Ibn 'Atiyya · Tafsir · in Arabic
Ash-Shuraa 42:17–33
42:17–20Page 485
ٱللَّهُ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ وَٱلۡمِيزَانَۗ وَمَا يُدۡرِيكَ لَعَلَّ ٱلسَّاعَةَ قَرِيبٞ ١٧
It is Allāh who has sent down the Book in truth and [also] the balance [i.e., justice]. And what will make you perceive? Perhaps the Hour is near.
يَسۡتَعۡجِلُ بِهَا ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِهَاۖ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مُشۡفِقُونَ مِنۡهَا وَيَعۡلَمُونَ أَنَّهَا ٱلۡحَقُّۗ أَلَآ إِنَّ ٱلَّذِينَ يُمَارُونَ فِي ٱلسَّاعَةِ لَفِي ضَلَٰلِۭ بَعِيدٍ ١٨
Those who do not believe in it are impatient for it,1 but those who believe are fearful of it and know that it is the truth. Unquestionably, those who dispute concerning the Hour are in extreme error.
ٱللَّهُ لَطِيفُۢ بِعِبَادِهِۦ يَرۡزُقُ مَن يَشَآءُۖ وَهُوَ ٱلۡقَوِيُّ ٱلۡعَزِيزُ ١٩
Allāh is Subtle1 with His servants; He gives provision to whom He wills. And He is the Powerful, the Exalted in Might.
مَن كَانَ يُرِيدُ حَرۡثَ ٱلۡأٓخِرَةِ نَزِدۡ لَهُۥ فِي حَرۡثِهِۦۖ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرۡثَ ٱلدُّنۡيَا نُؤۡتِهِۦ مِنۡهَا وَمَا لَهُۥ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ ٢٠
Whoever desires the harvest of the Hereafter - We increase for him in his harvest [i.e., reward]. And whoever desires the harvest [i.e., benefits] of this world - We give him thereof, but there is not for him in the Hereafter any share.
قوله عزّ وجلّ:
﴿اللهُ الَّذِي أنْزَلَ الكِتابَ بِالحَقِّ والمِيزانَ وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ الساعَةَ قَرِيبٌ﴾ ﴿يَسْتَعْجِلُ بِها الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها والَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنها ويَعْلَمُونَ أنَّها الحَقُّ ألا إنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ في الساعَةِ لَفي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ ﴿اللهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ وهو القَوِيُّ العَزِيزُ﴾ ﴿مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ ومَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُنْيا نُؤْتِهِ مِنها وما لَهُ في الآخِرَةِ مَن نَصِيبٍ﴾
لَمّا أنْهى اللهُ تَعالى القَوْلَ عَلى الَّذِينَ يُحاجُّونَ في تَوْحِيدِ اللهِ ويَرُومُونَ إخْفاءَ نُورِهِ، صَدَعَ في هَذِهِ الآيَةِ بِصِفَتِهِ تَعالى مِن إنْزالِ الكِتابِ الهادِي لِلنّاسِ، و"الكِتابُ" هُنا اسْمُ جِنْسٍ يَعُمُّ جَمِيعَ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "بِالحَقِّ"﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: بِأنْ كانَ ذَلِكَ حَقًّا واجِبًا لِلْمَصْلَحَةِ والهُدى، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: مُضَمَّنًا الحَقُّ، أيْ: بِالحَقِّ في أحْكامِهِ وأوامِرِهِ ونَواهِيهِ، و"المِيزانُ" هُنا: العَدْلُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والناسُ، وحَكى الثَعْلَبِيُّ عن مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: هو هُنا المِيزانُ الَّذِي بِأيْدِي الناسِ.
(p-٥٠٩)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ولا شَكَّ أنَّهُ داخِلٌ في العَدْلِ وجُزْءٍ مِنهُ، وكُلِّ شَيْءٍ مِنَ الأُمُورِ، فالعَدْلُ فِيهِ إنَّما هو بِتَقْدِيرٍ ووَزْنٍ مُسْتَقِيمٍ، فَيَحْتاجُ في الأجْرامِ إلى آلَةٍ، وهي العَمُودُ والكَفَّتانِ الَّتِي بِأيْدِي البَشَرِ، ويَحْتاجُ في المَعانِي إلى هَيْئاتٍ في النُفُوسِ وفُهُومٍ تُوازِنُ بَيْنَ الأشْياءِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ الساعَةَ قَرِيبٌ﴾ وعِيدٌ لِلْمُشْرِكِينَ، أيْ: فانْظُرْ في أيِّ غَرَرٍ هُمْ، وجاءَ لَفْظُ "قَرِيبٌ" مُذَكِّرًا مِن حَيْثُ تَأْنِيثُ الساعَةِ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ، وإذْ هي بِمَعْنى الوَقْتِ، ثُمَّ وصَفَ تَعالى حالَةَ الجَهَلَةِ الكاذِبِينَ بِها، فَهم لِذَلِكَ يَسْتَعْجِلُونَ بِها، أيْ: يَطْلُبُونَ تَعْجِيلَها لِيُبَيِّنَ العَجْزَ مِمَّنْ يُحَقِّقُها، فالمُصَدِّقُ بِها مُشْفِقٌ خائِفٌ، والمُكَذِّبُ مُسْتَعْجِلٌ مُقِيمٌ لِحُجَّتِهِ عَلى تَكْذِيبِهِ بِذَلِكَ المُسْتَعْجَلِ بِهِ. ثُمَّ اسْتَفْتَحَ تَعالى الإخْبارَ عَنِ المُمارِينَ في الساعَةِ في أنَّهم في ضَلالٍ قَدْ بَعُدَ بِهِمْ، فَرُجُوعُهم عنهُ صَعْبٌ مُتَعَذِّرٌ، وفي هَذا الِاسْتِفْتاحِ مُبالَغَةٌ وتَأْكِيدٌ وتَهْيِئَةٌ لِنَفْسِ السامِعِ.
ثُمَّ رَجّى تَبارَكَ وتَعالى عِبادَهُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿اللهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ﴾، و"لَطِيفٌ" هُنا بِمَعْنى: رَفِيقٌ مُتَحَفٍّ، والعِبادُ هُنا: المُؤْمِنُونَ ومَن سَبَقَ لَهُ الخُلُودُ في الجَنَّةِ، وذَلِكَ أنَّ الأعْمالَ بِخَواتِمِها، ولا لُطْفَ إلّا ما آلَ إلى الرَحْمَةِ، وأمّا الإنْعامُ عَلى الكافِرِينَ في الدُنْيا فَلَيْسَ بِلُطْفٍ بِهِمْ، بَلْ هو إمْلاءٌ واسْتِدْراجٌ، وقالَ الجُنَيْدُ: لَطَفَ بِأولِيائِهِ حَتّى عَرِفُوهُ، ولَوْ لَطَفَ بِالكُفّارِ لَما جَحَدُوهُ، وقِيلَ: لَطِيفٌ بِأنْ نَشَرَ عنهُمُ المَناقِبَ، وسَتَرَ عَلَيْهِمُ المَثالِبَ، وقِيلَ: هو الَّذِي لا يُخافُ إلّا عَدْلُهُ، ولا يُرْجى إلّا فَضْلُهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ﴾ مَعْناهُ: إرادَةُ مُسْتَعِدٍّ عامِلٍ عارِفٍ لا إرادَةَ مُتَمَنٍّ لَمْ يُدِنْ نَفْسَهُ، و"الحَرْثُ" هُنا عِبارَةٌ عَنِ السَعْيِ والتَكَسُّبِ والإعْدادِ، ولَمّا كانَ حَرْثُ الأرْضِ أصْلًا مِن أُصُولِ المَكاسِبِ اسْتُعِيرَ لِكُلِّ تَكَسُّبٍ، ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ رِضى اللهُ عنهُما: "احْرُثْ لِدُنْياكَ كَأنَّكَ تَعِيشُ أبَدًا، واعْمَلْ لِآخِرَتِكَ كَأنَّكَ تَمُوتُ غَدًا".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ﴾ وعْدٌ مُنْتَجَزٌ. وقَوْلُهُ تَعالى في حَرْثِ الدُنْيا: ﴿نُؤْتِهِ مِنها﴾ مَعْناهُ: ما شِئْنا ولِمَن شِئْنا، فَرُبَّ مُمْتَحِنٍ مُضَيِّقٌ عَلَيْهِ حَرِيصٌ عَلى حَرْثِ الدُنْيا مُرِيدٌ لَهُ (p-٥١٠)لا يُحِسُّ بِغَيْرِهِ، نَعُوذُ بِاللهِ مِن ذَلِكَ، وهَذا الَّذِي لا يَعْقِلُ غَيْرَ الدُنْيا هو الَّذِي نَفى أنْ يَكُونَ لَهُ نَصِيبٌ في الآخِرَةِ. وقَرَأ سَلامٌ: "نُؤْتِهِ" بِرَفْعِ الهاءِ، وهي لُغَةٌ لِأهْلِ الحِجازِ، ومَثْلُهُ قِراءَةُ أهْلِ الحِجازِ: "فَخَسَفْنا بِهِ وبِدارِهِ الأرْضَ" بِرَفْعِ الهاءِ فِيهِما.
42:21–23Page 485
أَمۡ لَهُمۡ شُرَكَٰٓؤُاْ شَرَعُواْ لَهُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا لَمۡ يَأۡذَنۢ بِهِ ٱللَّهُۚ وَلَوۡلَا كَلِمَةُ ٱلۡفَصۡلِ لَقُضِيَ بَيۡنَهُمۡۗ وَإِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ٢١
Or have they partners [i.e., other deities] who have ordained for them a religion to which Allāh has not consented? But if not for the decisive word,1 it would have been concluded between them. And indeed, the wrongdoers will have a painful punishment.
تَرَى ٱلظَّٰلِمِينَ مُشۡفِقِينَ مِمَّا كَسَبُواْ وَهُوَ وَاقِعُۢ بِهِمۡۗ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فِي رَوۡضَاتِ ٱلۡجَنَّاتِۖ لَهُم مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمۡۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَضۡلُ ٱلۡكَبِيرُ ٢٢
You will see the wrongdoers fearful of what they have earned, and it will [certainly] befall them. And those who have believed and done righteous deeds will be in lush regions of the gardens [in Paradise] having whatever they will in the presence of their Lord. That is what is the great bounty.
ذَٰلِكَ ٱلَّذِي يُبَشِّرُ ٱللَّهُ عِبَادَهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِۗ قُل لَّآ أَسۡـَٔلُكُمۡ عَلَيۡهِ أَجۡرًا إِلَّا ٱلۡمَوَدَّةَ فِي ٱلۡقُرۡبَىٰۗ وَمَن يَقۡتَرِفۡ حَسَنَةٗ نَّزِدۡ لَهُۥ فِيهَا حُسۡنًاۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ شَكُورٌ ٢٣
It is that of which Allāh gives good tidings to His servants who believe and do righteous deeds. Say, [O Muḥammad], "I do not ask you for it [i.e., this message] any payment [but] only good will through [i.e., due to] kinship." And whoever commits a good deed - We will increase for him good therein. Indeed, Allāh is Forgiving and Appreciative.1
قوله عزّ وجلّ:
﴿أمْ لَهم شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهم مِنَ الدِينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللهُ ولَوْلا كَلِمَةُ الفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهم وإنَّ الظالِمِينَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿تَرى الظالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا كَسَبُوا وهو واقِعٌ بِهِمْ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ في رَوْضاتِ الجَنّاتِ لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ﴾ ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلا المَوَدَّةَ في القُرْبى ومَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْنًا إنَّ اللهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾
"أمْ" هَذِهِ هي مُنْقَطِعَةٌ لا مُعادِلَةٌ، وهي بِتَقْدِيرِ "بَلْ وألْفِ الِاسْتِفْهامِ"، و"الشُرَكاءُ في هَذِهِ الآيَةِ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِمِ: الشَياطِينُ والمُغْوِينَ مِن أسْلافِهِمْ، ويَكُونُ الضَمِيرُ في "لَهُمْ" لِلْكُفّارِ المُعاصِرِينَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، أيْ: شَرَعَ الشُرَكاءُ لَهم ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللهُ، فالِاشْتِراكُ هُنا هو في الكُفْرِ والغَوايَةِ، ولَيْسَ بِشَرِكَةِ الإشْراكِ بِاللهِ تَعالى، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِـ"الشُرَكاءِ": الأصْنامَ والأوثانَ عَلى مَعْنى: أمْ لَهم أصْنامٌ جَعَلُوها شُرَكاءَ لِلَّهِ في أُلُوهِيَّتِهِ؟ ويَكُونُ الضَمِيرُ في شَرَعُوا" لِهَؤُلاءِ المُعاصِرِينَ مِنَ الكُفّارِ ولِآبائِهِمْ، والضَمِيرُ في "لَهُمْ" لِلْأصْنامِ الشُرَكاءِ، أيْ: شَرَعَ هَؤُلاءِ الكُفّارُ لِأصْنامِهِمْ وأوثانِهِمْ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللهُ تَعالى، و"شَرَعُوا" مَعْناهُ: أثْبَتُوا ونَهَجُوا ورَسَمُوا، و"الدِينُ" هُنا: العَوائِدُ والأحْكامُ والسِيرَةُ، ويَدْخُلُ في ذَلِكَ أيْضًا المُعْتَقَداتُ، لِأنَّهم في جَمِيعِ ذَلِكَ وضَعُوا أوضاعًا، فَأمّا في المُعْتَقَداتِ فَقَوْلُهُمْ: إنَّ الأصْنامَ آلِهَةٌ، وقَوْلُهُمْ: إنَّهم يَعْبُدُونَ الأصْنامَ زُلْفى، وغَيْرَ ذَلِكَ، وأمّا في الأحْكامِ فَكالبَحِيرَةِ والوَصِيلَةِ والحامِي، وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ السَوائِبِ ونَحْوَها، و"الإذْنُ" في هَذِهِ الآيَةِ: الأمْرُ.
و"كَلِمَةُ الفَصْلِ": هي ما سَبَقَ مِن قَضاءِ اللهِ تَعالى بِأنَّهُ يُؤَخِّرُ عِقابَهم إلى الآخِرَةِ، و"القَضاءُ بَيْنَهُمْ": هو عَذابُهم في الدُنْيا ومُجازاتُهم. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "وَإنَّ الظالِمِينَ" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى القَطْعِ والِاسْتِئْنافِ، وقَرَأ مُسْلِمُ بْنُ جَنْدَبِ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وهي في (p-٥١١)مَوْضِعِ رَفْعٍ عَطْفًا عَلى: "كَلِمَةُ"، المَعْنى: وأنَّ الظالِمِينَ لَهم في الآخِرَةِ عَذابٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَرى الظالِمِينَ مُشْفِقِينَ﴾ هي رُؤْيَةُ بَصَرٍ، و"الظالِمِينَ": مَفْعُولٌ، و"مُشْفِقِينَ" حالٌ، ولَيْسَ لَهم في هَذا الإشْفاقِ مَدْحٌ، لِأنَّهم إنَّما أشْفَقُوا حِينَ نَزَلَ بِهِمْ ووَقَعَ، ولَيْسُوا كالمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ هم في الدُنْيا مُشْفِقُونَ مِنَ الساعَةِ كَما تَقَدَّمَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهُوَ واقِعٌ بِهِمْ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، و"الرَوْضاتُ": المَواضِعُ المُؤَنَّقَةُ النَضِرَةُ، وهي مُرْتَفِعَةٌ في الأغْلَبِ مِنَ الِاسْتِعْمالِ، وهي المَمْدُوحَةُ عِنْدَ العَرَبِ وغَيْرِهِمْ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ﴾ [البقرة: ٢٦٥]، ومِن ذَلِكَ تَفْضِيلُهم رَوْضاتُ الحُزْنِ لِجَوْدَةِ هَوائِها، قالَ الطَبَرِيُّ: ولا تَقُولُ العَرَبُ لِمَوْضِعِ الأشْجارِ: رِياضُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللهُ عِبادَهُ﴾ إشارَةٌ إلى قَوْلِهِ تَعالى في الآيَةِ الأُخْرى: ﴿وَبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ بِأنَّ لَهم مِنَ اللهِ فَضْلا كَبِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٧]. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "يُبَشِّرُ"﴾ بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الباءِ وشَدِّ الشِينِ المَكْسُورَةِ، وذَلِكَ عَلى التَعْدِيَةِ والتَضْعِيفِ، وقَرَأ مُجاهِدٌ وحُمَيْدٌ: "يُبْشِرُ" بِضَمِّ الياءِ وسُكُونِ الباءِ وكَسْرِ الشِينِ عَلى التَعْدِيَةِ بِالهَمْزَةِ، قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ يَعْمَرُ وابْنُ أبِي إسْحاقٍ والجَحْدَرِيُّ والأعْمَشُ وطَلْحَةُ: "يَبْشُرُ" بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الشِينِ، ورُوِيَتْ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ، وقالَ الجَحْدَرِيُّ في تَفْسِيرِها: تَرى النَضْرَةَ في الوُجُوهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾، اخْتَلَفَ الناسُ في مَعْناهُ، فَقالَ لَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رِضى اللهُ عنهُما وغَيْرُهُ: هي آيَةٌ مَكِّيَّةٌ نَزَلَتْ في صَدْرِ الإسْلامِ، ومَعْناها: اسْتِكْفافُ شَرِّ الكُفّارِ ودَفْعُ أذاهُمْ، أيْ: ما أسْألُكم عَلى القُرْآنِ والدِينِ والدُعاءِ إلى اللهِ تَعالى إلّا أنْ تَوَدُّونِي لِقَرابَةِ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ، فَتَكُفُّوا عَنِّي أذاكُمْ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ إسْحاقٍ، وقَتادَةُ: ولَمْ يَكُنْ في قُرَيْشٍ بَطْنٌ إلّا ولِرَسُولِ اللهِ ﷺ فِيهِ نَسَبٌ أو صِهْرٌ، فالآيَةُ -عَلى (p-٥١٢)هَذا- هي اسْتِعْطافٌ ما، ودَفْعُ أذى وطَلَبُ سَلامَةٍ مِنهُمْ، وذَلِكَ كُلُّهُ مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَيْفِ، ويُحْتَمِلُ هَذا التَأْوِيلُ أنْ يَكُونَ مَعْنى الكَلامِ اسْتِدْعاءَ نَصْرِهِمْ، أيْ: لا أسْألُكم غَرامَةً ولا شَيْئًا إلّا أنْ تَوَدُّونِي لِقَرابَتِي مِنكم وأنْ تَكُونُوا أولى بِي مِن غَيْرِكم. وقالَ مُجاهِدٌ: إلّا أنْ تَصِلُوا رَحِمِي بِاتِّباعِيِّ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رِضى اللهُ عنهُما أيْضًا ما يَقْتَضِي أنَّها مَدَنِيَّةُ، وسَبَبُها أنَّ قَوْمًا مِن شَبابِ الأنْصارِ فاخَرُوا المُهاجِرِينَ ومالُوا بِالقَوْلِ عَلى قُرَيْشٍ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ عَلى مَعْنى: إلّا أنْ تَوَدُّونِي فَتُراعُونِيِ في قَرابَتِي وتَحْفَظُونَنِي فِيهِمْ، وقالَ بِهَذا المَعْنى في الآيَةِ عَلِيُّ بْنُ الحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُمْ، واسْتَشْهَدَ بِالآيَةِ حِينَ سِيقَ إلى الشامِ أسِيرًا، وهو تَأْوِيلُ ابْنُ جُبَيْرٍ، وعَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، وعَلى هَذا التَأْوِيلِ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رِضى اللهُ عنهُما: «قِيلَ: يا رَسُولَ اللهِ، مَن قَرابَتُكَ الَّذِينَ أُمِرْنا بِمَوَدَّتِهِمْ؟ فَقالَ: "عَلِيُّ وفاطِمَةُ وابْناهُما"،» وقِيلَ: هو ولَدُ عَبْدِ المُطَّلَبِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وقُرَيْشُ كُلُّها عِنْدِي قُرْبى وإنْ كانَتْ تَتَفاضَلُ، وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "مَن ماتَ عَلى حُبِّ آلِ مُحَمَّدٍ ماتَ شَهِيدًا، ومَن ماتَ عَلى بُغْضِهِمْ لَمْ يَشُمَّ رائِحَةَ الجَنَّةِ"،» (p-٥١٣)وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رِضى اللهُ عنهُما أيْضًا في كِتابِ الثَعْلَبِيِّ: سَبَبٌ هَذِهِ الآيَةِ «أنَّ الأنْصارَ جَمَعَتْ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ مالًا وساقَتْهُ إلَيْهِ، فَرَدَّهُ عَلَيْهِمْ ونَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ،» وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رِضى اللهُ عنهُما أيْضًا: مَعْنى الآيَةِ: مِن قُرْبى الطاعَةِ والتَزَلُّفِ إلى اللهِ تَعالى، كَأنَّهُ قالَ: إلّا أنْ تَوَدُّونِي، لِأنِّي أقْرَبَكم مِنَ اللهِ تَعالى، وأُرِيدُ هِدايَتَكم وأدْعُوكم إلَيْها، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: مَعْناهُ: إلّا أنْ تَتَوَدَّدُوا إلى اللهِ تَعالى بِالتَقَرُّبِ إلَيْهِ، وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ القاسِمِ في كِتابِ الطَبَرِيِّ: مَعْنى الآيَةِ: إلّا أنَّ تَتَوَدَّدُوا بَعْضُكم إلى بَعْضٍ وتَصِلُوا قُراباتِكُمْ، فالآيَةُ -عَلى هَذا- أمْرٌ بِصِلَةِ الرَحِمِ.
وذَكَرَ النَقّاشُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُقاتِلٌ، والكَلْبِيُّ، والسَدِّيُّ، أنَّ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ سَبَأٍ: ﴿قُلْ ما سَألْتُكم مِن أجْرٍ فَهو لَكُمْ﴾ [سبإ: ٤٧]، والصَوابُ أنَّها مُحْكَمَةٌ، وعَلى كُلِّ قَوْلٍ فالِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ، و"إلّا" بِمَعْنى "لَكِنْ".
و"يَقْتَرِفْ" مَعْناهُ: يَكْتَسِبُ، ورَجُلٌ قِرْفَةٌ: إذا كانَ مُحْتالًا كَسُوبًا، وقَرَأتْ فَرْقَةٌ: "يَزِدْ" عَلى إسْنادِ الفِعْلِ لِلَّهِ تَعالى، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "نَزِدْ" عَلى نُونِ العَظَمَةِ، وزِيادَةُ الحُسْنِ هو التَضْعِيفُ الَّذِي وعَدَ اللهُ تَعالى بِهِ مُؤْمِنِي عِبادِهِ، قالَهُ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، و"غَفُورٌ" مَعْناهُ: ساتِرُ عُيُوبِ عَبِيدِهِ. و"شَكُورٌ" مَعْناهُ: مُجازٍ عَلى الدَقِيقَةِ مِنَ الخَيْرِ لا يَضِيعُ عِنْدَهُ عَمَلُ العامِلِ.
42:24–27Page 486
أَمۡ يَقُولُونَ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبٗاۖ فَإِن يَشَإِ ٱللَّهُ يَخۡتِمۡ عَلَىٰ قَلۡبِكَۗ وَيَمۡحُ ٱللَّهُ ٱلۡبَٰطِلَ وَيُحِقُّ ٱلۡحَقَّ بِكَلِمَٰتِهِۦٓۚ إِنَّهُۥ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ٢٤
Or do they say, "He has invented about Allāh a lie"? But if Allāh willed, He could seal over your heart.1 And Allāh eliminates falsehood and establishes the truth by His words. Indeed, He is Knowing of that within the breasts.
وَهُوَ ٱلَّذِي يَقۡبَلُ ٱلتَّوۡبَةَ عَنۡ عِبَادِهِۦ وَيَعۡفُواْ عَنِ ٱلسَّيِّـَٔاتِ وَيَعۡلَمُ مَا تَفۡعَلُونَ ٢٥
And it is He who accepts repentance from His servants and pardons misdeeds, and He knows what you do.
وَيَسۡتَجِيبُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضۡلِهِۦۚ وَٱلۡكَٰفِرُونَ لَهُمۡ عَذَابٞ شَدِيدٞ ٢٦
And He answers [the supplication of] those who have believed and done righteous deeds and increases [for] them from His bounty. But the disbelievers will have a severe punishment.
۞ وَلَوۡ بَسَطَ ٱللَّهُ ٱلرِّزۡقَ لِعِبَادِهِۦ لَبَغَوۡاْ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَٰكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٖ مَّا يَشَآءُۚ إِنَّهُۥ بِعِبَادِهِۦ خَبِيرُۢ بَصِيرٞ ٢٧
And if Allāh had extended [excessively] provision for His servants, they would have committed tyranny throughout the earth. But He sends [it] down in an amount which He wills. Indeed He is, of His servants, Aware and Seeing.
قوله عزّ وجلّ:
﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلى اللهِ كَذِبًا فَإنْ يَشَأِ اللهِ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ ويَمْحُ اللهِ الباطِلَ ويُحِقُّ الحَقَّ بِكَلِماتِهِ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُدُورِ﴾ ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَوْبَةَ عن عِبادِهِ ويَعْفُو عن السَيِّئاتِ ويَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ﴾ ﴿وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ والكافِرُونَ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللهُ الرِزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا في الأرْضِ ولَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ إنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾
"أمْ" هَذِهِ أيْضًا مُنْقَطِعَةٌ مُضَمِّنَةٌ إضْرابًا عن كَلامٍ مُتَقَدِّمٍ، وتَقْرِيرًا عَلى هَذِهِ المَقالَةِ (p-٥١٤)مِنهم.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ يَشَأِ اللهُ يَخْتِمْ﴾ مَعْناهُ: في قَوْلِ قَتادَةَ وفِرْقَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ: يُنْسِيكَ القُرْآنُ، والمُرادُ الرَدُّ عَلى مَقالَةِ الكُفّارِ وبَيانِ إبْطالِها، وذَلِكَ كَأنَّهُ يَقُولُ: وكَيْفَ يَصِحُّ أنْ تَكُونَ مُفْتَرِيًا وأنْتَ بِمَرْأى مِنَ اللهِ تَعالى ومَسْمَعٍ، وهو قادِرٌ لَوْ شاءَ عَلى أنْ يَخْتِمَ عَلى قَلْبِكَ، فَلا تَعْقِلُ ولا تَنْطِقُ ولا يَسْتَمِرُّ افْتِراؤُكَ، فَمَقْصَدُ اللَفْظِ هَذا المَعْنى وحُذِفَ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ الظاهِرُ اخْتِصارًا واقْتِصارًا. وقالَ مُجاهِدٌ في كِتابِ الثَعْلَبِيِّ وغَيْرِهِ: المَعْنى: فَإنْ يَشَإ اللهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ بِالصَبْرِ لِأذى الكُفّارِ ويَرْبُطُ عَلَيْهِ بِالجَلَدِ، فَهَذا تَأْوِيلٌ لا يَتَضَمَّنُ الرَدَّ عَلى مَقالَتِهِمْ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَمْحُ اللهُ الباطِلَ﴾ فِعْلُ مُسْتَقْبَلٍ، خَبَرٌ مِنَ اللهِ تَعالى أنْ يَمْحُوَ الباطِلَ ولا بُدَّ، إمّا في الدُنْيا وإمّا في الآخِرَةِ، وهَذا بِحَسَبِ نازِلَةٍ نازِلَةٍ. وكُتِبَتْ "يَمْحُ في المُصْحَفِ بِحاءٍ مُرْسَلَةٍ كَما كَتَبُوا: "وَيَدْعُ الإنْسانُ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا ذَهَبُوا فِيهِ إلى الحَذْفِ والِاخْتِصارِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِكَلِماتِهِ﴾ مَعْناهُ: بِما سَبَقَ في قَدِيمِ عِلْمِهِ وإرادَتِهِ مِن كَوْنِ الأشْياءِ، فالكَلِماتُ: المَعانِي القائِمَةُ القَدِيمَةُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُدُورِ﴾ خَبَرٌ مُضَمَّنُهُ وعِيدٌ.
ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى النِعْمَةَ في تَفَضُّلِهِ بِقَبُولِ التَوْبَةِ عن عِبادِهِ، وقَبُولِ التَوْبَةِ فِيما يَسْتَأْنِفُ العَبْدُ مِن زَمَنِهِ وأعْمالِهِ مَقْطُوعٌ بِهِ بِهَذِهِ الآيَةِ، وأمّا ما سَلَفَ مِن أعْمالِهِ فَيَنْقَسِمُ: فَأمّا التَوْبَةُ مِنَ الكُفْرِ فَماحِيَةٌ كُلَّ ما تَقَدَّمُها مِن مَظالِمِ العِبادِ الفانِيَةِ، وغَيْرَ ذَلِكَ، وأمّا التَوْبَةُ مِنَ المَعاصِي فَلِأهْلِ السُنَّةِ قَوْلانِ: هَلْ تَذْهَبُ المَعاصِي السالِفَةُ لِلْعَبْدِ بَيْنَهُ وبَيْنَ خالِقِهِ سُبْحانَهُ؟ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هي مُذْهَبَةٌ لَها، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو في مَشِيئَةِ اللهِ تَعالى، وأجْمَعُوا عَلى أنَّها لا تُذْهِبُ مَظالِمَ العِبادِ، وحَقِيقَةُ التَوْبَةِ: الإقْلاعُ عَنِ المَعاصِي والإقْبالُ والرُجُوعُ إلى الطاعاتِ، ويُلْزِمُها النَدَمَ عَلى ما فاتَ، والعَزْمَ عَلى مُلازَمَةِ الخَيِّراتِ. وقالَ سِرِّي السَقْطِي: التَوْبَةُ: العَزْمُ عَلى تَرْكِ الذُنُوبِ، والإقْبالُ بِالقَلْبِ إلى عَلّامِ الغُيُوبِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وقالَ يَحْيى بْنُ مُعاذٍ: التائِبُ مِن كَسَرَ شَبابَهُ عَلى رَأْسِهِ، وكَسَرَ الدُنْيا عَلى رَأْسِ الشَيْطانِ، ولَزَمَ الفِطامُ حَتّى أتاهُ الحِمامُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عن (p-٥١٥)عِبادِهِ﴾ بِمَعْنى: مِن عِبادِهِ، وكَأنَّهُ تَعالى قالَ: التَوْبَةُ الصادِرَةُ عن عِبادِهِ، وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ، والأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ، والجَحْدَرِيِّ، وقَتادَةُ: "يَفْعَلُونَ" بِالياءِ عَلى الكِنايَةِ عن غائِبٍ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفَصٌ عن عاصِمٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وعَلْقَمَةُ: "تَفْعَلُونَ" بِالتاءِ عَلى المُخاطَبَةِ، وفي الآيَةِ تَوَعُّدٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "وَيَسْتَجِيبُ"﴾ قالَ الزَجّاجُ وغَيْرُهُ: مَعْناهُ: يُجِيبُ، والعَرَبُ تَقُولُ: أجابَ واسْتَجابَ بِمَعْنى ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ وداعٍ دَعا يا مَن يُجِيبُ النَدى ∗∗∗ فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذاكَ مُجِيبُ
و"الَّذِينَ" -عَلى هَذا القَوْلِ- مَفْعُولٌ بِـ "يَسْتَجِيبُ"، ورُوِيَ هَذا المَعْنى عن مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ رِضى اللهِ عنهُ، ونَحْوَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رِضى اللهُ عنهُما، وقالَتْ فِرْقَةٌ: المَعْنى: ويَسْتَدْعِي الَّذِينَ آمَنُوا الإجابَةَ مِن رَبِّهِمْ بِالأعْمالِ الصالِحَةِ، ودَلَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ﴾ عَلى أنَّ المَعْنى: "فَيُجِيبُهُمْ" وحَمَلَتْ هَذِهِ الفِرْقَةُ "اسْتَجابَ" عَلى المَعْهُودِ مِن بابِ "اسْتَفْعَلَ"، أيْ / طَلَبُ الشَيْءِ. و"الَّذِينَ" -عَلى هَذا القَوْلِ- فاعِلٌ بِـ "يَسْتَجِيبُ". وقالَتْ فِرْقَةٌ: المَعْنى: ويُجِيبُ المُؤْمِنُونَ رَبَّهُمْ، فَــ (p-٥١٦)"الَّذِينَ": فاعِلٌ بِمَعْنى: يُجِيبُونَ دَعْوَةَ شَرْعِهِ ورِسالَتِهِ، والزِيادَةَ مَن فَضْلِهِ هي تَضْعِيفُ الحَسَناتِ، ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "هِيَ قَبُولُ الشَفاعاتِ في المُذْنِبِينَ والرِضْوانِ".»
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللهُ الرِزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا في الأرْضِ﴾، قالَ عَمْرُو بْنُ حُرَيْثٍ وغَيْرُهُ: «إنَّها نَزَلَتْ لِأنَّ قَوْمًا مِن أهْلِ الصِفَةِ طَلَبُوا مِن رَسُولِ اللهِ ﷺ أنْ يُغْنِيَهُمُ اللهُ تَعالى، ويَبْسُطَ لَهُمُ الأرْزاقَ والأمْوالَ،» فَأعْلَمَهم تَعالى أنَّهُ لَوْ جاءَ الرِزْقُ عَلى اخْتِيارِ البَشَرِ واقْتِراحِهِمْ لَكانَ سَبَبَ بَغْيِهِمْ وإفْسادِهِمْ، ولَكِنَّهُ عَزَّ وجَلَّ أعْلَمُ بِالمَصْلَحَةِ في كُلِّ أحَدٍ، ولَهُ بِعَبِيدِهِ خِبْرَةٌ وبَصَرٌ بِأخْلاقِهِمْ ومَصالِحِهِمْ، فَهو يُنْزِلُ لَهم مِنَ الرِزْقِ القَدْرُ الَّذِي بِهِ صَلاحُهُمْ، فَرُبَّ إنْسانٍ لا يَصْلُحْ ولا تَكْتَفِ عادِيَتُهُ إلّا بِالفَقْرِ، وآخَرُ بِالغِنى. ورَوى أنَسُ بْنُ مالِكٍ في هَذا المَعْنى والتَقَسُّمِ حَدِيثًا عَنِ النَبِيِّ ﷺ، ثُمَّ قالَ أنَسُ رِضى اللهُ عنهُ: اللهُمَّ إنِّي مِن عِبادِكَ الَّذِينَ لا يُصْلِحُهم إلّا الغِنى، فَلا تُفْقِرُنِي. وقالَ خَبّابُ بْنُ الأرَتِّ: فِينا نَزَلَتْ لِأنّا نَظَرْنا إلى أحْوالِ بَنِي قُرَيْظَةَ وبَنِي النَضِيرِ وبَنِي قَيْنُقاعٍ فَتَمَنَّيْناها.
42:28–33Page 486
وَهُوَ ٱلَّذِي يُنَزِّلُ ٱلۡغَيۡثَ مِنۢ بَعۡدِ مَا قَنَطُواْ وَيَنشُرُ رَحۡمَتَهُۥۚ وَهُوَ ٱلۡوَلِيُّ ٱلۡحَمِيدُ ٢٨
And it is He who sends down the rain after they had despaired and spreads His mercy. And He is the Protector, the Praiseworthy.
وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦ خَلۡقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِن دَآبَّةٖۚ وَهُوَ عَلَىٰ جَمۡعِهِمۡ إِذَا يَشَآءُ قَدِيرٞ ٢٩
And of His signs is the creation of the heavens and earth and what He has dispersed throughout them of creatures. And He, for gathering them when He wills, is competent.
وَمَآ أَصَٰبَكُم مِّن مُّصِيبَةٖ فَبِمَا كَسَبَتۡ أَيۡدِيكُمۡ وَيَعۡفُواْ عَن كَثِيرٖ ٣٠
And whatever strikes you of disaster - it is for what your hands have earned; but He pardons much.
وَمَآ أَنتُم بِمُعۡجِزِينَ فِي ٱلۡأَرۡضِۖ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِيّٖ وَلَا نَصِيرٖ ٣١
And you will not cause failure [to Allāh]1 upon the earth. And you have not besides Allāh any protector or helper.
وَمِنۡ ءَايَٰتِهِ ٱلۡجَوَارِ فِي ٱلۡبَحۡرِ كَٱلۡأَعۡلَٰمِ ٣٢
And of His signs are the ships in the sea, like mountains.
إِن يَشَأۡ يُسۡكِنِ ٱلرِّيحَ فَيَظۡلَلۡنَ رَوَاكِدَ عَلَىٰ ظَهۡرِهِۦٓۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّكُلِّ صَبَّارٖ شَكُورٍ ٣٣
If He willed, He could still the wind, and they would remain motionless on its surface. Indeed in that are signs for everyone patient and grateful.
(p-٥١٧)قوله عزّ وجلّ:
﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الغَيْثَ مِن بَعْدِ ما قَنَطُوا ويَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وهو الوَلِيُّ الحَمِيدُ﴾ ﴿وَمِن آياتِهِ خَلْقُ السَماواتِ والأرْضِ وما بَثَّ فِيهِما مِن دابَّةٍ وهو عَلى جَمْعِهِمْ إذا يَشاءُ قَدِيرٌ﴾ ﴿وَما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكم ويَعْفُو عن كَثِيرٍ﴾ ﴿وَما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ في الأرْضِ وما لَكم مِن دُونِ اللهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ ﴿وَمِن آياتِهِ الجَوارِ في البَحْرِ كالأعْلامِ﴾ ﴿إنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِيحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ إنْ في ذَلِكَ لآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾
هَذِهِ تَعْدِيدُ نِعْمَةِ اللهِ تَعالى الدالَّةِ عَلى وحْدانِيَّتِهِ، وأنَّهُ الإلَهُ الَّذِي يَسْتَحِقُّ أنْ يُعْبَدَ دُونَ سِواهُ مِنَ الأنْدادِ، وقَرَأ "يُنَزِّلُ" بِالتَثْقِيلِ جُمْهُورُ القُرّاءِ، وقَرَأ "يُنْزِلُ" مُخَفَّفَةً ابْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ، ورُوِيَتْ عن أبِي عَمْرُو، ورَجَّحَها أبُو حاتِمٍ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "قَنَطُوا"﴾ بِفَتْحِ النُونِ، وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ بِكَسْرِ النُونِ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُها وهُما لُغَتانِ: قَنَطَ وقَنِطَ، ورُوِيَ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، قِيلَ لَهُ: أجْدَبَتِ الأرْضُ وقَنِطَ الناسُ، فَقالَ: مُطِرُوا إذًا، بِمَعْنى: أنَّ الفَرَجَ عِنْدَ الشِدَّةِ.
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: أرادَ بِالرَحْمَةِ: المَطَرُ، وعَدَّدَ النِعْمَةَ بِعَيْنِها بِلَفْظَيْنِ الثانِي مِنهُما يُؤَكِّدُ الأوَّلَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: الرَحْمَةُ في هَذا المَوْضِعِ: الشَمْسُ، فَذَلِكَ تَعْدِيدُ نِعْمَةٍ غَيْرَ الأُولى، وذَلِكَ أنَّ المَطَرَ إذا ألَمَّ بَعْدَ القَنَطُ حَسُنَ مَوْقِعُهُ، فَإذا دامَ سَئِمَ، فَتَجِيءُ الشَمْسُ بَعْدَهُ عَظِيمَةَ المَوْقِعِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهُوَ الوَلِيُّ الحَمِيدُ﴾ أيْ: مِن هَذِهِ أفْعالُهُ، فَهو الَّذِي يَنْفَعُ إذا والى، وتُحْمَدُ أفْعالُهُ ونِعَمُهُ، لا كالَّذِي لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ مِن أوثانِكم.
ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى الآيَةَ الكُبْرى، والصَنْعَةَ الدالَّةَ عَلى الصانِعِ، وذَلِكَ خَلْقُهُ السَماواتِ والأرْضِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما بَثَّ فِيهِما مِن دابَّةٍ﴾: يَتَخَرَّجُ عَلى وُجُوهٍ: مِنها أنْ يُرِيدَ أحَدَهُما فَيَذْكُرُ الِاثْنَيْنِ، كَما قالَ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنهُما اللُؤْلُؤُ والمَرْجانُ﴾ [الرحمن: ٢٢]، وذَلِكَ (p-٥١٨)إنَّما يَخْرُجُ مِنَ المِلْحِ وحْدَهُ، ومِنها أنْ يَكُونَ تَعالى قَدْ خَلَقَ السَماواتِ وبَثَّ دَوابَّ لا نَعْلَمُها نَحْنُ، ومِنها أنْ يُرِيدَ الحَيَواناتِ الَّتِي تُوجَدُ في السَحابِ، وقَدْ يَقَعُ أحْيانًا كالضَفادِعِ ونَحْوَها، فَإنَّ السَحابَ داخِلٌ في اسْمِ السَماءِ، وحَكى الطَبَرِيُّ عن مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ في تَفْسِيرِها: ﴿وَما بَثَّ فِيهِما مِن دابَّةٍ﴾ هُمُ الناسُ والمَلائِكَةُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وبِعِيدٌ غَيْرُ جارٍ عَلى عُرْفِ اللُغَةِ أنْ تَقَعَ الدابَّةُ عَلى المَلائِكَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهُوَ عَلى جَمْعِهِمْ﴾ يُرِيدُ: يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ الحَشْرِ مِنَ القُبُورِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ﴾، قَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "فَبِما" بِفاءٍ، وكَذَلِكَ هي في جُلِّ المَصاحِفِ. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ: "بِما" دُوَنَ فاءٍ. وحَكى الزَجّاجُ أنَّ أبا جَعْفَرٍ وغَيْرَهُ مِنَ المَدَنِيِّينَ أثْبَتَ الفاءَ، قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: "أصابَ" مِن قَوْلِهِ تَعالى: "ما أصابَ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ جَزْمٍ، وتَكُونُ "ما" شَرْطِيَّةٌ، وعَلى هَذا لا يَجُوزُ حَذْفُ الفاءِ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، وجَوَّزَ حَذْفُها أبُو الحَسَنِ الأخْفَشُ وبَعْضُ البَغْدادِيِّينَ عَلى أنَّها مُرادَّةٌ في المَعْنى، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: "أصابَ" صِلَةٌ لِـ"ما"، وتَكُونُ "ما" بِمَعْنى "الَّذِي"، وعَلى هَذا يَجُوزُ حَذْفُ الفاءِ وثُبُوتُها، لَكِنَّ مَعْنى الكَلامِ مَعَ ثُبُوتِها بِالتَلازُمِ، أيْ: لَوْلا كَسْبُكم ما أصابَتْكم مُصِيبَةُ، والمُصِيبَةُ إنَّما هي بِسَبَبِ كَسْبِ الأيْدِي، ومَعْنى الكَلامِ مَعَ حَذْفِها يَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَلازُمُ، ويَجُوزُ أنْ يُعَرّى مِنهُ.
وأمّا في هَذِهِ الآيَةِ فالتَلازُمُ مُطْرَدٌ مَعَ الثُبُوتِ والحَذْفِ، وأمّا مَعْنى الآيَةِ فاخْتَلَفَ الناسُ فِيهِ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هي إخْبارٌ مِنَ اللهِ تَعالى، بِأنَّ الرَزايا والمَصائِبِ في الدُنْيا إنَّما هي مُجازاةٌ مِنَ اللهِ تَعالى عَلى ذُنُوبِ المَرْءِ، وتَمْحِيصِ لِخَطاياهُ، وإنَّ اللهَ تَعالى يَعْفُو عن كَثِيرٍ فَلا يُعاقَبُ عَلَيْهِ بِمُصِيبَةٍ، وقالَ النَبِيُّ ﷺ: « "لا يُصِيبُ ابْنُ آدَمَ خَدْشَ عَوْدٍ أو عَثْرَةَ قَدَمٍ ولا اخْتِلاجَ عَرِقَ إلّا بِذَنْبٍ وما يَعْفُو عنهُ أكْثَرُ"»، وقالَ عُمْرانُ بْنُ حَصِينٍ وقَدْ سُئِلَ (p-٥١٩)عن مَرَضِهِ: "إنْ أحَبَّهُ إلَيَّ أحَبَّهُ إلَيَّ اللهُ تَعالى، وهَذا بِما كَسَبَتْ يَدايَ، وعَفْوُ رَبِّي سُبْحانَهُ كَثِيرٌ". وقالَ مُرَّةُ الهَمَذانِيُّ: رَأيْتُ عَلى ظَهْرٍ كَفَّ شَرِيحِ قُرْحَةٍ، فَقُلْتُ ما هَذا؟ فَقالَ: "هَذا بِما كَسَبَتْ يَدِي ويَعْفُوا عن كَثِيرٍ"، وقِيلَ لِأبِي سُلَيْمانَ الدارانِيِّ: ما بالُ الفُضَلاءِ لا يَلُومُونَ مَن أساءَ إلَيْهِمْ؟ فَقالَ: لِأنَّهم يَعْلَمُونَ أنَّ اللهَ تَعالى هو الَّذِي ابْتَلاهم بِذُنُوبِهِمْ. ورُوِيَ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رِضى اللهُ عنهُ عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "إنَّ اللهَ أكْرَمُ مِن أنْ يُثْنِيَ عَلى عَبْدِهِ العُقُوبَةَ إذا أصابَتْهُ في الدُنْيا بِما كَسَبَتْ يَداهُ"». وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: مَعْنى الآيَةِ في الحُدُودِ: أيْ: ما أصابَكم مِن حَدٍّ مِن حُدُودِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى -وَتِلْكَ مُصِيبَةٌ تَنْزِلُ بِشَخْصِ الإنْسانِ ونَفْسِهِ- فَإنَّما هي بِكَسْبِ أيْدِيكم ويَعْفُوا اللهُ سُبْحانَهُ عن كَثِيرٍ، فَيَسْتُرُهُ عَلى العَبْدِ حَتّى لا يَحِدَّ عَلَيْهِ، ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عن قُصُورِ ابْنِ آدَمَ وضِعْفِهِ، وأنَّهُ في قَبْضَةِ القُدْرَةِ، لا يُعْجِزُ طَلَبُ رَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ، ولا يُمَكِّنُهُ الفِرارُ مِنهُ.
و"الجَوارِي": جَمْعُ جارِيَةٍ، وهي السَفِينَةُ، وقَرَأ: "الجَوارِي" بِالياءِ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وأبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، ومِنهم مَن أثْبَتَها في الوَصْلِ ووَقْفٍ عَلى الراءِ، وقَرَأ أيْضًا عاصِمٌ بِحَذْفِ الياءِ في وصْلٍ ووَقْفٍ، وقالَ أبُو حاتِمٍ: نَحْنُ نُثْبِتُها في كُلِّ حالٍ، و"الأعْلامُ": الجِبالُ، ومِنهُ قَوْلُ الخَنْساءَ:
؎ وإنَّ صَخْرًا لِتَأْتَمُّ الهُداةُ بِهِ ∗∗∗ كَأنَّهُ عَلَمٌ في رَأْسِهِ نارُ
(p-٥٢٠)وَمِنهُ المَثَلُ: "إذا قَطَعْنَ عَلَمًا بَدا عَلَمٌ"، فَجَرْيُ السُفُنِ في الماءِ آيَةٌ عَظِيمَةٌ، وتَسْخِيرُ الرِيحِ لِذَلِكَ نِعْمَةٌ مِنهُ تَعالى، وهو لَوْ شاءَ أنْ يَسْكُنَ الرِيحُ عنها لَرَكَدَتْ، أيْ: أقامَتْ وقَّرَتْ ولَمْ يَتِمْ مِنها غَرَضٌ، وقَرَأ أبُو عَمْرُو، وعاصِمٌ: "الرِيحُ" واحِدَةٌ، وقَرَأ: "الرِياحُ" نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، والحَسَنُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "فَيَظْلَلْنَ"﴾ بِفَتْحِ اللامِ، وقَرَأ قَتادَةُ: "فَيُظْلِلْنَ" بِكَسْرِ اللامِ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ، فِيهِ المَوْعِظَةُ، وتَشْرِيفُ الصَبّارِ الشَكُورِ بِالتَخْصِيصِ، والصَبْرُ والشُكْرُ فِيهِما الخَيْرُ كُلُّهُ، ولا يَكُونانِ إلّا في عالَمٍ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences