Ibn 'AtiyyaAl‑Mujadila · 58:11–22

Ibn 'Atiyya · Tafsir · in Arabic

Al-Mujadila 58:11–22

58:11–12Page 543

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا قِيلَ لَكُمۡ تَفَسَّحُواْ فِي ٱلۡمَجَٰلِسِ فَٱفۡسَحُواْ يَفۡسَحِ ٱللَّهُ لَكُمۡۖ وَإِذَا قِيلَ ٱنشُزُواْ فَٱنشُزُواْ يَرۡفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡ وَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ دَرَجَٰتٖۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ ١١

O you who have believed, when you are told, "Space yourselves" in assemblies, then make space; Allāh will make space for you.1 And when you are told, "Arise,"2 then arise; Allāh will raise those who have believed among you and those who were given knowledge, by degrees. And Allāh is Aware of what you do.

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا نَٰجَيۡتُمُ ٱلرَّسُولَ فَقَدِّمُواْ بَيۡنَ يَدَيۡ نَجۡوَىٰكُمۡ صَدَقَةٗۚ ذَٰلِكَ خَيۡرٞ لَّكُمۡ وَأَطۡهَرُۚ فَإِن لَّمۡ تَجِدُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌ ١٢

O you who have believed, when you [wish to] privately consult the Messenger, present before your consultation a charity. That is better for you and purer. But if you find not [the means] - then indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.

قوله عزّ وجلّ:

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا قِيلَ لَكم تَفَسَّحُوا في المَجالِسِ فافْسَحُوا يَفْسَحِ اللهُ لَكم وإذا قِيلَ انْشُزُوا فانْشُزُوا يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم والَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجاتٍ واللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا ناجَيْتُمُ الرَسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكم صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكم وأطْهَرُ فَإنْ لَمْ تَجِدُوا فَإنْ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

(p-٢٥٢)قَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "تُفْسِحُوا"، وقَرَأ الحَسَنُ وداوُدُ بْنُ أبِي هِنْدٍ:، "تَفاسَحُوا"، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "فِي المَجْلِسِ"، وقَرَأ عاصِمٌ وحْدَهُ وقَتادَةُ، وعِيسى: "فِي المَجالِسِ".

واخْتَلَفَ الناسُ في سَبَبِ الآيَةِ والمَقْصُودِ بِها، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ ومُجاهِدٌ: نَزَلَتْ في مَقاعِدِ الحَرْبِ والقِتالِ، وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، وقَتادَةُ: نَزَلَتْ بِسَبَبِ تُضايِقِ الناسِ في مَجْلِسِ النَبِيِّ ﷺ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَتَنافَسُونَ في القُرْبِ مِنهُ وسَماعِ كَلامِهِ والنَظَرِ إلَيْهِ، فَيَأْتِي الرَجُلُ الَّذِي لَهُ الحَقُّ والسِنُّ والقِدَمُ في الإسْلامِ فَلا يَجِدُ مَكانًا، فَنَزَلَتْ بِسَبَبِ ذَلِكَ، وقالَ مُقاتِلٌ: أقامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَوْمًا لِيَجْلِسَ أشْياخٌ مِن أهْلِ بَدْرٍ ونَحْوُ ذَلِكَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ، ورَوى أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّ النَبِيَّ ﷺ قالَ: « "لا يَقُمْ أحَدٌ مِن مَجْلِسِهِ ثُمَّ يَجْلِسُ فِيهِ الرَجُلُ، ولَكِنْ تَفَسَّحُوا يَفْسَحِ اللهُ لَكُمْ"»، وقالَ بَعْضُ الناسِ: إنَّما الآيَةُ مَخْصُوصَةٌ في مَجْلِسِ النَبِيِّ ﷺ في سائِرِ المَجالِسِ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قِراءَةُ مَن قَرَأ: "فِي المَجْلِسِ"، ومَن قَرَأ "فِي المَجالِسِ" فَذَلِكَ مُرادُهُ أيْضًا لِأنَّ لِكُلِّ أحَدٍ مَجْلِسًا في بَيْتِ النَبِيِّ ﷺ ومَوْضِعُهُ، فَتَجْمَّعَ لِذَلِكَ، وقالَ الجُمْهُورُ مِن أهْلِ العِلْمِ: السَبَبُ مَجْلِسُ النَبِيِّ ﷺ، والحُكْمُ مُطَّرِدٌ في سائِرِ المَجالِسِ الَّتِي هي لِلطّاعاتِ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "أحَبَّكم إلى اللهِ ألْيَنُكم مَناكِبَ في الصَلاةِ ورُكَبًا في المَجالِسِ"»، وهَذا قَوْلُ مالِكٍ رَحِمَهُ اللهُ تَعالى وقالَ: ما أرى الحُكْمَ إلّا يُطْرَدُ في مَجالِسِ العِلْمِ ونَحْوِها غابِرَ الدَهْرِ، ويُؤَيِّدُ هَذا القَوْلَ قِراءَةُ مَن قَرَأ: "فِي المَجالِسِ"، ومَن قَرَأ: "فِي المَجْلِسِ" فَذَلِكَ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- اسْمُ جِنْسٍ، فالسُنَّةُ المَندُوبُ إلَيْها هي التَفَسُّحُ، والقِيامُ مَنهِيٌّ عنهُ، وحَدِيثُ النَبِيِّ ﷺ حَيْثُ «نَهى أنْ يَقُومَ الرَجُلُ فَيَجْلِسُ الآخَرُ مَكانَهُ،» فَأمّا القِيامُ إجْلالًا فَجائِزٌ بِالحَدِيثِ، وهو قَوْلُهُ ﷺ (p-٢٥٣)حِينَ أقْبَلَ سَعْدُ بْنُ مُعاذٍ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُ: « "قُومُوا إلى سَيِّدِكُمْ"»، وواجِبٌ عَلى المُعْظَمِ ألّا يُحِبَّ ذَلِكَ ويَأْخُذَ الناسَ بِهِ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "مَن أحَبَّ أنْ يَتَمَثَّلَ لَهُ الرِجالُ قِيامًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النارِ"»،وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَفْسَحِ اللهُ لَكُمْ﴾ مَعْناهُ: في رَحْمَتِهِ وجَنَّتِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا قِيلَ انْشُزُوا فانْشُزُوا﴾ مَعْناهُ: إذا قِيلَ لَكُمُ ارْتَفِعُوا وقُومُوا فافْعَلُوا ذَلِكَ، ومِنهُ نُشُوزُ العِظامِ، أيْ: نَباتُها، والنَشَزُ مِنَ الأرْضِ: المُرْتَفِعُ، واخْتَلَفَ الناسُ في هَذا النُشُوزِ الَّذِي أُمِرُوا بِامْتِثالِهِ، ما هُوَ؟ فَقالَ الحَسَنُ، والضَحّاكُ وقَتادَةُ: مَعْناهُ: إذا دَعَوْا إلى قِتالٍ أو طاعَةٍ أو صَلاةٍ ونَحْوِهِ، وقالَ آخَرُونَ: إذا دَعَوْا إلى القِيامِ عَنِ النَبِيِّ ﷺ؛ لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ كانَ أحْيانًا يُحِبُّ الِانْفِرادَ في آمِرِ الإسْلامِ، فَرُبَّما جَلَسَ قَوْمٌ وأرادَ كُلُّ أحَدٍ أنْ يَكُونَ آخِرَ الناسِ عَهْدًا بِالنَبِيِّ ﷺ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ آمِرَةً بِالقِيامِ عنهُ مَتى فَهِمَ ذَلِكَ بِقَوْلٍ أو فِعْلٍ، وقالَ آخَرُونَ: مَعْناهُ: انْشُزُوا في المَجْلِسِ بِمَعْنى التَفَسُّحِ؛ لِأنَّ الَّذِي يُرِيدُ التَوَسُّعَ يَرْتَفِعُ إلى فَوْقٍ في الهَواءِ، فَإذا فَعَلَ ذَلِكَ جُمْلَةً اتَّسَعَ المَوْضِعُ، فَيَجِيءُ "انْشُزُوا" في غَرَضٍ واحِدٍ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: "تَفَسَّحُوا"، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ: "انْشُزُوا" بِرَفْعِ الشِينِ، وهي قِراءَةُ أبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ، والأعْرَجِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "انْشُذُوا" بِكَسْرِ السِينِ فِيها، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، والأعْمَشِ، وطَلْحَةُ، يُقالُ: نَشَزَ يَنْشُزُ كَحَشَرَ يَحْشُرُ ويَحْشِرُ وعَكَفَ يَعْكُفُ ويَعْكِفُ. وقَوْلُهُ تَعالى: "يَرْفَعِ اللهُ" جَوابُ الأمْرِ.

واخْتَلَفَ الناسُ في تَرْتِيبِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم والَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجاتٍ﴾ فَقالَ جَماعَةٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ: المَعْنى: يَرْفَعِ اللهُ المُؤْمِنِينَ العُلَماءَ مِنكم دَرَجاتٍ، فَلِذَلِكَ أمَرَ بِالتَفَسُّحِ مِن أجْلِهِمْ، ويَجِيءُ -عَلى هَذا- قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ بِمَنزِلَةِ (p-٢٥٤)قَوْلِكَ: جاءَنِي العاقِلُ والكَرِيمُ والشُجاعُ، وأنْتَ تُرِيدُ رَجُلًا واحِدًا. وقالَ آخَرُونَ: المَعْنى: يَرْفَعِ اللهُ المُؤْمِنِينَ والعُلَماءَ، الصِنْفَيْنِ جَمِيعًا دَرَجاتٍ، لَكِنّا نَعْلَمُ تَفاضُلَهم في الدَرَجاتِ مِن مَواضِعَ أُخَرَ، ولِذَلِكَ جاءَ الأمْرُ بِالتَفَسُّحِ عامًّا لِلْعُلَماءِ وغَيْرِهِمْ. وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ وغَيْرُهُ: المَعْنى: "يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم "، وتَمَّ القَوْلُ، ثُمَّ ابْتَدَأ بِتَخْصِيصِ العُلَماءِ بِالدَرَجاتِ، ونَصْبِهِمْ بِإضْمارِ فِعْلٍ، فالمُؤْمِنُونَ رُفِعَ عَلى هَذا التَأْوِيلِ، ولِلْعُلَماءِ دَرَجاتٌ، وعَلى هَذا التَأْوِيلِ قالَ مُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الشِخِّيرِ: "فَضْلُ العِلْمِ أحَبُّ إلَيَّ مَن فَضْلِ العِبادَةِ، وخَيْرُ دِينِكُمُ الوَرَعُ"، ثُمَّ تُوَعَّدَ تَعالى وحَذَّرَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾.

وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا ناجَيْتُمُ الرَسُولَ﴾ الآيَةُ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ في سَبَبِها أنْ قَوْمًا مِن شَبابِ المُسْلِمِينَ كَثُرَتْ مُناجاتُهم لِلنَّبِيِّ ﷺ في غَيْرِ حاجَةٍ إلّا لِتَظْهَرَ مَنزِلَتُهُمْ، وكانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ سَمْحًا لا يَرُدُّ أحَدًا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ مُشَدِّدَةً عَلَيْهِمْ في أمْرِ المُناجاةِ، وقالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في الأغْنِياءِ لِأنَّهم غَلَبُوا الفُقَراءَ عَلى مُناجاةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وعَلى مَجْلِسِهِ. وقالَ جَماعَةٌ مِنَ الرُواةِ: لَمْ يَعْمَلْ بِهَذِهِ الآيَةِ بَلْ نُسِخَتْ قَبْلَ العَمَلِ، لَكِنِ اسْتَقَرَّ حُكْمُها بِالعَزْمِ عَلَيْهِ، كَأمْرِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ في ذَبْحِ ابْنِهِ عَلَيْهِ السَلامُ، وصَحَّ عن عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ قالَ: ما عَمِلَ بِها أحَدٌ غَيْرِي، وأنا كُنْتُ سَبَبَ الرُخْصَةِ والتَخْفِيفِ عَنِ المُسْلِمِينَ، وذَلِكَ أنِّي أرَدْتُ مُناجاةَ النَبِيِّ ﷺ في أمْرٍ ضَرُورِيٍّ، فَصَرَفْتُ دِينارًا بِعَشَرَةِ دَراهِمَ، ثُمَّ ناجَيْتُهُ عَشْرَ مَرّاتٍ، أُقَدِّمُ في كُلَّ مَرَّةٍ دِرْهَمًا، ورُوِيَ عنهُ «أنَّهُ تَصَدَّقَ في كُلِّ مَرَّةٍ بِدِينارٍ، قالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عنهُ: ثُمَّ فَهِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أنَّ هَذِهِ العِبادَةَ قَدْ شُقَّتْ عَلى الناسِ، فَقالَ لِي: يا عَلِيُّ، كَمْ تَرى أنْ يَكُونَ حَدُّ هَذِهِ الصَدَقَةِ؛ أتَراهُ دِينارًا؟ قُلْتُ: لا، قالَ فَنِصْفُ دِينارٍ؟ قُلْتُ: لا، قالَ: فَكَمْ؟ قُلْتُ: حَبَّةٌ مِن شَعِيرٍ، قالَ: إنَّكَ لِزَهِيدٌ، فَأنْزَلَ اللهُ تَعالى الرُخْصَةَ لِلْواجِدِينَ، وأمّا مَن لا يَجِدُ فالرُخْصَةُ لَهُ ثابِتَةٌ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَإنْ لَمْ تَجِدُوا فَإنْ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾،» وقالَ مُقاتِلٌ: بَقِيَ هَذا الحُكْمُ عَشَرَةَ أيّامٍ، وقالَ قَتادَةُ: بَقِيَ ساعَةً مِن نَهارٍ، وقَرَأ (p-٢٥٥)الجُمْهُورُ مِنَ الناسِ: "صَدَقَةٌ" بِالإفْرادِ، وقَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ: "صَدَقاتٌ" بِالجَمْعِ.

58:13–16Page 544

ءَأَشۡفَقۡتُمۡ أَن تُقَدِّمُواْ بَيۡنَ يَدَيۡ نَجۡوَىٰكُمۡ صَدَقَٰتٖۚ فَإِذۡ لَمۡ تَفۡعَلُواْ وَتَابَ ٱللَّهُ عَلَيۡكُمۡ فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥۚ وَٱللَّهُ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ ١٣

Have you feared to present before your consultation charities? Then when you do not and Allāh has forgiven you, then [at least] establish prayer and give zakāh and obey Allāh and His Messenger. And Allāh is Aware of what you do.

۞ أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ تَوَلَّوۡاْ قَوۡمًا غَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِم مَّا هُم مِّنكُمۡ وَلَا مِنۡهُمۡ وَيَحۡلِفُونَ عَلَى ٱلۡكَذِبِ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ ١٤

Have you not considered those who make allies of a people with whom Allāh has become angry? They are neither of you nor of them, and they swear to untruth while they know [they are lying].

أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُمۡ عَذَابٗا شَدِيدًاۖ إِنَّهُمۡ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٥

Allāh has prepared for them a severe punishment. Indeed, it was evil that they were doing.

ٱتَّخَذُوٓاْ أَيۡمَٰنَهُمۡ جُنَّةٗ فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ فَلَهُمۡ عَذَابٞ مُّهِينٞ ١٦

They took their [false] oaths as a cover, so they averted [people] from the way of Allāh, and for them is a humiliating punishment.

قوله عزّ وجلّ:

﴿أأشْفَقْتُمْ أنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكم صَدَقاتٍ فَإذْ لَمْ تَفْعَلُوا وتابَ اللهُ عَلَيْكم فَأقِيمُوا الصَلاةَ وآتُوا الزَكاةَ وأطِيعُوا اللهُ ورَسُولَهُ واللهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ ما هم مِنكم ولا مِنهم ويَحْلِفُونَ عَلى الكَذِبِ وهم يَعْلَمُونَ﴾ ﴿أعَدَّ اللهُ لَهم عَذابًا شَدِيدًا إنَّهم ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿اتَّخَذُوا أيْمانَهم جُنَّةً فَصَدُّوا عن سَبِيلِ اللهِ فَلَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾

"الإشْفاقُ": الفَزَعُ مِنَ العَجْزِ عَنِ الشَيْءِ المُتَصَدَّقِ بِهِ أو مِن ذَهابِ المالِ في الصَدَقَةِ، ولَهُ وُجُوهٌ كَثِيرَةٌ يُقالُ فِيها الإشْفاقُ، لَكِنَّهُ في هَذا المَوْضِعِ كَما ذَكَرْتُ. ﴿وَتابَ اللهُ عَلَيْكُمْ﴾ مَعْناهُ: رَجَعَ بِكم.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأقِيمُوا الصَلاةَ﴾ الآيَةُ، مَعْناهُ: دُومُوا عَلى هَذِهِ الأعْمالِ الَّتِي هي قَواعِدُ شَرْعِكُمْ، ومَن قالَ إنَّ هَذِهِ الصَدَقَةَ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ الزَكاةِ فَقَوْلُهُ ضَعِيفٌ لا يَحْصُلُ كَيْفَ النَسْخُ، وما ذُكِرَ في نَحْوِ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما لا يَصِحُّ عنهُ، واللهُ تَعالى أعْلَمُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ تَوَلَّوْا﴾. نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِنَ المُنافِقِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا مِنَ اليَهُودِ وهُمُ المَغْضُوبُ عَلَيْهِمْ، وقالَ الطَبَرِيُّ: "ما هُمْ" يُرِيدُ المُنافِقِينَ، و"مِنكُمْ" يُرِيدُ بِهِ المُؤْمِنِينَ، و"مِنهُمْ" يُرِيدُ بِهِ اليَهُودَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا التَأْوِيلُ يَجْرِي مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إلى هَؤُلاءِ ولا إلى هَؤُلاءِ﴾ [النساء: ١٤٣]، ومَعَ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "مَثَلُ المُنافِقِ مَثَلُ الشاةِ العائِرَةِ بَيْنَ الغَنَمَيْنِ"،» لِأنَّهُ مَعَ المُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِ ومَعَ الكافِرِينَ بِقَلْبِهِ، لَكِنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَحْتَمِلُ تَأْوِيلًا آخَرَ وهو أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: "ما هُمْ" يُرِيدُ بِهِ اليَهُودَ، وقَوْلُهُ تَعالى: "وَلا مِنهُمْ" يُرِيدُ بِهِ المُنافِقِينَ، فَيَجِيءُ فِعْلُ المُنافِقِينَ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- أحْسَنُ لِأنَّهم تَوَلَّوْا قَوْمًا مَغْضُوبًا عَلَيْهِمْ لَيْسُوا (p-٢٥٦)مِن أنْفُسِهِمْ فَيَلْزَمُهم ذِمامُهم ولا مِنَ القَوْمِ المُحِقِّينَ فَتَكُونُ المُوالاةُ صَوابًا. وقَوْلُهُ تَعالى: "وَيَحْلِفُونَ" يَعْنِي المُنافِقِينَ؛ لِأنَّهم كانُوا إذا وقَفُوا عَلى ما يَأْتُونَ بِهِ مِن بُغْضِ النَبِيِّ ﷺ وشَتْمِهِ ومُوالاةِ عَدُوِّهِ حَلَفُوا أنَّهم لا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ واسْتَسْهَلُوا الحِنْثَ، ورُوِيَ مِن هَذا نَوازِلُ كَثِيرَةٌ اخْتَصَرْتُها إيجازًا إذا تُتُبِّعَتْ في المُصَنَّفاتِ وُجِدَتْ كَقَوْلِ ابْنِ أُبَيٍّ "لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ" وحَلِفُهُ عَلى أنَّهُ لَمْ يَقُلْ، وغَيْرُ ذَلِكَ.

و"العَذابُ الشَدِيدُ" هو عَذابُ الآخِرَةِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "أيْمانُهُمْ" جَمْعُ يَمِينٍ، وقَرَأ الحَسَنُ "إيمانُهُمْ" أيْ: ما يُظْهِرُونَهُ مِنَ الإيمانِ.

و"الجَنَّةُ": ما يُتَسَتَّرُ بِهِ ويُتَّقى المَحْذُورُ، ومِنهُ "الِمِجَنُّ" وهو التُرْسُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَصَدُّوا عن سَبِيلِ اللهِ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الفِعْلُ غَيْرَ مُتَعَدٍّ، كَما تَقُولُ: صَدَّ زَيْدٌ، أيْ: صَدُّوا هم أنْفُسُهم عن سَبِيلِ اللهِ والإيمانِ بِرَسُولِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الفِعْلُ مُتَعَدِّيًا، أيْ: صَدُّوا غَيْرَهم مِنَ الناسِ عَنِ الإيمانِ مِمَّنِ اقْتَدى بِهِمْ وجَرى في مِضْمارِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: فَصَدُّوا المُسْلِمِينَ عن قَتْلِهِمْ، وتِلْكَ سَبِيلُ اللهِ فِيهِمْ لَكِنْ ما أظْهَرُوهُ مِنَ الإيمانِ صَدُّوا بِهِ المُسْلِمِينَ عن ذَلِكَ، و"المَهِينُ": المُذِلُّ، مِنَ الهَوانِ.

58:17–21Page 544

لَّن تُغۡنِيَ عَنۡهُمۡ أَمۡوَٰلُهُمۡ وَلَآ أَوۡلَٰدُهُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيۡـًٔاۚ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ١٧

Never will their wealth or their children avail them against Allāh at all. Those are the companions of the Fire; they will abide therein eternally

يَوۡمَ يَبۡعَثُهُمُ ٱللَّهُ جَمِيعٗا فَيَحۡلِفُونَ لَهُۥ كَمَا يَحۡلِفُونَ لَكُمۡ وَيَحۡسَبُونَ أَنَّهُمۡ عَلَىٰ شَيۡءٍۚ أَلَآ إِنَّهُمۡ هُمُ ٱلۡكَٰذِبُونَ ١٨

On the Day Allāh will resurrect them all, and they will swear to Him as they swear to you and think that they are [standing] on something.1 Unquestionably, it is they who are the liars.

ٱسۡتَحۡوَذَ عَلَيۡهِمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ فَأَنسَىٰهُمۡ ذِكۡرَ ٱللَّهِۚ أُوْلَٰٓئِكَ حِزۡبُ ٱلشَّيۡطَٰنِۚ أَلَآ إِنَّ حِزۡبَ ٱلشَّيۡطَٰنِ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ ١٩

Satan has overcome them and made them forget the remembrance of Allāh. Those are the party of Satan. Unquestionably, the party of Satan - they will be the losers.

إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحَآدُّونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ أُوْلَٰٓئِكَ فِي ٱلۡأَذَلِّينَ ٢٠

Indeed, the ones who oppose Allāh and His Messenger - those will be among the most humbled.

كَتَبَ ٱللَّهُ لَأَغۡلِبَنَّ أَنَا۠ وَرُسُلِيٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٞ ٢١

Allāh has written [i.e., decreed], "I will surely overcome, I and My messengers." Indeed, Allāh is Powerful and Exalted in Might.

قوله عزّ وجلّ:

﴿لَنْ تُغْنِيَ عنهم أمْوالُهم ولا أولادُهم مِنَ اللهِ شَيْئًا أُولَئِكَ أصْحابُ النارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكم ويَحْسَبُونَ أنَّهم عَلى شَيْءٍ ألا إنَّهم هُمُ الكاذِبُونَ﴾ ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَيْطانُ فَأنْساهم ذِكْرَ اللهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَيْطانُ ألا إنَّ حِزْبُ الشَيْطانُ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ يُحادُّونَ اللهَ ورَسُولَهُ أُولَئِكَ في الأذَلِّينَ﴾ ﴿كَتَبَ اللهُ لأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي إنَّ اللهُ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾

رُوِيَ أنَّ المُنافِقِينَ فَخَرُوا بِكَثْرَةِ أمْوالِهِمْ وأولادِهِمْ وأظْهَرُوا السُرُورَ بِذَلِكَ فَنَزَلَتِ الآيَةُ مُعْلِمَةً أنَّ ذَلِكَ لا غَناءَ لَهُ عنهم ولا مَدْفَعَ بِسَبَبِهِ، والعامِلُ في قَوْلِهِ تَعالى: "يَوْمَ" "أصْحابُ" عَلى تَقْدِيرِ فِعْلٍ.

وأخْبَرَ اللهُ تَعالى عنهم في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهم سَتَكُونُ لَهم أيْمانٌ يَوْمَ القِيامَةِ وبَيْنَ يَدَيِ اللهِ يُخَيَّلُ إلَيْهِمْ بِجَهْلِهِمْ أنَّها تَنْفَعُهم وتُقْبَلُ مِنهُمْ، وهَذا هو حِسابُهم أنَّهم عَلى شَيْءٍ، أيْ: عَلى فِعْلٍ أيْ: شَيْءٍ نافِعٍ لَهُمْ، وقالابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما -فِي كِتابِ الثَعْلَبِيِّ -: (p-٢٥٧)قالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "يُنادِي مُنادٍ يَوْمَ القِيامَةِ: أيْنَ خُصَماءُ اللهِ؟ فَتَأْتِي القَدَرِيَّةُ مُسَوَّدَةٌ وُجُوهُهم مُزْرَقَّةٌ أعْيُنُهُمْ، فَيَقُولُونَ: ما عَبَدْنا شَمْسًا ولا قَمَرًا ولا صَنَمًا ولا اتَّخَذْنا مِن دُونِكَ إلَهًا"، قالابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: صَدَقُوا واللهِ ولَكِنْ أتاهُمُ الإشْراكُ مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ.»

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَيْطانُ﴾ مَعْناهُ: تَمَلَّكَهم مِن كُلِّ جِهَةٍ وغَلَبَ عَلى نُفُوسِهِمْ، وهَذا الفِعْلُ مِمّا اسْتُعْمِلَ عَلى الأصْلِ، فَإنَّ قِياسَ التَعْلِيلِ يَقْتَضِي أنْ يُقالَ: اسْتَحاذَ، وحَكى الفَرّاءُ في كِتابِ "اللُغاتِ" أنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ قَرَأ: "اسْتَحاذَ".

و"يُحادُّونَ" مَعْناهُ: يُعْطُونَ الحَدَّ مِنَ الأفْعالِ والأقْوالِ، وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ المَعانِي: مَعْناهُ: يَكُونُونَ في حَدٍّ غَيْرِ الحَدِّ الَّذِي شَرَعَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى، ثُمَّ قَضى اللهُ تَعالى عَلى مُحادِّهِ بِالذُلِّ، وأخْبَرَ أنَّهُ كَتَبَ فِيما أمْضى مِن قَضائِهِ وقَدَرِهِ في الأزَلِ أنَّهُ يَغْلِبُ هو ورُسُلُهُ كُلَّ مَن حادَّ اللهَ والرُسُلَ. وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ: "وَرُسُلِي" بِفَتْحِ الياءِ، وقَرَأ الباقُونَ بِسُكُونِها، وقالَ الحَسَنُ: ما أمَرَ اللهُ تَعالى قَطُّ رَسُولًا بِالقِتالِ إلّا وغَلَبَهُ، وظَفَرَهُ بِقُوَّتِهِ وعِزَّتِهِ، لا رَبَّ سِواهُ، وقالَ غَيْرُهُ: ومَن لَمْ يُؤْمَرْ بِقِتالٍ فَهو غالِبٌ بِالحُجَّةِ.

58:22Page 545

لَّا تَجِدُ قَوۡمٗا يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ يُوَآدُّونَ مَنۡ حَآدَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَوۡ كَانُوٓاْ ءَابَآءَهُمۡ أَوۡ أَبۡنَآءَهُمۡ أَوۡ إِخۡوَٰنَهُمۡ أَوۡ عَشِيرَتَهُمۡۚ أُوْلَٰٓئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلۡإِيمَٰنَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٖ مِّنۡهُۖ وَيُدۡخِلُهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ رَضِيَ ٱللَّهُ عَنۡهُمۡ وَرَضُواْ عَنۡهُۚ أُوْلَٰٓئِكَ حِزۡبُ ٱللَّهِۚ أَلَآ إِنَّ حِزۡبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ٢٢

You will not find a people who believe in Allāh and the Last Day having affection for those who oppose Allāh and His Messenger, even if they were their fathers or their sons or their brothers or their kindred. Those - He has decreed within their hearts faith and supported them with spirit1 from Him. And We will admit them to gardens beneath which rivers flow, wherein they abide eternally. Allāh is pleased with them, and they are pleased with Him - those are the party of Allāh. Unquestionably, the party of Allāh - they are the successful.

قوله عزّ وجلّ:

﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ يُوادُّونَ مَن حادَّ اللهَ ورَسُولَهُ ولَوْ كانُوا آباءَهم أو أبْناءَهم أو إخْوانَهم أو عَشِيرَتَهم أُولَئِكَ كَتَبَ في قُلُوبِهِمُ الإيمانَ وأيَّدَهم بِرُوحٍ مِنهُ ويُدْخِلُهم جَنّاتٍ تَجْرِي مَن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها رَضِيَ اللهَ عنهم ورَضُوا عنهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللهَ ألا إنَّ حِزْبُ اللهَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾

نَفَتْ هَذِهِ الآيَةُ أنْ يُوجَدَ مَن يُؤْمِنُ بِاللهِ تَعالى حَقَّ الإيمانِ ويَلْتَزِمُ شُعَبَهُ عَلى الكَمالِ يُوادِّ كافِرًا أو مُنافِقًا، ومَعْنى "يُوادِّ" يَكُونُ بَيْنَهُما مِنَ اللُطْفِ بِحَيْثُ يَوَدُّ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما صاحِبَهُ، وعَلى هَذا التَأْوِيلِ قالَ بَعْضُ الصَحابَةِ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ: اللهُمَّ لا تَجْعَلْ لِمُشْرِكٍ قَبْلِي يَدًا فَتَكُونُ سَبَبًا لِلْمَوَدَّةِ، فَإنَّكَ تَقُولُ: وتَلا هَذِهِ الآيَةَ. وتَحْتَمِلُ الآيَةُ أنْ يُرِيدَ بِها: لا يُوجَدُ مَن يُؤْمِنُ بِاللهِ والبَعْثِ يُوادُّ مَن حادَّ اللهَ مِن حَيْثُ هو مُحادٌّ؛ لِأنَّهُ حِينَئِذٍ يَوَدُّ المُحادَّةَ، وذَلِكَ يُوجِبُ أنْ لا يَكُونُ مُؤْمِنًا.

ويُرْوى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في شَأْنِ حاطِبِ بْنِ أبِي بَلْتَعَةَ ومُخاطَبَتِهِ أهْلَ مَكَّةَ، (p-٢٥٨)وَظاهِرُ هَذِهِ الآياتِ أنَّها مُتَّصِلَةُ المَعْنى، وأنَّ هَذا في مَعْنى الذَمِّ لِلْمُنافِقِينَ المُوالِينَ لِلْيَهُودِ، وإذا قُلْنا إنَّها في أمْرٍ حاطِبٍ جاءَ ذَلِكَ أجْنَبِيًّا في أمْرِ المُنافِقِينَ، وإنْ كانَ شَبِيهًا بِهِ، و"الإخْوانُ" هُنا إخْوَةُ النَسَبِ بِدَلِيلِ اقْتِرانِهِ بِالآباءِ، وعُرِفَ "الإخْوانُ" أنَّهُ في الأوِدّاءِ، كَما عُرِفَ "الإخْوَةُ" أنَّهُ في النَسَبِ، وقَدْ يَكُونُ مُسْتَعْمَلًا في إخاءِ الوِدِّ. و﴿كَتَبَ في قُلُوبِهِمُ الإيمانَ﴾ مَعْناهُ: أثْبَتَهُ وخَلَقَهُ بِالإيجادِ، وذَهَبَ أبُو عَلَيٍّ الفارِسِيُّ وغَيْرُهُ مِنَ المُعْتَزِلَةِ إلى أنَّ المَعْنى: جَعَلَ في قُلُوبِهِمْ عَلاماتٍ تعْرِفُ المَلائِكَةُ بِها أنَّهم مُؤْمِنُونَ، وذَلِكَ لِأنَّهم يَرَوْنَ العَبْدَ يَخْلُقُ إيمانَهُ، وقَدْ صَرَّحَ النَقّاشُ بِهَذا المَذْهَبِ، وما أراهُ إلّا قالَهُ غَيْرُ مُحَصَّلٍ لِما قالَ، وأمّا أبُو عَلِيِّ الفارِسِيُّ فَعن بَصَرٍ بِهِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "كَتَبَ" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ، "والإيمانَ" بِالنَصْبِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ، وعاصِمٌ -فِي رِوايَةِ المُفَضَّلِ عنهُ-: "كَتَبَ" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، "والإيمانُ" بِالرَفْعِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "أُولَئِكَ" إشارَةٌ إلى المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ تَقْتَضِيهِمْ مَعْنى الآيَةِ؛ لِأنَّ المَعْنى: لَكِنَّكَ تَجِدُهم لا يُوادُّونَ مَن حادَّ اللهَ، وقَوْلُهُ تَعالى: "بِرُوحٍ مِنهُ" بِهُدًى ولُطْفٍ ونُورٍ وتَوْفِيقٍ إلَهِيٍّ يَنْقَدِحُ مِنَ القُرْآنِ ومِن كَلامِ النَبِيِّ ﷺ، وقِيلَ: المَعْنى: بِالقُرْآنِ، لِأنَّهُ رُوحٌ، قِيلَ: المَعْنى: بِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلام.

و"الحِزْبُ": الفَرِيقُ الَّذِي يَجْمَعُهُ مَذْهَبٌ واحِدٌ، و"المُفْلِحُ": الفائِزُ بِبُغْيَتِهِ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.

كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ [المُجادَلَةِ] والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском