Al-Jaza'iriMaryam · 19:1–40

Al-Jaza'iri · Tafsir · in Arabic

مريم

Maryam

Mary · Meccan · 98 ayahs

19:1–7Page 305

كٓهيعٓصٓ ١

Kāf, Hā, Yā, ʿAyn, Ṣād.1

ذِكۡرُ رَحۡمَتِ رَبِّكَ عَبۡدَهُۥ زَكَرِيَّآ ٢

[This is] a mention of the mercy of your Lord to His servant Zechariah

إِذۡ نَادَىٰ رَبَّهُۥ نِدَآءً خَفِيّٗا ٣

When he called to his Lord a private call [i.e., supplication].

قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ ٱلۡعَظۡمُ مِنِّي وَٱشۡتَعَلَ ٱلرَّأۡسُ شَيۡبٗا وَلَمۡ أَكُنۢ بِدُعَآئِكَ رَبِّ شَقِيّٗا ٤

He said, "My Lord, indeed my bones have weakened, and my head has filled1 with white, and never have I been in my supplication to You, my Lord, unhappy [i.e., disappointed].

وَإِنِّي خِفۡتُ ٱلۡمَوَٰلِيَ مِن وَرَآءِي وَكَانَتِ ٱمۡرَأَتِي عَاقِرٗا فَهَبۡ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيّٗا ٥

And indeed, I fear the successors1 after me, and my wife has been barren, so give me from Yourself an heir

يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنۡ ءَالِ يَعۡقُوبَۖ وَٱجۡعَلۡهُ رَبِّ رَضِيّٗا ٦

Who will inherit me1 and inherit from the family of Jacob. And make him, my Lord, pleasing [to You]."

يَٰزَكَرِيَّآ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَٰمٍ ٱسۡمُهُۥ يَحۡيَىٰ لَمۡ نَجۡعَل لَّهُۥ مِن قَبۡلُ سَمِيّٗا ٧

[He was told],1 "O Zechariah, indeed We give you good tidings of a boy whose name will be John. We have not assigned to any before [this] name."

شرح الكلمات:

كَهَيَعَص: هذه من الحروف المقطعة تكتب كهيعص وتُقرأ كاف، هاء يا عين صاد. ومذهب السلف أن يقال فيها: الله أعلم بمراده بذلك.

ذكر رحمة ربك: أي هذا ذكر رحمة ربك.

نادى ربه: أي قال: يا رب ليسأله الولد.

نداءً خفيا: أي سر بعداً عن الرياء.

وهن العظم مني: أي رق وضعف لكبر سني.

واشتعل الرأس شيباً: أي انتشر الشيب في شعر رأسي انتشاراً النار في الحطب.

ولم أكن بدعائك رب شقيا: أي إنك لم تخيبني فيما دعوتك فيه قبل فلا تخيبني اليوم فيما أدعوك فيه.

وإني خفت الموالي: أي خشيت بني عمي أن يضيعوا الدين بعد موتي.

إمرأتي عاقراً: لا تلد واسمها أشاع وهي أخت حنة أم مريم.

فهب لي من لدنك ولياً: أي ارزقني من عندك ولداً.

ويرث من آل يعقوب: أي جدي يعقوب العلم والنبوة.

واجعله رب رضيا: أي مرضياً عندك.

سميا: أي مسمى يحيى.

معنى الآيات:

أما قوله تعالى: كَهَيعص فإن هذا من الحروف المقطعة والراجح أنها من المتشابه الذي نؤمن به ونفوض فهم معناه لمنزله سبحانه وتعالى فنقول: ﴿كۤهيعۤصۤ﴾ الله أعلم بمراده به.

وأما قوله تعالى: ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّآ﴾ فإن معناه: مما تتلو عليك في هذا القرآن يا نبينا فيكون دليلاً على نبوتك ذكر رحمة ربك التي رحم بها عبده زكريا حيث كبرت سنه، وامرأته عاقر لا يولد لها ورغب في الولد لمصلحة الدعوة الإسلامية إذ لا يوجد من يخلفه فيها إذا مات نظراً إلى أن الموجود من بني عمه ومواليه ليس بينهم كفؤ لذلك بل هم دعاة إلى السوء فنادى ربه نداء خفياً قائلاً: ﴿رَبِّ إنَّي وهَنَ ٱلْعَظْمُ مِنِّي﴾ أي رق وضعف، ﴿وٱشْتَعَلَ ٱلرَّأْسُ شَيْباً﴾ أي شاب شعر رأسي لكبر سني، ﴿ولَمْ أكُنْ بِدُعَآئِكَ رَبِّ شَقِيّاً﴾ أي في يوم من الأيام بمعنى أنك عودتني الاستجابة لما أدعوك له ولم تحرمني استجابة دعائي فأشقى به دون الحصول على رغبتي. ﴿وإنِّي﴾ يا ربي قد ﴿خِفْتُ ٱلْمَوالِيَ﴾ أن يضيعوا هذه الدعوة دعوة الحق التي هي عبادتك بما شرعت وحدك لا شريك لك، وذلك بعد موتي ﴿فَهَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ﴾ أي من عندك تفضلاً به علي إذ الأسباب غير متوفرة للولد: المرأة عاقر وأنا شيخ كبير هرم، ﴿ولِيّاً﴾ أي ولداً يلي أمر هذه الدعوة بعد وفاتي فيرثني فيها ﴿ويَرِثُ مِن آلِ يَعْقُوبَ﴾ جدي ما تركوه بعدهم من دعوة أبيهم وهي الحنيفية عبادة الله وحده لا شريك له ﴿وٱجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً﴾ أي واجعل الولد الذي تهبني يا ربي ﴿رَضِيّاً﴾ أي عبداً صالحاً ترضاه لحمل رسالة الدعوة إليك، فأجابه الرب تبارك وتعالى بما في قوله: ﴿يٰزَكَرِيَّآ إنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ ٱسْمُهُ يَحْيىٰ لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً﴾ أي من سمي باسمه يحيى قط.

هداية الآيات:

من هداية الآيات:

١- تقرير نبوة محمد ﷺ بإخباره بهذا الذي أخبر به عن زكريا عليه السلام.

٢- استحباب السرية في الدعاء لأنه أقرب إلى الاستجابة.

٣- وجود العقم في بعض النساء.

٤- قدرة الله تعالى فوق الأسباب إن شاء تعالى أوقف الأسباب وأعطى بدونها.

٥- تقرير مبدأ أن الأنبياء لا يورثون فيما يخلفون من المال كالشاه والبعير وإنما يورثهم الله أولادهم في النبوة والعلم والحكمة.

19:8–15Page 305

قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَٰمٞ وَكَانَتِ ٱمۡرَأَتِي عَاقِرٗا وَقَدۡ بَلَغۡتُ مِنَ ٱلۡكِبَرِ عِتِيّٗا ٨

He said, "My Lord, how will I have a boy when my wife has been barren and I have reached extreme old age?"

قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٞ وَقَدۡ خَلَقۡتُكَ مِن قَبۡلُ وَلَمۡ تَكُ شَيۡـٔٗا ٩

[An angel] said, "Thus [it will be]; your Lord says, 'It is easy for Me, for I created you before, while you were nothing.'"

قَالَ رَبِّ ٱجۡعَل لِّيٓ ءَايَةٗۖ قَالَ ءَايَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ ثَلَٰثَ لَيَالٖ سَوِيّٗا ١٠

[Zechariah] said, "My Lord, make for me a sign." He said, "Your sign is that you will not speak to the people for three nights, [being] sound."1

فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوۡمِهِۦ مِنَ ٱلۡمِحۡرَابِ فَأَوۡحَىٰٓ إِلَيۡهِمۡ أَن سَبِّحُواْ بُكۡرَةٗ وَعَشِيّٗا ١١

So he came out to his people from the prayer chamber and signaled to them to exalt [Allāh] in the morning and afternoon.

يَٰيَحۡيَىٰ خُذِ ٱلۡكِتَٰبَ بِقُوَّةٖۖ وَءَاتَيۡنَٰهُ ٱلۡحُكۡمَ صَبِيّٗا ١٢

[Allāh said], "O John, take the Scripture [i.e., adhere to it] with determination." And We gave him judgement [while yet] a boy

وَحَنَانٗا مِّن لَّدُنَّا وَزَكَوٰةٗۖ وَكَانَ تَقِيّٗا ١٣

And affection from Us and purity, and he was fearing of Allāh

وَبَرَّۢا بِوَٰلِدَيۡهِ وَلَمۡ يَكُن جَبَّارًا عَصِيّٗا ١٤

And dutiful to his parents, and he was not a disobedient tyrant.

وَسَلَٰمٌ عَلَيۡهِ يَوۡمَ وُلِدَ وَيَوۡمَ يَمُوتُ وَيَوۡمَ يُبۡعَثُ حَيّٗا ١٥

And peace be upon him the day he was born and the day he dies and the day he is raised alive.

شرح الكلمات:

أنى يكون لي غلام؟: أي من أي وجهٍ وجِهَةٍ يكون لي ولد.

عتيا: أي يبست مفاصلي وعظامي.

آية: أي علامة تدلني على حمل امرأتي.

سويا: أي حال كونك سويَّ الخلقِ ما بك عليه خرس.

من المحراب: المصلى الذي يصلي فيه وهو المسجد.

فأوحى إليهم: أومأ إليهم وأشار عليهم.

وآتيناه الحكم صبيا: الحكم والحكمة بمعنى واحد وهما الفقه في الدين ومعرفة أسرار الشرع.

وحنانا من لدنا: أي عطفاً على الناس موهوباً له من عندنا.

وزكاة: أي طهارة من الذنوب والآثام.

جبارا عصياً: أي متعاليا لا يقبل الحق عصياً لا يطيع أمر الله عز وجل وأمر والديه.

وسلام عليه: أي أمان له من الشيطان أن يمسه بسوء يوم يولد، وأمان له من فتاني القبر يوم يموت، وأمان له من الفزع الأكبر يوم يبعث حياً.

معنى الآيات:

ما زال السياق الكريم في ذكر رحمة الله عبده زكريا إنه لما بشره ربه تعالى بيحيى قال: ما أخبر به تعالى عنه في قوله: ﴿قالَ رَبِّ أنّىٰ يَكُونُ لِي غُلامٌ وكانَتِ ٱمْرَأَتِي عاقِراً وقَدْ بَلَغْتُ مِنَ ٱلْكِبَرِ عِتِيّاً﴾ أي من أي وجه وجهة يأتيني الولد أمن إمرأة غير أمرأتي، أم منها ولكن تهبني قوة على مباضعتها وتجعل رحمها قادرة على العلوق، لأني كما تعلم يا ربي قد بلغت من الكبر حداً يبس فيه عظمي ومفاصلي وهو العتى كما أن امرأتي عاقر لا يولد لها. فأجابه الرب تبارك وتعالى بما في قوله عزوجل: ﴿قالَ كَذٰلِكَ﴾ أي الأمر كما قلت يا زكريا، ولكن ﴿قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ أي إعطاؤك الولد على ما أنت عليه من الضعف والكبر وامرأتك من العقر سهل يسير لا صعوبة فيه ويدلك على ذلك أني ﴿وقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ ولَمْ تَكُ شَيْئاً﴾، فكما قدر ربك على خلقك ولم تك شيئاً فهو قادر على هبتك الولد على ضعفك وعقر امرأتك وهنا طالب زكريا ربه بأن يجعل له علامة تدله على وقت حمل امرأته بالولد فقال ما أخبر به تعال في قوله: ﴿قالَ رَبِّ ٱجْعَل لِيۤ آيَةً قالَ آيَتُكَ ألاَّ تُكَلِّمَ ٱلنّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيّاً﴾ فأعطاه تعالى علامة على وقت حمل امراته بالولد وهي أنه يصبح يوم بداية الحمل لا يقدر على الكلام وهو سوي البدن ما به خرس ولا مرض يمنعه من الكلام، ﴿فَخَرَجَ عَلىٰ قَوْمِهِ مِنَ ٱلْمِحْرابِ﴾ أي المصلى الذي يصلي فيه ﴿فَأَوْحىٰ إلَيْهِمْ﴾ أي أومأ وأشار إليهم ﴿أن سَبِّحُواْ بُكْرَةً وعَشِيّاً﴾ أي اذكروا الله في هذين الوقتين بالصلاة والتسبيح. وهنا علم بحمل امرأته إذ إمتناعه عن الكلام مع سلامة جسمه وحواسه آية على بداية الحمل، وقوله تعالى: ﴿يٰيَحْيىٰ خُذِ ٱلْكِتابَ بِقُوَّةٍ﴾ هذا قول الله تعالى للغلام بعد بلوغه ثلاث سنين أمره الله تعالى أن يتعلم التوراة ويعمل بها بقوة جد وحزم وقوله ﴿وآتَيْناهُ ٱلْحُكْمَ صَبِيّاً﴾ أي وهبناه الفقه في الكتاب ومعرفة أسرار الشرع وهو صبي لم يبلغ سن الاحتلام.

وقوله تعالى ﴿وحَناناً مِّن لَّدُنّا وزَكاةً وكانَ تَقِيّاً﴾ أي ورحمة منا به ومحبة له آتيناه الحكم صبياً كما أنه عليه السلام كان ذا حنان على أبويه وغيرهما من المسلمين وقوله ﴿وزَكاةً﴾ أي طهارة من الذنوب باستعمال بدنه في طاعة ربه عزوجل ﴿وكانَ تَقِيّاً﴾ أي خائفاً من ربه فلا يعصه بترك فريضة ولا يفعل حرام.

وقوله تعالى: ﴿وبَرّاً بِوالِدَيْهِ﴾ أي محسناً بهما مطيعاً لهما لا يؤذيهما أدنى أذى وقوله ﴿ولَمْ يَكُن جَبّاراً عَصِيّاً﴾ أي لم يكن عليه السلام مستكبراً ولا ظالماً، ولا متمرداً عاصياً لربه ولا لأبويه وقوله: ﴿وسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ﴾ أي أمان له من الشيطان يوم ولد، وأمان له من فتاني القبر يوم يموت، وأمان له من الفزع الأكبر يوم يبعث حياً، فسبحان الله ما أعظم فضله وأجزل عطاءه على أوليائه، اللهم أمنا كما أمنته فإنك ذو فضل عظيم.

هداية الآيات:

من هداية الآيات:

١- طلب معرفة السبب الذي يتأتى به الفعل غير قادح في صاحبه فسؤال زكريا عن الوجه الذي يأتي به الولد، كسؤال إبراهيم عن كيفية إحياء الموتى.

٢- جواز طلب العلامات الدالة على الشيء للمعرفة.

٣- آية عجيبة أن يصبح زكريا لا يتكلم فيفهم غيره بالإشارة فقط.

٤- فضل التسبيح في الصباح والمساء.

٥- وجوب أخذ القرآن بجد وحزم وحفظاً وعملاً بما فيه.

٦- صدق قول أهل العلم من حفظ القرآن في سن ما قبل البلوغ فقد أوتي الحكم صبياً.

٧- وجوب البر بالوالدين ورحمتهما والحنان عليهما والتواضع لهما.

19:16–21Page 306

وَٱذۡكُرۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ مَرۡيَمَ إِذِ ٱنتَبَذَتۡ مِنۡ أَهۡلِهَا مَكَانٗا شَرۡقِيّٗا ١٦

And mention, [O Muḥammad], in the Book [the story of] Mary, when she withdrew from her family to a place toward the east.

فَٱتَّخَذَتۡ مِن دُونِهِمۡ حِجَابٗا فَأَرۡسَلۡنَآ إِلَيۡهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرٗا سَوِيّٗا ١٧

And she took, in seclusion from them, a screen. Then We sent to her Our Angel [i.e., Gabriel], and he represented himself to her as a well-proportioned man.

قَالَتۡ إِنِّيٓ أَعُوذُ بِٱلرَّحۡمَٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّٗا ١٨

She said, "Indeed, I seek refuge in the Most Merciful from you, [so leave me], if you should be fearing of Allāh."

قَالَ إِنَّمَآ أَنَا۠ رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَٰمٗا زَكِيّٗا ١٩

He said, "I am only the messenger of your Lord to give you [news of] a pure boy [i.e., son]."

قَالَتۡ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَٰمٞ وَلَمۡ يَمۡسَسۡنِي بَشَرٞ وَلَمۡ أَكُ بَغِيّٗا ٢٠

She said, "How can I have a boy while no man has touched me and I have not been unchaste?"

قَالَ كَذَٰلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٞۖ وَلِنَجۡعَلَهُۥٓ ءَايَةٗ لِّلنَّاسِ وَرَحۡمَةٗ مِّنَّاۚ وَكَانَ أَمۡرٗا مَّقۡضِيّٗا ٢١

He said, "Thus [it will be]; your Lord says, 'It is easy for Me, and We will make him a sign to the people and a mercy from Us. And it is a matter [already] decreed.'"

شرح الكلمات:

واذكر في الكتاب: أي القرآن مريم أي خبرها وقصتها.

مريم: هي بنت عمران والدة عيسى عليه السلام.

إذا انتبذت: أي حين اعتزلت أهلها باتخاذها مكاناً خاصاً تخلو فيه بنفسها.

شرقيا: أي شرق الدار التي بها أهلها.

حجابا: أي ساتراً يسترها عن أهلها وذويها.

روحنا: جبريل عليه السلام.

بشراً سوياً: أي تام الخلق حتى لا تفزع ولا تروع منه.

إن كنت تقياً: أي عاملاً بإيمانك وتقواك لله فابتعد عني ولا تؤذني.

غلاما زكيا: ولداً طاهراً لم يتلوث بذنب قط.

ولم يمسسني بشر: أي لم أتزوج.

ولم أك بغيّاً: أي زانية.

قال كذلك: أي الأمر كذلك وهو خلق غلام منك من غير أب.

هو علي هين: ما هو إلا أن ينفخ رسولنا في كم درعك حتى يكون الولد.

ولنجعله آية للناس: أي عل عظيم قدرتنا.

ورحمة منا: أي وليكون الولد رحمة بمن آمن به واتبع ما جاء به.

أمراً مقضياً: أي حكم الله به وفرغ منه فهو كائن حتماً لا محالة.

معنى الآيات:

هذه بداية قصة مريم عليها السلام إذ قال تعالى لرسوله ﷺ ﴿وٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتابِ﴾ أي القرآن الكريم ﴿مَرْيَمَ﴾ أي نبأها وخبرها ليكون ذلك دليلاً على نبوتك وصدقك في رسالتك وقوله ﴿إذِ ٱنتَبَذَتْ﴾ أي اعتزلت ﴿مِن أهْلِها﴾ هذا بداية القصة وقوله ﴿مَكاناً شَرْقِياً﴾ أي موضعاً شرقي دار قومها وشرق المسجد، ولذا اتخذ النصارى المشرق قبلة لهم في صلاتهم ولا حجة لهم في ذلك إلا الابتداع وإلا فقبلة كل مصلي لله الكعبة بيت الله الحرام قوله تعالى: ﴿فَٱتَّخَذَتْ مِن دُونِهِم﴾ أي من دون أهلها ﴿حِجاباً﴾ ساتراً لها عن أعينهم، ولما فعلت ذلك أرسل الله تعالى إليها جبريل في صورة بشر سوي الخلقة معتدلها، فدخل عليها فقالت ما قص الله تعالى في كتابه ﴿إنِّيۤ أعُوذُ بِٱلرَّحْمَٰنِ مِنكَ إن كُنتَ تَقِيّاً﴾ أي أحتمي بالرحمن الذي يرحم الضعيفات مثلي إن كنت مؤمناً تقياً فاذهب عني ولا تروعني أو تمسني بسوء. فقال لها جبريل عليه السلام ما أخبر تعالى به وهو ﴿قالَ إنَّمَآ أناْ رَسُولُ رَبِّكِ لأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيّاً﴾ أي طاهراً لا يتلوث بذنب قط. فأجابت بما أخبر تعالى عنها في قوله: ﴿أنّىٰ يَكُونُ لِي غُلامٌ﴾ أي من أي وجه يأتيني الولد، ﴿ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ أي وأنا لم أتزوج، ﴿ولَمْ أكُ بَغِيّاً﴾ أي ولم أك زانية، فأجابها جبريل بما أخبر تعالى به في قوله: ﴿قالَ كَذٰلِكَ﴾ أي الأمر كما قلت ولكن ربك قال: ﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ أي خلقه بدون أب من نكاح أو سفاح، لأنه هين علينا من جهة، ﴿ولِنَجْعَلَهُ آيَةً لِّلْنّاسِ﴾ دالة على قدرتنا على خلق آدم بدون أب ولا أم، والبعث الآخر من جهة أخرى، وقوله تعالى ﴿ورَحْمَةً مِّنّا وكانَ أمْراً مَّقْضِيّاً﴾ أي ولنجعل الغلام المبشر به رحمة منا لكل من آمن به واتبع طريقته في الإيمان والاستقامة وكان هذا الخلق للغلام وهبته لك أمراً مقضياً أي حكم الله فيه وقضى به فهو كائن لا محالة ونفخ جبريل في جيب قميصها فسرت النفخة في جسمها فحملت به كما سيأتي بيانه في الآيات التالية.

هداية الآيات

من هداية الآيات:

١- بيان شرف مريم وكرامتها على ربها.

٢- فضيلة العفة والحياء.

٣- كون الملائكة يتشكلون كما أذن الله تعالى لهم.

٤- مشروعية التعوذ بالله من كل ما يخاف من إنسان أو جان.

٥- التقوى مانعة من فعل الأذى بالناس أو إدخال الضرر عليهم.

٦- خلق عيسى آية مبصرة تتجلى فيها قدرة الله تعالى على الخلق بدأ وإعادة.

19:22–26Page 306

۞ فَحَمَلَتۡهُ فَٱنتَبَذَتۡ بِهِۦ مَكَانٗا قَصِيّٗا ٢٢

So she conceived him, and she withdrew with him to a remote place.

فَأَجَآءَهَا ٱلۡمَخَاضُ إِلَىٰ جِذۡعِ ٱلنَّخۡلَةِ قَالَتۡ يَٰلَيۡتَنِي مِتُّ قَبۡلَ هَٰذَا وَكُنتُ نَسۡيٗا مَّنسِيّٗا ٢٣

And the pains of childbirth drove her to the trunk of a palm tree. She said, "Oh, I wish I had died before this and was in oblivion, forgotten."

فَنَادَىٰهَا مِن تَحۡتِهَآ أَلَّا تَحۡزَنِي قَدۡ جَعَلَ رَبُّكِ تَحۡتَكِ سَرِيّٗا ٢٤

But he1 called her from below her, "Do not grieve; your Lord has provided beneath you a stream.

وَهُزِّيٓ إِلَيۡكِ بِجِذۡعِ ٱلنَّخۡلَةِ تُسَٰقِطۡ عَلَيۡكِ رُطَبٗا جَنِيّٗا ٢٥

And shake toward you the trunk of the palm tree; it will drop upon you ripe, fresh dates.

فَكُلِي وَٱشۡرَبِي وَقَرِّي عَيۡنٗاۖ فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ ٱلۡبَشَرِ أَحَدٗا فَقُولِيٓ إِنِّي نَذَرۡتُ لِلرَّحۡمَٰنِ صَوۡمٗا فَلَنۡ أُكَلِّمَ ٱلۡيَوۡمَ إِنسِيّٗا ٢٦

So eat and drink and be contented. And if you see from among humanity anyone, say, 'Indeed, I have vowed to the Most Merciful abstention, so I will not speak today to [any] man.'"

شرح الكلمات:

فانتبذت به: فاعتزلت به.

مكاناً قصيا: أي بعيداً من أهلها.

فأجاءها المخاض: أي ألجأها الطلق واضطرها وجع الولادة.

إلى جذع النخلة: لتعتمد عليها وهي تعاني من آلام الولادة.

نسياً منسياً: أي شيئاً متروكاً لا يعرف ولا يذكر.

فناداها من تحتها: أي عيسى عليه السلام بعدما وضعته.

تحتك سريا: أي نهراً يقال له سري.

رطبا جنيا: الرطب الجني: ما طاب وصلح للإجتناء.

فكلي واشربي: أي كل من الرطب واشربي من السري.

وقري عينا: أي وطيبي نفسا وافرحي بولادتك إياي ولا تحزني.

نذرت للرحمن صوماً: أي إمساكاً عن الكلام وصمتاً.

معنى الآيات:

ما زال السياق الكريم في قصة مريم إنه بعد أن بشرها جبريل بالولد وقال لها وكان أمراً مقضياً ونفخ في كم درْعها أو جيب قميصها فحملته فوراً ﴿فَٱنْتَبَذَتْ بِهِ مَكاناً قَصِيّاً﴾ أي فاعتزلت به في مكان بعيد ﴿فَأَجَآءَها ٱلْمَخاضُ﴾ أي ألجأها وجع النفاس ﴿إلىٰ جِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ﴾ لتعتمد عليه وهي تعاني من آلام الطلق وأوجاعه، ولما وضعته قالت متأسفة متحسرة ما أخبر تعالى به: ﴿قالَتْ يٰلَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَٰذا﴾ أي الوقت الذي أصبحت فيه أم ولد، ﴿وكُنتُ نَسْياً مَّنسِيّاً﴾ أي شيئاً متروكا لا يذكر ولا يعرف وهنا ﴿فَناداها﴾ عيسى عليه السلام ﴿مِن تَحْتِهَآ ألاَّ تَحْزَنِي﴾ يحملها على الصبر والعزاء وقوله تعالى: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً﴾ أي نهر ماء يقال له سري، ﴿وهُزِّىۤ إلَيْكِ بِجِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً فَكُلِي وٱشْرَبِي﴾ أي كلي من الرطب واشربي من ماء النهر، ﴿وقَرِّي عَيْناً﴾ أي طيبي نفساً وافرحي بولدك، ﴿فَإمّا تَرَيِنَّ مِنَ ٱلبَشَرِ أحَداً﴾ أي فسألك عن حالك أو عن ولدك فلا تكلميه واكتفي بقولك ﴿إنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَٰنِ صَوْماً﴾ أي صمتاً ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ ٱلْيَوْمَ إنسِيّاً﴾ هذا كله من قول عيسى لها أنطقه الله كرامة لها ليذهب عنها حزنها وألمها النفسي من جراء الولادة وهي بكر لم تتزوج.

هداية الآيات

من هداية الآيات:

١- من مظاهر قدرة الله تعالى حملها ووضعها في خلال ساعة من نهار.

٢- إثبات كرامات الله لأوليائه إذ أكرم الله تعالى مريم بنطق عيسى ساعة وضعه فأرشدها وبشرها وأذهب عنها الألم والحزن، وأثمر لها نخلة فأرطبت وأجرى لها النهر بعد يبسه.

٣- تقرير نظام الأسباب التي في مكنة الإنسان القيام بها فإن الله تعالى قد أثمر لمريم النخلة إذ هذا لا يمكنها القيام به ثم أمرها أن تحرك النخلة من جذعها ليتساقط عليها الرطب الجني إذ هذا في استطاعتها.

٤- مشروعية النذر إلا أنه بالامتناع عن الكلام منسوخ في الإسلام.

19:27–33Page 307

فَأَتَتۡ بِهِۦ قَوۡمَهَا تَحۡمِلُهُۥۖ قَالُواْ يَٰمَرۡيَمُ لَقَدۡ جِئۡتِ شَيۡـٔٗا فَرِيّٗا ٢٧

Then she brought him to her people, carrying him. They said, "O Mary, you have certainly done a thing unprecedented.

يَٰٓأُخۡتَ هَٰرُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ ٱمۡرَأَ سَوۡءٖ وَمَا كَانَتۡ أُمُّكِ بَغِيّٗا ٢٨

O sister [i.e., descendant] of Aaron, your father was not a man of evil, nor was your mother unchaste."

فَأَشَارَتۡ إِلَيۡهِۖ قَالُواْ كَيۡفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي ٱلۡمَهۡدِ صَبِيّٗا ٢٩

So she pointed to him. They said, "How can we speak to one who is in the cradle a child?"

قَالَ إِنِّي عَبۡدُ ٱللَّهِ ءَاتَىٰنِيَ ٱلۡكِتَٰبَ وَجَعَلَنِي نَبِيّٗا ٣٠

[Jesus] said, "Indeed, I am the servant of Allāh. He has given me the Scripture and made me a prophet.

وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيۡنَ مَا كُنتُ وَأَوۡصَٰنِي بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱلزَّكَوٰةِ مَا دُمۡتُ حَيّٗا ٣١

And He has made me blessed wherever I am and has enjoined upon me prayer and zakāh as long as I remain alive

وَبَرَّۢا بِوَٰلِدَتِي وَلَمۡ يَجۡعَلۡنِي جَبَّارٗا شَقِيّٗا ٣٢

And [made me] dutiful to my mother, and He has not made me a wretched tyrant.

وَٱلسَّلَٰمُ عَلَيَّ يَوۡمَ وُلِدتُّ وَيَوۡمَ أَمُوتُ وَيَوۡمَ أُبۡعَثُ حَيّٗا ٣٣

And peace is on me the day I was born and the day I will die and the day I am raised alive."

شرح الكلمات:

فأتت به: أي بولدها عيسى عليه وعليها السلام.

جئت شيئاً فريا: أي عظيماً حيث أتيت بولد من غير أب.

يا أخت هارون: أي يا أخت الرجل الصالح هارون.

امرأ سوء: أي رجلاً يأتي الفواحش.

فأشارت إليه: أي إلى عيسى وهو في المهد.

آتاني الكتاب: أي الإنجيل باعتبار ما يكون مستقبلاً.

مباركا أينما كنت: أي حيثما وجدت كانت البركة فيَّ ومعي ينتفع الناس بي.

وبرا بوالدتي: أي محسناً بها مطيعاً لها لا ينالها مني أدنى أذى.

جباراً شقيا: ظالماً متعالياً ولا عاصياً لربي خارجاً عن طاعته.

معنى الآيات:

ما زال السياق الكريم في قصة مريم مع قومها: إنها بعد أن تماثلت للشفاء حملت ولدها وأتت به قومها وما أن رأوهما حتى قال قائلهم: ﴿يٰمَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً﴾ أي أمراً عظيماً وهو إتيانك بولد من غير أب. ﴿يٰأُخْتَ هارُونَ﴾ نسبوها إلى عبد صالح يسمى هارون: ﴿ما كانَ أبُوكِ﴾ عمران ﴿ٱمْرَأَ سَوْءٍ﴾ يأتي الفواحش ﴿وما كانَتْ أُمُّكِ﴾ «حنة» ﴿بَغِيّاً﴾ أي زانية فكيف حصل لك هذا وأنت بنت البيت الطاهر والأسرة الشريفة. وهنا أشارت إلى عيسى الرضيع في قماطته أي قالت لهم سلوه يخبركم الخبر وينبئكم بالحق، لأنها علمت أنه يتكلم لما سبق أن ناداها ساعة وضعه من تحتها وقال لها ما ذكر تعالى في الآيات السابقة. فردوا عليها مستخفين بها منكرين عليها متعجبين منها: ﴿كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كانَ فِي ٱلْمَهْدِ صَبِيّاً﴾؟ فأنطق الله عيسى الرضيع فأجابهم بما أخبر تعالى عنه في قوله: ﴿قالَ إنِّي عَبْدُ ٱللَّهِ آتانِيَ ٱلْكِتابَ وجَعَلَنِي نَبِيّاً وجَعَلَنِي مُبارَكاً أيْنَ ما كُنتُ وأَوْصانِي بِٱلصَّلاةِ وٱلزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيّاً وبَرّاً بِوَٰلِدَتِي ولَمْ يَجْعَلْنِي جَبّاراً شَقِيّاً﴾ فأجابهم بكل ما كتب الله وأنطقه به، وكان عيسى كما أخبر عن نفسه لم ينقص من ذلك شيئاً كان عبداً لله وأنزل عليه الإنجيل ونبأه وأرسله إلى بني إسرائيل وكان مباركاً يشفي المرضى ويحيى الموتى بإذن الله تنال البركة من صحبته وخدمته والإيمان به وبمحبته وكان مقيماً للصلاة مؤدياً للزكاة طوال حياته وما كان ظالماً ولا متكبراً عاتياً ولا جباراً عصياً. فعليه كما أخبر السلام أي الأمان التام يوم ولد فلم يقربه شيطان ويوم يموت فلا يفتن قبره ويوم يبعث حياً فلا يحزنه الفزع الأكبر، ويكون من الآمنين السعداء في دار السلام.

هداية الآيات

من هداية الآيات:

١- تقرير نبوة محمد ﷺ وعبودية عيسى ونبوته عليهما السلام.

٢- آية نطق عيسى في المهد وإخباره بما أولاه الله من الكمالات.

٣- وجوب بر الوالدين بالاحسان بهما وطاعتهما والمعروف وكف الأذى عنهما.

٤- التنديد بالتعالي والكبر والظلم والشقاوة التي هي التمرد والعصيان.

19:34–40Page 307

ذَٰلِكَ عِيسَى ٱبۡنُ مَرۡيَمَۖ قَوۡلَ ٱلۡحَقِّ ٱلَّذِي فِيهِ يَمۡتَرُونَ ٣٤

That is Jesus, the son of Mary - the word of truth about which they are in dispute.

مَا كَانَ لِلَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٖۖ سُبۡحَٰنَهُۥٓۚ إِذَا قَضَىٰٓ أَمۡرٗا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ ٣٥

It is not [befitting] for Allāh to take a son; exalted is He!1 When He decrees an affair, He only says to it, "Be," and it is.

وَإِنَّ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمۡ فَٱعۡبُدُوهُۚ هَٰذَا صِرَٰطٞ مُّسۡتَقِيمٞ ٣٦

[Jesus said], "And indeed, Allāh is my Lord and your Lord, so worship Him. That is a straight path."

فَٱخۡتَلَفَ ٱلۡأَحۡزَابُ مِنۢ بَيۡنِهِمۡۖ فَوَيۡلٞ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن مَّشۡهَدِ يَوۡمٍ عَظِيمٍ ٣٧

Then the factions differed [concerning Jesus] from among them, so woe to those who disbelieved - from the scene of a tremendous Day.

أَسۡمِعۡ بِهِمۡ وَأَبۡصِرۡ يَوۡمَ يَأۡتُونَنَا لَٰكِنِ ٱلظَّٰلِمُونَ ٱلۡيَوۡمَ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ ٣٨

How [clearly] they will hear and see the Day they come to Us, but the wrongdoers today are in clear error.

وَأَنذِرۡهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡحَسۡرَةِ إِذۡ قُضِيَ ٱلۡأَمۡرُ وَهُمۡ فِي غَفۡلَةٖ وَهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ ٣٩

And warn them, [O Muḥammad], of the Day of Regret, when the matter will be concluded;1 and [yet], they are in [a state of] heedlessness, and they do not believe.

إِنَّا نَحۡنُ نَرِثُ ٱلۡأَرۡضَ وَمَنۡ عَلَيۡهَا وَإِلَيۡنَا يُرۡجَعُونَ ٤٠

Indeed, it is We who will inherit the earth and whoever is on it, and to Us they will be returned.

شرح الكلمات:

ذلك عيسى ابن مريم: أي هذا الذي بينت لكم صفته وأخبرتكم خبره هو عيسى بن مريم.

قول الحق: أي وهو قول الحق الذي أخبر تعالى به.

يمترون: يشكون.

ما كان لله أن يتخذ من ولد: أي ليس من شأن الله أن يتخذ ولداً وهو الذي يقول للشيء كن فيكون.

سبحانه: أي تنزيهاً له عن الولد والشريك والشبيه والنظير.

صراط مستقيم: أي طريق مستقيم لا يضل سالكه.

فاختلف الأحزاب: أي في شأن عيسى فقال اليهود هو ساحر وابن زنا، وقالت النصارى هو الله وابن الله تعالى عما يصفون.

من مشهد يوم عظيم: هو يوم القيامة.

أسمع بهم وأبصر: أي ما أسمعهم وما أبصرهم يوم القيامة عند معاينة العذاب.

وأنذرهم يوم الحسرة: أي خوفهم بما يقع في يوم القيامة من الحسرة والندامة وذلك عندما يشاهدون أهل الجنة قد ورثوا منازلهم فيها وهم ورثوا منازل أهل الجنة في النار فتعظم الحسرة ويشتد الندم.

معنى الآيات:

بعد أن قص الله تعالى قصة مريم من ساعة أن اتخذت من دون أهلها حجاباً معتزلة أهلها منقطعة إلى ربها إلى أن أشارت إلى عيسى وهو في مهده فتكلم فقال: إني عبد الله، فبين تعالى أن جبريل بشرها، وأنه نفخ في كم درعها فحملت بعيسى وأنه ولد في ساعة من حمله وأنها وضعته تحت جذع النخلة وأنه ناداها من تحتها: أن لا تحزني، وأرشدها إلى القول الذي تفول لقومها إذا سألوها عن ولادتها المولود بدون أب، وهو أن تشير إليه تطلب منهم أن يسألوه وسألوه فعلاً فأجاب بأنه عبد الله وأنه آتاه الكتاب وجعله نبياً ومباركاً وأوصاه بالصلاة والزكاة ما دام حياً وأنه بر بوالدته، ولم يكن جباراً شقياً فأشار تعالى إلى هذا بقوله في هذه الآية [٣٤] ﴿ذٰلِكَ﴾ أي هذا الذي بينت لكم صفته وأخبرتكم خبره هو ﴿عِيسى ٱبْنُ مَرْيَمَ﴾، وما أخبرتكم به هو ﴿قَوْلَ ٱلْحَقِّ ٱلَّذِي فِيهِ يَمْتُرُونَ﴾ أي يشكون إذ قال اليهود في عيسى أنه ابن زنا وانه ساحر وقال النصارى هو الله وابن الله وثالث ثلاثة حسب فرقهم وطوائهم المتعددة وقوله تعالى: ﴿ما كانَ للَّهِ أن يَتَّخِذَ مِن ولَدٍ سُبْحانَهُ﴾ ينفي تعالى عنه اتخاذ الولد وكيف يصح ذلك له أو ينبغي وهو الغني عما سواه والمفتقر إليه كل ما عداه، وأنه يقول للشيء كن فيكون فعيسى عليه السلام كان بكلمة الله تعالى له كن فكان وهو معنى قوله تعالى ﴿إذا قَضىٰ أمْراً فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾. وقد نزه تعالى نفسه عن الولد والشريك والشبيه والنظير، والافتقار والحاجة إلى مخلوقاته بقوله: سبحانه أي تنزيها له عن صفات المحدثين وقوله تعالى: ﴿وإنَّ ٱللَّهَ رَبِّي ورَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ هَٰذا صِراطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾.

هذا من قول عيسى عليه السلام لبني إسرائيل أخبرهم أنه عبد الله وليس بابن لله ولا بإله مع الله وأخبرهم أن الله تعالى هو ربه وربهم فليعبدوه جميعاً بما شرع لهم ولا يعبدون معه غيره إذ لا إله لهم إلا هو سبحانه وتعالى، وأعلمهم أن هذا الاعتقاد الحق والعبادة بما شرع الله هو الطريق المفضي بسالكه إلى السعادة ومن تنكب عنه وسلك طريق الشرك والضلال أفضى به إلى الخسران وقوله تعالى في الآية [٣٧] ﴿فَٱخْتَلَفَ ٱلأَحْزابُ مِن بَيْنِهِمْ﴾ أي في شأن عيسى فمن قائل هو الله، ومن قائل هو ابن الله ومن قائل هو وامه الهين من دون الله والقائلون بهذه المقالات كفروا بها فتوعدهم الله تعالى بالعذاب الأليم فقال ﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ بنسبَتِهم الولد والشريك لله، والويل واد في جهنم فهم إذا داخلوها لا محالة، وقوله ﴿مِن مَّشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ يعني به يوم القيامة وهو يوم ذو أهوال وشدائد لا يقادر قدرها.

وقوله تعالى في الآية [٣٨] ﴿أسْمِعْ بِهِمْ وأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا﴾ يخبر تعالى أن هؤلاء المتعامين اليوم عن الحق لا يريدون أن يبصروا آثاره الدالة عليه فيؤمنوا ويوحدوا ويعبدوا، والمتصاممين عن سماع الحجج والبراهين وتوحيد الله وتنزيهه عن الشريك والولد هؤلاء يوم يقدمون عليه تعالى في عرصات القيامة يصبحون أقوى ما يكون أبصاراً وسمعاً، ولكن حين لا ينفعهم سمع ولا بصر، وقوله تعالى: ﴿لَٰكِنِ ٱلظّالِمُونَ ٱلْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ﴾ يخبر تعالى أن أهل الشرك والكفر وهم الظالمون في ضلال مبين أي عن طريق الهدى وهو سبب عدم إبصارهم للحق وسماعهم لحججه التي جاءت بها رسل الله ونزلت بها كتبه.

وقوله تعالى في آية [٣٩] ﴿وأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلْحَسْرَةِ إذْ قُضِيَ ٱلأَمْرُ وهُمْ فِي غَفْلَةٍ وهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ يأمر تعالى رسوله محمداً ﷺ بأن ينذر الكفار والمشركين أي يخوفهم عاقبة شركهم وكفرهم وضلالهم يوم القيامة حيث تشتد فيه الحسرة وتعظم الندامة وذلك عندما يتوارث الموحدون مع المشركين فالموحدون يرثون منازل المشركين في الجنة، والمشركون يرثون منازل الموحدين في النار، وعندما يؤتى بالموت في صورة كبش فيذبح بين الجنة والنار، وينادي منادٍ يا أهل الجنة خلود فلا موت؟ ويا أهل النار خلود فلا موت عندها تشتد الحسرة ويعظم الندم هذا معنى قوله تعالى ﴿وأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلْحَسْرَةِ إذْ قُضِيَ ٱلأَمْرُ وهُمْ فِي غَفْلَةٍ﴾ عما حكم عليهم به من الخلود في نار جهنم ﴿وهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ بالبعث ولا بما يتم فيه من نعيم مقيم وعذاب أليم. وقوله تعالى: ﴿إنّا نَحْنُ نَرِثُ ٱلأَرْضَ ومَن عَلَيْها وإلَيْنا يُرْجَعُونَ﴾ يخبر تعالى عن نفسه بأنه الوارث للأرض ومن عليها ومعنى هذا أنه حكم بفناء، هذه المخلوقات وأن يوماً سيأتي يفنى فيه كل من عليها، والجميع سيرجعون إليه ويقفون بين يديه ويحاسبهم بما كتبت أيديهم ويجزيهم به، ولذا فلا تحزن أيها الرسول وامض في دعوتك تبلغ عن ربك ولا يضرك تكذيب المكذبين ولا شرك المشركين.

هداية الآيات

من هداية الآيات:

١- تقرير أن عيسى عبد الله ورسوله، وليس كما قال اليهود، ولا كما قالت النصارى.

٢- استحالة اتخاذ الله الولد الذي يقول للشيء كن فيكون.

٣- تقرير التوحيد على لسان عيسى عليه السلام.

٤- الإخبار بما عليه النصارى من خلاف في شأن عيسى عليه السلام.

٥- بيان سبب الحسرة يوم القيامة وهو الكفر بالله والشرك به.

٦- تقرير فناء الدنيا، ورجوع الناس إلى ربهم بعد بعثهم وهو تقرير لعقيدة البعث والجزاء التي تعالجها السور المكية في القرآن الكريم.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском