥
They will call therein for every [kind of] fruit - safe and secure.
لَا يَذُوقُونَ فِيهَا ٱلۡمَوۡتَ إِلَّا ٱلۡمَوۡتَةَ ٱلۡأُولَىٰۖ وَوَقَىٰهُمۡ عَذَابَ ٱلۡجَحِيمِ ٥٦
They will not taste death therein except the first death, and He will have protected them from the punishment of Hellfire
فَضۡلٗا مِّن رَّبِّكَۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ ٥٧
As bounty from your Lord. That is what is the great attainment.
فَإِنَّمَا يَسَّرۡنَٰهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ ٥٨
And indeed, We have eased it [i.e., the Qur’ān] in your tongue that they might be reminded.
فَٱرۡتَقِبۡ إِنَّهُم مُّرۡتَقِبُونَ ٥٩
So watch, [O Muḥammad]; indeed, they are watching [for your end].
(p-٥٨٣)قوله عزّ وجلّ:
﴿كالمُهْلِ يَغْلِي في البُطُونِ﴾ ﴿كَغَلْيِ الحَمِيمِ﴾ ﴿خُذُوهُ فاعْتِلُوهُ إلى سَواءِ الجَحِيمِ﴾ ﴿ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِن عَذابِ الحَمِيمِ﴾ ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ ﴿إنَّ هَذا ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾ ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في مَقامٍ أمِينٍ﴾ ﴿فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿يَلْبَسُونَ مِن سُنْدُسٍ وإسْتَبْرَقٍ مُتَقابِلِينَ﴾ ﴿كَذَلِكَ وزَوَّجْناهم بِحُورٍ عِينٍ﴾ ﴿يَدْعُونَ فِيها بِكُلِّ فاكِهَةٍ آمِنِينَ﴾ ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ إلا المَوْتَةَ الأُولى ووَقاهم عَذابَ الجَحِيمِ﴾ ﴿فَضْلا مِن رَبِّكَ ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ ﴿فَإنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ ﴿فارْتَقِبْ إنَّهم مُرْتَقِبُونَ﴾
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُمُ: "المُهْلِ": دُرْدِيُّ الزَيْتِ وعَكِرُهُ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا رَضِيَ اللهُ عنهُمُ: "المَهْلِ": ما ذابَ مِن ذَهَبٍ أو فِضَّةٍ أو حَدِيدٍ أو رَصاصٍ ونَحْوِهِ، قالَ الحَسَنُ: كانَ ابْنُ مَسْعُودٍ عَلى بَيْتِ المالِ لِعُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ بِالكُوفَةِ، فَأذابَ يَوْمًا فِضَّةً مُكَسَّرَةً، فَلَمّا انْماعَتْ، قالَ: يَدْخُلُ مَن بِالبابِ، فَدَخَلُوا، فَقالَ لَهُمْ: هَذا أشْبَهُ ما رَأيْنا في الدُنْيا بِالمُهْلِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
والمَعْنى: أنَّ هَذِهِ الشَجَرَةَ إذا طَعِمَها الكافِرُ في جَهَنَّمَ صارَتْ في جَوْفِهِ تَفْعَلُ كَما يَفْعَلُ المُهْلُ السُخْنُ مِنَ الإحْراقِ والإفْسادِ، وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وعاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ: "تَغْلِي" بِالتاءِ، أيِ: الشَجَرَةُ، وهي قِراءَةُ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، وأبِي رُزَيْنٍ، والحَسَنِ، والأعْرَجِ، وأبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ، وابْنِ مُحَيْصِنٍ، وطَلْحَةَ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ: ﴿ "يَغْلِي"﴾ بِالياءِ عَلى مَعْنى الطَعامِ، وهي قِراءَةُ مُجاهِدٍ، والحَسَنِ -بِخِلافٍ عنهُ- و﴿ "الحَمِيمِ":﴾ الماءُ السُخْنُ الَّذِي يَتَطايَرُ مِن غَلَيانِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿خُذُوهُ فاعْتِلُوهُ﴾ الآيَةُ، مَعْناهُ: يُقالُ يَوْمَئِذٍ لِلْمَلائِكَةِ عن هَذا الأثِيمِ: خُذُوهُ فاعْتِلُوهُ، و"العُتُلُّ": السُوقُ بِعُنْفٍ وإهانَةٍ ودَفْعِ قَوِيٍّ مُتَّصِلٍ، كَما يُساقُ أبَدًا مُرْتَكِبُ الجَرائِمِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: "فاعْتِلُوهُ" بِضَمِّ التاءِ، والباقُونَ بِكَسْرِها، وقَدْ رُوِيَ الضَمُّ عن أبِي عَمْرٍو، وكَذَلِكَ رُوِيَ الوَجْهانِ عَنِ الحَسَنِ، وقَتادَةَ، والأعْرَجِ، و"السَواءِ": الوَسَطُ، وقِيلَ: المُعَظَّمُ، وذَلِكَ مُتَلازِمٌ، المُعَظَّمُ أبَدًا مِن مِثْلِ (p-٥٨٤)هَذا إنَّما هو في الوَسَطِ، وفي الآيَةِ ما يَقْتَضِي أنَّ الكافِرَ يَصُبُّ عَلى رَأْسِهِ مِن حَمِيمِ جَهَنَّمَ، وهو ما يَغْلِي فِيها مَن ذَوْبٍ، وهَذا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الحَمِيمُ﴾ [الحج: ١٩]، وإلى هَذا نَظَرَ بَعْضُ وُلاةِ المَدِينَةِ، فَإنَّهُ كانَ يَصُبُّ الخَمْرَ عَلى رَأْسِ الَّذِي شَرِبَها أو تُوجَدُ عِنْدَهُ عُقُوبَةً لَهُ وأدَبًا، ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ حَبِيبٍ في الواضِحَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذُقْ، إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ مُخاطَبَةٌ عَلى مَعْنى هَذا التَقْرِيعِ، ويُرْوى عن قَتادَةَ أنَّ أبا جَهْلٍ لَمّا قالَ نَزَلَتْ: ﴿إنَّ شَجَرَتَ الزَقُّومِ﴾ [الدخان: ٤٣] ﴿طَعامُ الأثِيمِ﴾ [الدخان: ٤٤]: أيَتَهَدَّدُنِي مُحَمَّدٌ -عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ- وأنا ما بَيْنَ جَبَلَيْها أعَزُّ مِنِّي وأكْرَمُ؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآياتُ، وفي آخِرِها: ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ أيْ: عَلى قَوْلِكَ، وهَذا كَما قالَ جَرِيرٌ:
ألَمْ يَكُنْ -فِي وُسُومٍ قَدْ وُسِمَتْ بِها... مَن حانَ- مَوْعِظَةً يا زَهْرَةَ اليَمَنِ؟
يَقُولُها لِلشّاعِرِ الَّذِي سَمّى نَفْسَهُ بِهِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ:
أبْلِغْ كُلَيْبًا وأبْلِغْ عنكَ شاعِرَها... أنِّي الأعَزُّ وأنِّي زَهْرَةُ اليَمَنِ
فَجاءَ بَيْتُ جَرِيرٍ عَلى هَذا الهُزْءِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "إنَّكَ" بِكَسْرِ الألِفِ، وقَرَأ الكِسائِيُّ وحْدَهُ: "أنَّكَ" بِفَتْحِ الألِفِ، والمَعْنى واحِدٌ في المَقْصِدِ وإنِ اخْتَلَفَ المَأْخَذُ إلَيْهِ، وبِفَتْحِ الألِفِ قَرَأها عَلى المِنبَرِ الحُسَيْنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رِضِيَ اللهُ عنهُما أسْنَدَها إلَيْهِ الكِسائِيُّ وأتْبَعَهُ فِيها.
(p-٥٨٥)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ هَذا ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾ عِبارَةٌ عن قَوْلٍ يُقالُ لِلْكَفَرَةِ عِنْدَ عَذابِهِمْ، أيْ: هَذِهِ الآخِرَةُ وجَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تَشُكُّونَ فِيها.
ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى حالَةَ المُتَّقِينَ بِعِقِبِ ذِكْرِ حالَةِ الكافِرِ لِيُبَيِّنَ الفَرْقَ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: "فِي مُقامٍ أمِينٍ" بِضَمِّ المِيمِ، وهي قِراءَةُ أبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ، وقَتادَةَ، وعَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، والحَسَنِ، والأعْرَجِ، وقَرَأ الباقُونَ: ﴿ "فِي مَقامٍ أمِينٍ"﴾ بِفَتْحِ المِيمِ، وهي قِراءَةُ أبِي رَجاءٍ، وعِيسى، ويَحْيى، والأعْمَشِ، و"أمِينٍ": مَعْناهُ: تُؤْمَنُ فِيهِ الغِيَرُ، فَكَأنَّهُ فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، أيْ: مَأْمُونٌ فِيهِ. وكَسَرَ عاصِمٌ العَيْنَ مِن "عِيُونٍ"، قالَ أبُو حاتِمٍ: وذَلِكَ مَرْدُودٌ عِنْدَ العُلَماءِ، ومِثْلُهُ شُيُوخٌ وبُيُوتٌ، بِكَسْرِ الشِينِ والباءِ، والسُنْدُسِ: رَقِيقُ الحَرِيرِ، و"الإسْتَبْرَقُ": خَشِنُهُ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "وَإسْتَبْرَقٍ" بِالوَصْلِ وفَتْحِ القافِ، وقَوْلُهُ: ﴿ "مُتَقابِلِينَ"﴾ وصْفٌ لِمَجالِسِ أهْلِ الجَنَّةِ، لِأنَّ بَعْضَهم لا يَسْتَدْبِرُ بَعْضًا في المَجالِسِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ وزَوَّجْناهُمْ﴾ تَقْدِيرُهُ: والأمْرُ كَذَلِكَ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "عِينٍ" وهو جَمْعُ عَيْناءَ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "بِعِيسٍ عِينٍ"، وهو جَمْعُ عَيْساءَ، أيِ: البَيْضاءُ، وكَذَلِكَ هي مِنَ النُوقِ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ: "بِحُورِ عِينٍ" بِغَيْرِ تَنْوِينٍ في "حُورٍ"، وأضافَها إلى "عِينٍ"، قالَ أبُو الفَتْحِ: الإضافَةُ هُنا تُفِيدُ ما تُفِيدُ الصِفَةُ، ورَوى أبُو قُرْصافَةَ عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "إخْراجُ القُمامَةِ مِنَ المَسْجِدِ مِن مُهُورِ الحُورِ العِينِ".»
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَدْعُونَ فِيها﴾ مَعْناهُ: يَدْعُونَ الخِدْمَةَ والمُتَصَرِّفِينَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا المَوْتَةَ الأُولى﴾ قَدَّرَ قَوْمٌ "إلّا" بِـ"سِوى"، وضَعَّفَ ذَلِكَ الطَبَرِيُّ، وقَدَّرَها بِـ"بَعْدُ"، ولَيْسَ تَضْعِيفُهُ بِصَحِيحٍ، بَلْ يَصِحُّ المَعْنى بِسِوى ويَتَّسِقُ، (p-٥٨٦)وَأمّا مَعْنى الآيَةِ: فَبَيِّنٌ أنَّهُ تَعالى نَفى عنهم ذَوْقَ المَوْتِ، وأنَّهُ لا يَنالُهم مِن ذَلِكَ غَيْرُ ما تَقَدَّمَ في الدُنْيا.
والضَمِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "يَسَّرْناهُ"﴾ عائِدٌ عَلى القُرْآنِ. وقَوْلُهُ: ﴿ "بِلِسانِكَ"﴾ مَعْناهُ: بِلُغَةِ العَرَبِ، ولَمْ يُرِدِ الجارِحَةَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فارْتَقِبْ إنَّهم مُرْتَقِبُونَ﴾ مَعْناهُ: فارْتَقِبْ نَصْرَنا لَكَ، إنَّهم مُرْتَقِبُونَ -فِيما يَظُنُّونَ- الدَوائِرَ عَلَيْكَ، وفي هَذِهِ الآيَةِ وعْدٌ لَهُ ﷺ، ووَعِيدٌ لَهُمْ، وفِيها مُتارَكَةٌ، وهَذا وما جَرى مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَيْفِ.
كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ الدُخانِ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences