Ibn 'AtiyyaAl‑Isra · 17:8–17

Ibn 'Atiyya · Tafsir · in Arabic

Al-Isra 17:8–17

17:8–11Page 283

عَسَىٰ رَبُّكُمۡ أَن يَرۡحَمَكُمۡۚ وَإِنۡ عُدتُّمۡ عُدۡنَاۚ وَجَعَلۡنَا جَهَنَّمَ لِلۡكَٰفِرِينَ حَصِيرًا ٨

[Then Allāh said], "It is expected, [if you repent], that your Lord will have mercy upon you. But if you return [to sin], We will return [to punishment]. And We have made Hell, for the disbelievers, a prison-bed."

إِنَّ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ يَهۡدِي لِلَّتِي هِيَ أَقۡوَمُ وَيُبَشِّرُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعۡمَلُونَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أَنَّ لَهُمۡ أَجۡرٗا كَبِيرٗا ٩

Indeed, this Qur’ān guides to that which is most suitable and gives good tidings to the believers who do righteous deeds that they will have a great reward

وَأَنَّ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ أَعۡتَدۡنَا لَهُمۡ عَذَابًا أَلِيمٗا ١٠

And that those who do not believe in the Hereafter - We have prepared for them a painful punishment.

وَيَدۡعُ ٱلۡإِنسَٰنُ بِٱلشَّرِّ دُعَآءَهُۥ بِٱلۡخَيۡرِۖ وَكَانَ ٱلۡإِنسَٰنُ عَجُولٗا ١١

And man supplicates for evil [when angry] as he supplicates for good, and man is ever hasty.1

قوله عزّ وجلّ:

﴿عَسى رَبُّكم أنْ يَرْحَمَكم وإنْ عُدْتُمْ عُدْنا وجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيرًا﴾ ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هي أقْوَمُ ويُبَشِّرُ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصالِحاتِ أنَّ لَهم أجْرًا كَبِيرًا﴾ ﴿وَأنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ أعْتَدْنا لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾ ﴿وَيَدْعُ الإنْسانُ بِالشَرِّ دُعاءَهُ بِالخَيْرِ وكانَ الإنْسانُ عَجُولا﴾

يَقُولُ اللهُ تَعالى لِبَقِيَّةِ بَنِي إسْرائِيلَ ﴿عَسى رَبُّكُمْ﴾ إنْ أطَعْتُمْ في أنْفُسِكم واسْتَقَمْتُمْ ﴿أنْ يَرْحَمَكُمْ﴾ و"عَسى" تَرَجٍّ في حَقِّهِمْ، وهَذِهِ العِدَةُ لَيْسَتْ بِرُجُوعِ دَوْلَةٍ، وإنَّما هي بِأنْ يَرْحَمَ المُطِيعَ مِنهُمْ، وكانَ مِنَ الطاعَةِ اتِّباعُهم لِعِيسى عَلَيْهِ السَلامُ، ولِمُحَمَّدٍ ﷺ، فَلَمْ يَفْعَلُوا، وعادُوا إلى الكُفْرِ والمَعْصِيَةِ، فَعادَ عِقابُ اللهِ تَعالى، فَضَرَبَ عَلَيْهِمُ الذُلَّ وقَتَلَهُمْ، وأذَلَّهم بِيَدِ كُلِّ أُمَّةٍ، وهُنا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: سَلَّطَ عَلَيْهِمْ ثَلاثَةَ مُلُوكٍ.

و"الحَصِيرُ" فَعِيلٌ مِنَ الحَصْرِ، فَهي بِمَعْنى السَجْنِ، أيْ: تَحْصُرُهُمْ، وبِنَحْوِ هَذا فَسَّرَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ وغَيْرُهُما، ويُقالُ: الحَصِيرُ أيْضًا مِنَ الحَصْرِ لِلْمَلِكِ، ومِنهُ قَوْلُ لَبِيدٍ:

؎ ومَقامَةِ غُلْبِ الرِقابِ كَأنَّهم ∗∗∗ جِنٌّ لَدى بابِ الحَصِيرِ قِيامُ

(p-٤٤٦)وَيُقالُ لِجَنْبَيِ الإنْسانِ: حَصِيرانِ لَأنَّهُما يَحْصُرانِهِ، ومِنهُ قَوْلُ الطِرْماحِ:

؎ قَلِيلًا تَتَلّى حاجَةً ثُمَّ عُولِيَتْ ∗∗∗ ∗∗∗ عَلى كُلِّ مَعْرُوشِ الحَصِيرَيْنِ بادِنِ

وقالَ الحَسَنُ: "الحَصِيرُ" في الآيَةِ أرادَ بِهِ ما يُفْتَرَشُ ويَبْسُطُ كالحَصِيرِ المَعْرُوفِ عندَ الناسِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وذَلِكَ الحَصِيرُ مَأْخُوذٌ مِنَ الحَصْرِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَهْدِي﴾ الآيَةُ. "يَهْدِي" في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى: يُرْشِدُ، ويَتَوَجَّهُ فِيها أنْ تَكُونَ بِمَعْنى: يَدْعُو، و"الَّتِي" يُرِيدُ بِها الحالَةَ والطَرِيقَةَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: ﴿لِلَّتِي هي أقْوَمُ﴾ هي لا إلَهَ إلّا اللهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

والأوَّلُ أعَمُّ، وكَلِمَةُ الإخْلاصِ وغَيْرَها مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ داخِلَةٌ في الحالِ الَّتِي هي أقْوَمُ مِن كُلِّ حالٍ تُجْعَلُ بِإزائِها، والِاخْتِصارُ عَلى "أقْوَمُ" ولَمْ يَذْكُرْ: "مِن كَذا" إيجازٌ، والمَعْنى مَفْهُومٌ، أيْ: لِلَّتِي هي أقْوَمُ مِن كُلِّ ما غايَرَها، فَهي النِهايَةُ في القِوامِ، وقَيَّدَ المُؤْمِنِينَ بِعَمَلِ الصالِحاتِ إذْ هو كَمالُ الإيمانِ وإنْ لَمْ يَكُنْ في نَفْسِهِ، والمُؤْمِنُ المُفْرِدُ في العَمَلِ لَهُ بِإيمانِهِ حَظٌّ في عَمَلِ الصالِحاتِ، و"الأجْرُ الكَبِيرُ": الجَنَّةُ، وكَذَلِكَ حَيْثُ وقَعَ في كِتابِ اللهِ تَعالى: "فَضْلٌ كَبِيرٌ وأجْرٌ كَبِيرٌ" فَهو الجَنَّةُ.

(p-٤٤٧)وَقَوْلُهُ تَعالى: "أنَّ" الأُولى في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ "يُبَشِّرُ"، و"إنَّ" الثانِيَةَ عَطْفٌ عَلى الأُولى، وهي داخِلَةٌ في جُمْلَةِ بِشارَةِ المُؤْمِنِينَ. بَشَّرَهُمُ القُرْآنُ بِالجَنَّةِ، وأنَّ الكَفّارَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ، وذَلِكَ أنَّ عِلْمَ المُؤْمِنِينَ بِهَذا مَسَرَّةٌ لَهُمْ، وفي هَذِهِ البِشارَةِ وعِيدٌ لِلْكُفّارِ بِالمَعْنى، وهَذا الَّذِي تَقْتَضِيهِ ألْفاظُ الآيَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَيُبَشِّرُ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الباءِ وكَسْرِ الشِينِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، وطُلْحَةُ: "وَيُبَشِّرُ" بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ الباءِ وضَمِّ الشِينِ. و"أعْتَدْنا" مَعْناهُ: أحْضَرْنا وأعْدَدْنا، ومِنهُ العَتادُ. و"الألِيمُ": المُوجِعُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَدْعُ الإنْسانُ بِالشَرِّ دُعاءَهُ بِالخَيْرِ﴾. سَقَطَتِ الواوُ مَن "يَدْعُ" في خَطِّ المُصْحَفِ لَأنَّهم كَتَبُوا المَسْمُوعَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ: هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ ذامَّةً لِما يَفْعَلُهُ الناسُ مِنَ الدُعاءِ عَلى أمْوالِهِمْ وأولادِهِمْ في وقْتِ الغَضَبِ والضَجَرِ، فَأخْبَرَ اللهُ أنَّهم يَدْعُونَ بِالشَرِّ في ذَلِكَ الوَقْتِ كَما يَدْعُونَ بِالخَيْرِ في وقْتِ التَثَبُّتِ، فَلَوْ أجابَ اللهُ دُعاءَهم أهْلَكَهُمْ، ولَكِنَّ اللهَ تَعالى يَصْفَحُ ولا يُجِيبُ دُعاءَ الضَجِرِ المُسْتَعْجِلِ. ثُمَّ عَذَرَ بَعْضَ العُذْرِ في أنَّ الإنْسانَ لَهُ عَجَلَةٌ فِطْرِيَّةٌ، و"الإنْسانُ" هُنا، قِيلَ: يُرادُ بِهِ الجِنْسُ بِحَسْبِ ما في الخْلْقِ مِن ذَلِكَ. قالَهُ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ. وقالَ سَلْمانُ الفارِسِيُّ، وابْنُ عَبّاسٍ: إشارَتُهُ إلى آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ في أنَّهُ لَمّا نَفَخَ الرُوحَ في رَأْسِهِ عَطَسَ وأبْصَرَ، فَلَمّا مَشى الرُوحُ في بَدَنِهِ قَبْلَ ساقَيْهِ أعْجَبَتْهُ نَفْسُهُ فَذَهَبَ يَمْشِي مُسْتَعْجِلًا لِذَلِكَ فَلَمْ يَقْدِرْ، فَأشارَتْ ألْفاظُ هَذِهِ الآيَةِ إلى ذَلِكَ. والمَعْنى: فَأنْتُمْ ذَوُو عَجَلَةٍ مَوْرُوثَةٍ مِن أبِيكُمْ، ويُرْوى «أنَّ النَبِيَّ ﷺ جَعَلَ أسِيرًا في قَيْدٍ في بَيْتِ سَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ، فَسَمِعَتْ سَوْدَةُ أنِينَهُ فَأشْفَقَتْ، فَقالَتْ لَهُ: ما بالُكَ؟ فَقالَ: ألَمُ القَيْدِ، فَقامَتْ فَأرْخَتْ مِن رَبْطِهِ فَسَكَتَ، ثُمَّ نامَتْ، فَتَحَيَّلَ في الِانْحِلالِ وفَّرَ، فَطَلَبَهُ النَبِيُّ ﷺ عِنْدَ الصُبْحِ فَأُخْبِرَ الخَبَرَ، فَقالَ: "قَطَعَ اللهُ يَدَيْها"، فَفَزِعَتْ سَوْدَةُ ورَفَعَتْ يَدَيْها نَحْوَ السَماءِ وهي تَخافُ الإجابَةَ، فَقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: "إنَّ اللهَ قَدْ جَعَلَ دُعائِي في مِثْلِ هَذا رَحْمَةً عَلى المَدْعُوِّ لَهُ؛ لَأنِّي بَشَرٌ أغْضَبُ وأعَجَلُ، فَلْتَرُدَّ سَوْدَةُ يَدَيْها".»

(p-٤٤٨)وَقالَتْ فِرْقَةٌ: هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ في شَأْنِ قُرَيْشٍ، قالُوا: ﴿اللهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِن السَماءِ﴾ [الأنفال: ٣٢] الآيَةُ، وكانَ الأُولى أنْ يَقُولُوا: "فاهْدِنا إلَيْهِ وارْحَمْنا بِهِ"، فَذَمَّهُمُ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ مُعاتَبَةُ الناسِ عَلى أنَّهم إذا نالَهم شَرٌّ وضُرٌّ دَعَوا ولَجُّوا في الدُعاءِ الَّذِي كانَ يَجِبُ أنْ يَدْعُوَهُ في حالَةِ الخَيْرِ ويَلْزَمَهُ الكُلُّ، مِن ذِكْرِ اللهِ تَعالى وحَمْدِهِ والرَغْبَةِ إلَيْهِ، لَكِنَّ الإنْسانَ يُقَصِّرُ حِينَئِذٍ، فَإذا مَسَّهُ الضُرُّ ألَحَّ واسْتَعْجَلَ الفَرَجَ، فالآيَةُ -عَلى هَذا- نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذا مَسَّ الإنْسانَ الضُرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أو قاعِدًا أو قائِمًا فَلَمّا كَشَفْنا عنهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأنْ لَمْ يَدْعُنا إلى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾ [يونس: ١٢].

17:12–14Page 283

وَجَعَلۡنَا ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ ءَايَتَيۡنِۖ فَمَحَوۡنَآ ءَايَةَ ٱلَّيۡلِ وَجَعَلۡنَآ ءَايَةَ ٱلنَّهَارِ مُبۡصِرَةٗ لِّتَبۡتَغُواْ فَضۡلٗا مِّن رَّبِّكُمۡ وَلِتَعۡلَمُواْ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلۡحِسَابَۚ وَكُلَّ شَيۡءٖ فَصَّلۡنَٰهُ تَفۡصِيلٗا ١٢

And We have made the night and day two signs, and We erased the sign of the night and made the sign of the day visible1 that you may seek bounty from your Lord and may know the number of years and the account [of time]. And everything We have set out in detail.

وَكُلَّ إِنسَٰنٍ أَلۡزَمۡنَٰهُ طَٰٓئِرَهُۥ فِي عُنُقِهِۦۖ وَنُخۡرِجُ لَهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ كِتَٰبٗا يَلۡقَىٰهُ مَنشُورًا ١٣

And [for] every person We have imposed his fate upon his neck,1 and We will produce for him on the Day of Resurrection a record which he will encounter spread open.

ٱقۡرَأۡ كِتَٰبَكَ كَفَىٰ بِنَفۡسِكَ ٱلۡيَوۡمَ عَلَيۡكَ حَسِيبٗا ١٤

[It will be said], "Read your record. Sufficient is yourself against you this Day as accountant."

قوله عزّ وجلّ:

﴿وَجَعَلْنا اللَيْلَ والنَهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَيْلَ وجَعَلْنا آيَةَ النَهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلا مِن رَبِّكم ولِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِنِينَ والحِسابَ وكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلا﴾ ﴿وَكُلَّ إنْسانٍ ألْزَمْناهُ طائِرَهُ في عُنُقِهِ ونُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ كِتابًا يَلْقاهُ مَنشُورًا﴾ ﴿اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾

"الآيَةُ": العَلامَةُ المَنصُوبَةُ لِلنَّظَرِ والعِبْرَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: "فَمَحَوْنا"، قالَتْ فِيهِ فِرْقَةٌ: سَبَبُ تَعْقِيبِ الفاءِ أنَّ اللهَ تَعالى خَلَقَ الشَمْسَ والقَمَرَ مُضِيئَيْنِ، فَمَحا بَعْدَ ذَلِكَ القَمَرَ، مَحاهُ جِبْرِيلُ بِجَناحَيْهِ ثَلاثَ مَرّاتٍ، فَمِن هُنالِكَ كَلَفُهُ وكَوْنُهُ مُنِيرًا فَقَطْ وقالَتْ فِرْقَةٌ -وَهُوَ الظاهِرُ-: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: "فَمَحَوْنا" إنَّما يُرِيدُ: في أصْلِ خِلْقَتِهِ، وهَذا كَما تَقُولُ: "بَنَيْتُ دارِي فَبَدَأتْ بِالأُسِّ ثُمَّ تابَعَتْ"، فَلا تُرِيدُ بِالفاءِ التَعْقِيبَ، وظاهِرُ لَفْظِ الآيَةِ يَقْتَضِي أرْبَعَ آياتٍ، لا سِيَّما لِمَن بَنى عَلى أنَّ القَمَرَ هو المَمْحُوُّ، والشَمْسُ هي المُبْصِرَةُ، فَأمّا إنْ قَدَّرَ المَمْحُوَّ في ظَلامِ اللَيْلِ والإبْصارَ في ضَوْءِ النَهارِ أمْكَنَ أنْ تَتَضَمَّنَ الآيَةُ آيَتَيْنِ فَقَطْ، عَلى أنْ يَكُونَ فِيها طَرَفٌ مِن إضافَةِ الشَيْءِ إلى نَفْسِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: "مُبْصِرَةً" مِثْلَ قَوْلِكَ: "لَيْلٌ نائِمٌ وقائِمٌ"، أيْ: يُنامُ فِيهِ ويُقامُ فِيهِ، وكَذَلِكَ: "آيَةٌ مُبْصِرَةٌ" أيْ: يُبْصِرُ فِيها ومَعَها.

وحَكى الطَبَرِيُّ عن بَعْضِ الكُوفِيِّينَ أنَّهُ قالَ: قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ:

(p-٤٤٩)سَلُوا عَمّا شِئْتُمْ، فَقالَ ابْنُ الكَوّاءِ: ما السَوادُ الَّذِي في القَمَرِ؟ فَقالَ لَهُ عَلَيٌّ: قاتَلَكَ اللهُ، هَلّا سَألَتْ عن أمْرِ دِينِكَ وآخِرَتِكَ؟ ذَلِكَ مَحْوُ اللَيْلِ.

وجَعَلَ اللهُ تَعالى النَهارَ مُبْصِرًا لِيَبْتَغِيَ الناسُ الرِزْقَ وفَضْلَ اللهِ، وجَعَلَ القَمَرُ مُخالِفًا لِحالِ الشَمْسِ لِيُعْلَمَ بِهِ العَدَدَ مِنَ السِنِينَ والحِسابَ لِلْأشْهَرِ والأيّامِ، ومَعْرِفَةُ ذَلِكَ في الشَرْعِ إنَّما هو مِن جِهَةِ القَمَرِ لا مِن جِهَةِ الشَمْسِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: " كُلَ شَيْءٍ " مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الظاهِرُ، تَقْدِيرُهُ: وفَصَّلْنا كُلَّ شَيْءٍ تَفْصِيلًا، وقِيلَ: "وَكُلَّ" عَطْفٌ عَلى "والحِسابَ"، فَهو مَعْمُولُ "لِتَعْلَمُوا"، و"التَفْصِيلُ": البَيانُ بِأنَّ تُذْكَرَ فُصُولُ ما بَيْنَ الأشْياءِ وتُزالُ أسْبابُها حَتّى يَتَمَيَّزَ الصَوابُ مِنَ الشُبْهَةِ العارِضَةِ فِيهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكُلَّ إنْسانٍ ألْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي﴾ الآيَةُ. قَوْلُهُ: "كُلَّ" مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ، وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو رَجاءٍ، وابْنُ مُجاهِدٍ "طَيْرَهُ في عُنُقِهِ". قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "طائِرَهُ": ما قُدِّرَ عَلَيْهِ ولَهُ، وخاطَبَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى العَرَبَ في هَذِهِ الآيَةِ بِما تَعْرِفُ، وذَلِكَ أنَّهُ كانَ مِن عادَتِها التَيَمُّنُ والتَشاؤُمُ بِالطَيْرِ في كَوْنِها سانِحَةً وبارِحَةً، وكَثُرَ ذَلِكَ حَتّى فَعَلَتْهُ بِالظِباءِ وحَيَوانِ الفَلَواتِ، وسَمَّتْ كُلَّ ذَلِكَ تَطَيُّرًا، وكانَتْ تَعْتَقِدُ أنَّ تِلْكَ الطِيرَةَ قاضِيَةٌ بِما يَلْقى الإنْسانُ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ، فَأخْبَرَهُمُ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ في أوجَزِ لَفْظٍ وأبْلَغِ إشارَةٍ أنَّ جَمِيعَ ما يَلْقى الإنْسانُ مِن خَيْرٍ أو شَرٍّ قَدْ سَبَقَ بِهِ القَضاءُ، وأُلْزِمَ حَظُّهُ وعَمَلُهُ وتَكَسُّبُهُ في عُنُقِهِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَكُلَّ إنْسانٍ ألْزَمْناهُ طائِرَهُ في عُنُقِهِ﴾، فَعَبَّرَ عَنِ الحَظِّ والعَمَلِ -إذْ هُما مُتَلازِمانِ- بِالطائِرِ)، قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ، بِحَسَبِ مُعْتَقَدِ العَرَبِ في التَطَيُّرِ، وقَوْلِهِمْ في أُمُورٍ: "عَلى الطائِرِ المَيْمُونِ"، و"بِأسْعَدَ طائِرٍ"، ومِنهُ ما طارَ في المُحاجَّةِ والسَهْمِ، كَقَوْلٍ أمِّ العُلا الأنْصارِيَّةِ: "فَطارَ لَنا مِنَ القادِمِينَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ في الهِجْرَةِ عُثْمانُ بْنُ مَظْعُونٍ "، أيْ: كانَ ذَلِكَ حَظَّنا، (p-٤٥٠)وَأصْلُ هَذا كُلِّهِ مِنَ الطَيْرِ الَّتِي تَقْضِي عِنْدَهم بِلِقاءِ الخَيْرِ والشَرِّ، وأبْطَلَ ذَلِكَ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "لا عَدْوى ولا طِيَرَةَ)".»

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي عُنُقِهِ﴾ جَرى أيْضًا عَلى مَقْطَعِ العَرَبِ في أنْ تَنْسُبَ ما كانَ إلْزامًا، وقِلادَةً، وأمانَةً، ونَحْوَ هَذا -إلى العُنُقِ، كَقَوْلِهِمْ: "دَمِي في عُنُقِ فُلانٍ" وكَقَوْلِ الأعْشى:

؎ قَلَّدَتُكَ الشِعْرَ يا سَلامَةَ ذا الـ ∗∗∗ تَّفْضالِ، والشَيْءُ حَيْثُما جُعِلا

وهَذا كَثِيرٌ، ونَحْوَهُ جَعْلُهم ما كانَ تَكَسُّبًا وجِنايَةً وإثْمًا مَنسُوبًا إلى اليَدِ؛ إذْ هي الأصْلُ في التَكَسُّبِ.

وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، ونافِعٌ، والناسُ: "وَنُخْرِجُ" بِنُونِ العَظَمَةِ "كِتابًا" بِالنَصْبِ، وقَرَأ الحَسَنُ، ومُجاهِدُ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: "يَخْرُجُ" بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الراءِ عَلى الفِعْلِ المُسْتَقْبَلِ "كِتابًا"، أيْ طائِرُهُ الَّذِي كَنّى بِهِ عن عَمَلِهِ يَخْرُجُ لَهُ ذا كِتابٍ. وقَرَأ الحَسَنُ -مِن هَؤُلاءِ: "كِتابٌ" بِالرَفْعِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ أيْضًا: "وَيُخْرَجُ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الراءِ- عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ. "كِتابًا"، أيْ: طائِرُهُ. وقَرَأ أيْضًا: "كِتابٌ"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَيُخْرِجُ" بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الراءِ، أيْ: يُخْرِجُ اللهُ، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "فِي عُنُقِهِ يَقْرَؤُهُ (p-٤٥١)يَوْمَ القِيامَةِ كِتابًا يَلْقاهُ مَنشُورًا". وهَذا الكِتابُ هو عَمَلُ الإنْسانِ وخَطِيئاتُهُ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يَلْقاهُ" بِفَتْحِ الياءِ وسُكُونِ اللامِ وخِفَّةِ القافِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ: "يُلَقّاهُ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ اللامِ وتَشْدِيدِ القافِ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ بِخِلافٍ- وأبِي جَعْفَرِ الجَحْدَرِيِّ.

وقَوْلُهُ: ﴿اقْرَأْ كِتابَكَ﴾ حُذِفَ مِنَ الكَلامِ "يُقالُ لَهُ" اخْتِصارًا لِدَلالَةِ الظاهِرِ عَلَيْهِ. و"الحَسِيبُ": الحاسِبُ، ونَصْبُهُ عَلى التَمْيِيزِ، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ، عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: "يا ابْنَ آدَمَ، بُسِطَتْ لَكَ صَحِيفَةٌ، ووُكِّلَ بِكَ مَلِكانِ كَرِيمانِ، أحَدُهُما عن يَمِينِكِ يَكْتُبُ حَسَناتِكَ، والآخِرُ عن شِمالِكَ يَحْفَظُ سَيِّآتِكَ، فامْلِكْ ما شِئْتْ أو أقْلِلْ أو أكْثِرْ، حَتّى إذا مُتَّ طُوِيَتْ صَحِيفَتُكَ فَجُعِلَتْ في عُنُقِكَ مَعَكَ في قَبْرِكَ، حَتّى تَخْرُجَ يَوْمَ القِيامَةِ كِتابًا تَلْقاهُ مَنشُورًا، اقْرَأْ كِتابَكَ، كَفى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا، قَدْ عَدَلَ واللهِ فِيكَ مَن جَعَلَكَ حَسِيبَ نَفْسِكَ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

فَعَلى هَذِهِ الألْفاظِ الَّتِي ذَكَرَ الحَسَنُ يَكُونُ الطائِرُ ما يَتَحَصَّلُ مَعَ آدَمَ مِن عَمَلِهِ في قَبْرِهِ، فَتَأمَّلْ لَفْظَهُ، وهَذا هو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما. وقالَ قَتادَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اقْرَأْ كِتابَكَ﴾: إنَّهُ سَيَقْرَأُ يَوْمَئِذٍ مَن لَمْ يَكُنْ يَقْرَأُ.

17:15–17Page 283

مَّنِ ٱهۡتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهۡتَدِي لِنَفۡسِهِۦۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيۡهَاۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٞ وِزۡرَ أُخۡرَىٰۗ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبۡعَثَ رَسُولٗا ١٥

Whoever is guided is only guided for [the benefit of] his soul. And whoever errs only errs against it. And no bearer of burdens will bear the burden of another. And never would We punish until We sent a messenger.

وَإِذَآ أَرَدۡنَآ أَن نُّهۡلِكَ قَرۡيَةً أَمَرۡنَا مُتۡرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيۡهَا ٱلۡقَوۡلُ فَدَمَّرۡنَٰهَا تَدۡمِيرٗا ١٦

And when We intend to destroy a city, We command its affluent1 but they defiantly disobey therein; so the word [i.e., deserved decree] comes into effect upon it, and We destroy it with [complete] destruction.

وَكَمۡ أَهۡلَكۡنَا مِنَ ٱلۡقُرُونِ مِنۢ بَعۡدِ نُوحٖۗ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِۦ خَبِيرَۢا بَصِيرٗا ١٧

And how many have We destroyed from the generations after Noah. And sufficient is your Lord, concerning the sins of His servants, as Aware and Seeing.

قوله عزّ وجلّ:

﴿مَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ومَن ضَلَّ فَإنَّما يَضِلُّ عَلَيْها ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولا﴾ ﴿وَإذا أرَدْنا أنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْها القَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيرًا﴾ ﴿وَكَمْ أهْلَكْنا مِنَ القُرُونِ مِنَ بَعْدِ نُوحٍ وكَفى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾

مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ أنَّ كُلَّ أحَدٍ إنَّما يُحاسَبُ عن نَفْسِهِ لا عن غَيْرِهِ، ورُوِيَ أنَّ سَبَبَها أنَّ الوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ المَخْزُومِيِّ قالَ لِأهْلِ مَكَّةَ: اكْفُرُوا بِمُحَمَّدٍ -ﷺ- وإثْمُكم عَلَيَّ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، أيْ: إنَّ الوَلِيدَ لا يَحْمِلُ آثامَكُمْ، وإنَّما إثْمُ كُلِّ (p-٤٥٢)واحِدٍ عَلَيْهِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: نَزَلَتِ الإشارَةُ في الهُدى إلى أبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الأسَدِ، والإشارَةُ بِالضَلالِ إلى الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ.

و"وَزَرَ" مَعْناهُ: حَمَلَ، و"الوِزْرُ": الثِقْلُ، ومِنهُ: وزِيرُ السُلْطانِ، أيِ: الَّذِي يَحْمِلُ ثُقْلَ دَوْلَتِهِ، وبِهَذِهِ الآيَةِ نَزَعَتْ عائِشَةُ أُمُّ المُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنها في الرَدِّ عَلى مَن قالَ: إنَّ المَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكاءِ الحَيِّ عَلَيْهِ، ونُكْتَةُ ذَلِكَ المَعْنى إنَّما هي أنَّ التَعْذِيبَ إنَّما يَقَعُ إذا كانَ البُكاءُ مِن سُنَّةِ المَيِّتِ وتُسَبُّبُهُ، كَما كانَتِ العَرَبُ تَفْعَلُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولا﴾، قالَتْ فِرْقَةٌ هي الجُمْهُورُ: هَذا في حُكْمِ الدُنْيا، أيْ إنَّ اللهَ لا يُهْلِكُ أُمَّةً بِعَذابٍ إلّا مِن بَعْدِ الرِسالَةِ إلَيْهِمْ والإنْذارِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هَذا عامٌ في الدُنْيا والآخِرَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وتَلْخِيصُ هَذا المَعْنى أنَّ مَقْصِدَ الآيَةِ في هَذا المَوْضِعِ الإعْلامُ بِعِبادَةِ اللهِ تَعالى مَعَ الأُمَمِ في الدُنْيا، وبِهَذا يَقْرُبُ الوَعِيدُ مِن كُفّارِ مَكَّةَ. ويُؤَيِّدُ هَذا ما يَجِيءُ بَعْدُ مِن وصْفِهِ ما يَكُونُ عِنْدَ إرادَةِ اللهِ إهْلاكَ قَرْيَةٍ، ومِن إعْلامِهِ بِكَثْرَةٍ ما أهْلَكَ مِنَ القُرُونِ، ومَعَ هَذا فالظاهِرُ مِن كِتابِ اللهِ تَعالى في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، ومِنَ النَظَرِ، أنَّ اللهَ تَعالى لا يُعَذِّبُ (p-٤٥٣)فِي الآخِرَةِ إلّا بَعْدَ بِعْثَةِ الرُسُلِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَألَهم خَزَنَتُها ألَمْ يَأْتِكم نَذِيرٌ﴾ [الملك: ٨] ﴿قالُوا بَلى﴾ [الملك: ٩]، وظاهِرُ "كُلَّما" الحَصْرُ، وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ مِن أُمَّةٍ إلا خَلا فِيها نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤]، وأمّا مِن جِهَةِ النَظَرِ فَإنَّ بِعْثَةَ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ بِالتَوْحِيدِ، وبَعْثِ المُعْتَقِداتِ في بَنِيهِ، ونَصْبِ الأدِلَّةِ الدالَّةِ عَلى الصانِعِ، مَعَ سَلامَةِ البَصَرِ، يُوجِبُ عَلى كُلِّ أحَدٍ مِنَ العالِمِ الإيمانَ واتِّباعَ شَرِيعَةِ اللهِ، ثُمَّ تَجَدَّدَ ذَلِكَ في مُدَّةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَلامُ بَعْدَ غَرَقِ الكُفّارِ، وهَذِهِ الآيَةُ أيْضًا يُعْطِي احْتِمالُ ألْفاظِها نَحْوَ هَذا، ويَجُوزُ مَعَ الفَرْضِ وُجُودُ قَوْمٍ لَمْ تَصِلْهم رِسالَةٌ، ومِنهم أهْلُ الفَتَراتِ الَّذِينَ قَدْ قَدَّرَ وُجُودَهم بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ، وأمّا ما رُوِيَ مِن أنَّ اللهَ تَعالى يَبْعَثُ إلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ وإلى المَجانِينِ والأطْفالِ، فَحَدِيثٌ لَمْ يَصِحُّ، ولا يَقْتَضِيهِ ما تَقْضِيهِ الشَرِيعَةُ مِن أنَّ الآخِرَةَ لَيْسَتْ دارَ تَكْلِيفٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا أرَدْنا أنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً﴾ الآيَةُ. في مُصْحَفِ أُبَيِّ "بَعَثْنا أكابِرَ مُجْرِمِيها"، و"القَرْيَةُ": المَدِينَةُ المُجْتَمِعَةُ، مَأْخُوذٌ مِن: قَرَيْتُ الماءَ في الحَوْضِ، إذا جَمَعْتُهُ، ولَيْسَتْ مَن "قَرَأ" الَّذِي هو مَهْمُوزٌ، وإنْ كانَ فِيهِما جَمِيعًا مَعْنى الجَمْعِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: أمَرْنا" عَلى صِيغَةِ الماضِي، مِن: أمَرَ ضِدَّ نَهى، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ -فِي بَعْضِ ما رُوِيَ عنهُما-: "آمَرْنا" بِمَدِّ الهَمْزَةِ، بِمَعْنى: كَثَّرْنا، ورُوِيتُ عَنِ الحَسَنِ، وهي قِراءَةُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، وابْنِ عَبّاسٍ بِخِلافٍ عنهُ-، وعَنِ الأعْرَجِ، وقَرَأ بِها ابْنُ أبِي إسْحاقٍ، وتَقُولُ العَرَبُ: "أمِرَ القَوْمُ" إذا كَثُرُوا، وآمَرَهُمُ اللهُ تَعالى فَيَتَعَدّى بِالهَمْزَةِ. وقَرَأ أبُو عَمْرُو بِخِلافٍ-: "أمَّرْنا" بِتَشْدِيدِ المِيمِ، وهي قِراءَةُ أبِي عُثْمانَ النَهْدِيِّ، وأبِي العالِيَةِ، وابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، ورُوِيَتْ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ.

وقالَ الطَبَرِيُّ: القِراءَةُ الأُولى مَعْناها: أمَرْناهم بِالطاعَةِ فَعَصَوْا وفَسَقُوا فِيها، وهو قَوْلُ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والثانِيَةُ مَعْناها: كَثَّرْناهُمْ، والثالِثَةُ هي مِنَ الإمارَةِ، أيْ: مَلَّكْناهم عَلى الناسِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: "الجَيِّدُ في "أمَرْنا" أنْ تَكُونَ بِمَعْنى: كَثَّرْنا، يَتَعَدّى الفِعْلُ (p-٤٥٤)بِلَفْظٍ غَيْرِ مُتَعَدٍّ، كَما تَقُولُ: رَجَعَ ورَجَعْتُهُ، وشَتِرَتْ عَيْنُهُ وشَتَرْتُها، فَتَقُولُ: أمَرَ القَوْمُ وأمَّرَهُمُ اللهُ، أيْ كَثَّرَهُمْ، و"آمَرْنا" مُبالَغَةٌ في "أمْرَنا" بِالهَمْزَةِ، و"أمَّرْنا" مُبالَغَةٌ فِيهِ بِالتَضْعِيفِ، ولا وجْهَ لِكَوْنِ "أمَّرْنا" مِنَ الإمارَةِ؛ لِأنَّ رِياسَتَهم لا تَكُونُ إلّا واحِدًا بَعْدَ واحِدٍ، والإهْلاكُ إنَّما يَكُونُ في مُدَّةِ واحِدٍ مِنهم.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

ويَنْفَصِلُ عن هَذا الَّذِي قالَهُ أبُو عَلِيٍّ بِأنَّ الأمْرَ وإنْ كانَ يَعُمُّ المُتْرَفَ وغَيْرَهَ، فَخَصَّ المُتْرَفَ بِالذِكْرِ إذْ فِسْقُهُ هو المُؤَثِّرُ في فَسادِ القَرْيَةِ وهم عُظْمُ الضَلالَةِ وسِواهم تَبِعَ لَهم. وأمّا "أمَّرْنا" مِنَ الإمارَةِ فَمُتَوَجِّهٌ عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنْ لا يُرِيدَ إمارَةَ المُلْكِ، بَلْ كَوْنُهم يَأْمُرُونَ ويُؤْتَمَرُ لَهُمْ؛ فَإنَّ العَرَبَ تَقُولُ لِمَن يَأْمُرُ الإنْسانَ -وَإنْ لَمْ يَكُنْ مَلِكًا-: هو أمِيرٌ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى:

؎ إذا كانَ هادِيَ الفَتى في البِلا ∗∗∗ دِ صَدْرَ القَناةِ أطاعَ الأمِيرا

ومِنهُ قَوْلُ مُعاوِيَةَ لِعُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ حِينَ أمْرِهِ بِالِاسْتِقادَةِ مِن لَطْمَةِ عَمْرُو بْنِ العاصِ: إنَّ عَلَيَّ أمِيرًا لا أقْطَعُ أمْرًا دُونَهُ، أرادَ مُعاوِيَةُ أباهُ، وأرادَ الأعْشى أنَّهُ إذا شاخَ الإنْسانُ وعَمِي واهْتَدى بِالعَصا أطاعَ كُلَّ مَن يَأْمُرُهُ، ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ:

؎ والناسُ يَلْحَوْنَ الأمِيرَ إذْ هم ∗∗∗ ∗∗∗ خِطِئُوا الصَوابَ ولا يُلامُ المُرْشِدُ

(p-٤٥٥)وَأيْضًا فَلَوْ أرادَ إمارَةَ المُلْكِ في الآيَةِ لَحَسُنَ المَعْنى؛ لِأنَّ الأُمَّةَ إذا مَلَّكَ اللهُ عَلَيْها مُتْرَفًا فَفَسَقَ، ثُمَّ ولِيَ مَثَلَهُ بَعْدَهُ، ثُمَّ كَذَلِكَ، عَظُمَ الفَسادُ وتَوالى الكُفْرُ واسْتَحَقُّوا العَذابَ فَنَزَلَ بِهِمْ عَلى الرَجُلِ الأخِيرِ مِن مُلُوكِهِمْ، وقَرَأ الحَسَنُ، ويَحْيى بْنُ يَعْمَرَ: "أمِرْنا" بِكَسْرِ المِيمِ، وحَكاها النَحاسُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، ولا أتَحَقَّقُ وجْهًا لِهَذِهِ القِراءَةِ؛ إلّا إنْ كانَ "أمِرَ القَوْمُ" يَتَعَدّى بِلَفْظِهِ، فَإنَّ العَرَبَ تَقُولُ: "أمِرَ بَنُو فُلانٍ" إذا كَثُرُوا، ومِنهُ قَوْلُ لَبِيَدٍ:

؎ إنْ يُغْبَطُوا يُهْبَطُوا وإنْ أُمِرُوا ∗∗∗ ∗∗∗ يَوْمًا يَصِيرُوا لِلْقُلِّ والنَفَدِ

ومِنهُ: (لَقَدْ أمِرَ أمْرُ ابْنُ أبِي كَبْشَةَ )، ورَدَّ الفَرّاءُ هَذِهِ القِراءَةَ، وقَدْ حُكِيَ "أمِرَ" مُتَعَدِّيًا عن أبِي زَيْدٍ الأنْصارِيِّ، و"المُتْرَفُ" الغَنِيُّ مِنَ المالِ المُتَنَعِّمُ، والتُرْفَةُ: النِعْمَةُ، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "قَرْيَةً بَعَثْنا أكابِرَ مُجْرِمِيها فَمَكَرُوا فِيها"، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَحَقَّ عَلَيْها القَوْلُ﴾ أيْ وعِيدُ اللهِ لَها الَّذِي قالَهُ رَسُولُهم. و"التَدْمِيرُ": الإهْلاكُ مَعَ طَمْسِ الآثارِ وهَدْمِ البِناءِ، ومِنهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ:

؎ وكانَ لَهم كَبَكْرِ ثَمُودٍ لَمّا ∗∗∗ ∗∗∗ رَغا دَهْرًا فَدَمَّرَهَمْ دَمارا

(p-٤٥٦)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَمْ أهْلَكْنا مِنَ القُرُونِ﴾ الآيَةُ، "كَمْ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ "أهْلَكْنا"، وهَذا الذِكْرُ لِكَثْرَةِ مَن أهْلَكَ اللهُ مِنَ القُرُونِ مِثالٌ لِقُرَيْشٍ ووَعِيدٌ، أيْ: لَسْتُمْ بِبَعِيدٍ مِمّا حَصَلُوا فِيهِ مِنَ العَذابِ إذا أنْتُمْ كَذَّبْتُمْ نَبِيَّكُمْ، واخْتَلَفَ الناسُ في القَرْنِ -فَقالَ ابْنُ سِيرِينِ عَنِ النَبِيِّ ﷺ: أرْبَعُونَ، وقِيلَ غَيْرُ هَذا مِمّا هو قَرِيبٌ مِنهُ، وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنِ أبِي أوفى: القَرْنُ مِائَةٌ وعِشْرُونَ سَنَةً، وقالَتْ طائِفَةٌ: القَرْنُ مِائَةُ سَنَةٍ، وهَذا هو الأصَحُّ الَّذِي يُعَضِّدُهُ الحَدِيثُ في قَوْلِهِ ﷺ: « "خَيْرُ الناسِ قَرْنِي".»«وَرَوى مُحَمَّدُ بْنُ القاسِمِ في خَتْنِهِ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُسْرٍ قالَ: وضَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدَهُ عَلى رَأْسِي وقالَ: "سَيَعِيشُ هَذا الغُلامُ قَرْنًا"، قُلْتُ: كَمُ القَرْنُ؟ قالَ: "مِائَةُ سَنَةٍ"،» قالَ مُحَمَّدُ بْنُ القاسِمِ: فَما زِلْنا نُعِدُّ لَهُ حَتّى أكْمَلَ مِائَةَ سَنَةٍ، وماتَ رَحِمَهُ اللهُ، والباءُ في قَوْلِهِ تَعالى: "بِرَبِّكَ" زائِدَةٌ، والتَقْدِيرُ: كَفى بِرَبِّكَ، وهَذِهِ الباءُ إنَّما تَجِيءُ في الأغْلَبِ في مَدْحٍ أو ذَمٍّ، وكَأنَّها تُعْطِي مَعْنى: اكْتَفِ بِرَبِّكَ، أيْ: ما أكْفاهُ في هَذا، وقَدْ تَجِيءُ "كَفى" بِدُونِ باءٍ، كَقَوْلِ الشاعِرِ:(p-٤٥٧)

؎ كَفى الشَيْبُ والإسْلامُ لِلْمَرْءِ ناهِيا

وكَقَوْلُ الآخَرِ:

؎ ويُخْبِرُنِي عن غائِبِ المَرْءِ هَدْيُهُ ∗∗∗ ∗∗∗ كَفى الهَدْيُ عَمّا غَيَّبَ المَرْءُ مُخْبِرا

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском