Al-Jaza'iri · Tafsir · in Arabic
العنكبوت
Al-'Ankabut
The Spider · Meccan · 69 ayahs
29:1–7Page 396
الٓمٓ ١
Alif, Lām, Meem.1
أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتۡرَكُوٓاْ أَن يَقُولُوٓاْ ءَامَنَّا وَهُمۡ لَا يُفۡتَنُونَ ٢
Do the people think that they will be left to say, "We believe" and they will not be tried?
وَلَقَدۡ فَتَنَّا ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۖ فَلَيَعۡلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَلَيَعۡلَمَنَّ ٱلۡكَٰذِبِينَ ٣
But We have certainly tried those before them, and Allāh will surely make evident those who are truthful, and He will surely make evident the liars.
أَمۡ حَسِبَ ٱلَّذِينَ يَعۡمَلُونَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ أَن يَسۡبِقُونَاۚ سَآءَ مَا يَحۡكُمُونَ ٤
Or do those who do evil deeds think they can outrun [i.e., escape] Us? Evil is what they judge.
مَن كَانَ يَرۡجُواْ لِقَآءَ ٱللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ لَأٓتٖۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ٥
Whoever should hope for the meeting with Allāh - indeed, the term [decreed by] Allāh is coming. And He is the Hearing, the Knowing.
وَمَن جَٰهَدَ فَإِنَّمَا يُجَٰهِدُ لِنَفۡسِهِۦٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٦
And whoever strives only strives for [the benefit of] himself. Indeed, Allāh is Free from need of the worlds.
وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنۡهُمۡ سَيِّـَٔاتِهِمۡ وَلَنَجۡزِيَنَّهُمۡ أَحۡسَنَ ٱلَّذِي كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٧
And those who believe and do righteous deeds - We will surely remove from them their misdeeds and will surely reward them according to the best of what they used to do.
شرح الكلمات:
الۤمۤ: هذه أحد الحروف المقطعة تكتب الۤمۤ وتقرأ ألف لام ميم.
وهم لا يفتنون: بما يتبين به حقيقة إيمانهم من التكاليف ومنها الصبر على الأذى.
ولقد فتنا الذين من قبلهم: أي اختبرنا من قبلهم إذ هي سنة جارية في الناس.
فليعلمن الله الذين صدقوا: أي في إيمانهم، وليعلمن الذين كذبوا فيه بما يظهر من أعمالهم.
أن يسبقونا: أي يفوتونا فلا ننتقم منهم.
ساء ما يحكمون: أي بئس الحكم هذا الذي يحكمون به، وهو حسبانهم أنهم يفوتون الله تعالى ولم يقدر على الانتقام منهم.
من كان يرجو لقاء الله: أي من كان يؤمن بلقاء الله وينتظر وقوعه فليعلم أن أجله لآت فليستعد له بالإيمان وصالح الأعمال.
ومن جاهد: أي بذل الجهد في حرب الكفار أو النفس.
فإنما يجاهد لنفسه: أي منفعة الجهاد من الأجر عائدة على نفسه.
ولنجزينهم أحسن: أي ولنجزينهم على أعمالهم بأحسن عمل كانوا عملوه.
معنى الآيات:
الۤمۤ: الله أعلم بمراده به وهذا هو مذهب السلف في هذه الحروف وهو تفويض علمها إلى منزّلها عز وجل وقوله ﴿أحَسِبَ ٱلنّاسُ﴾ أي أظن الناس ﴿أن يَقُولُوۤاْ آمَنّا﴾ فيكتفى منهم بذلك و ﴿وهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾ أي ولا يختبرون بل لا بد من اختبار بالتكاليف الشاقة كالهجرة والجهاد والصلاة والصيام والزكاة وترك الشهوات والصبر على الأذى. والآية وإن نزلت في مثل عمار بن ياسر وبلال وعياش فإنها عامة إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، واللفظ عام هنا، لأن اسم الجنس إذا دخلت عليه «ال» أفادت استغراق جميع أفراده. وقوله تعالى: ﴿ولَقَدْ فَتَنّا ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ من الأمم السابقة فهي إذاً سنة ماضية في الناس لا تتخلف. وقوله تعالى ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ﴾ في إيمانهم أي يظهر ذلك ويعلمه مشاهدة بعد أن عَلِمَه قبل إخراجه إلى الوجود حيث قدر ذلك وكتبه في كتاب المقادير وذلك بتكليفهم وقيامهم بما كلفوا به من شاق الأفعال وشاق التروك، إذ الهجرة والجهاد والزكاة أفعال، وترك الربا والزنا والخمر تروك ﴿ولَيَعْلَمَنَّ ٱلْكاذِبِينَ﴾ حيث ادَّعوا الإيمان ولما ابتلوا بالتكاليف لم يقوموا بها، فبان بذلك عدم صدقهم وإنهم كاذبون في دعواهم أنهم مؤمنون. وقوله تعالى: ﴿أمْ حَسِبَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّئاتِ أن يَسْبِقُونا﴾ أي أظن ﴿ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّئاتِ﴾ من الشرك والمعاصي ﴿أن يَسْبِقُونا﴾ أي يفوتونا فلم نأخذهم بالعذاب. ﴿سَآءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ به لأنفسهم أي قبح حكمهم هذا من حكم لفساده، إذ أقاموه على ظن منهم أن الله تعالى لا يقدر عليهم وهو على كل شيء قدير وأنه لا يعلمهم وهو بكل شيء عليم. وقوله تعالى: ﴿مَن كانَ يَرْجُواْ لِقَآءَ ٱللَّهِ فَإنَّ أجَلَ ٱللَّهِ لآتٍ﴾ أي ﴿مَن كانَ﴾ يؤمن ويؤمل لقاء الله وذلك يوم القيامة فليعلم أن أجل الله المضروب لذلك لآت قطعاً وعليه فليستعد للقائه بما يناسبه وهو الإيمان والعمل الصالح بعد التخلي عن الشرك والعمل الفاسد، ومن هنا دعوى المرء أنه يرجو لقاء ربه ولم يعمل صالحاً يثاب عليه، دعوى لا تصح قال تعالى في سورة الكهف ﴿..فَمَن كانَ يَرْجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صالِحاً ولا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أحَداً﴾ [الآية: ١١٠] وقوله ﴿وهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾ أي هو تعالى السميع لأقوال عباده العليم بنياتهم وأعمالهم، فدعوى الإيمان ظاهرة من العبد أو باطنة لا قيمة لها ما لم يقم صاحبها الدليل عليها وذلك بالإيمان والجهاد للعدو الظاهر والباطن. وقوله تعالى: ﴿ومَن جاهَدَ فَإنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ﴾ أي منفعة هذه العبادة عائدة على العبد نفسه أما الله عز وجل فهو في غنى عن عمل عباده غِنىً مطلقاً وهذا ما دل عليه قوله: ﴿إنَّ ٱللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ ٱلْعالَمِينَ﴾ الملائكة والإنس والجن وسائر المخلوقات إذ كل ما سوى الله تعالى عالم ويجمع على عوالم وعالمين. وقوله تعالى: ﴿وٱلَّذِينَ آمَنُواْ وعَمِلُواْ ٱلصّالِحاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ﴾ هذا وعد من الله تعالى لمن آمن من عباده وذلك على إيمانه وصالح عمله فعلاً وتركا بأنه يكفر عنه سيئاته التي عملها قبل الإسلام وبعده. ومعنى يكفرِّها عنهم يغطيها ويسترها ولم يطالبهم بها كأنهم لم يفعلوها. وقوله ﴿ولَنَجْزِيَنَّهُمْ﴾ أي على أعمالهم الصالحة ﴿أحْسَنَ﴾ أي بأحسن عمل عملوه فتكون أعظم ما تكون مضاعفة. وهذا من تكرمه على عباده الصالحين ليجزي بالحسنة أضعافها مئات المرات.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- بيان سنة أن الإيمان يصدق بالأعمال أو يكذب.
٢- بيان إمكان التكليف بما يشق على النفس فعله أو تركه ولكن ليس بما لا يطاق.
٣- تحذير المغترين من العقوبة وإن تأخرت زمناً ما فإنها واقعة لا محالة.
٤- ثمرة الجهاد عائدة على المجاهد نفسه. فلذا لا ينبغي أن يمنها على الله تعالى بأن يقول فعلت وفعلت.
٥- تقرير عقيدة البعث والجزاء بذكر الوعد للذين آمنوا وعملوا الصالحات بتكفير السيئات والجزاء الأحسن وهذا يتم يوم البعث.
29:8–13Page 397
وَوَصَّيۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ بِوَٰلِدَيۡهِ حُسۡنٗاۖ وَإِن جَٰهَدَاكَ لِتُشۡرِكَ بِي مَا لَيۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمٞ فَلَا تُطِعۡهُمَآۚ إِلَيَّ مَرۡجِعُكُمۡ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٨
And We have enjoined upon man goodness to parents. But if they endeavor to make you associate with Me that of which you have no knowledge,1 do not obey them. To Me is your return, and I will inform you about what you used to do.
وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَنُدۡخِلَنَّهُمۡ فِي ٱلصَّٰلِحِينَ ٩
And those who believe and do righteous deeds - We will surely admit them among the righteous [into Paradise].
وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ فَإِذَآ أُوذِيَ فِي ٱللَّهِ جَعَلَ فِتۡنَةَ ٱلنَّاسِ كَعَذَابِ ٱللَّهِۖ وَلَئِن جَآءَ نَصۡرٞ مِّن رَّبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمۡۚ أَوَلَيۡسَ ٱللَّهُ بِأَعۡلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٠
And of the people are some who say, "We believe in Allāh," but when one [of them] is harmed for [the cause of] Allāh, he considers the trial [i.e., harm] of the people as [if it were] the punishment of Allāh. But if victory comes from your Lord, they say, "Indeed, We were with you." Is not Allāh most knowing of what is within the breasts of the worlds [i.e., all creatures]?
وَلَيَعۡلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَيَعۡلَمَنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ ١١
And Allāh will surely make evident those who believe, and He will surely make evident the hypocrites.
وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّبِعُواْ سَبِيلَنَا وَلۡنَحۡمِلۡ خَطَٰيَٰكُمۡ وَمَا هُم بِحَٰمِلِينَ مِنۡ خَطَٰيَٰهُم مِّن شَيۡءٍۖ إِنَّهُمۡ لَكَٰذِبُونَ ١٢
And those who disbelieve say to those who believe, "Follow our way, and we will carry your sins."1 But they will not carry anything of their sins. Indeed, they are liars.
وَلَيَحۡمِلُنَّ أَثۡقَالَهُمۡ وَأَثۡقَالٗا مَّعَ أَثۡقَالِهِمۡۖ وَلَيُسۡـَٔلُنَّ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ عَمَّا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ ١٣
But they will surely carry their [own] burdens and [other] burdens along with their burdens,1 and they will surely be questioned on the Day of Resurrection about what they used to invent.
شرح الكلمات:
ووصينا الإنسان: أي عهدنا إليه بطريق الوحي المنزل على رسولنا.
بوالديه حسناً: أي أيصاءً ذا حسن، وذلك ببرهما وعدم عقوقهما.
وإن جاهداك: أي بذلا الجهد في حملك على أن تشرك.
لندخلنهم في الصالحين: أي لندخلنهم مدخلهم في الجنة.
فتنة الناس: أي أذاهم له.
كعذاب الله: أي في الخوف منه فيطيعهم فينافق.
إنا كنا معكم: أي في الإيمان وإنما أكرهنا على ما قلنا بألسنتنا.
إتبعوا سبيلنا: أي ديننا وما نحن عليه.
ولنحمل خطاياكم: أي ليكن منكم اتباع لسبيلنا وليكن منا حمل لخطاياكم، فالكلام خبر وليس إنشاء.
وليحملن أثقالهم: أي أوزارهم، والأوزار الذنوب.
وأثقالاً مع أثقالهم: أي من أجل قولهم للمؤمنين اتبعوا سبيلنا.
عما كانوا يفترون: أي يكذبون.
معنى الآيات:
هذه الآيات نزلت في شأن سعد بن أبي وقاص لما أسلم قالت له أمه حمنة بنت أبي سفيان ما هذا الدين الذي أحدثت والله لا آكل ولا اشرب حتى ترجع إلى ما كنت عليه أو أموت فتُعَيَّر بذلك أبد الدهر يقال يا قاتل أمه، ثم إنها مكثت يوماً وليلة لم تأكل ولم تشرب ولم تستظل فأصبحت وقد جهدت ثم مكثت يوماً آخر وليلة لم تأكل ولم تشرب فجاء سعد إليها وقال: يا أماه لو كانت لك مائة نفس فخرجت نفساً نفساً ما تركت ديني فكلي إن شئت وإن شئت فلا تأكلى، فلما أيست منه أسلمت وأكلت وشربت فأنزل الله هذه الآية ﴿ووَصَّيْنا ٱلإنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً﴾ أي عهدنا إليه بواسطة الرسل إيصاءً ذا حسن وهو برهما بطاعتهما في المعروف وترك أذاهما ولو قل، وإيصال الخير بهما من كل ما هو خير قولاً كان أو فعلاً. وقوله تعالى: ﴿وإن جاهَداكَ﴾ أي بذلا جهدهما في حملك على أن تشرك بي شيئا من الشرك أو الشركاء فلا تطعهما كما فعل سعد بن أبي وقاص مع والدته في عدم إطاعتها. وقوله ﴿إلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾ أولاداً ووالدين ﴿فَأُنَبِّئُكُم بِما كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ وأجزيكم به فلذا قدموا طاعتي على طاعة الوالدين، فإني أنا الذي أحاسبكم وأجزيكم بعملكم أنتم وإياهم على حد سواء. وقوله تعالى: ﴿وٱلَّذِينَ آمَنُواْ﴾ أي بالله ورسوله ﴿وعَمِلُواْ ٱلصّالِحاتِ﴾ التي هي العبادات التي تَعَبَّد الله تعالى بها عباده المؤمنين، فشرعها لهم وبينها رسوله ﷺ كالذكر وقراءة القرآن والصلاة والصيام والصدقات والجهاد والحج وما إلى ذلك. هؤلاء الذين جمعوا بين الإيمان الحق والعمل الصالح الخالي من الشرك والرياء. يقسم الله تعالى أنه يدخلهم في مدخل الصالحين وهم الأنبياء والأولياء في الجنة دار السلام. وقوله تعالى: ﴿ومِنَ ٱلنّاسِ مَن يِقُولُ ءامَنّا بِٱللَّهِ﴾ الآية هذه نزلت في أناس كانوا بمكة وآمنوا وأعلنوا عن إيمانهم فاضطهدهم المشركون فكانوا ينافقون فأخبر تعالى عنهم بقوله: ﴿ومِنَ ٱلنّاسِ مَن يِقُولُ ءامَنّا بِٱللَّهِ فَإذَآ أُوذِيَ فِي ٱللَّهِ﴾ أي آذاه المشركون نافق وارتد ﴿جَعَلَ فِتْنَةَ ٱلنّاسِ﴾ أي أذاهم له وتعذيبهم إياه ﴿كَعَذابِ ٱللَّهِ﴾ يوم القيامة فوافق المشركين على الكفر.
وقوله تعالى: ﴿ولَئِنْ جَآءَ نَصْرٌ مِّن رَّبِّكَ لَيَقُولُنَّ إنّا كُنّا مَعَكُمْ﴾ أي على الإيمان وإنما كنا مكرهين وهذه نزلت فيمن خرجوا من مكة غلى بدر مع المشركين لما انهزم المشركون وانتصر المسلمون وأسروا قالوا ﴿إنّا كُنّا مَعَكُمْ﴾ أي على الإيمان فرد تعالى دعاهم بقوله ﴿أوَ لَيْسَ ٱللَّهُ بِأَعْلَمَ بِما فِي صُدُورِ ٱلْعالَمِينَ﴾ أي الناس. وقوله تعالى: ﴿ولَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ولَيَعْلَمَنَّ ٱلْمُنافِقِينَ﴾ تقرير لما سبق في الآية قبل وليترتب عليه الجزاء على الإيمان وعلى النفاق. فعلمه تعالى يستلزم الجزاء العادل فأهل الإيمان يجزيهم بالنعيم المقيم وأهل النفاق بالعذاب المهين. أولئك في دار السلام وهؤلاء في دار البوار. وقوله تعالى: ﴿وقالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّبِعُواْ سَبِيلَنا﴾ أي ديننا وما نحن عليه ﴿ولْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ﴾ أي قال رؤساء قريش لبعض المؤمنين اتركوا سبيل محمد ودينه واتبعوا سبيلنا وديننا، وإن كان هناك بعث وجزاء كما يقول محمد ﷺ - نحن مستعدون أن نتحمل خطاياكم ونجازى بها دونكم فأكذبهم الله تعالى بقوله: ﴿وما هُمْ بِحامِلِينَ مِن خَطاياهُمْ مِّن شَيْءٍ﴾ و ﴿إنَّهُمْ لَكاذِبُونَ﴾ في قولهم ولنحمل خطاياكم. وقال تعالى مقسماً بعزته وجلاله: ﴿ولَيَحْمِلُنَّ أثْقالَهُمْ﴾ أي أوزارهم ﴿وأَثْقالاً مَّعَ أثْقالِهِمْ﴾ أي وأوزاراً أي ذنوباً مع أوزارهم التي هي ذنوبهم وذلك من أجل ما قالوا لهم. ﴿ولَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ ٱلْقِيامَةِ عَمّا كانُواْ يَفْتَرُونَ﴾ أي يكذبون من أنهم يحملون خطايا المؤمنين يوم القيامة.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- وجوب بر الوالدين في المعروف وعدم طاعتهما فيما هو منكر كالشرك والمعاصي.
٢- بشرى المؤمنين العاملين للصالحات بإدخالهم الجنة مع النبيين والصديقين.
٣- ذم النفاق وكفر المنافقين وإن ادعوا الإيمان فما هم بمؤمنين.
٤- بيان ما كان عليه غلاة الكفر في مكة من العتو والطغيان.
٥- تقرير مبدإ من سنَّ سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها كما في الحديث الصحيح.
29:14–15Page 397
وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوۡمِهِۦ فَلَبِثَ فِيهِمۡ أَلۡفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمۡسِينَ عَامٗا فَأَخَذَهُمُ ٱلطُّوفَانُ وَهُمۡ ظَٰلِمُونَ ١٤
And We certainly sent Noah to his people, and he remained among them a thousand years minus fifty years, and the flood seized them while they were wrongdoers.
فَأَنجَيۡنَٰهُ وَأَصۡحَٰبَ ٱلسَّفِينَةِ وَجَعَلۡنَٰهَآ ءَايَةٗ لِّلۡعَٰلَمِينَ ١٥
But We saved him and the companions of the ship, and We made it1 a sign for the worlds.
شرح الكلمات:
ولقد أرسلنا نوحاً: أي نوحاً بن لَمْكْ بن مُتَوَشْلِخْ بن إدريس من ولد شيث بن آدم، بينه وبين آدم ألف سنة.
فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً: أي فمكث فيهم يدعوهم إلى الله تعالى تسعمائة وخمسين سنة.
فأخذهم الطوفان: أي الماء الكثير الذي طاف بهم وعلاهم فأغرقهم.
وهم ظالمون: أي مشركون.
وجعلناها آية للعالمين: أي عبرة للناس يعتبرون بها فلا يشركون ولا يعصون.
معنى الآيتين:
لما ذكر تعالى ما كان يلاقيه رسوله والمؤمنون من مشركي قريش ذكر تعالى نوحاً وإبراهيم وكلاهما قد عانى ولاقى ما لم يلاقه محمد ﷺ وأصحابه ليكون ذلك تسلية لهم وتخفيفاً عنهم فقال تعالى: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحاً إلىٰ قَوْمِهِ﴾ وقوم نوح يومئذ هم البشرية جمعاء. إذ لم يكن غيرهم ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ﴾ أي مكث يدعوهم إلى عبادة الله تعالى وتوحيده فيها وترك الأصنام الخمسة التي كانت لهم وهي ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر، وكان هؤلاء الخمسة رجالاً صالحين فلما ماتوا بنوا على قبورهم ووضعوا لهم تماثيل بحجة أنها تذكرهم بالله فيرغبوا في الطاعة والعمل الصالح ثم زين لهم الشيطان عبادتهم فعبدوهم فبعث الله تعالى إليهم نوحاً رسولاً فدعاهم إلى عبادة الله وترك عبادة هؤلاء ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ ألْفَ سَنَةٍ إلاَّ خَمْسِينَ عاماً﴾ يدعوهم فلم يستجيبوا له ﴿فَدَعا رَبَّهُ أنِّي مَغْلُوبٌ فَٱنتَصِرْ﴾ [القمر: ١٠] فاستجاب الله له فأنجاه وأصحاب السفينة وهم المؤمنون وهلك في الطوفان زوجته وولده كنعان وسائر البشر إلا نوحاً ومن معه في السفينة، وكانوا قرابة الثمانين نسمة، وخلف نوحاً ثلاثة أولاد هم سام وهو أبو العرب وفارس والروم وهم الجنس السامي وحام وهو أبو القبط والسودان والبربر ويافث وهو أبو الترك والصقالبة ويأجوج ومأجوج، هذا معنى قوله تعالى: ﴿فَأَخَذَهُمُ ٱلطُّوفانُ وهُمْ ظالِمُونَ﴾ أي لأنفسهم بالشرك. ﴿فأَنْجَيْناهُ وأَصْحابَ ٱلسَّفِينَةِ﴾ ومن بين ما فيها أبناؤه الثلاثة سام وحام ويافث ومنهم عمر الكون بالبشر شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً وقوله ﴿وجَعَلْناهَآ آيَةً لِّلْعالَمِينَ﴾ أي حادثة الطوفان ومنها السفينة ومكث تلك المدة الطويلة مع قلة المستجيبين ﴿آيَةً﴾ أي عبرة ﴿لِّلْعالَمِينَ﴾ أي للناس ليعتبروا بها فلا يعصوا رسلهم ولا يشركون بربهم هذا إذا اعتبروا وقليل من يعتبر.
هداية الآيتين:
من هداية الآيتين:
١- بيان سنة الله تعالى في إرسال الرسل لهداية الخلق.
٢- بيان قلة من استجاب لنوح مع المدة الطويلة فيكون هذا تسلية لرسول الله ﷺ والدعاة من بعده.
٣- بيان إهلاك الله تعالى الظالمين وإنجائه المؤمنين وهي عبرة للمعتبرين.
29:16–18Page 398
وَإِبۡرَٰهِيمَ إِذۡ قَالَ لِقَوۡمِهِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱتَّقُوهُۖ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ١٦
And [We sent] Abraham, when he said to his people, "Worship Allāh and fear Him. That is best for you, if you should know.
إِنَّمَا تَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوۡثَٰنٗا وَتَخۡلُقُونَ إِفۡكًاۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ تَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَا يَمۡلِكُونَ لَكُمۡ رِزۡقٗا فَٱبۡتَغُواْ عِندَ ٱللَّهِ ٱلرِّزۡقَ وَٱعۡبُدُوهُ وَٱشۡكُرُواْ لَهُۥٓۖ إِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ ١٧
You only worship, besides Allāh, idols, and you produce a falsehood. Indeed, those you worship besides Allāh do not possess for you [the power of] provision. So seek from Allāh provision and worship Him and be grateful to Him. To Him you will be returned."
وَإِن تُكَذِّبُواْ فَقَدۡ كَذَّبَ أُمَمٞ مِّن قَبۡلِكُمۡۖ وَمَا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ ١٨
And if you [people] deny [the message] - already nations before you have denied. And there is not upon the Messenger except [the duty of] clear notification.1
شرح الكلمات:
وإبراهيم: أي واذكر إبراهيم على قراءة النصب لإبراهيم، وعلى قراءة الرفع: ومن المرسلين إبراهيم.
اعبدوا الله واتقوه: أي آمنوا به ووحدوه في عبادته واتقوا أن تشركوا به وتعصوه.
أوثاناً: أصناماً وأحجاراً وصُوَراً وتماثيل.
وتخلقون إفكاً: أي تختلقون الكذب فتقولون في الأصنام والأوثان آلهة وتعبدونها.
فابتغوا عند الله الرزق: أي اطلبوا الرزق من الله الخلاق العليم لا من الأصنام والتماثيل المصنوعة المنحوتة بأيدي الرجال بالمعاول والفؤوس.
واعبدوه: أي بالإيمان به وتوحيده واشكروه بطاعته.
وإن تكذبوا: أي يا أهل مكة بعد هذا الذي عرضنا عليكم من الآيات والعبر فقد كذب أمم من قبلكم.
وما على الرسول: أي محمد ﷺ.
إلا البلاغ المبين: وقد بلغ وبين فبرئت ذمته وأنتم المكذبون ستحل بكم نقمة الله.
معنى الآيات:
هذا القصص معطوف على قصص نوح لتسلية الرسول ﷺ والمؤمنين ولتذكير قريش بأنها في إصرارها على الشرك والتكذيب للرسول ﷺ صائرة إلى ما صار إليه المكذبون من قبل إن لم تتب إلى الله وترجع إليه بالإيمان والطاعة وترك الشرك والمعاصي قال تعالى: ﴿وإبْراهِيمَ﴾ أي واذكر يا رسولنا إبراهيم خليلنا ﴿إذْ قالَ لِقَوْمِهِ﴾ البابليين ومن بينهم والده آزَرْ يا قوم ﴿ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ﴾ أي بتوحيده في عبادته ﴿وٱتَّقُوهُ﴾ بترك الشرك والعصيان وإلا حلَّت بكم عقوبته ونزل بكم عذابه وقوله ﴿ذٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ أي الإيمان والتوحيد والطاعة خير لكم من الكفر والشرك والعصيان. إذ الأول يجلب الخير والثاني يجلب الشر ﴿إن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ الخير والشر وتفرقون بينهما وقوله عليه السلام ﴿إنَّما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أوْثاناً وتَخْلُقُونَ إفْكاً﴾ يخبرهم معرفاً لهم بخطئهم فيقول ﴿إنَّما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أوْثاناً﴾ أي أصناماً وتماثيل وعبادة الأصنام والأوثان عبادة باطلة لا تجلب لكم نفعاً ولا تدفع عنكم ضراً. إن الذي يجب أن يعبد الله الخالق الرازق الضار النافع المحيي المميت السميع البصير. أما الأوثان فلا شيء في عبادتها إلا الضلال واتباع الهوى. وقوله لهم ﴿وتَخْلُقُونَ إفْكاً﴾ أي وتصنعون كذباً تختلقونه اختلاقاً عندما تقولون في التماثيل والأصنام إنها آلهة. وقوله عليه السلام لقومه ﴿إنَّ ٱلَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً﴾ يخبرهم عليه السلام معرفاً لهم بحقيقة هم عنها غافلون وهي أن الذين يعبدونهم من دون الله لا يملكون لهم رزقاً لأنهم لا يقدرون على ذلك فما الفائدة إذاً من عبادتهم وما الحاجة الداعية إليها لولا الغفلة والجهل، ولما أبطل لهم عبادة الأصنام أرشدهم إلى عبادة الله الواحد القهار فقال ﴿فَٱبْتَغُواْ عِندَ ٱللَّهِ ٱلرِّزْقَ﴾ إن كنتم عبدتم الأصنام لذلك فإن الله هو الرزاق ذو القوة المتين فاطلبوا عنده الرزق فإنه مالكه والقادر على إعطائه ﴿وٱعْبُدُوهُ﴾ بالإيمان به وبرسوله وبتوحيده ﴿وٱشْكُرُواْ لَهُ﴾ يرزقكم ويحفظ عليكم الرزق وقوله ﴿إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ذكّرهم بعلة غفلتهم ومَصْدَر جهلهم وهي كفرهم بالبعث فأعلمهم أنهم إليه تعالى لا إلى غيره يرجعون.
إذاً فليتعرفوا إليه ويعبدوه طلباً لرضاه وإكرامهم يوم يلقونه. وقوله تعالى ﴿وإن تُكَذِّبُواْ﴾ أي يا أهل مكة رسولنا وتنكروا وحينا وتكفروا بلقائنا فلستم وحدكم في ذلك. ﴿فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِّن قَبْلِكُمْ﴾ قوم نوح وعاد وفرعون وقوم إبراهيم وأصحاب مدين وغيرهم ﴿وما عَلى ٱلرَّسُولِ﴾ أي رسولنا محمد ﷺ إلا البلاغ المبين وقد بلغكم وأنتم الآن بين خيارين لا ثالث لهما: الأول أن تتعظوا بما أسمعناكم وأريناكم من آياتنا فتؤمنوا وتوحدوا وتطيعوا فتكملوا وتسعدوا وإما أن تبقوا على إصراركم على الشرك والكفر والعصيان فسوف يحل بكم ما حل بأمثالكم، إذ كفاركم ليسوا بخير من كفار أولئكم الذين انتقم الله منهم وأذاقهم سوء العذاب. هذا ما دلت عليه الآية [١٨] وهي معترضة بين الآيات التي اشتملت على قصص إبراهيم عليه السلام. وسر الاعتراض هو وجود فرصة في سياق الكلام قد تلفت أنظار القوم وتأخذ بقلوبهم إذ الآيات كلها مسوقة لهدايتهم.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- وجوب عبادة الله وتقواه طلباً للنجاة من الخسران في الدارين.
٢- بطلان عبادة غير الله ووجوب عبادة الله عن طريق الأدلة العقلية.
٣- ما عبد الناس الأوثان إلا من جهلهم وفقرهم فلذا يجب أن يعلموا أن الله هو ربهم المستحق لعبادتهم وأن الله تعالى هو الذي يسد فقرهم ويرزقهم ومن عداه لا يملك ذلك لهم.
٤- وجوب شكر الله تعالى بحمده والثناء عليه وبطاعته وصرف النعم فيما من أجله أنعم بها على عبده.
٥- تسلية الرسول ﷺ وتأنيب المشركين من أهل مكة.
29:19–23Page 398
أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ كَيۡفَ يُبۡدِئُ ٱللَّهُ ٱلۡخَلۡقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥٓۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٞ ١٩
Have they not considered how Allāh begins creation and then repeats it? Indeed that, for Allāh, is easy.
قُلۡ سِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱنظُرُواْ كَيۡفَ بَدَأَ ٱلۡخَلۡقَۚ ثُمَّ ٱللَّهُ يُنشِئُ ٱلنَّشۡأَةَ ٱلۡأٓخِرَةَۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٢٠
Say, [O Muḥammad], "Travel through the land and observe how He began creation. Then Allāh will produce the final creation [i.e., development]. Indeed Allāh, over all things, is competent."
يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَيَرۡحَمُ مَن يَشَآءُۖ وَإِلَيۡهِ تُقۡلَبُونَ ٢١
He punishes whom He wills and has mercy upon whom He wills, and to Him you will be returned.
وَمَآ أَنتُم بِمُعۡجِزِينَ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فِي ٱلسَّمَآءِۖ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِيّٖ وَلَا نَصِيرٖ ٢٢
And you will not cause failure [to Allāh] upon the earth or in the heaven. And you have not other than Allāh any protector or any helper.
وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَلِقَآئِهِۦٓ أُوْلَٰٓئِكَ يَئِسُواْ مِن رَّحۡمَتِي وَأُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ٢٣
And the ones who disbelieve in the signs of Allāh and the meeting with Him - those have despaired of My mercy, and they will have a painful punishment.
شرح الكلمات:
أولم يروا: أي ينظروا بأبصارهم فيعلموا بقلوبهم.
يبدئ الله الخلق: أي كيف يخلق المخلوق ابتداء.
ثم يعيده: أي ثم هو تعالى يعيده بعد بدئه وإفنائه يعيده لأن الإعادة أهون من البدء وقد بدأ وأفنى فهو بالضرورة قادر على الإعادة.
إن ذلك: أي أن الخلق الأول والثاني هو الإعادة.
على الله يسير: أي سهل لا صعوبة فيه، فكيف إذاً ينكر المشركون البعث.
قل سيروا في الأرض: أي قل يا رسولنا لقومك المكذبين بالبعث سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الله الخلق وأنشأه، تستدلون بذلك على قدرته على البعث الآخر.
ثم الله ينشئ النشأة الآخرة: أي يحيي الناس بعد موتهم وهو البعث الآخر الذي أنكره الجاهلون.
وإليه تقلبون: أي ترجعون إليه لا إلى غيره أحياء كما كنتم فيحاسبكم ويجزيكم بأعمالكم، الحسنة بخير منها والسيئة بمثلها جزاء عادلاً.
وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماء: أي بغالبين ولا فائتين بالهروب فإن الله غالبكم.
وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير: ليس لكم من ولي يتولاكم ولا نصير ينصركم من الله تعالى.
يئسوا من رحمتي: أي من دخول الجنة لأنهم كافرون أعظم كفر وهو التكذيب بالقرآن والبعث الآخر.
معنى الآيات:
ما زال السياق في تقرير أصول الدين التوحيد والنبوة والبعث وقد قررت الآيات السابقة أصلي التوحيد والنبوة المحمدية وفي هذه الآيات تقرير الأصل الثالث وهو البعث والجزاء في الدار الآخرة. قال: ﴿أوَلَمْ يَرَوْاْ﴾ أي أولئك المنكرون للبعث، أيكذبون؟، ولم ينظروا كيف يبدئ الله الخلق أي خلق الإنسان، فإن ذلك دال على إعادته متى أراد الله الخالق ذلك، ثم هو تعالى يعيده متى شاء، ﴿إنَّ ذٰلِكَ﴾ أي الخلق والإعادة بعد الفناء والبلى ﴿عَلى ٱللَّهِ يَسِيرٌ﴾ سهل لا يتعذر عليه أبداً.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ سِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ﴾ أي قل يا رسولنا للمكذبين بالبعث الآخر ﴿سِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ﴾ شرقاً وغرباً ﴿فَٱنظُرُواْ كَيْفَ بَدَأَ﴾ تعالى خلق تلك المخلوقات التي تشاهدونها من أرض، وسماء، وأنهار، وأشجار، وحيوان، وإنسان، إنها كلها كانت عدماً فأنشأها الله تعالى ثم هو سيفنيها ﴿ثُمَّ ٱللَّهُ يُنشِىءُ ٱلنَّشْأَةَ ٱلآخِرَةَ﴾ وذلك بأن يعيد حياة الإنسان ليحاسبه على كسبه في الدنيا ويجزيه به خيراً أو شراً، ﴿إنَّ ٱللَّهَ عَلىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ إذاً فلا يستنكر عليه إعادة الناس أحياء بعد نهاية هذه الحياة الدنيا ليحاسبهم ويجزيهم بما كانوا يعملون. وقوله تعالى: ﴿يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ ويَرْحَمُ مَن يَشَآءُ﴾ هذه فائدة وحكمة البعث الآخرة وهي المجازاة على العمل في هذه الحياة فيعذب أهل الكفر به وبرسوله والذين لم يزكوا أنفسهم بالإيمان وصالح الأعمال فيدخلهم جهنم دار الشقاء والعذاب ويرحم أهل الإيمان والتقوى الذين زكوا أنفسهم بالإيمان والصالحات.
وقوله: ﴿وإلَيْهِ تُقْلَبُونَ﴾ أي إلى الله ربكم ترجعون بعد الموت والفناء وإنشاء النشأة الآخرة وقوله ﴿ومَآ أنتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ أي الله تعالى ﴿فِي ٱلأَرْضِ ولا فِي ٱلسَّمَآءِ﴾ بل أنتم مقهورون له خاضعون لسلطانه لا يمكنكم الهرب منه ولا الخلاص بحال من الأحوال. وليس لكم من دونه تعالى ولي يتولاكم فيدفع عنكم العذاب ولا نصير ينصركم فلا تُغلَبون ولا تُعذبون وقوله تعالى: ﴿وٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِآياتِ ٱللَّهِ﴾ التي جاءت بها رسله ﴿ولِقَآئِهِ﴾ وهو البعث الآخر الموجب للوقوف بين يدي الله للسؤال والحساب والجزاء هذا إن كان للعبد ما يحاسب عليه من الخير، أما إن لم يكن له حسنات فإنه يُلقى في جهنم بلا حساب ولا وزن إذ ليس له من الصالحات ما يوزن له ويحاسب به، ولذا قال تعالى: ﴿أُوْلَٰئِكَ﴾ أي المكذبون بآيات الله ولقائه ﴿يَئِسُواْ مِن رَّحْمَتِي﴾ إذ تكذيبهم بالقرآن مانع من الإيمان والعمل الصالح وتكذيبهم بيوم القيامة مانع لهم أن يتخلوا عن الشرك والمعاصي، أو يعملوا صالحاً من الصالحات لتكذيبهم بالجزاء، فهم يائسون من الجنة. ﴿وأُوْلَٰئِكَ لَهُمْ عَذابٌ ألِيمٌ﴾ أي موجع وهو عذاب النار في جهنم والعياذ بالله تعالى.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- وجوب استعمال العقل للاستدلال على الغائب بالحاضر وعلى المعدوم بالموجود.
٢- تقرير عقيدة البعث والجزاء وذكر أدلتها التفصيلية.
٣- تقرير عجز الإنسان التام وأنه لا مهرب له من الله تعالى ربه ومالكه وهي حال تستدعي الفرار إلى الله اليوم بالإيمان والتقوى.
٤- إنذار المكذبين بأنهم إن ماتوا على التكذيب بالبعث لا يدخلون الجنة بحال، وسيعذبون في نار جهنم أشد العذاب.
29:24–25Page 399
فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوۡمِهِۦٓ إِلَّآ أَن قَالُواْ ٱقۡتُلُوهُ أَوۡ حَرِّقُوهُ فَأَنجَىٰهُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلنَّارِۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ ٢٤
And the answer of his [i.e., Abraham's] people was not but that they said, "Kill him or burn him," but Allāh saved him from the fire. Indeed in that are signs for a people who believe.
وَقَالَ إِنَّمَا ٱتَّخَذۡتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ أَوۡثَٰنٗا مَّوَدَّةَ بَيۡنِكُمۡ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ ثُمَّ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ يَكۡفُرُ بَعۡضُكُم بِبَعۡضٖ وَيَلۡعَنُ بَعۡضُكُم بَعۡضٗا وَمَأۡوَىٰكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّٰصِرِينَ ٢٥
And [Abraham] said, "You have only taken, other than Allāh, idols as [a bond of] affection among you in worldly life. Then on the Day of Resurrection you will deny one another and curse one another, and your refuge will be the Fire, and you will not have any helpers."
شرح الكلمات:
فما كان جواب قومه: أي قوم إبراهيم عليه السلام.
إلا أن قالوا اقتلوه: أي إلا قولهم اقتلوه أو احرقوه.
إن في ذلك لآيات: أي في كون النار لم تحرق الخليل ويخرج منها سالماً.
لقوم يؤمنون: لأن المؤمنين هم الذين ينتفعون بالآيات لحياة قلوبهم.
أوثاناً مودة بينكم: أي اتخذتم أوثانكم آلهة تتوادون من أجل عبادتها وتتحابون لذلك.
في الحياة الدنيا: أي هذا التوادد والتحاب على الآلهة في الحياة الدنيا فقط أما الآخرة فلا.
يكفر بعضكم ببعض: أي يكفر المتبوعون بأتباعهم ويتبرأون منهم.
ويلعن بعضكم بعضاً: يلعن الأتباع القادة الذين اتبعوهم في الباطل.
معنى الآيات:
ما زال السياق في قصص إبراهيم الخليل عليه السلام فإنه لمّا أفحمهم بالحجة وبين لهم باطلهم وكشف لهم عن جهلهم وضلالهم لجأوا كعادة الطغاة من أهل الكفر والباطل إلى التهديد بالقوة فقالوا ما أخبر به تعالى عنهم: أي ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ﴾ فما كان جوابهم أي عما سمعوا من الحجج والبراهين على بطلان الشرك وصحة التوحيد ﴿إلاَّ أن قالُواْ ٱقْتُلُوهُ أوْ حَرِّقُوهُ﴾ أي إلا قولهم اقتلوا إبراهيم بالسيف ونحوه أو حرقوه بالنار، ونفذوا جريمتهم بالفعل وأوقدوا النار وألقوه فيها، وقال الله جل جلاله للنار ﴿يٰنارُ كُونِي بَرْداً وسَلَٰماً عَلىٰ إبْراهِيمَ﴾ [الأنبياء: ٦٩] فكانت كما أُمرت وخرج إبراهيم سالماً لم تحرق النار سوى كتافه الذي شد به يداه ورجلاه. وهو ما دل عليه قوله تعالى ﴿فَأَنْجاهُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلنّارِ﴾ وقوله تعالى ﴿إنَّ فِي ذٰلِكَ لآياتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أي في كون النار لم تحرق إبراهيم فيتخلف طبعها وتصبح برداً وسلاماً على إبراهيم فلم تحرقه، (آيات) أي دلائل قدرة الله تعالى ورحمته وحكمته ولكن تلك الآيات لا ينتفع بها غير المؤمنين، لأنهم أموات لا يسمعون ولا يبصرون ولا يعقلون. أما المؤمنون فهم أحياء فينتفعون بما يسمعون ويبصرون لأن الإيمان بمثابة الروح في البدن فإن وجد في القلب حيي الجسم وان فارقه فالجسم ميت فلا العين تبصر الأحداث ولا الأذن تسمع الآيات. وقوله: ﴿إنَّما ٱتَّخَذْتُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ أوْثاناً مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي ٱلْحَياةِ ٱلدُّنْيا﴾ هذا من جملة قول إبراهيم لقومه وهو يعظهم ويرشدهم فأخبرهم بحقيقة يتجاهلونها وهي أنهم ما اتخذذوا تلك الأوثان آلهة يعبدونها إلا لأجل التعارف عليها والتوادد والتحاب من أجلها، فيقيمون الأعياد لها ويجتمعون حولها فيأكلون ويشربون لا أنهم حقيقة يعتقدون أنها آلهة وهي أحجار نحتوها بأيديهم ونصبوها تماثيل في سوح دورهم وأمام منازلهم و ﴿يَوْمَ ٱلْقِيامَةِ﴾ أي في الآخرة فالعكس هو الذي سيحدث لهم حيث ﴿يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ ويَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً﴾ أي يكفر المتبوعون وهم الرؤساء بمن اتبعوهم وهم الأتباع من الدهماء وعوام الناس، ﴿ويَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً﴾ كل من الأتباع والمتبوعين يطلب بعد الآخر عنه، وعدم الاعتراف به وذلك عند معاينة العذاب ولم تبق تلك الروابط والصلات التي كانت لهم في هذه الحياة!! وقوله: ﴿ومَأْواكُمُ ٱلنّارُ﴾ أي ومقركم الذي يؤويكم جميعاً فتستقرون فيه هو النار ﴿وما لَكُمْ مِّن نّاصِرِينَ﴾ بعد أن أذلكم الله الذي أشركتم به أوثاناً، فجعلتموها مودة بينكم في الحياة الدنيا.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- تقرير أن الظَّلمَة سنتهم أنهم إذا أعيتهم الحجج يلجأون إلى استعمال القوة.
٢- في عدم إحراق النار دليل على أن الله تعالى قادر على إبطال السنن إذا شاء ذلك، ومن هنا تكون الكرامات والمعجزات إذْ هي خوارق للعادات.
٣- بيان أن الخرافيين في اجتماعهم على البدع لم يكن ذلك عن علم بنفع البدعة وإنما لعنصر التوادد والتعارف والتلاقي على الأكل والشرب كما قال إبراهيم لقومه ﴿إنَّما ٱتَّخَذْتُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ أوْثاناً مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي ٱلْحَياةِ ٱلدُّنْيا﴾.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences