Al-Jaza'iri · Tafsir · in Arabic
السجدة
As-Sajdah
The Prostration · Meccan · 30 ayahs
32:1–4Page 415
الٓمٓ ١
Alif, Lām, Meem.1
تَنزِيلُ ٱلۡكِتَٰبِ لَا رَيۡبَ فِيهِ مِن رَّبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٢
[This is] the revelation of the Book about which there is no doubt from the Lord of the worlds.
أَمۡ يَقُولُونَ ٱفۡتَرَىٰهُۚ بَلۡ هُوَ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوۡمٗا مَّآ أَتَىٰهُم مِّن نَّذِيرٖ مِّن قَبۡلِكَ لَعَلَّهُمۡ يَهۡتَدُونَ ٣
Or do they say, "He invented it"? Rather, it is the truth from your Lord, [O Muḥammad], that you may warn a people to whom no warner has come before you [so] perhaps they will be guided.
ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ مَا لَكُم مِّن دُونِهِۦ مِن وَلِيّٖ وَلَا شَفِيعٍۚ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ ٤
It is Allāh who created the heavens and the earth and whatever is between them in six days; then He established Himself above the Throne.1 You have not besides Him any protector or any intercessor; so will you not be reminded?
شرح الكلمات
الۤمۤ: هذا أحد الحروف المقطعة يكتب الۤمۤ، ويقرأ ألف لام ميم.
لا ريب فيه: أي لا شك في أنه نزل من ربّ العالمين.
أم يقولون افتراه: أي بل أيقولون أي المشركون اختلقه وكذبه.
قوما ما أتاهم من نذير: أي من زمن بعيد وهم قريش والعرب.
لعلهم يهتدون: أي بعد ضلالهم إلى الحق الذي هو دين الإسلام.
في ستة أيام: هي الأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس والجمعة.
ثم استوى على العرش: أي استوى على عرشه يدير أمر خليقته.
من ولي ولا شفيع }: أي ليس لكم أيها المشركون من دون الله وليّ يتولاكم ولا شفيع يشفع لكم.
أفلا تتذكرون: أي أفلا تتعظون بما تسمعون فتؤمنوا وتوحدوا.
معنى الآيات
قوله تعالى ﴿الۤمۤ﴾ هذه الحروف المقطعة في فواتح عدة سور الأسلم أن لا تؤول ويكتفى فيها بقول الله أعلم بمراده بها. وقد اخترنا من أقاويل المفسرين أنها أفادت فائدتين: الأولى أنه لما كان المشركون من قريش في مكة يمنعون سماع القرآن مخافة أن يتأثر السامع به فيؤمن ويوحد فكانت هذه الحروف تستهويهم بنغمها الخاص فيستمعون فينجذبون ويؤمن من شاء الله إيمانه وهدايته والثانية بقرينة ذكر الكتاب بعدها غالباً: أن هذا القرآن الكريم قد تألف من مثل هذه الحروف الۤمۤ، طسۤ، حمۤ، قۤ، فألفوا أيها المكذبون سورة من مثله وإلاّ فاعلموا أنه تنزيل من الله رب العالمين فلما عجزوا قامت عليهم الحجة ولم يبق شك في أنه تنزيل الله وكتابه أنزله على نبيه محمد ﷺ وقوله تعالى: ﴿تَنزِيلُ ٱلْكِتابِ﴾ أي القرآن الكريم ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ أي لا شك في أنه نزل من رب العالمين على محمد ﷺ. وليس بشعر ولا بسجع كهان، ولا أساطير الأولين وقوله تعالى: ﴿أمْ يَقُولُونَ ٱفْتَراهُ﴾ أي بل أيقولون افتراه محمد واختلقه وأتى به من تلقاء نفسه اللهم لا إنه لم يفتره ﴿بَلْ هُوَ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ﴾ أي جاءك من ربك وحياً أوحاه إليك، ﴿لِتُنذِرَ قَوْماً مَّآ أتاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ﴾ وهم مشركوا العرب لتنذرهم بأس الله وعذابه إن بقوا على شركهم وكفرهم، وقوله ﴿لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ أي رجاء أن يؤمنوا ويوحدوا فيهتدوا إلى الحق بعد ضلالهم فينجوا ويكملوا ويسعدوا وقوله: ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوٰتِ وٱلأَرْضَ وما بَيْنَهُما﴾ أي من مخلوقات ﴿فِي سِتَّةِ أيّامٍ﴾ من مثل أيام الدنيا أولها الأحد وأخرها الجمعة ولذا كانت الجمعة من أفضل الأيام ﴿ثُمَّ ٱسْتَوىٰ عَلى ٱلْعَرْشِ﴾ عرشه سبحانه وتعالى استوى استواء يليق به يدبر أمر مخلوقاته. الله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما هو الذي أنزل الكتاب وأرسل الرسول وهو الإله الحق الذي لا إله غيره ولا ربّ سواه ما للعرب ولا للبشرية كلها من إله غيره، وليس لها من غيره من وليّ يتولاها بالنصر والإنجاء إن أراد الله خذلانها وإهلاكها، وليس لها شفيع يشفع لها عنده إذا أراد الانتقام منها لشركها وشرها وفسادها وقوله: ﴿أفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ فتعلموا أيها العرب المشركون أنه لا إله لكم إلا الله فتعبدوه وتوحدوه فتنجوا من عذابه وتكملوا وتسعدوا في دنياكم وآخرتكم.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١) تقرير النبوة المحمدية بتقرير أن القرآن تنزيل الله ووحيه أوحاه إلى رسوله.
٢) إبطال ما كان المشركون يقولون في القرآن بأنه شعر وسجع كهان وأساطير الأولين.
٣) بيان الحكمة من إنزال القرآن على النبي ﷺ وهو الإنذار.
٤) بيان الزمان الذي خلق الله فيه السماوات والأرض وما بينهما.
٥) إثبات صفة الاستواء على العرش لله تعالى.
٦) تقرير أنه ما للبشرية من إله إلا الله وأنه ليس لها من دونه من وليّ ولا شفيع فما عليها إلا أن تؤمن بالله وتعبده فتكمل وتسعد على عبادته.
32:5–9Page 415
يُدَبِّرُ ٱلۡأَمۡرَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ إِلَى ٱلۡأَرۡضِ ثُمَّ يَعۡرُجُ إِلَيۡهِ فِي يَوۡمٖ كَانَ مِقۡدَارُهُۥٓ أَلۡفَ سَنَةٖ مِّمَّا تَعُدُّونَ ٥
He arranges [each] matter from the heaven to the earth; then it will ascend to Him in a Day, the extent of which is a thousand years of those which you count.
ذَٰلِكَ عَٰلِمُ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ ٱلۡعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ٦
That is the Knower of the unseen and the witnessed, the Exalted in Might, the Merciful,
ٱلَّذِيٓ أَحۡسَنَ كُلَّ شَيۡءٍ خَلَقَهُۥۖ وَبَدَأَ خَلۡقَ ٱلۡإِنسَٰنِ مِن طِينٖ ٧
Who perfected everything which He created and began the creation of man from clay.
ثُمَّ جَعَلَ نَسۡلَهُۥ مِن سُلَٰلَةٖ مِّن مَّآءٖ مَّهِينٖ ٨
Then He made his posterity out of the extract of a liquid disdained.
ثُمَّ سَوَّىٰهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِۦۖ وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡأَبۡصَٰرَ وَٱلۡأَفۡـِٔدَةَۚ قَلِيلٗا مَّا تَشۡكُرُونَ ٩
Then He proportioned him and breathed into him from His [created] soul1 and made for you hearing and vision and hearts [i.e., intellect]; little are you grateful.
شرح الكلمات:
يدبر الأمر من السماء إلى الأرض: أي أمر المخلوقات طوال الحياة.
ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره: أي يوم القيامة حيث تنتهي هذه الحياة وسائر شؤونها.
ألف سنة مما تعدون: أي من أيام الدنيا.
عالم الغيب والشهادة: أي ما غاب عن الناس ولم يروه وما شاهدوه ورأوه.
بدأ خلق الإنسان من طين: أي بدأ خلق آدم عليه السلام من طين.
من سلالة من ماء مهين: أي خلق ذريّة آدم من علقة من ماء النطفة.
ثم سواه ونفخ فيه من روحه: أي سوى الجنين في بطن أمه ونفخ فيه الروح فكان حياًّ كما سوى آدم أيضا ونفخ فيه من روحه فكان حياً.
والأفئدة: أي القلوب.
قليلا ما تشكرون: أي ما تشكرون الله على نعمة الايجاد والامداد إلا شكراً قليلا لا يوازي قدر النعمة.
معنى الآيات
ما زال السياق في تقرير التوحيد والنبّوة والبعث والجزاء يذكر مظاهر القدرة والعلم والرحمة والحكمة الإلهية، فقوله تعالى ﴿يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ﴾ أي أمر المخلوقات ﴿مِنَ ٱلسَّمَآءِ﴾ حيث العرش وكتاب المقادير ﴿إلى ٱلأَرْضِ﴾ حيث تتم الحياة والموت والصحة والمرض والعطاء والمنع، والغنى والفقر والحرب والسلم، والعز والذل فالله تعالى من فوق عرشه يدبر أمر الخلائق كلها في عوالمها المختلفة، وقوله ثم يعرج أي الأمر إليه في يوم كان مقدارهُ ألف سنة مما يعد الناس اليوم من أيام هذه الدنيا. ومعنى ﴿يَعْرُجُ إلَيْهِ﴾ في يوم القيامة أي يرد إليه حيث عم الكون الفناء ولم يبق ما يدبر في هذه الأرض لفنائها وفناء كل ما كان عليها. وقوله ﴿ذٰلِكَ عالِمُ ٱلْغَيْبِ وٱلشَّهادَةِ﴾ أي ما غاب عن الناس وما حضر فشاهدوه أي العالم بكل شيء وقوله العزيز الرحيم: أي الغالب على مراده من خلقه الرحيم بالمؤمنين من عباده، وقوله ﴿ٱلَّذِيۤ أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ أي أحسن خلق كل مخلوق خلقه أي جوّد خلقه وأتقنه وحسنه. وقوله ﴿وبَدَأَ خَلْقَ ٱلإنْسانِ مِن طِينٍ﴾ أي وبدأ خلق آدم من طين وهو الإنسان الأول، ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ﴾ أي نسل الإنسان من ﴿سُلالَةٍ﴾ وهي العلقة ﴿مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ﴾ وهو النطفة، وقوله ﴿ثُمَّ سَوّاهُ ونَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ﴾ أي سوّى آدم ونفخ فيه من روحه، كما سوى الإنسان في رحم أمه أي سوى خلقه ثم نفخ فيه من روحه فكان إنساناً حياً، وقوله: ﴿وجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ وٱلأَبْصارَ وٱلأَفْئِدَةَ﴾ أي القلوب أي لتسمعوا وتبصروا وتفقهوا لحاجتكم إلى ذلك لأن حياتكم تتطلب منكم مثل ذلك ومَعَ هذه النعم الجليلة ﴿قَلِيلاً مّا تَشْكُرُونَ﴾ أي لا تشكرون إلاّ شكراً قليلا.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١) بيان جلال الله وعظمته في تدبيره أمر الخلائق.
٢) بيان صفات الله تعالى من العلم والعزة والرحمة.
٣) بيان كيفية خلق الإنسان ومادة خلقه.
٤) شكر العباد - إن شكروا - لا يوازي نعم الله تعالى عليهم.
٥) وجوب شكر النعم بالاعتراف بها وذكرها وحمد الله تعالى عليها وصرفها في مرضاته.
32:10–11Page 415
وَقَالُوٓاْ أَءِذَا ضَلَلۡنَا فِي ٱلۡأَرۡضِ أَءِنَّا لَفِي خَلۡقٖ جَدِيدِۭۚ بَلۡ هُم بِلِقَآءِ رَبِّهِمۡ كَٰفِرُونَ ١٠
And they say, "When we are lost [i.e., disintegrated] within the earth, will we indeed be [recreated] in a new creation?" Rather, they are, in the meeting with their Lord, disbelievers.
۞ قُلۡ يَتَوَفَّىٰكُم مَّلَكُ ٱلۡمَوۡتِ ٱلَّذِي وُكِّلَ بِكُمۡ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمۡ تُرۡجَعُونَ ١١
Say, "The angel of death who has been entrusted with you will take you. Then to your Lord you will be returned."
شرح الكلمات
أئذا ضللنا في الأرض: أي غبنا فيها حيث فنينا وصرنا ترابا.
أئنا لفي خلق جديد: أي أنعود خلقا جديداً بعد فنائنا واختلاطنا بالتراب.
بل هم بلقاء ربهم كافرون: أي لم يقف الأمر عند استبعادهم للبعث بل تعداه إلى كفرهم بلقاء ربهم، وهو الذي جعلهم ينكرون البعث.
قل يتوفاكم ملك الموت: أي يقبض أرواحكم ملك الموت المكلف بقبض الأرواح.
ثم إلى ربكم ترجعون: أي بعد الموت، وما دمتم لا تمنعون أنفسكم من الموت سوف لا تمنعونها من الحياة فرجوعكم حتمي لا محالة.
معنى الآيتين
ما زال السياق في تقرير أصول العقيدة فأخبر تعالى عن منكري البعث فقال ﴿وقالُوۤاْ﴾ أي منكروا البعث الآخر ﴿أءِذا ضَلَلْنا فِي ٱلأَرْضِ﴾ أي غبنا فيها بحيث صرنا ترابا فيها ﴿أءِنّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ أي لعائدون في خلق جديد. وهذا منهم انكار للبعث واستبعاد له، فقال تعالى مخبراً عن علة إنكارهم للبعث وهي أنهم بلقاء ربهم كافرون إذ لو كانوا يؤمنون بلقاء الله الذي وعدهم به لما أنكروا البعث والحياة لذلك، وقوله تعالى ﴿قُلْ يَتَوَفّاكُم﴾ أي قل يا رسولنا لهؤلاء المنكرين للبعث ولقاء الرب تعالى: يتوفاكم عند نهاية آجالكم ﴿مَّلَكُ ٱلْمَوْتِ﴾ الذي وكله ربُّه يقبض أرواحكم، ﴿ثُمَّ إلىٰ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ بعد ذلك وما دمتم لا تدفعون الموت عن أنفسكم فكيف تدفعون الحياة عندما يريدها الله منكم؟ وهل دفعتموها عندما كنتم عدماً فأوجدكم الله وأحياكم.
هداية الآيتين:
من هداية الآيتين:
١) تقرير عقيدة البعث والجزاء.
٢) الذنب الذي هو سبب كل ذنب هو الكفر بلقاء الله تعالى.
٣) بيان أن لقبض الأرواح ملكاً وله أعوان من الملائكة وأن الأرض جعلت لملك الموت كالطست بين يديه يتناول منها ما يشاء.
32:12–14Page 416
وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذِ ٱلۡمُجۡرِمُونَ نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ رَبَّنَآ أَبۡصَرۡنَا وَسَمِعۡنَا فَٱرۡجِعۡنَا نَعۡمَلۡ صَٰلِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ ١٢
If you could but see when the criminals are hanging their heads before their Lord, [saying], "Our Lord, we have seen and heard, so return us [to the world]; we will work righteousness. Indeed, we are [now] certain."
وَلَوۡ شِئۡنَا لَأٓتَيۡنَا كُلَّ نَفۡسٍ هُدَىٰهَا وَلَٰكِنۡ حَقَّ ٱلۡقَوۡلُ مِنِّي لَأَمۡلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلۡجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجۡمَعِينَ ١٣
And if We had willed, We could have given every soul its guidance, but the word1 from Me will come into effect [that] "I will surely fill Hell with jinn and people all together.
فَذُوقُواْ بِمَا نَسِيتُمۡ لِقَآءَ يَوۡمِكُمۡ هَٰذَآ إِنَّا نَسِينَٰكُمۡۖ وَذُوقُواْ عَذَابَ ٱلۡخُلۡدِ بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ١٤
So taste [punishment] because you forgot the meeting of this, your Day; indeed, We have [accordingly] forgotten you. And taste the punishment of eternity for what you used to do."
شرح الكلمات:
إذ المجرمون: أي المشركون المكذبون بلقاء ربهم.
ناكسوا رؤوسهم: أي مطأطئوها من الحياء والذل والخزي.
ربنا أبصرنا: أي ما كنا ننكر من البعث.
وسمعنا: أي تصديق ما كانت رسلك تأمرنا به في الدنيا.
فارجعنا: أي إلى دار الدنيا.
لآتينا كل نفس هداها: أي لو أردنا هداية الناس قسراً بدون اختيار منهم لفعلنا.
ولكن حق القول مني: أي وجب وهو لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين.
إنا نسيناكم: أي تركناكم في العذاب.
عذاب الخلد: أي العذاب الخالد الدائم.
بما كنتم تعملون: من سيئات الكفر والتكذيب والشر والشرك.
معنى الآيات:
ما زال السياق الكريم في تقرير عقيدة البعث والجزاء بذكر أحداثها وما يجري للمكذبين بها في الدار الآخرة قال تعالى: ﴿ولَوْ تَرىٰ﴾ يا رسولنا ﴿إذِ ٱلْمُجْرِمُونَ﴾ وهم الذين أجرموا على أنفسهم فدنسوها بالشرك والمعاصي الحامل عليها التكذيب بلقاء الله، ﴿ناكِسُواْ رُءُوسِهِمْ﴾ أي مطئطئوها خافضوها عند ربهم من الحياء والخزي الذي أصابهم عند البعث. لرأيت أمرا فظيعاً لا نظير له. وقوله تعالى ﴿رَبَّنَآ أبْصَرْنا وسَمِعْنا﴾ هذا قول المجرمين وهم عند ربهم أي يا ربنا لقد أبصرنا ما كنا نكذب به من البعث والجزاء وسمعنا منك أي تصديق ما كانت رسلك تأمرنا به في الدنيا. ﴿فَٱرْجِعْنا﴾ أي إلى دار الدنيا ﴿نَعْمَلْ صالِحاً﴾ أي عملا صالحا ﴿إنّا مُوقِنُونَ﴾ أي الآن ولم يبق في نفوسنا شك بأنك الإله الحق، وبأن لقاءك حق، وقوله تعالى: ﴿ولَوْ شِئْنا لآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها﴾ وذلك لما طالب المجرمون بالعودة إلى الدنيا ليعملوا صالحاً فأخبر تعالى أنه ما هناك حاجة إلى ردهم إلى الدنيا ليؤمنوا ويعملوا الصالحات، إذ لو شاء هدايتهم لهداهم قسراً منهم بدون اختيارهم، ولكن سبق أن قضى بدخولهم جهنم فلا بد هم داخلوها وهو معنى قوله: ﴿ولَٰكِنْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ مِنِّي﴾ أي وجب العذاب لهم وهو معنى قوله ﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ﴾ أي الجن ﴿وٱلنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ أي من كفار ومجرمي الجن والإنس معاً.
وقوله ﴿فَذُوقُواْ﴾ أي العذاب والخزي ﴿بِما نَسِيتُمْ﴾ أي بسبب نسيانكم ﴿لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَٰذَآ﴾ فلم تؤمنوا ولم تعملوا صالحاً إنا نسيناكم أي تركناكم في العذاب. ﴿وذُوقُواْ عَذابَ ٱلْخُلْدِ بِما كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ من الشرك والمعاصي هذا يقال لهم وهم في جهنم تبكيتاً لهم وتقريعاً زيادة في عذابهم، والعياذ بالله من عذاب النار.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١) التنديد بالإجرام والمجرمين وبيان حالهم يوم القيامة.
٢) بيان عدم نفع الإيمان عند معاينة العذاب.
٣) بيان حكم الله في امتلاء جهنم من كلٍ من مجرمي الإنس والجن.
٤) تقرير حكم السببيّة فالأعمال سبب للجزاء خيراً كان أو شراً.
32:15–17Page 416
إِنَّمَا يُؤۡمِنُ بِـَٔايَٰتِنَا ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُواْ بِهَا خَرُّواْۤ سُجَّدٗاۤ وَسَبَّحُواْ بِحَمۡدِ رَبِّهِمۡ وَهُمۡ لَا يَسۡتَكۡبِرُونَ۩ ١٥
Only those believe in Our verses who, when they are reminded by them, fall down in prostration and exalt [Allāh] with praise of their Lord, and they are not arrogant.
تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمۡ عَنِ ٱلۡمَضَاجِعِ يَدۡعُونَ رَبَّهُمۡ خَوۡفٗا وَطَمَعٗا وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ ١٦
Their sides part [i.e., they arise] from [their] beds; they supplicate their Lord in fear and aspiration, and from what We have provided them, they spend.1
فَلَا تَعۡلَمُ نَفۡسٞ مَّآ أُخۡفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعۡيُنٖ جَزَآءَۢ بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٧
And no soul knows what has been hidden for them of comfort for eyes [i.e., satisfaction] as reward for what they used to do.
شرح الكلمات:
إذا ذكروا بها: أي وعظوا بما فيها من أمر ونهي ووعد ووعيد.
خروا سجدا: أي وقعوا على الأرض ساجدين بوضع جباههم وأنوفهم على الأرض.
وسبحوا بحمد ربهم: أي نزهوه وقدسوه وهم ساجدون يقولون سبحان ربي الأعلى.
وهم لا يستكبرون: أي عن عبادة ربهم في كل آحايينهم بل يأتونها خاشعين متذللين.
تتجافى جنوبهم: أي تتباعد عن الفرش من أجل قيامهم للصلاة في جوف الليل.
خوفا وطمعا: أي يسألونه النجاة من النار، ودخول الجنة.
ما أخفي لهم من قرة أعين: أي لا تعلم نفس ما أخفى الله تعالى لهم وادخر لهم عنده من النعيم الذي تقر به أعينهم أي تسر به وتفرح.
معنى الآيات:
لما ذكر تعالى جزاء المجرمين وهم المكذبون بآيات الله ولقائه ذكر جزاء المؤمنين وهم الذين آمنوا بآيات الله ولقائه ذكرهم بأجمل صفاتهم فقال: ﴿إنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنا﴾ حق الإيمان ﴿ٱلَّذِينَ إذا ذُكِّرُواْ بِها﴾ أي قرئت عليهم وكانت من الآيات التي فيها السجدات ﴿خَرُّواْ سُجَّداً﴾ أي وقعوا على الأرض ساجدين بوضع جباههم وأُنوفهم على التراب، ﴿وسَبَّحُواْ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ أي نزهوه وقدسوه أثناء سجودهم بقولهم سبحان ربي الأعلى، والحال أنهم لا يستكبرون عن عبادة الله مطلقا بل يأتونها متذللين خاشعين.
وقوله ﴿تَتَجافىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ ٱلْمَضاجِعِ﴾ هذه بعض صفاتهم أيضاً وهي أنهم يباعدون جنوبهم عن فرشهم في الليل لصلاة التهجد. وقوله ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وطَمَعاً﴾ أي في حال صلاتهم وفي غيرها وهو دعاء تميّز بخوفهم من عذاب ربهم وطمعهم في رحمته فهم يسألون ربهم النجاة من النار ودخول الجنة. وقوله ﴿ومِمّا رَزَقْناهُمْ يُنفِقُونَ﴾ هذا وصفٌ آخر لهم وهو أنهم يتصدقون بفضول أموالهم زيادة على أداء الزكاة كتهجدهم بالليل زيادة على الصلوات الخمس.
وقوله تعالى ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أعْيُنٍ﴾ يخبر تعالى عن جزائهم عنده فيقول: فلا تعلم نفس ما خبّأ الله تعالى لهم من النعيم المقيم الذي تقر به أعينهم أي تُسر وتفرح وقوله ﴿جَزَآءً بِما كانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ أي جزاهم بذلك النعيم بعملهم الخيري الإسلامي الذي كانوا في الدنيا يعملونه وقد ذكر بعضه في الآيات قبل كالصلاة والصدقات.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١) فضيلة التسبيح في الصلاة وهو سبحان ربي العظيم في الركوع وسبحان ربي الأعلى في السجود.
٢) ذم الاستكبار وأهله ومدح التواضع لله وأهله.
٣) فضيلة قيام الليل وهو المعروف بالتهجد والدعاء خوفاً وطمعاً.
٤) بشرى المؤمنين الصادقين من ذوي الصفات المذكورة في الآيات وهو أنه تعالى [أعد لهم ما لا عين رأت ولا أُذن سمعت ولا خطر على قلب بشر كما جاء في الحديث «أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت» الخ.
32:18–22Page 416
أَفَمَن كَانَ مُؤۡمِنٗا كَمَن كَانَ فَاسِقٗاۚ لَّا يَسۡتَوُۥنَ ١٨
Then is one who was a believer like one who was defiantly disobedient? They are not equal.
أَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَلَهُمۡ جَنَّٰتُ ٱلۡمَأۡوَىٰ نُزُلَۢا بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٩
As for those who believed and did righteous deeds, for them will be the Gardens of Refuge as accommodation for what they used to do.
وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فَسَقُواْ فَمَأۡوَىٰهُمُ ٱلنَّارُۖ كُلَّمَآ أَرَادُوٓاْ أَن يَخۡرُجُواْ مِنۡهَآ أُعِيدُواْ فِيهَا وَقِيلَ لَهُمۡ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلنَّارِ ٱلَّذِي كُنتُم بِهِۦ تُكَذِّبُونَ ٢٠
But as for those who defiantly disobeyed, their refuge is the Fire. Every time they wish to emerge from it, they will be returned to it while it is said to them, "Taste the punishment of the Fire which you used to deny."
وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ ٱلۡعَذَابِ ٱلۡأَدۡنَىٰ دُونَ ٱلۡعَذَابِ ٱلۡأَكۡبَرِ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ ٢١
And We will surely let them taste the nearer punishment1 short of the greater punishment that perhaps they will return [i.e., repent].
وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِۦ ثُمَّ أَعۡرَضَ عَنۡهَآۚ إِنَّا مِنَ ٱلۡمُجۡرِمِينَ مُنتَقِمُونَ ٢٢
And who is more unjust than one who is reminded of the verses of his Lord; then he turns away from them? Indeed We, from the criminals, will take retribution.
شرح الكلمات:
أفمن كان مؤمنا: أي مصدقا بالله ورسوله ولقاء ربّه.
كمن كان فاسقا: أي كافراً لا يستوون.
جنات المأوى نزلا: النزل ما يعد للضيف من قرىً.
من العذاب الأدنى: أي عذاب الدنيا من مصاب القحط والجدب والقتل والأسر.
العذاب الأكبر: هو عذاب الآخرة في نار جهنم.
لعلهم يرجعون: أي يصيبهم بالمصائب في الدنيا رجاء أن يؤمنوا ويوحدوا.
ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها: لا أحد أظلم منه أبداً.
إنا من المجرمين منتقمون: أي من المشركين أي بتعذيبهم اشد أنواع العذاب.
معنى الآيات:
قوله تعالى ﴿أفَمَن كانَ مُؤْمِناً كَمَن كانَ فاسِقاً﴾ أي كافراً ينفي تعالى إستواء الكافر مع المؤمن فلذا بعد الاستفهام الإنكاري أجاب بقوله تعالى: ﴿لاَّ يَسْتَوُونَ﴾ ثم بيّن تعالى جزاء الفريقين وبذلك تأكد بُعد ما بينهما فقال ﴿أمّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ﴾ بالله ربّاً وإلها وبمحمد نبيّاً ورسولا وبالإسلام شرعاً وديناً ﴿وعَمِلُواْ ٱلصّالِحاتِ﴾ بأداء الفرائض والنوافل في الغالب بعد اجتنابهم الشرك والمحارم ﴿فَلَهُمْ جَنّاتُ ٱلْمَأْوىٰ نُزُلاً﴾ أي ضيافة لهم ﴿بِما كانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ وأما الذين فسقوا عن أمر الله فلم يوحدوا ولم يطيعوا فعاشوا على الشرك والمعاصي حتى ماتوا ﴿فَمَأْواهُمُ ٱلنّارُ﴾ أي مقرهم ومحل مثواهم وإقامتهم لا يخرجون ﴿كُلَّمَآ أرادُوۤاْ﴾ أي هموا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها من قبل الزبانية تدفعهم عن أبوابها، ﴿وقِيلَ لَهُمْ﴾ إذلالا لهم وإهانة ﴿ذُوقُواْ عَذابَ ٱلنّارِ ٱلَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ إذ كانوا مكذبين بالبعث والجزاء وقالوا ﴿أءِذا ضَلَلْنا فِي ٱلأَرْضِ أءِنّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [السجدة: ١٠].
وقوله تعالى ﴿ولَنُذِيقَنَّهُمْ مِّنَ ٱلْعَذابِ ٱلأَدْنىٰ﴾ وهو عذاب الدنيا بالقحط والغلاء والقتل والأسر ﴿دُونَ ٱلْعَذابِ ٱلأَكْبَرِ﴾ وهو عذاب يوم القيامة ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ يخبر تعالى أنه فاعل ذلك بكفار قريش لعلهم يتوبون إلى الإيمان والتوحيد فينجوا من العذاب وينعموا في الجنة وفعلاً قد تاب منهم كثيرون وقوله ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أعْرَضَ عَنْهَآ﴾ أي وُعظ بها وخُوِّف كما كان الرسول ﷺ يقرأ عليهم القرآن وكان بعضهم يعرض عنها فلا يسمعها ويرجع وهو مستكبر والعياذ بالله فمثل هؤلاء لا أحد أشدّ منهم ظلما وقوله تعالى ﴿إنّا مِنَ ٱلْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ﴾ يخبر تعالى أنه لا محالة منتقم من أهل الاجرام وهم أهل الشرك والمعاصي، وورد عن النبي ﷺ ذكر ثلاثة أصناف من أهل الإجرام الخاص وهم:
١) من اعتقد «عقد» لواء في غير حق أي حمل راية الحرب على المسلمين وهو مبطل غير محق.
٢) من عق والديه أي آذاهما بالضرب ونحوه ومنعهما برهما ولم يطعهما في معروف.
٣) من مشى مع ظالم ينصره رواه ابن جرير عن معاذ بن جبل رضي الله عنه.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١) بيان خطأ من يسوي بين المؤمن والكافر والبار والفاجر والمطيع والفاسق.
٢) بيان جزاء كل من المؤمنين والفاسقين.
٣) بيان أن الله تعالى كان يأخذ قريشاً بألوان من المصائب لعلهم يتوبون.
٤) بيان أنه لا أظلم ممن ذكر بآيات الله فيعرض عنها مستكبراً جاحداً معانداً.
32:23–26Page 417
وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ فَلَا تَكُن فِي مِرۡيَةٖ مِّن لِّقَآئِهِۦۖ وَجَعَلۡنَٰهُ هُدٗى لِّبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٢٣
And We certainly gave Moses the Scripture, so do not be in doubt over his meeting.1 And We made it [i.e., the Torah] guidance for the Children of Israel.
وَجَعَلۡنَا مِنۡهُمۡ أَئِمَّةٗ يَهۡدُونَ بِأَمۡرِنَا لَمَّا صَبَرُواْۖ وَكَانُواْ بِـَٔايَٰتِنَا يُوقِنُونَ ٢٤
And We made from among them leaders guiding by Our command when they were patient and [when] they were certain of Our signs.
إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفۡصِلُ بَيۡنَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخۡتَلِفُونَ ٢٥
Indeed, your Lord will judge between them on the Day of Resurrection concerning that over which they used to differ.
أَوَلَمۡ يَهۡدِ لَهُمۡ كَمۡ أَهۡلَكۡنَا مِن قَبۡلِهِم مِّنَ ٱلۡقُرُونِ يَمۡشُونَ فِي مَسَٰكِنِهِمۡۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٍۚ أَفَلَا يَسۡمَعُونَ ٢٦
Has it not become clear to them how many generations We destroyed before them, [as] they walk among their dwellings? Indeed in that are signs; then do they not hear?
شرح الكلمات:
ولقد آتينا موسى الكتاب: أي أنزلنا عليه التوراة.
فلا تكن في مرية من لقائه: أي فلا تشك في لقائك بموسى عليه السلام ليلة الإسراء والمعراج.
وجعلناه هدى لبني إسرائيل: أي وجعلنا الكتاب «التوراة» هدىً أي هادياً لبني إسرائيل.
وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا: أي وجعلنا من بني إسرائيل أئمة أي قادة هداة يهدون الناس بأمرنا لهم بذلك وإذننا به.
وكانوا بآياتنا يوقنون: أي وكان أولئك الهداة يوقنون بآيات ربهم وحججه على عباده وما تحمله الآيات من وعد ووعيد.
إن ربك هو يفصل بينهم يوم القيامة: أي بين الأنبياء وأُممهم وبين المؤمنين والكافرين والمشركين والموحدين.
فيما كانوا فيه يختلفون: من أمور الدين.
أو لم يهد لهم: أي أغفلوا ولم يتبيّن.
كم أهلكنا من قبلهم من القرون: أي إهلاكنا لكثير من أهل القرون من قبلهم بكفرهم وشركهم وتكذيبهم لرسلهم.
يمشون في مساكنهم: أي يمرون ماشين بديارهم وهي في طريقهم إلى الشام كمدائن صالح وبحيرة لوط ونحوهما.
إن في ذلك لآيات: أي دلائل وعلامات على قدرة الله تعالى وأليم عقابه.
أفلا يسمعون: أي أصمُّوا فلا يسمعوا هذه المواعظ والحجج.
معنى الآيات:
قوله تعالى ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى ٱلْكِتابَ﴾ أي أعطينا موسى بن عمران أحد أنبياء بني إسرائيل الكتاب الكبير وهو التوراة. إذاً فلم ينكر عليك المشركون أن يؤتيك ربك القرآن كما آتى موسى التوراة، وفي هذا تقرير لأصل من أصول العقيدة وهي الوحي والنبوة المحمدية. وقوله ﴿فَلا تَكُن فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَآئِهِ﴾ أي فلا تكن يا محمد في شك من لقائك موسى ليلة الإسراء والمعراج فقد لقيه وطلب إليه أن يراجع ربّه في شأن الصلاة فراجع حتى أصبحت خمساً بعد أن كانت خمسين وقوله ﴿وجَعَلْناهُ هُدًى لِّبَنِيۤ إسْرائِيلَ﴾ أي الكتاب أو موسى كلاهما كان هادياً لبني إسرائيل إلى سبيل السلام والصراط المستقيم.
وقوله ﴿وجَعَلْنا مِنهُمْ أئِمَّةً﴾ أي قادة هداة يهدون الناس إلى ربهم فيؤمنون به ويعبدونه وحده فيكملون على ذلك ويسعدون وذلك بأمره تعالى لهم بذلك. وقوله ﴿لَمّا صَبَرُواْ﴾ أي عن أذى أقوامهم، ﴿وكانُواْ بِآياتِنا﴾ الحاملة لأمرنا ونهينا، ووعدنا ووعيدنا ﴿يُوقِنُونَ﴾ أي تأهلوا لحمل رسالة الدعوة بشيئين: الصبر على الأذى واليقين التام بصحة ما يدعون إليه ونفعه ونجاعته وقوله تعالى ﴿إنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقَيامَةِ فِيما كانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ يخبر تعالى رسوله محمداً ﷺ بأنه سبحانه وتعالى الذي يفصل بين المختلفين من الأنبياء وأممهم، وبين الموحدين والمشركين والسّنيين والبدعيين فيحكم بإسعاد أهل الحق وإشقاء أهل الباطل وفي الآية تسلية للرسول وتخفيف عليه مما يجد في نفسه من خلاف قومه له.
وقوله ﴿أوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِّنَ ٱلْقُرُونِ﴾ أي أعموا فلم يُبيّن لهم إهلاكنا لأمم كثيرة ﴿يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ﴾ مارّين بهم في أسفارهم إلى الشام كمدائن صالح، وبلاد مدين، وبحيرة لوط أنّا قادرون على إهلاكهم إن أصروا على الشرك والتكذيب كما أهلكنا القرون من قبلهم. وقوله ﴿إنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ﴾ أي في إهلاكنا أهل القرون الأولى لما أشركوا وكذبوا دلالات وحججا وبراهين على قدرة الله وشدة انتقامه ممن كفر به وكذب رسوله وقوله ﴿أفَلا يَسْمَعُونَ﴾ أي أصموا فلا يسمعون هذه المواعظ التي تتلى عليهم فيتوبوا من الشرك والتكذيب فينجوا ويسعدوا.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١) تقرير النبوة المحمدية وتأكيد قصة الإسراء والمعراج.
٢) الكتاب والسنة كلاهما هادٍ للعباد إن طلبوا الهداية فيهما.
٣) بيان ما تُنال به الإمامة في الدين. وهو الصبر وصحة اليقين.
٤) كل خلاف كان في هذه الحياة سينتهي بحكم الله تعالى فيه يوم القيامة.
٥) في إهلاك الله تعالى للقرون السابقة أكبر واعظ لمن له قلب وسمع وبصيرة.
32:27–30Page 417
أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّا نَسُوقُ ٱلۡمَآءَ إِلَى ٱلۡأَرۡضِ ٱلۡجُرُزِ فَنُخۡرِجُ بِهِۦ زَرۡعٗا تَأۡكُلُ مِنۡهُ أَنۡعَٰمُهُمۡ وَأَنفُسُهُمۡۚ أَفَلَا يُبۡصِرُونَ ٢٧
Have they not seen that We drive water [in clouds] to barren land and bring forth thereby crops from which their livestock eat and [they] themselves? Then do they not see?
وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا ٱلۡفَتۡحُ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٢٨
And they say, "When will be this conquest,1 if you should be truthful?"
قُلۡ يَوۡمَ ٱلۡفَتۡحِ لَا يَنفَعُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِيمَٰنُهُمۡ وَلَا هُمۡ يُنظَرُونَ ٢٩
Say, [O Muḥammad], "On the Day of Conquest the belief of those who had disbelieved will not benefit them, nor will they be reprieved."
فَأَعۡرِضۡ عَنۡهُمۡ وَٱنتَظِرۡ إِنَّهُم مُّنتَظِرُونَ ٣٠
So turn away from them and wait. Indeed, they are waiting.
شرح الكلمات:
أو لم يروا أنا نسوق الماء: أي أغفلوا ولم يروا سوقنا للماء للإنبات والإخصاب فيدلهم ذلك على قدرتنا.
إلى الأرض الجرز: أي اليابسة التي لا نبات فيها.
تأكل منه أنعامهم: أي مواشيهم من إبل وبقر وغنم.
أفلا يبصرون: أي أعموا فلا يبصرون أن القادر على إحياء الأرض بعد موتها قادر على البعث.
متى هذا الفتح: أي الفصل والحكم بيننا وبينكم يستعجلون العذاب.
ولا هم ينظرون: أي ولا هم يمهلون للتوبة أو الاعتذار.
وانتظر إنهم منتظرون: أي وانتظر يا رسولنا ما سيحل بهم من عذاب إن لم يتوبوا فإنهم منتظرون بك موتاً أو قتلا ليستريحوا منك.
معنى الآيات:
ما زال السياق في تقرير عقيدة البعث والجزاء التي عليها مدار الإصلاح الاجتماعي فيقول تعالى ﴿أوَلَمْ يَرَوْاْ﴾ أي أغفل أولئك المكذبون بالبعث والحياة الثانية ولم يروا ﴿أنّا نَسُوقُ ٱلْمَآءَ﴾ ماء الأمطار أو الأنهار ﴿إلى ٱلأَرْضِ ٱلْجُرُزِ﴾ اليابسة التي ما بها من نبات فنخرج بذلك الماء الذي سقناه إليها بتدابيرنا الخاصة ﴿فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنهُ أنْعامُهُمْ﴾ وهي إبلهم وأبقارهم وأغنامهم ﴿وأَنفُسُهُمْ﴾ فالأنعام تأكل الشعير والذرة وهم يأكلون البر والفول ونحوه ﴿أفَلا يُبْصِرُونَ﴾ أي أعموا فلا يبصرون آثار قدرة الله على إحياء الموتى بعد الفناء والبلى كإحياء الأرض الجزر فيؤمنوا بالبعث الآخر وعليه يستقيموا في عقائدهم وكل سلوكهم. وقوله ﴿ويَقُولُونَ مَتىٰ هَٰذا ٱلْفَتْحُ إن كُنتُمْ صادِقِينَ﴾ حكى تعالى عنهم ما يقولونه للمؤمنين لما يُخوفونهم بعذاب الله يقولون لهم متى هذا الفتح أي الحكم والفصل يستعجلونه لخفة أحلامهم وعدم إيمانهم.
وهنا أمر تعالى رسوله أن يقول لهم. فقال ﴿قُلْ يَوْمَ ٱلْفَتْحِ لا يَنفَعُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إيَمانُهُمْ﴾ أي إذا جاء يوم الفتح بيننا وبينكم لا ينفع نفساً كافرة إيمانهم عند رؤية العذاب ﴿ولا هُمْ يُنظَرُونَ﴾ أي يؤخرون ويمهلون ليتوبوا ويستغفروا فيتاب عليهم ويغفر لهم إذ سُنّة الله أنّ من عاين العذاب لا تقبل توبته. وقوله تعالى ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ أي فأعرض يا رسولنا عن هؤلاء المكذبين ﴿وٱنتَظِرْ﴾ ما سينزل بهم من عذاب ﴿إنَّهُمْ مُّنتَظِرُونَ﴾ ما قد يصيبك من مرض أو موت أو قتل ليستريحوا منك في نظرهم. كما هم منتظرون أيضاً عذاب الله عاجلا أو آجلا.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١) تقرير عقيدة البعث والجزاء بذكر الأدلة المقررة لها.
٢) استعجال الكافرين العذاب دال على جهلهم وطيشهم.
٣) بيان أن التوبة لا تقبل عند معاينة العذاب أو مشاهدة ملك الموت ساعة الاحتضار.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences