Al-Jaza'iriAl‑Mu'minun · 23:1–44

Al-Jaza'iri · Tafsir · in Arabic

المؤمنون

Al-Mu'minun

The Believers · Meccan · 118 ayahs

23:1–11Page 342

قَدۡ أَفۡلَحَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ١

Certainly will the believers have succeeded:

ٱلَّذِينَ هُمۡ فِي صَلَاتِهِمۡ خَٰشِعُونَ ٢

They who are during their prayer humbly intent

وَٱلَّذِينَ هُمۡ عَنِ ٱللَّغۡوِ مُعۡرِضُونَ ٣

And they who turn away from ill speech

وَٱلَّذِينَ هُمۡ لِلزَّكَوٰةِ فَٰعِلُونَ ٤

And they who are observant of zakāh

وَٱلَّذِينَ هُمۡ لِفُرُوجِهِمۡ حَٰفِظُونَ ٥

And they who guard their private parts

إِلَّا عَلَىٰٓ أَزۡوَٰجِهِمۡ أَوۡ مَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُهُمۡ فَإِنَّهُمۡ غَيۡرُ مَلُومِينَ ٦

Except from their wives or those their right hands possess,1 for indeed, they will not be blamed -

فَمَنِ ٱبۡتَغَىٰ وَرَآءَ ذَٰلِكَ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡعَادُونَ ٧

But whoever seeks beyond that, then those are the transgressors -

وَٱلَّذِينَ هُمۡ لِأَمَٰنَٰتِهِمۡ وَعَهۡدِهِمۡ رَٰعُونَ ٨

And they who are to their trusts and their promises attentive

وَٱلَّذِينَ هُمۡ عَلَىٰ صَلَوَٰتِهِمۡ يُحَافِظُونَ ٩

And they who carefully maintain their prayers -

أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡوَٰرِثُونَ ١٠

Those are the inheritors

ٱلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلۡفِرۡدَوۡسَ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ١١

Who will inherit al-Firdaus.1 They will abide therein eternally.

شرح الكلمات:

قد أفلح المؤمنون: أي فاز قطعاً بالنجاة من النار ودخول الجنة المؤمنون.

في صلاتهم خاشعون: أي ساكنون متطامنون لا يتلفتون بعين ولا قلب وهم بين يدي ربهم.

عن اللغو معرضون: اللغو كل ما لا رِضىً فيه لله من قول وعمل وتفكير، معرضون أي منصرفون عنه.

للزكاة فاعلون: أي مؤدون.

لفروجهم حافظون: أي صائنون لها عن النظر إليها لا يكشفونها وعن إتيان الفاحشة.

أو ما ملكت أيمانهم: من الجواري والسَّراري إن وجدن.

فمن ابتغى وراء ذلك: أي طلب ما دون زوجته وجاريته المملوكة شرعياً.

فأولئك هم العادون: أي الظالمون المعتدون على حدود الشرع.

راعون: أي حافظون لأماناتهم وعهودهم.

الفردوس: أعلى درجة في الجنة في أعلى جنة.

معنى الآيات:

قوله تعالى: ﴿قَدْ أفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ﴾ يخبر تعالى وهو الصادق الوعد بفلاح المؤمنين وقد بين تعالى في آية آل عمران معنى الفلاح وهو الفوز بالنجاة من النار ودخول الجنة ووصف هؤلاء المؤمنين المفلحين بصفات من جمعها متصفاً بها فقد ثبت له الفلاح وأصبح من الوارثين الذين يرثون الفردوس يخلدون فيها وتلك الصفات هي:

(١) الخشوع في الصلاة بأن يسكن فيها المصلي فلا يلتفت فيها برأسه ولا بطرفه ولا بقلبه مع رقة قلب ودموع عين وهذه أكمل حالات الخشوع في الصلاة، ودونها أن يطمئن ولا يتلفت برأسه ولا بعينه ولا بقلبه في أكثرها. هذه الصفة تضمنها قوله تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾.

(٢) إعراضهم عن اللغو وهو كل قول وعمل وفكر لم يكن فيه لله تعالى إذن به ولا رضى فيه ومعنى إعراضهم عنه: إنصرافهم عنه وعدم التفاتهم إليه، وقد تضمن هذه الصفة قوله تعالى: ﴿وٱلَّذِينَ هُمْ عَنِ ٱللَّغْوِ مُّعْرِضُونَ﴾.

(٣) فعلهم الزكاة أي أداؤهم لفريضة الزكاة الواجبة من أموالهم الناطقة كالمواشي والصامتة كالنقدين والحبوب والثمار، وفعلهم لكل ما يزكي النفس من الصالحات وقد تضمن هذه الصفة قوله تعالى: ﴿وٱلَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ﴾.

(٤) حفظ فروجهم من كشفها ومن وطء غير الزوج أو الجارية المملوكة بوجه شرعي وقد تضمن هذه الصفة قوله تعالى: ﴿وٱلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ إلاَّ عَلىٰ أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ فَإنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ في إتيان أزواجهم وما ملكت أيمانهم، ولكن اللوم والعقوبة على من طلب هذا المطلب من غير زوجه وجاريته ﴿فَأُوْلَٰئِكَ هُمُ ٱلْعادُونَ﴾ أي الظالمون المعتدون حيث تجاوزوا ما أحل الله لهم ما حرم عليهم.

(٥) مراعاة الأمانات والعهود بمعنى محافظتهم على ما ائتمنوا عليه من قول أو عمل ومن ذلك سائر التكاليف الشرعية حتى الغسل من الجنابة فإنه من الأمانة وعلى عهودهم وسائر عقودهم الخاصة والعامة فلا خيانة ولا نكث ولا خُلْف وقد تضمن هذا قوله تعالى: ﴿وٱلَّذِينَ هُمْ لأَماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ أي حافظون.

(٦) المحافظة على الصلوات الخمس بأدائها في أوقاتها المحددة لها فلا يقدمونها ولا يؤخرونها مع المحافظة على شروطها من طهارة الخبث وطهارة الحدث وإتمام ركوعها وسجودها واستكمال أكثر سننها وآدابها وقد تضمن هذه الصفة قوله تعالى: ﴿وٱلَّذِينَ هُمْ عَلىٰ صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾.

فهذه ست صفات إجمالاً وسبع صفات تفصيلاً فمن اتصف بها كمل إيمانه وصدق عليه اسم المؤمن وكان من المفلحين الوارثين للفردوس الأعلى جعلنا الله تعالى منهم.

هداية الآيات

من هداية الآيات:

١- وجوب الخشوع في الصلاة.

٢- تحريم نكاح المتعة لأن المتمتع بها ليست زوجة لأنها لا ترث ولا تورث بخلاف الزوجة فإنها لها الربع والثمن، ولزوجها النصف والربع، لأن نكاح المتعة هو النكاح إلى أجل معين قد يكون شهراً أو أكثر أو أقل.

٣- تحريم العادة السريّة وهي نكاح اليد وسحاق المرأة لأن ذلك ليس بنكاح زوجة ولا جارية مملوكة.

٤- وجوب أداء الزكاة ووجوب حفظ الأمانات ووجوب الوفاء بالعهود ووجوب المحافظة على الصلوات.

٥- تقرير حكم التوارث بين أهل الجنة وأهل النار فأهل الجنة يرثون منازل أهل النار وأهل النار يرثون منازل أهل الجنة اللهم اجعلنا من الوارثين الذين يرثون الفردوس.

23:12–16Page 342

وَلَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ مِن سُلَٰلَةٖ مِّن طِينٖ ١٢

And certainly did We create man from an extract of clay.

ثُمَّ جَعَلۡنَٰهُ نُطۡفَةٗ فِي قَرَارٖ مَّكِينٖ ١٣

Then We placed him as a sperm-drop1 in a firm lodging [i.e., the womb].

ثُمَّ خَلَقۡنَا ٱلنُّطۡفَةَ عَلَقَةٗ فَخَلَقۡنَا ٱلۡعَلَقَةَ مُضۡغَةٗ فَخَلَقۡنَا ٱلۡمُضۡغَةَ عِظَٰمٗا فَكَسَوۡنَا ٱلۡعِظَٰمَ لَحۡمٗا ثُمَّ أَنشَأۡنَٰهُ خَلۡقًا ءَاخَرَۚ فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحۡسَنُ ٱلۡخَٰلِقِينَ ١٤

Then We made the sperm-drop into a clinging clot, and We made the clot into a lump [of flesh], and We made [from] the lump, bones, and We covered the bones with flesh; then We developed him into another creation. So blessed is Allāh, the best of creators.1

ثُمَّ إِنَّكُم بَعۡدَ ذَٰلِكَ لَمَيِّتُونَ ١٥

Then indeed, after that you are to die.

ثُمَّ إِنَّكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ تُبۡعَثُونَ ١٦

Then indeed you, on the Day of Resurrection, will be resurrected.

شرح الكلمات:

من سلالة: السلالة ما يستل من الشيء والمراد بها هنا ما استل من الطين لخلق آدم.

نطفة في قرار مكين: النطفة قطرة الماء أي المني الذي يفرزه الفحل، والقرار المكين الرحم المصون.

العلقة: الدم المتجمد الذي يعلق بالإصبع لو حاول أحد أن يرفعه بأصبعه كمح البيض.

والمضغة: قطعة لحم قدر ما يمضغ الآكل.

خلقاً آخر: أي غير تلك المضغة إذ بعد نفخ الروح فيها صارت إنساناً.

أحسن الخالقين: أي الصانعين فالله يصنع والناس يصنعون والله أحسن الصانعين.

معنى الآيات:

يخبر تعالى عن خلقه الإنسان آدم وذريته وفي ذلك تتجلى مظاهر قدرته وعلمه وحكمته والتي أوجبت عبادته وطاعته ومحبته وتعظيمه وتقديره فقال: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا ٱلإنْسانَ﴾ يعني آدم عليه السلام ﴿مِن سُلالَةٍ مِّن طِينٍ﴾ أي من خلاصة طين جمعه فأصبح كالحمإ المسنون فاستل منه خلاصته ومنها خلق آدم ونفخ فيه من روحه فكان بشراً سوياً ولله الحمد والمنة قوله: ﴿ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَّكِينٍ﴾ أي ثم جعلنا الإنسان الذي هو ولد آدم نطفة من صُلْبِ آدم ﴿فِي قَرارٍ مَّكِينٍ﴾ هو رحم حواء ﴿ثُمَّ خَلَقْنا ٱلنُّطْفَةَ﴾ المنحدرة من صلب آدم ﴿عَلَقَةً﴾ أي قطعة دم جامدة تعلق بالإصبع لو حاول الإنسان أن يرفعها بإصبعه، ﴿فَخَلَقْنا ٱلْعَلَقَةَ مُضْغَةً﴾ وهي قطعة لحم قدر ما يمضغ الآكل، ﴿فَخَلَقْنا ٱلْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنا ٱلْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أنشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ﴾ أي إنساناً آخر غير آدم الأب، وهكذا خلق الله عز وجل آدم وذريته، ﴿فَتَبارَكَ ٱللَّهُ أحْسَنُ ٱلْخالِقِينَ﴾. وقد يصدق هذا على كون الإنسان هو خلاصة عناصر شتى استحالت إلى نطفة الفحل ثم استحالت إلى علقة فمضغة فنفخ فيها الروح فصارت إنساناً آخر بعد أن كانت جماداً لا روح فيها وقوله تعالى: ﴿فَتَبارَكَ ٱللَّهُ أحْسَنُ ٱلْخالِقِينَ﴾ فأثنى الله تعالى على نفسه بما هو أهله أي تعاظم أحسن الصانعين، إذ لا خالق إلا هو ويطلق لفظ الخلق على الصناعة فحسن التعبير بلفظ أحسن الخالقين.

وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إنَّكُمْ بَعْدَ ذٰلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ أي بعد خلقنا لكم تعيشون المدة التي حددناها لكم ثم تموتون، ﴿ثُمَّ إنَّكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ أحياء للحساب والجزاء لتحيوا حياة أبدية لا يعقبها موت ولا فناء ولا بلاء.

هداية الآيات

من هداية الآيات:

١- بيان مظاهر قدرة الله وعلمه وحكمته.

٢- بيان خلق الإنسان والأطوار التي يمر بها.

٣- بيان مآل الإنسان بعد خلقه.

٤- تقرير عقيدة البعث والجزاء التي أنكرها الملاحدة والمشركون.

23:17–22Page 342

وَلَقَدۡ خَلَقۡنَا فَوۡقَكُمۡ سَبۡعَ طَرَآئِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ ٱلۡخَلۡقِ غَٰفِلِينَ ١٧

And We have created above you seven layered heavens, and never have We been of [Our] creation unaware.

وَأَنزَلۡنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءَۢ بِقَدَرٖ فَأَسۡكَنَّٰهُ فِي ٱلۡأَرۡضِۖ وَإِنَّا عَلَىٰ ذَهَابِۭ بِهِۦ لَقَٰدِرُونَ ١٨

And We have sent down rain from the sky in a measured amount and settled it in the earth. And indeed, We are Able to take it away.

فَأَنشَأۡنَا لَكُم بِهِۦ جَنَّٰتٖ مِّن نَّخِيلٖ وَأَعۡنَٰبٖ لَّكُمۡ فِيهَا فَوَٰكِهُ كَثِيرَةٞ وَمِنۡهَا تَأۡكُلُونَ ١٩

And We brought forth for you thereby gardens of palm trees and grapevines in which for you are abundant fruits and from which you eat.

وَشَجَرَةٗ تَخۡرُجُ مِن طُورِ سَيۡنَآءَ تَنۢبُتُ بِٱلدُّهۡنِ وَصِبۡغٖ لِّلۡأٓكِلِينَ ٢٠

And [We brought forth] a tree issuing from Mount Sinai which produces oil and food [i.e., olives] for those who eat.

وَإِنَّ لَكُمۡ فِي ٱلۡأَنۡعَٰمِ لَعِبۡرَةٗۖ نُّسۡقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمۡ فِيهَا مَنَٰفِعُ كَثِيرَةٞ وَمِنۡهَا تَأۡكُلُونَ ٢١

And indeed, for you in livestock is a lesson. We give you drink from that which is in their bellies, and for you in them are numerous benefits, and from them you eat.

وَعَلَيۡهَا وَعَلَى ٱلۡفُلۡكِ تُحۡمَلُونَ ٢٢

And upon them and on ships you are carried.

شرح الكلمات:

سبع طرائق: أي سبع سماوات كل سماء يقال لها طريقة لأن بعضها مطروق فوق بعض.

ماء بقدر: أي بمقدار معين لا يزيد ولا ينقص.

من طور سيناء: جبل يقال له جبل طور سيناء.

تنبت بالدهن: أي تنبت بثمر فيه الدهن وهو الزيت.

وصبغ للآكلين: أي يغمس الآكل فيه اللقمة ويأكلها.

في الأنعام لعبرة: الأنعام الإبل والبقر والغنم والعبرة فيها تحصل لمن تأمل خلقها ومنافعها.

مما في بطونها: أي من اللبن.

منافع كثيرة: كالوبر والصوف واللبن والركوب.

ومنها تأكلون: أي من لحومها.

تحملون: أي تركبون الإبل في البر وتركبون السفن في البحر.

معنى الآيات:

ما زال السياق في ذكر نعمه تعالى على الإنسان لعل هذا الإنسان يذكر فيشكر فقال تعالى: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَآئِقَ﴾ أي سموات سماء فوق سماء أي طريقة فوق طريقة وطبقاً فوق طبق وقوله تعالى: ﴿وما كُنّا عَنِ ٱلْخَلْقِ غافِلِينَ﴾ أي ولم نكن غافلين عن خلقنا وبذلك انتظم الكون والحياة، وإلا لخرب كل شيء وفسد وقوله تعالى: ﴿وأَنزَلْنا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً بِقَدَرٍ﴾ هو ماء المطر أي بكميات على قدر الحاجة وقوله ﴿فَأَسْكَنَّٰهُ فِي ٱلأَرْضِ وإنّا عَلىٰ ذَهابٍ بِهِ لَقَٰدِرُونَ * فَأَنشَأْنا لَكُمْ بِهِ جَنّاتٍ﴾ أي أوجدنا لكم به بساتين من نخيل وأعناب ﴿لَّكُمْ فِيها﴾ أي في تلك البساتين ﴿فَواكِهُ كَثِيرَةٌ ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ أي ومن تلك الفواكه تأكلون وذكر النخيل والعنب دون غيرهما لوجودهما بين العرب فهم يعرفونهما أكثر من غيرهما فالنخيل بالمدينة والعنب بالطائف.

وقوله: ﴿وشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَآءَ﴾ أي وأنبت لكم به شجرة الزيتون وهي ﴿تَنبُتُ بِٱلدُّهْنِ وصِبْغٍ لِّلآكِلِيِنَ﴾ فبزيتها يدهن ويؤتدم فتصبغ اللقمة به وتؤكل. وقوله: ﴿وإنَّ لَكُمْ فِي ٱلأَنْعامِ لَعِبْرَةً﴾ فتأملوها في خلقها وحياتها ومنافعها تعبرون بها إلى الإيمان والتوحيد والطاعة. وقوله: ﴿نُّسْقِيكُمْ مِّمّا فِي بُطُونِها﴾ من ألبان تخرج من بين فرث ودم، وقوله: ﴿ولَكُمْ فيِها مَنافِعُ كَثِيرَةٌ﴾ كصوفها ووبرها ولبنها وأكل لحومها. وقوله: ﴿وعَلَيْها وعَلى ٱلْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ وعلى بعضها كالإبل تحملون في البر وعلى السفن في البحر، أفلا تشكرون لله هذه النعم فتذكروه وتشكروه أليست هذه النعم موجبة لشكر المنعم بها فيُعبد ويوحد في عبادته؟.

هداية الآيات

من هداية الآيات:

١- بيان قدرة الله تعالى وعظمته في خلق السماوات طرائق وعدم غفلته عن سائر خلقه فسار كل شيء لما خلق له فثبت الكون وانتظمت الحياة.

٢- بيان إفضال الله تعالى في إنزال الماء بقدر وإسكانه في الأرض وعدم إذهابه مما يوجب الشكر لله تعالى على عباده.

٣- بيان منافع الزيت حيث هو للدهن والائتدام والإستصباح.

٤- فضل الله على العباد في خلق الأنعام والسفن للانتفاع بالأنعام في جوانب كثيرة منها، وفي السفن للركوب عليها وحمل السلع والبضائع من إقليم إلى إقليم.

٥- وجوب شكر الله تعالى على انعامه وذلك بالإيمان به وعبادته وتوحيده فيها.

23:23–26Page 343

وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوۡمِهِۦ فَقَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥٓۚ أَفَلَا تَتَّقُونَ ٢٣

And We had certainly sent Noah to his people, and he said, "O my people, worship Allāh; you have no deity other than Him; then will you not fear Him?"

فَقَالَ ٱلۡمَلَؤُاْ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوۡمِهِۦ مَا هَٰذَآ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُكُمۡ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيۡكُمۡ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَأَنزَلَ مَلَٰٓئِكَةٗ مَّا سَمِعۡنَا بِهَٰذَا فِيٓ ءَابَآئِنَا ٱلۡأَوَّلِينَ ٢٤

But the eminent among those who disbelieved from his people said, "This is not but a man like yourselves who wishes to take precedence over you; and if Allāh had willed [to send a messenger], He would have sent down angels. We have not heard of this among our forefathers.

إِنۡ هُوَ إِلَّا رَجُلُۢ بِهِۦ جِنَّةٞ فَتَرَبَّصُواْ بِهِۦ حَتَّىٰ حِينٖ ٢٥

He is not but a man possessed with madness, so wait concerning him for a time."

قَالَ رَبِّ ٱنصُرۡنِي بِمَا كَذَّبُونِ ٢٦

[Noah] said, "My Lord, support me because they have denied me."

شرح الكلمات:

اعبدوا الله: أي وحدوه بالعبادة إذ ليس لكم من إله غيره.

أفلا تتقون: أي أتعبدون معه غيره فغلا تخافون غضبه وعقابه.

الملأ: أي أعيان البلاد وكبراء القوم.

ما هذا إلا بشر مثلكم: أي ما نوح إلا بشر مثلكم فكيف تطيعونه بقبول ما يدعوكم إليه.

أن يتفضل عليكم: أي يسودكم ويصبح آمراً ناهياً بينكم.

ولو شاء الله لأنزل ملائكة: أي لو شاء الله إرسال رسول لأنزل ملائكة رسلا.

رجل به جنة: أي مصاب بمس من جنون.

فتربصوا به حتى حين: أي فلا تسمعوا له ولا تطيعوه وانتظروا به هلاكه أو شفاءه.

معنى الآيات:

هذا السياق بداية عدة قصص ذكرت على إثر قصة بدأ خلق الإنسان الأول آدم عليه السلام فقال تعالى: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحاً﴾ أي قبلك يا رسولنا فكذبوه. كما كذبك قومك وإليك قصته إذ قال يا قوم اعبدوا الله أي وحدوه في العبادة، ولا تعبدوا معه غيره ﴿ما لَكُمْ مِّنْ إلَٰهٍ غَيْرُهُ﴾ أي إذ ليس لكم من إله غيره يستحق عبادتكم. وقوله: ﴿أفَلا تَتَّقُونَ﴾ أي أتعبدون معه غيره أفلا تخافون غضبه عليكم ثم عقابه لكم؟.

فأجابه قومه المشركون بما أخبر تعالى به عنهم في قوله: ﴿فَقالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ﴾ أي فرد عليه قوله أشرافهم وأهل الحل والعقد فيهم من أغنياء وأعيان ممن كفروا من قومه ﴿ما هَٰذا﴾ أي نوح ﴿إلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُرِيدُ أن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ﴾ أي يسود ويشرف فادعى أنه رسول الله إليكم ﴿ولَوْ شَآءَ ٱللَّهُ﴾ أي أن لا نعبد معه سواه ﴿لأَنزَلَ مَلائِكَةً﴾ تخبرنا بذلك ﴿مّا سَمِعْنا بِهَٰذا﴾ أي بالذي جاء به نوح ودعا إليه من ترك عبادة آلهتنا ﴿فِيۤ آبَآئِنا ٱلأَوَّلِينَ﴾ أي لم يقل به أحد من أجدادنا السابقين ﴿إنْ هُوَ إلاَّ رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ﴾ أي ما نوح إلا رجل به مس من جنون، وإلا لما قال هذا الذي يقول من تسفيهنا وتسفيه آبائنا ﴿فَتَرَبَّصُواْ بِهِ حَتّىٰ حِينٍ﴾ أي انتظروا به أجله حتى يموت، ولا تتركوا دينكم لأجله وهنا وبعد قرون طويلة بلغت ألف سنة إلا خمسين شكا نوح إلى ربه وطلب النصر منه فقال ما أخبر تعالى به عنه ﴿قالَ رَبِّ ٱنصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ﴾ أي أهلكهم بسبب تكذيبهم إياي وانصرني عليهم.

هداية الآيات

من هداية الآيات:

١- إثبات النبوة المحمدية بذكر أخبار الغيب التي لا تعلم إلا من طريق الوحي.

٢- تقرير التوحيد بذكر دعوة الرسل أقوامهم إليه.

٣- بيان سنة من سنن البشر وهي أن دعوة الحق أول من يردها الكبراء من أهل الكفر.

٤- بيان كيف يرد الظالمون دعوة الحق بإتهام الدعاة بما هم براء منه كالجنون وغيره من الاتهامات كالعمالة لفلان والتملق لفلان..

23:27–30Page 343

فَأَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡهِ أَنِ ٱصۡنَعِ ٱلۡفُلۡكَ بِأَعۡيُنِنَا وَوَحۡيِنَا فَإِذَا جَآءَ أَمۡرُنَا وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ فَٱسۡلُكۡ فِيهَا مِن كُلّٖ زَوۡجَيۡنِ ٱثۡنَيۡنِ وَأَهۡلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيۡهِ ٱلۡقَوۡلُ مِنۡهُمۡۖ وَلَا تُخَٰطِبۡنِي فِي ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ إِنَّهُم مُّغۡرَقُونَ ٢٧

So We inspired to him, "Construct the ship under Our observation and Our inspiration, and when Our command comes and the oven overflows,1 put into it [i.e., the ship] from each [creature] two mates and your family, except him for whom the decree [of destruction] has proceeded. And do not address Me concerning those who have wronged; indeed, they are to be drowned.

فَإِذَا ٱسۡتَوَيۡتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى ٱلۡفُلۡكِ فَقُلِ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي نَجَّىٰنَا مِنَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ٢٨

And when you have boarded the ship, you and those with you, then say, 'Praise to Allāh who has saved us from the wrongdoing people.'

وَقُل رَّبِّ أَنزِلۡنِي مُنزَلٗا مُّبَارَكٗا وَأَنتَ خَيۡرُ ٱلۡمُنزِلِينَ ٢٩

And say, 'My Lord, let me land at a blessed landing place, and You are the best to accommodate [us].'"

إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ وَإِن كُنَّا لَمُبۡتَلِينَ ٣٠

Indeed in that are signs, and indeed, We are ever testing [Our servants].

شرح الكلمات:

فأوحينا إليه أن اصنع: أي أعلمناه بطريق سريع خفي أي اصنع الفلك.

بأعيننا ووحيينا: أي بمرأى منا ومنظر، وبتعليمنا إياك صنعها.

وفار التنور: تنور الخباز فار منه الماء آية بداية الطوفان.

فاسلك فيها: أي أدخل في السفينة.

وأهلك: أولادك ونساءك.

ولا تخاطبني في الذين ظلموا: أي لا تكلمني في شأن الظالمين فإني حكمت بإغراقهم.

وقل رب: أي وادعني قائلاً يا رب أنزلني منزلاً مباركاً من الأرض.

إن في ذلك لآيات: أي لدلائل وعبر.

وإن كنا لمبتلين: أي لمختبرين.

معنى الآيات:

ما زال السياق الكريم في ذكر قصة نوح عليه السلام مع قومه فقد جاء في الآيات السابقة أن نوحاً عليه السلام دعا ربه مستنصراً إياه لينصره على قومه الذين كذبوه قائلاً: ﴿رَبِّ ٱنصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ﴾ [المؤمنون: ٢٦] فاستجاب الله تعالى دعاءه فأوحى إليه أي أعلمه بطريق الوحي الخاص ﴿أنِ ٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ﴾ أي السفينة ﴿بِأَعْيُنِنا ووَحْيِنا﴾ أي بمرأى منا ومنظر وبتعليمنا إياك وجعل له علامة على بداية هلاك القوم أن يفور التنور تنور طبخ الخبز بالماء وأمره إذا رأى تلك العلامة أن يدخل في السفينة من كل زوج أي ذكر وأنثى اثنين من سائر الحيوانات التي أمكنه ذلك منه وأن يركب فهيا أيضاً أهله من زوجة وولد إلا من قضى الله بهلاكه ونهاه أن يكلمه في شأن الظالمين لأنهم مغرقون قطعاً. هذا ما تضمنته الآية الأولى [٢٧] ﴿فَأَوْحَيْنَآ إلَيْهِ أنِ ٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا ووَحْيِنا فَإذا جَآءَ أمْرُنا﴾ أي بإهلاك الظالمين المشركين ﴿وفارَ ٱلتَّنُّورُ فَٱسْلُكْ فِيها﴾ أي في السفينة ﴿مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ وأَهْلَكَ﴾ أي أزواجك وأولادك ﴿إلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ مِنهُمْ﴾ أي بإهلاكهم كامرأته، ﴿ولا تُخاطِبْنِي فِي ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ﴾ أي لا تسألني عنهم فإني مهلكهم.

وقوله تعالى: ﴿فَإذا ٱسْتَوَيْتَ أنتَ ومَن مَّعَكَ عَلى ٱلْفُلْكِ﴾ أي إذا ركبت واستقررْت على متن السفينة أنت ومن معك من المؤمنين فاحمدنا فقل الحمد لله الذي نجانا من القوم الظالمين وادعنا ضارعاً إلينا قائلاً ﴿رَّبِّ أنزِلْنِي مُنزَلاً مُّبارَكاً﴾ أي من الأرض، وأثْن علينا خيراً فقل ﴿وأَنتَ خَيْرُ ٱلْمُنزِلِينَ﴾ وقوله تعالى: ﴿إنَّ فِي ذٰلِكَ لآياتٍ﴾ أي المذكور من قصة نوح لدلائل على قدرة الله وعلمه ورحمته وحكمته ووجوب الإيمان به وتوحيده في عبادته. وقوله: ﴿وإن كُنّا لَمُبْتَلِينَ﴾ أي مختبرين عبادنا بالخير والشر ليرى الكافر من المؤمن، والمطيع من العاصي ويتم الجزاء حسب ذلك إظهاراً للعدالة الإلهية والرحمة الربانية.

هداية الآيات:

من هداية الآيات:

١- إثبات الوحي الإلهي وتقرير النبوة المحمدية.

٢- تقرير حادثة الطوفان المعروفة لدى المؤرخين.

٣- بيان عاقبة الظلم وأنه هلاك الظالمين.

٤- سنية قول بسم الله والحمد لله سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين، وإنا إلى ربنا لمنقلبون عند ركوب الدابة أو السفينة ونحوها كالسيارة والطيارة.

٥- استحباب الدعاء وسؤال الله تعالى ما العبد في حاجة إليه من خير الدنيا.

٦- بيان سر ذكر قصة نوح وهو ما فيها من العظات والعبر.

23:31–38Page 344

ثُمَّ أَنشَأۡنَا مِنۢ بَعۡدِهِمۡ قَرۡنًا ءَاخَرِينَ ٣١

Then We produced after them a generation of others.

فَأَرۡسَلۡنَا فِيهِمۡ رَسُولٗا مِّنۡهُمۡ أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥٓۚ أَفَلَا تَتَّقُونَ ٣٢

And We sent among them a messenger1 from themselves, [saying], "Worship Allāh; you have no deity other than Him; then will you not fear Him?"

وَقَالَ ٱلۡمَلَأُ مِن قَوۡمِهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِلِقَآءِ ٱلۡأٓخِرَةِ وَأَتۡرَفۡنَٰهُمۡ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا مَا هَٰذَآ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُكُمۡ يَأۡكُلُ مِمَّا تَأۡكُلُونَ مِنۡهُ وَيَشۡرَبُ مِمَّا تَشۡرَبُونَ ٣٣

And the eminent among his people who disbelieved and denied the meeting of the Hereafter while We had given them luxury in the worldly life said, "This is not but a man like yourselves. He eats of that from which you eat and drinks of what you drink.

وَلَئِنۡ أَطَعۡتُم بَشَرٗا مِّثۡلَكُمۡ إِنَّكُمۡ إِذٗا لَّخَٰسِرُونَ ٣٤

And if you should obey a man like yourselves, indeed, you would then be losers.

أَيَعِدُكُمۡ أَنَّكُمۡ إِذَا مِتُّمۡ وَكُنتُمۡ تُرَابٗا وَعِظَٰمًا أَنَّكُم مُّخۡرَجُونَ ٣٥

Does he promise you that when you have died and become dust and bones that you will be brought forth [once more]?

۞ هَيۡهَاتَ هَيۡهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ ٣٦

How far, how far, is that which you are promised.1

إِنۡ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا ٱلدُّنۡيَا نَمُوتُ وَنَحۡيَا وَمَا نَحۡنُ بِمَبۡعُوثِينَ ٣٧

It [i.e., life] is not but our worldly life - we die and live, but we will not be resurrected.

إِنۡ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبٗا وَمَا نَحۡنُ لَهُۥ بِمُؤۡمِنِينَ ٣٨

He is not but a man who has invented a lie about Allāh, and we will not believe him."

شرح الكلمات:

ثم أنشأنا من بعدهم قَرْناً آخرين: أي خلقنا من بعد قوم نوح الهالكين قوماً آخرين هم عاد قوم هود.

رسولاً منهم: هو هود عليه السلام.

أن اعبدوا الله ما لكم من إله غيره: أي قولوا لا إله إلا الله فاعبدوا الله وحده.

وأترفناهم: أي أنعمنا عليهم بالمال وسعة العيش.

أنكم مخرجون: أي أحياء من قبوركم بعد موتكم.

هيهات هيهات: أي بَعُدَ بُعْداً كبيراً وقوعُ ما يعدكم.

إن هي إلا حياتنا الدنيا: أي ما هي إلا حياتنا الدنيا وليس وراءها حياة أخرى.

إن هو إلا رجل: أي ما هو إلا رجلٌ افترى على الله كذباً أي كذب على الله تعالى.

معنى الآيات:

هذه بداية قصة هود عليه السلام بعد قصة نوح عليه السلام أيضاً فقال تعالى: ﴿ثُمَّ أنشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ﴾ أي خلقنا وأوجدنا من بعد قوم نوح الهالكين قوماً آخرين هم عاد قوم هود ﴿فَأَرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ﴾ هو هود عليه السلام بأن قال لهم: ﴿أنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ ما لَكُمْ مِّنْ إلَٰهٍ غَيْرُهُ﴾ أي اعبدوا الله بطاعته وإفراده بالعبادة إذا لا يوجد لكم إله غير الله تصح عبادته إذ الخالق لكم الرازق الله وحده فغيره لا يستحق العبادة بحال من الأحوال وقوله: ﴿أفَلا تَتَّقُونَ﴾ يحثهم على الخوف من الله ويأمرهم به قبل أن تنزل بهم عقوبته.

وقوله تعالى: ﴿وقالَ ٱلْمَلأُ مِن قَوْمِهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ أي وقال أعيان البلاد وأشرافها من قوم هود ممن كفروا بالله ورسوله وكذبوا بالبعث والجزاء في الدار الآخرة وقد أترفهم الله تعالى: بالمال وسعة الرزق فأسرفوا في الملاذ والشهوات: قالوا: وماذا قالوا؟: قالوا ما أخبرنا تعالى به عنهم بقوله: ﴿ما هَٰذا إلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ﴾ أي ما هذا الرسول إلا بشر مثلكم ﴿يَأْكُلُ مِمّا تَأْكُلُونَ مِنهُ﴾ من أنواع الطعام ﴿ويَشْرَبُ مِمّا تَشْرَبُونَ﴾ من ألوان الشراب أي فلا فرق بينكم وبينه فكيف ترضون بسيادته عليكم يأمركم وينهاكم. وقالوا: ﴿ولَئِنْ أطَعْتُمْ بَشَراً مِّثْلَكُمْ إنَّكُمْ إذاً لَّخاسِرُونَ﴾ أي خاسرون حياتكم ومكانتكم، وقالوا: ﴿أيَعِدُكُمْ أنَّكُمْ إذا مِتُّمْ وكُنتُمْ تُراباً وعِظاماً﴾ أي فنيتم وصرتم تراباً ﴿أنَّكُمْ مُّخْرَجُونَ﴾ أي أحياء من قبوركم. وقالوا: ﴿هَيْهاتَ هَيْهاتَ﴾ أي بَعُد بُعْداً كبيراً ما يعدكم به هود إنها ما ﴿هِيَ إلاَّ حَياتُنا ٱلدُّنْيا﴾ أي ﴿نَمُوتُ ونَحْيا﴾ جيل يموت وجيل يحيا ﴿وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ وقالوا: ﴿إنْ هُوَ إلاَّ رَجُلٌ ٱفتَرىٰ عَلىٰ ٱللَّهِ كَذِباً﴾ أي اختلق الكذب على الله وقال عنه أنه يبعثكم ويحاسبكم ويجزيكم بكسبكم. وقالوا ﴿وما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾ هذه مقالتهم ذكرها تعالى عنهم وهي مصرحة بكفرهم وتكذيبهم وإلحادهم وما سيقوله هود عليه السلام سيأتي في الآيات بعد.

هداية الآيات:

من هداية الآيات:

١- بيان سنة الله تعالى في إرسال الرسل، وما تبتدىء به دعوتهم وهو لا إله إلا الله.

٢- أهل الكفر لا يصدر عنهم إلا ما هو شر وباطل لفساد قلوبهم.

٣- الترف يسبب كثيراً من المفاسد والشرور، ولهذا يجب أن يُحذَرْ بالاقتصاد.

٤- تقرير عقيدة البعث والجزاء وإثباتها وهي ما ينكره الملاحدة هروباً من الاستقامة.

٥- تُكأة عامة المشركين وهي كيف يكون الرسول رجلا من البشر، دفعاً للحق وعدم قبوله.

23:39–44Page 344

قَالَ رَبِّ ٱنصُرۡنِي بِمَا كَذَّبُونِ ٣٩

He said, "My Lord, support me because they have denied me."

قَالَ عَمَّا قَلِيلٖ لَّيُصۡبِحُنَّ نَٰدِمِينَ ٤٠

[Allāh] said, "After a little, they will surely become regretful."

فَأَخَذَتۡهُمُ ٱلصَّيۡحَةُ بِٱلۡحَقِّ فَجَعَلۡنَٰهُمۡ غُثَآءٗۚ فَبُعۡدٗا لِّلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ٤١

So the shriek1 seized them in truth,2 and We made them as [plant] stubble. Then away with the wrongdoing people.

ثُمَّ أَنشَأۡنَا مِنۢ بَعۡدِهِمۡ قُرُونًا ءَاخَرِينَ ٤٢

Then We produced after them other generations.

مَا تَسۡبِقُ مِنۡ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسۡتَـٔۡخِرُونَ ٤٣

No nation will precede its time [of termination], nor will they remain [thereafter].

ثُمَّ أَرۡسَلۡنَا رُسُلَنَا تَتۡرَاۖ كُلَّ مَا جَآءَ أُمَّةٗ رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُۖ فَأَتۡبَعۡنَا بَعۡضَهُم بَعۡضٗا وَجَعَلۡنَٰهُمۡ أَحَادِيثَۚ فَبُعۡدٗا لِّقَوۡمٖ لَّا يُؤۡمِنُونَ ٤٤

Then We sent Our messengers in succession. Every time there came to a nation its messenger, they denied him, so We made them follow one another [to destruction], and We made them narrations.1 So away with a people who do not believe.

شرح الكلمات:

عما قليل: أي عن قليل من الزمن.

ليصبحن نادمين: ليصيرن نادمين على كفرهم وتكذيبهم.

فأخذتهم الصيحة: أي صيحة العذاب والهلاك.

فجعلناهم غثاء: كغثاء السيل وهو ما يجمعه الوادي من العيدان والنبات اليابس.

فبعداً: أي هلاكاً لهم.

ثم أنشأنا: أي أوجدنا من بعدهم أهل قرون آخرين كقوم صالح وإبراهيم ولوط وشعيب.

تترا: أي يتبع بعضها بعضاً الواحدة عقب الأخرى.

وجعلناهم أحاديث: أي أهلكناهم وتركناهم قصصاً تقص وأخباراً تتناقل.

معنى الآيات:

هذا ما قال هود عليه السلام بعد الذي ذكر تعالى من أقوال قومه الكافرين ﴿قالَ رَبِّ﴾ أي يا رب ﴿ٱنْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ﴾ أي بسبب تكذيبهم لي وردهم دعوتي وإصرارهم على الكفر بك وعبادة غيرك فأجابه الرب تبارك وتعالى بقوله: ﴿عَمّا قَلِيلٍ لَّيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ﴾ أي بعد قليل من الوقت وعزتنا وجلالنا ليصبحن نادمين أي ليصيرن نادمين على كفرهم بي وإشراكهم في عبادتي وتكذيبهم إياك ولم يمض إلا قليل زمن حتى أخذتهم الصيحة صيحة الهلاك ضمن ريح صرصر في أيام نحسات فإذا هم غثاء كغثاء السبيل لا حياة فيهم ولا فائدة ترجى منهم ﴿فَبُعْداً لِّلْقَوْمِ ٱلظّالِمِينَ﴾ أي هلاكاً للظالمين بالشرك والتكذيب والمعاصي وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أنشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ قُرُوناً آخَرِينَ﴾ أي ثم أوجدنا بعد إهلاكنا عاداً أهل قرون آخرين كقوم صالح وقوم إبراهيم وقوم لوط وقوم شعيب. وقوله تعالى: ﴿ما تَسْبِقُ مِن أُمَّةٍ أجَلَها وما يَسْتَأْخِرُونَ﴾ أي أن كل أمة حكمنا بهلاكها لا يمكنها أن تسبق أجلها أي وقتها المحدود لها فتتقدمه كما لا يمكنها أن تتأخر عنه بحال.

وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا﴾ أي يتبع بعضها بعضاً ﴿كُلَّ ما جَآءَ أُمَّةً رَّسُولُها كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنا بَعْضَهُمْ بَعْضاً﴾ أي في الهلاك فكلما كذبت أمة رسولها ورفضت التوبة إلى الله والإنابة إليه أهلكها، وقوله تعالى ﴿وجَعَلْناهُمْ أحادِيثَ﴾ أي لمن بعدهم يذكرون أحوالهم ويروون أخبارهم ﴿فَبُعْداً﴾ أي هلاكاً منا ﴿لِّقَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ﴾ في هذا تهديد قوي لقريش المصرة على الشرك والتكذيب والعناد. وقد مضت فيهم سنة الله فأهلك المجرمين منها.

هداية الآيات:

من هداية الآيات:

١- استجابة الله دعوة المظلومين من عباده لا سيما إن كانوا عباداً صالحين.

٢- الآجال للأفراد أو الأمم لا تتقدم ولا تتأخر سنة من سنن الله تعالى في خلقه.

٣- تقرير حقيقة تاريخية علمية وهي أن الأمم السابقة كلها هلكت بتكذيبها وكفرها ولم ينج منها عند نزول العذاب بها إلا المؤمنون مع رسولهم.

٤- كرامة هذه الأمة المحمدية أن الله تعالى لا يهلكها هلاكاً عاماً بل تبقى بقاء الحياة تقوم بها الحجة لله تعالى على الأمم والشعوب المعاصرة لها طيلة الحياة.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском