Al-Jaza'iri · Tafsir · in Arabic
طه
Taha
Ta-Ha · Meccan · 135 ayahs
20:1–8Page 312
طه ١
Ṭā, Hā.1
مَآ أَنزَلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡقُرۡءَانَ لِتَشۡقَىٰٓ ٢
We have not sent down to you the Qur’ān that you be distressed
إِلَّا تَذۡكِرَةٗ لِّمَن يَخۡشَىٰ ٣
But only as a reminder for those who fear [Allāh] -
تَنزِيلٗا مِّمَّنۡ خَلَقَ ٱلۡأَرۡضَ وَٱلسَّمَٰوَٰتِ ٱلۡعُلَى ٤
A revelation from He who created the earth and highest heavens,
ٱلرَّحۡمَٰنُ عَلَى ٱلۡعَرۡشِ ٱسۡتَوَىٰ ٥
The Most Merciful [who is] above the Throne established.1
لَهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَا وَمَا تَحۡتَ ٱلثَّرَىٰ ٦
To Him belongs what is in the heavens and what is on the earth and what is between them and what is under the soil.
وَإِن تَجۡهَرۡ بِٱلۡقَوۡلِ فَإِنَّهُۥ يَعۡلَمُ ٱلسِّرَّ وَأَخۡفَى ٧
And if you speak aloud - then indeed, He knows the secret and what is [even] more hidden.
ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ لَهُ ٱلۡأَسۡمَآءُ ٱلۡحُسۡنَىٰ ٨
Allāh - there is no deity except Him. To Him belong the best names.
شرح الكلمات:
طه: أي يا رجل.
إلا تذكرة: أي يتذكر بالقرآن من يخشى عقاب الله عز وجل.
على العرش استوى: أي ارتفع عليه وعلا.
وما تحت الثرى: الثرى التراب الندي يريد ما هو أسفل الأرضين السبع.
وأخفى: أي من السر، وهو ما علمه الله وقدر وجوده وهو كائن ولكن لم يكن بعد.
الحسنى: الحسنى مؤنث الأحسن المفضل على الحسن.
معنى الآيات:
قوله تعالى ﴿طه﴾ لفظ طه جائز أن يكون من الحروف المقطعة، وجائز أن يكون معناه يا رجل ورجح الأمر ابن جرير لوجوده في لغة العرب طه بمعنى يا رجل وعلى هذا فمعنى الكلام يا رجل ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى رداً على النضر بن الحارث الذي قال إن محمداً شقي بهذا القرآن الذي أنزل عليه لما فيه من التكاليف فنفى الحق عز وجل ذلك وقال ﴿مَآ أنَزَلْنا عَلَيْكَ ٱلْقُرْآنَ لِتَشْقىٰ إلاَّ تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشىٰ﴾ وإنما أنزلناه ليكون تذكرة ذكرى يذكر بها من يخشى ربه فيقبل على طاعته متحملاً في سبيل ذلك كل ما قد يلاقي في طريقه من أذى قومه المشركين بالله الكافرين بكتابه والمكذبين لرسوله، وقوله: ﴿تَنزِيلاً مِّمَّنْ خَلَقَ ٱلأَرْضَ وٱلسَّمَٰوٰتِ ٱلْعُلى﴾ أي هذا القرآن الذي ما أنزلناه لتشقى به ولكن تذكرة لمن يخشى نُزِّل تنزيلاً من الله الذي خلق الأرض والسماوات العلى: ﴿ٱلرَّحْمَٰنُ عَلى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوىٰ﴾ أي رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما الذي استوى على عرشه استواءً يليق به يدبر أمر مخلوقاته، الذي ﴿لَهُ ما فِي ٱلسَّمَٰوٰتِ وما فِي ٱلأَرْضِ وما بَيْنَهُما وما تَحْتَ ٱلثَّرىٰ﴾ من الأرضين السبع. وقوله ﴿وإن تَجْهَرْ بِٱلْقَوْلِ﴾ أيها الرسول أو تُسِر ﴿فَإنَّهُ يَعْلَمُ ٱلسِّرَّ وأَخْفى﴾ من السر، وهو ما قدره الله وهو واقع في وقته المحدد له فعلمه تعالى ولم يعلمه الإنسان بعد. وقوله: ﴿ٱللَّهُ لاۤ إلَٰهَ إلاَّ هُوَ﴾ أي الله المعبود بحق الذي لا معبود بحق سواه ﴿لَهُ ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنىٰ﴾ التي لا تكون إلا له، ولا تكون لغيره من مخلوقاته. وهكذا عرَّف تعالى عباده به ليعرفوه فيخافونه ويحبونه فيؤمنون به ويطيعونه فيكملون على ذلك ويسعدون فلله الحمد وله المنة.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- إبطال نظرية أن التكاليف الشرعية شاقة ومرهقة للعبد.
٢- تقرير عقيدة الوحي وإثبات النبوة المحمدية.
٣- تقرير الصفات الإلهية كالاستواء ووجوب الإيمان بها بدون تأويل أو تعطيل أو تشبيه بل إثباتها على الوجه الذي يليق بصاحبها عز وجل.
٤- تقرير ربوبية الله لكل شيء.
٥- تقرير التوحيد وإثبات أسماء الله تعالى الحسنى وصفاته العلى.
20:9–16Page 312
وَهَلۡ أَتَىٰكَ حَدِيثُ مُوسَىٰٓ ٩
And has the story of Moses reached you? -
إِذۡ رَءَا نَارٗا فَقَالَ لِأَهۡلِهِ ٱمۡكُثُوٓاْ إِنِّيٓ ءَانَسۡتُ نَارٗا لَّعَلِّيٓ ءَاتِيكُم مِّنۡهَا بِقَبَسٍ أَوۡ أَجِدُ عَلَى ٱلنَّارِ هُدٗى ١٠
When he saw a fire and said to his family, "Stay here; indeed, I have perceived a fire; perhaps I can bring you a torch or find at the fire some guidance."
فَلَمَّآ أَتَىٰهَا نُودِيَ يَٰمُوسَىٰٓ ١١
And when he came to it, he was called, "O Moses,
إِنِّيٓ أَنَا۠ رَبُّكَ فَٱخۡلَعۡ نَعۡلَيۡكَ إِنَّكَ بِٱلۡوَادِ ٱلۡمُقَدَّسِ طُوٗى ١٢
Indeed, I am your Lord, so remove your sandals. Indeed, you are in the blessed valley of Ṭuwā.
وَأَنَا ٱخۡتَرۡتُكَ فَٱسۡتَمِعۡ لِمَا يُوحَىٰٓ ١٣
And I have chosen you, so listen to what is revealed [to you].
إِنَّنِيٓ أَنَا ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ فَٱعۡبُدۡنِي وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِذِكۡرِيٓ ١٤
Indeed, I am Allāh. There is no deity except Me, so worship Me and establish prayer for My remembrance.
إِنَّ ٱلسَّاعَةَ ءَاتِيَةٌ أَكَادُ أُخۡفِيهَا لِتُجۡزَىٰ كُلُّ نَفۡسِۭ بِمَا تَسۡعَىٰ ١٥
Indeed, the Hour is coming - I almost conceal it1 - so that every soul may be recompensed according to that for which it strives.
فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنۡهَا مَن لَّا يُؤۡمِنُ بِهَا وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ فَتَرۡدَىٰ ١٦
So do not let one avert you from it1 who does not believe in it and follows his desire, for you [then] would perish.
شرح الكلمات:
هل أتاك: قد أتاك فالاستفهام للتحقيق.
حديث موسى: أي خبره وموسى هو ابن عمران نبي بني إسرائيل.
إذ رأى ناراً: أي حين رؤيته ناراً.
لأهله: زوجته بنت شعيب ومن معها من خادم أو ولد.
آنست ناراً: أي أبصرتها من بعد.
بقبس: القبس عود في رأسه نار.
على النار هدى: أي ما يهديني الطريق وقد ضل الطريق إلى مصر.
فلما أتاها: أي النار وكانت في شجرة من العوسج ونحوه تتلألؤ نوراً لا ناراً.
نودي يا موسى: أي ناداه ربه قائلاً له يا موسى....!
المقدس طوى: طوى اسم للوادي المقدس المطهر.
اخترتك: من قومك لحمل رسالتي إلى فرعون وبني إسرائيل.
فاستمع لما يوحى: أي إليك وهو قوله تعالى: ﴿إنَّنِيۤ أنا ٱللَّهُ لاۤ إلَٰهَ إلاۤ أناْ﴾.
لذكري: أي لأجل أن تذكرني فيها.
أكاد أخفيها: أي أبالغ في إخفائها حتى لا يعلم وقت مجيئها أحد.
بما تسعى: أي سعيها في الخير أو في الشر.
فتردى: أي تهلك.
معنى الآيات:
ما زال السياق الكريم في تقرير التوحيد ففي نهاية الآية السابقة [٨] كان قوله تعالى ﴿ٱللَّهُ لاۤ إلَٰهَ إلاَّ هُوَ لَهُ ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنىٰ﴾ تقريراً للتوحيد وإثباتاً له وفي هذه الآية [٩] يقرره تعالى عن طريق الإخبار عن موسى، وأن أول ما أوحاه إليه من كلامه كان إخباره بأنه لا إله إلا هو أي لا معبود غيره وأمره بعبادته. فقال تعالى: ﴿وهَلْ أتاكَ﴾ أي يا نبينا ﴿حَدِيثُ مُوسىٰ إذْ رَأى ناراً﴾، وكان في ليلة مظلمة شاتية وزنده الذي معه لم يقدح له ناراً ﴿فَقالَ لأَهْلِهِ﴾ أي زوجته ومن معها وقد ضلوا طريقهم لظلمة الليل، ﴿ٱمْكُثُوۤاْ﴾ اي ابقوا هنا فقد آنست ناراً أي أبصرتها ﴿لَّعَلِّيۤ آتِيكُمْ مِّنْها بِقَبَسٍ﴾ فنوقد به ناراً تصطلون بها أي تستدفئون بها، ﴿أوْ أجِدُ عَلى ٱلنّارِ هُدًى﴾ أي أجد حولها ما يهدينا طريقنا الذي ضللناه.
وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّآ أتاها﴾ أي أتى النار ووصل إليها وكانت شجرة تتلألؤ نوراً ﴿نُودِيَ يٰمُوسىٰ﴾ أي ناداه ربه تعالى قائلاً يا موسى ﴿إنِّيۤ أناْ رَبُّكَ﴾ أي خالقك ورازقك ومدبر أمرك ﴿فَٱخْلَعْ نَعْلَيْكَ إنَّكَ بِٱلْوادِ ٱلْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ وذلك من أجل أن يتبرك بملامسة الوادي المقدس بقدميه. وقوله تعالى ﴿وأَنا ٱخْتَرْتُكَ﴾ أي لحمل رسالتي إلى من أرسلك إليهم. ﴿فَٱسْتَمِعْ لِما يُوحىۤ﴾ أي إليك وهو: ﴿إنَّنِيۤ أنا ٱللَّهُ لاۤ إلَٰهَ إلاۤ أناْ﴾ أي أنا الله المعبود بحق ولا معبود بحق غيري وعليه فاعبدني وحدي، ﴿وأَقِمِ ٱلصَّلاةَ لِذِكْرِيۤ﴾، أي لأجل أن تذكرني فيها وبسببها. فلذا من لم يصل لم يذكر الله تعالى وكان بذلك كافراً لربه تعالى. وقوله ﴿إنَّ ٱلسّاعَةَ آتِيَةٌ﴾ أي إن الساعة التي يقوم فيها الناس أحياء من قبورهم للحساب والجزاء آتية لا محالة.
من أجل مجازاة العباد على أعمالهم وسعيهم طوال أعمارهم من خير وشر، وقوله: ﴿أكادُ أُخْفِيها﴾ أي أبالغ في إخفائها حتى أكاد أخفيها عن نفسي. وذلك لحكمة أن يعمل الناس ما يعملون وهم لا يدرون متى يموتون ولا متى يبعثون فتكون أعمالهم بإراداتهم لا إكراه عليهم فيها فيكون الجزاء على أعمالهم عادلاً، وقوله: ﴿فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها مَن لاَّ يُؤْمِنُ بِها وٱتَّبَعَ هَواهُ فَتَرْدىٰ﴾ ينهى تعال موسى أن يَقبل صدَّ صادٍ من المنكرين للبعث متَّبعي الهوى عن الإيمان بالبعث والجزاء والتزود بالأعمال الصالحة لذلك اليوم العظيم الذي تجزى فيه كل نفس بما كسبت وهو لا يظلمون، فإن من لا يؤمن بها ولا يتزود لها يردى أي يهلك.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- تقرير النبوة لمحمد ﷺ.
٢- تقرير التوحيد وإثباته، وأن الدعوة إلى لا إله إلا الله دعوة كافة الرسل.
٣- إثبات صفة الكلام لله تعالى.
٤- مشروعية التبرك بما جعله الله تعالى مباركاً، والتبرك التماس البركة حسب بيان الرسول وتعليمه.
٥- وجوب إقام الصلاة وبيان علة ذلك وهو ذكر الله تعالى.
٦- بيان الحكمة في إخفاء الساعة مع وجوب اتيانها وحتميته.
20:17–24Page 313
وَمَا تِلۡكَ بِيَمِينِكَ يَٰمُوسَىٰ ١٧
And what is that in your right hand, O Moses?"
قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّؤُاْ عَلَيۡهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَـَٔارِبُ أُخۡرَىٰ ١٨
He said, "It is my staff; I lean upon it, and I bring down leaves for my sheep and I have therein other uses."
قَالَ أَلۡقِهَا يَٰمُوسَىٰ ١٩
[Allāh] said, "Throw it down, O Moses."
فَأَلۡقَىٰهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٞ تَسۡعَىٰ ٢٠
So he threw it down, and thereupon it was a snake, moving swiftly.
قَالَ خُذۡهَا وَلَا تَخَفۡۖ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا ٱلۡأُولَىٰ ٢١
[Allāh] said, "Seize it and fear not; We will return it to its former condition.
وَٱضۡمُمۡ يَدَكَ إِلَىٰ جَنَاحِكَ تَخۡرُجۡ بَيۡضَآءَ مِنۡ غَيۡرِ سُوٓءٍ ءَايَةً أُخۡرَىٰ ٢٢
And draw in your hand to your side; it will come out white without disease - another sign,
لِنُرِيَكَ مِنۡ ءَايَٰتِنَا ٱلۡكُبۡرَى ٢٣
That We may show you [some] of Our greater signs.
ٱذۡهَبۡ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ إِنَّهُۥ طَغَىٰ ٢٤
Go to Pharaoh. Indeed, he has transgressed [i.e., tyrannized]."
شرح الكلمات:
وما تلك بيمينك يا موسى: الاستفهام للتقرير به ليرتب عليه المعجزة وهي انقلابها حية.
أتوكأ عليها: أي أعتمد عليها.
وأهش بها على غنمي: أخبط بها ورق الشجر فيتساقط فتأكله الغنم.
ولي فيها مآرب أخرى: أي حاجات أخرى كحمل الزاد بتعليقه فيها ثم حمله على عاتقه، وقتل الهوام.
حية تسعى: أي ثعبان عظيم، تمشي على بطنها بسرعة كالثعبان الصغير المسمى بالجان.
سيرتها الأولى: أي إلى حالتها الأولى قبل أن تنقلب حيّة.
إلى جناحك: أي إلى جنبك الأيسر تحت العضد إلى الإبط.
بيضاء من غير سوء: أي من غير برص تضيء كشعاع الشمس.
إذهب إلى فرعون: أي رسولاً إليه.
إنه طغى: تجاوز الحد في الكفر حتى ادعى الألوهية.
معنى الآيات:
ما زال السياق الكريم مع موسى وربه تعالى إذ سأله الرب تعالى وهو أعلم به وبما عنده قائلا: ﴿وما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يٰمُوسىٰ﴾؟ يسأله ليقرر بأن ما بيده عصا من خشب يابسة، فإذا تحولت إلى حية تسعى علم أنها آية له أعطاه إياها ربه ذو القدرة الباهرة ليرسله إلى فرعون وملائه. وأجاب موسى ربه قائلا: ﴿هِيَ عَصايَ أتَوَكَّأُ عَلَيْها وأَهُشُّ بِها عَلىٰ غَنَمِي﴾ يريد يخبّط بها الشجر اليابس فيتساقط الورق فتأكله الغنم ﴿ولِيَ فِيها مَآرِبُ﴾ أي حاجات ﴿أُخْرىٰ﴾ كحمل الزاد والماء يعلقه بها ويضعه على عاتقه كعادة الرعاة وقد يقتل بها الهوام الضارة كالعقرب والحية. فقال له ربه عز وجل ﴿ألْقِها يٰمُوسىٰ فَأَلْقاها﴾ من يده ﴿فَإذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعىٰ﴾ أي ثعبان عظيم تمشي على بطنها كالثعبان الصغير المسمى بالجان فخاف موسى منها وولى هارباً فقال له الرب تعالى: ﴿خذها ولا تخف سنعيدها سيرتها الأولى﴾ أي نعيدها عصا كما كانت قبل تحولها إلى حية وفعلاً أخذها فإذا هي عصاه التي كانت بيمينه. ثم أمره تعالى بقوله: ﴿وٱضْمُمْ يَدَكَ﴾ أي اليمنى ﴿إلىٰ جَناحِكَ﴾ الأيسر ﴿تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِن غَيْرِ سُوۤءٍ﴾ أي برص وفعل فضم تحت عضده إلى إبطه ثم استخرجها فإذا هي تتلألؤ كأنها فلقة قمر، أو كأنها الثلج بياضاً أو أشد، وقوله تعالى ﴿آيَةً أُخْرىٰ﴾ أي آية لك دالة على رسالتك أخرى إذ الأولى هي انقلاب العصا إلى حية تسعى كأنها جان. وقوله تعالى: ﴿لِنُرِيَكَ مِن آياتِنا ٱلْكُبْرىٰ﴾ أي حولنا لك العصا حية وجعلنا يدك تخرج بيضاء من أجل أن نريك من دلائل قدرتنا وعظيم سلطاننا. وقوله تعالى: ﴿ٱذْهَبْ إلىٰ فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغىٰ﴾ لما اراه من عجائب قدرته أمره أن يذهب إلى فرعون رسولاً إليه يأمره بعبادة الله وحده وأن يرسل معه بني إسرائيل ليخرج بهم إلى أرض المعاد بالشام وقوله ﴿إنَّهُ طَغىٰ﴾ أي تجاوز قدره، وتعدى حده كبشر إذ أصبح يدعي الربوبية والألوهية إذ فقال: ﴿أناْ رَبُّكُمُ ٱلأَعْلىٰ﴾ [النازعات: ٢٤] وقال: ﴿ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِّنْ إلَٰهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨]، فأي طغيان أكبر من هذا الطغيان.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- تقرير نبوة الرسول محمد ﷺ إذ مثل هذه الأخبار لا تصح إلا ممن يوحى إليه.
٢- استحباب تناول الأشياء غير المستقذرة باليمين.
٣- مشروعية حمل العصا.
٤- سنة رعي الغنم للأنبياء.
٥- مشروعية التدريب على السلاح قبل استعماله في المعارك.
٦- آية موسى في انقلاب العصا حية وخروج اليد البيضاء كأنها الثلج أو شعاع شمس.
٧- بيان الطغيان: وهو ادعاء العبد ما ليس له كالألوهية ونحوها.
20:25–35Page 313
قَالَ رَبِّ ٱشۡرَحۡ لِي صَدۡرِي ٢٥
[Moses] said, "My Lord, expand [i.e., relax] for me my breast [with assurance]
وَيَسِّرۡ لِيٓ أَمۡرِي ٢٦
And ease for me my task
وَٱحۡلُلۡ عُقۡدَةٗ مِّن لِّسَانِي ٢٧
And untie the knot from my tongue
يَفۡقَهُواْ قَوۡلِي ٢٨
That they may understand my speech.
وَٱجۡعَل لِّي وَزِيرٗا مِّنۡ أَهۡلِي ٢٩
And appoint for me a minister [i.e., assistant] from my family -
هَٰرُونَ أَخِي ٣٠
Aaron, my brother.
ٱشۡدُدۡ بِهِۦٓ أَزۡرِي ٣١
Increase through him my strength
وَأَشۡرِكۡهُ فِيٓ أَمۡرِي ٣٢
And let him share my task
كَيۡ نُسَبِّحَكَ كَثِيرٗا ٣٣
That we may exalt You much
وَنَذۡكُرَكَ كَثِيرًا ٣٤
And remember You much.
إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيرٗا ٣٥
Indeed, You are of us ever Seeing."
شرح الكلمات:
اشرح لي صدري: أي وسعه لأتحمل الرسالة.
ويسر لي أمري: أي سهله حتى أقوى على القيام به.
واحلل عقدة من لساني: أي حبسة حتى أُفهم من أُخاطب.
اشدد به أزري: أي قوي به ظهري.
وأشركه في أمري: أي اجعله نبياً كما نبأتني.
معنى الآيات:
ما زال السياق الكريم في حديث موسى عليه السلام مع ربه سبحانه وتعالى إنه بعد أن أمر الله تعالى موسى بالذهاب إلى فرعون ليدعوه إلى عبادة الله وحده وإرسال بني إسرائيل مع موسى ليذهب به إلى أرض القدس قال موسى عليه السلام لربه تعالى ﴿ٱشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ لأتحمل أعباء الرسالة ﴿ويَسِّرْ لِيۤ أمْرِي﴾ أي سهل مهمتي عليَّ وارزقني العون عليها فإنها صعبة شاقة. ﴿وٱحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسانِي﴾ تلك العقدة التي نشأت بسبب الجمرة التي ألقاها في فمه بتدبير الله عزوجل حيث عزم فرعون على قتله لما وضعه في حجره يلاعبه فأخذ موسى بلحية فرعون ونتفها فغضب فقالت له آسية إنه لا يعقل لصغر سنه وقالت له تختبره بوضع جواهر في طبق وجمر في طست ونقدمهما له فإن أخذ الجواهر فهو عاقل ودونك افعل به ما شئت، وإن أخذ الجمر فهو غير عاقل فلا تحفل به ولا تغتم لفعله، وقدم لموسى الطبق والطست فمد يده إلى الطست بتدبير الله فأخذ جمرة فكانت سبب هذه العقدة فسأل موسى ربه أن يحلها من لسانه ليفصح إذا خاطب فرعون وبين فيفُهم قوله، وبذلك يؤدي رسالته. هذا معنى قوله: ﴿وٱحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسانِي يَفْقَهُواْ قَوْلِي﴾.
وقوله تعالى فيما أخبر عن موسى ﴿وٱجْعَل لِّي وزِيراً مِّنْ أهْلِي هارُونَ أخِي﴾ أي طلب من الله تعالى أن يجعل له من أخيه هارون معيناً على تبليغ الرسالة وتحمل أعبائها. وقوله: ﴿ٱشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾ أي قوّ به ظهري. وقوله: ﴿وأَشْرِكْهُ فِيۤ أمْرِي﴾ وذلك بتنبئته وإرساله ليكون هارون نبياً رسولاً. وعلل موسى عليه الصلاة والسلام لطلبه هذا بقوله: ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً ونَذْكُرَكَ كَثِيراً﴾، وقوله ﴿إنَّكَ كُنتَ بِنا بَصِيراً﴾ أي أنك كنت ذا بصر بنا لا يخفى عليك شيء من أمرنا وهذا من موسى توسل إلى الله تعالى في قبول دعائه وما طلبه من ربه توسل إليه بعلمه تعالى به وبأخيه وبحالهما.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- وجوب اللجأ إلى الله تعالى في كل ما يهم العبد.
٢- مشروعية الأخذ بالأُهبة والاستعداد لما يعتزم العبد القيام به.
٣- فضيلة التسبيح والذكر، والتوسل بأسماء الله وصفاته.
20:36–41Page 313
قَالَ قَدۡ أُوتِيتَ سُؤۡلَكَ يَٰمُوسَىٰ ٣٦
[Allāh] said, "You have been granted your request, O Moses.
وَلَقَدۡ مَنَنَّا عَلَيۡكَ مَرَّةً أُخۡرَىٰٓ ٣٧
And We had already conferred favor upon you another time,
إِذۡ أَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰٓ أُمِّكَ مَا يُوحَىٰٓ ٣٨
When We inspired to your mother what We inspired,
أَنِ ٱقۡذِفِيهِ فِي ٱلتَّابُوتِ فَٱقۡذِفِيهِ فِي ٱلۡيَمِّ فَلۡيُلۡقِهِ ٱلۡيَمُّ بِٱلسَّاحِلِ يَأۡخُذۡهُ عَدُوّٞ لِّي وَعَدُوّٞ لَّهُۥۚ وَأَلۡقَيۡتُ عَلَيۡكَ مَحَبَّةٗ مِّنِّي وَلِتُصۡنَعَ عَلَىٰ عَيۡنِيٓ ٣٩
[Saying], 'Cast him into the chest and cast it into the river, and the river will throw it onto the bank; there will take him an enemy to Me and an enemy to him.' And I bestowed upon you love from Me1 that you would be brought up under My eye [i.e., observation and care].
إِذۡ تَمۡشِيٓ أُخۡتُكَ فَتَقُولُ هَلۡ أَدُلُّكُمۡ عَلَىٰ مَن يَكۡفُلُهُۥۖ فَرَجَعۡنَٰكَ إِلَىٰٓ أُمِّكَ كَيۡ تَقَرَّ عَيۡنُهَا وَلَا تَحۡزَنَۚ وَقَتَلۡتَ نَفۡسٗا فَنَجَّيۡنَٰكَ مِنَ ٱلۡغَمِّ وَفَتَنَّٰكَ فُتُونٗاۚ فَلَبِثۡتَ سِنِينَ فِيٓ أَهۡلِ مَدۡيَنَ ثُمَّ جِئۡتَ عَلَىٰ قَدَرٖ يَٰمُوسَىٰ ٤٠
[And We favored you] when your sister went and said, 'Shall I direct you to someone who will be responsible for him?' So We restored you to your mother that she might be content and not grieve. And you killed someone,1 but We saved you from retaliation and tried you with a [severe] trial. And you remained [some] years among the people of Madyan. Then you came [here] at the decreed time, O Moses.
وَٱصۡطَنَعۡتُكَ لِنَفۡسِي ٤١
And I produced you for Myself.1
شرح الكلمات:
قد أوتيت سؤلك: أي مسؤولك من انشراح صدرك وتيسير أمرك وانحلال عقدة لسانك، وتنبئة أخيك.
ولقد مننا عليك مرة أخرى: أي أنعمنا عليك مرة أخرى قبل هذه.
ما يوحى: أي في شأنك وهو قوله: أن اقذفيه الخ.
في التابوت: أي الصندوق.
فاقذفيه في اليم: أي في نهر النيل.
ولتصنع على عيني: تربى بمرأى مني ومحبة وإرادة.
على من يكفله: ليكمل له رضاعه.
وقتلت نفساً: هو القبطي الذي قتلته بمصر وهو بيت فرعون.
فنجيناك من الغم: إذا استغفرتنا فغفرنا لك وأئتمروا بك ليقتلوك فنجيناك منهم.
وفتناك فتونا: أي اختبرناك اختبارا وابتليناك ابتلاء عظيما.
جئت على قدر: أي جئت للوقت الذي أردنا إرسالك إلى فرعون.
واصطنعتك لنفسي: أي أنعمت عليك بتلك النعم اجتباءً منا لك لتحمل رسالتنا.
معنى الآيات:
ما زال السياق في حديث موسى مع ربه تعالى فقد تقدم أن موسى عليه السلام سأل ربه أموراً لتكون عوناً له على حمل رسالته فأجابه تعالى بقوله: في هذه الآية [٣٦] ﴿قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يٰمُوسىٰ﴾ أي قد أعطيت ما طلبت، ﴿ولَقَدْ مَنَنّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرىٰ﴾ أي قبل هذه الطلبات وهي أنه لما أمر فرعون بذبح أبناء بني إسرائيل ﴿إذْ أوْحَيْنَآ إلىٰ أُمِّكَ ما يُوحىٰ أنِ ٱقْذِفِيهِ فِي ٱلتّابُوتِ﴾ أي في الصندوق ﴿فَٱقْذِفِيهِ فِي ٱلْيَمِّ﴾ أي نهر النيل ﴿فَلْيُلْقِهِ ٱلْيَمُّ بِٱلسّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وعَدُوٌّ لَّهُ﴾ فهذه النجاة نعمة، ونعمة أخرى تضمنها قوله تعالى: ﴿وأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي﴾ أي أضفيت عليك محبتي فأصبح من يراك يحبك، ونعمة أخرى وهي: من أجل أن تُربّى وتغذى على مرأى مني وإرادة لي أرجعتك بتدبيري إلى أمك لترضعك وتقر عينها ولا تحزن على فراقك، وهو ما تضمنه قوله تعالى: ﴿إذْ تَمْشِيۤ أُخْتُكَ﴾ فتقول: ﴿هَلْ أدُلُّكُمْ عَلىٰ مَن يَكْفُلُهُ﴾ لكم أي لارضاعه وتربيته. ﴿فَرَجَعْناكَ إلىٰ أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها ولا تَحْزَنَ﴾، ونعمة أخرى وهي أعظم إنجاؤنا لك من الغم الكبير بعد قتلك النفس وائتمار آل فرعون على قتلك ﴿فَنَجَّيْناكَ مِنَ ٱلْغَمِّ﴾ من القتل وغفرنا لك خطيئة القتل. وقوله تعالى: ﴿وفَتَنّاكَ فُتُوناً﴾ أي ابتليناك ابتلاءً عظيما وها هي ذي خلاصته في الأرقام التالية:
١- حمل أمك بك في السنة التي يقتل فيها أطفال بني إسرائيل.
٢- إلقاء أُمك بك في اليم.
٣- تحريم المراضع عليك حتى رجعت إلى أمك.
٤- أخذك بلحية فرعون وهمه بقتلك.
٥- قتلك القبطي وائتمار آل فرعون بقتلك.
٦- إقامتك في مدين وما عانيت من آلام الغربة.
٧- ضلالك الطريق بأهلك وما أصابك من الخوف والتعب.
هذه بعض ما يدخل تحت قوله تعالى: ﴿وفَتَنّاكَ فُتُوناً﴾ وقوله ﴿فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِيۤ أهْلِ مَدْيَنَ﴾ ترعى غنم شعيب عشراً من السنين ﴿ثُمَّ جِئْتَ﴾ من مدين إلى طور سينا ﴿عَلىٰ قَدَرٍ﴾ منا مقدر ووعد محدد ما كنت تعلمه حتى لاقيته.
واصطنعتك لنفسي أي خلقتك وربيتك وابتليتك واتيت بك على موعد قدَّرْته لأُحمِّلك عبء الرسالة إلى فرعون وبني إسرائيل: إلى فرعون لتدعوه إلى عبادتنا وإرسال بني إسرائيل معك إلى أرض المعاد. وإلى بني إسرائيل لهدايتهم وإصلاحهم وإعدادهم للإسعاد والإكمال في الدارين إن هم آمنوا واستقاموا.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- مظاهر لطف الله تعالى وحسن تدبيره في خلقه.
٢- مظاهر اكرام الله تعالى ولطفه بعبده ورسوله موسى عليه السلام.
٣- آية حب الله تعالى لموسى، وأثر ذلك في حب الناس له.
٤- تقرير نبوة محمد ﷺ بإخباره في كتابه بمثل هذه الأحداث في قصص موسى عليه السلام.
20:42–48Page 314
ٱذۡهَبۡ أَنتَ وَأَخُوكَ بِـَٔايَٰتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكۡرِي ٤٢
Go, you and your brother, with My signs and do not slacken in My remembrance.
ٱذۡهَبَآ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ إِنَّهُۥ طَغَىٰ ٤٣
Go, both of you, to Pharaoh. Indeed, he has transgressed.
فَقُولَا لَهُۥ قَوۡلٗا لَّيِّنٗا لَّعَلَّهُۥ يَتَذَكَّرُ أَوۡ يَخۡشَىٰ ٤٤
And speak to him with gentle speech that perhaps he may be reminded or fear [Allāh]."
قَالَا رَبَّنَآ إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفۡرُطَ عَلَيۡنَآ أَوۡ أَن يَطۡغَىٰ ٤٥
They said, "Our Lord, indeed we are afraid that he will hasten [punishment] against us or that he will transgress."
قَالَ لَا تَخَافَآۖ إِنَّنِي مَعَكُمَآ أَسۡمَعُ وَأَرَىٰ ٤٦
[Allāh] said, "Fear not. Indeed, I am with you both; I hear and I see.
فَأۡتِيَاهُ فَقُولَآ إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرۡسِلۡ مَعَنَا بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ وَلَا تُعَذِّبۡهُمۡۖ قَدۡ جِئۡنَٰكَ بِـَٔايَةٖ مِّن رَّبِّكَۖ وَٱلسَّلَٰمُ عَلَىٰ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلۡهُدَىٰٓ ٤٧
So go to him and say, 'Indeed, we are messengers of your Lord, so send with us the Children of Israel and do not torment them. We have come to you with a sign from your Lord. And peace1 will be upon he who follows the guidance.
إِنَّا قَدۡ أُوحِيَ إِلَيۡنَآ أَنَّ ٱلۡعَذَابَ عَلَىٰ مَن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ ٤٨
Indeed, it has been revealed to us that the punishment will be upon whoever denies and turns away.'"
شرح الكلمات:
بآياتي: أي بالمعجزات التي آتيتك كالعصا واليد وغيرها.
ولا تنيا في ذكري: أي لا تفترا ولا تقصرا في ذكري فإنه سر الحياة وعونكما على أداء رسالتكما.
إنه طغى: تجاوز قدره بادعائه الألوهية والربوبية.
قولا لينا: أي خالياً من الغلظة والعنف.
لعله يتذكر: أي فيما تقولان فيهتدي إلى معرفتنا فيخشانا فيؤمن ويسلم ويرسل معكما بني إسرائيل.
يفرط علينا: أي يعجل بعقوبتنا قبل أن ندعوه ونبين له.
أو أن يطغى: أي يزداد طغياناً وظلما.
أسمع وأرى: أي أسمع ما تقولانه وما يقال لكما، وأرى ما تعملان وما يعمل لكما.
فأرسل معنا بني إسرائيل: أي لنذهب بهم إلى أرض المعاد أرض أبيهم إبراهيم.
بآية: أي معجزة تدل على صدقنا في دعوتنا وأنا رسولا ربك حقاً وصدقاً.
والسلام على من اتبع الهدى: أي النجاة من العذاب في الدارين لمن آمن واتقى، إذ الهدى إيمانٌ وتقوى.
من كذب وتولى: أي كذب بالحق ودعوته وأعرض عنهما فلم يقبلهما.
معنى الكلمات:
ما زال السياق الكريم في الحديث عن موسى مع ربه تبارك وتعالى فقد أخبره تعالى في الآية السابقة أنه صنعه لنفسه، فأمره في هذه الآية بالذهاب مع أخيه هارون مزودين بآيات الله وهي حججه التي أعطاهما من العصا واليد البيضاء. ونهاهما عن التواني في ذكر الله بأن يضعفا في ذكر وعده ووعيده فيقصرا في الدعوة إليه تعالى فقال: ﴿ٱذْهَبْ أنتَ وأَخُوكَ بِآياتِي ولا تَنِيا فِي ذِكْرِي﴾ وبين لهما الى من يذهبا وعلة فقال: ﴿ٱذْهَبَآ إلىٰ فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغىٰ﴾ أي تجاوز قدره وتعدى حده من إنسان يعبد الله إلى إنسان كفار ادعى أنه رب وإله، وعلمهما اسلوب الدعوة فقال لهما: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً﴾ أي خالياً من الغلظة والجفا وسوء الإلقاء وعلل لذلك فقال ﴿لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشىٰ﴾ أي رجاء أن يتذكر معاني كلامكما وما تدعوانه إليه فيراجع نفسه فيؤمن ويهتدي أو يخشى العذاب إن بقي على كفره وظلمه فيسلم لكما بني إسرائيل ويرسلهم معكما، فأبدى موسى وأخوه هارون تخوفاً فقال ما أخبر تعالى به عنهما في قوله: ﴿قالا رَبَّنَآ إنَّنا نَخافُ أن يَفْرُطَ عَلَيْنَآ﴾ أي يعجل بعقوبتنا بالضرب أو القتل، ﴿أوْ أن يَطْغىٰ﴾ أي يزداد طغياناً وظلماً. فطمأنهما ربهما عز وجل بأنه معهما بنصره وتأييده وهدايته إلى كل ما فيه عزهما فقال لهما: ﴿لا تَخافَآ﴾ أي من فرعون وملائه: ﴿إنَّنِي مَعَكُمَآ أسْمَعُ وأَرىٰ﴾ أسمع ما تقولان لفرعون وما يقول لكما. وأرى ما تعملان من عمل وما يعمل فرعون وإني أنصركما عليه فأحق عملكما وأبطل عمله. فاتياه إذاً ولا تترددا فقولا أي لفرعون ﴿إنّا رَسُولا رَبِّكَ﴾ أي إليك ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِيۤ إسْرائِيلَ﴾ لنخرج بهما حيث أمر الله، ﴿ولا تُعَذِّبْهُمْ﴾ بقتل رجالهم واستحياء نسائهم واستعمالهم في أسوء الأعمال وأحطها، ﴿قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكَ﴾ أي بحجة من ربك دالة على أنا رسولا ربك إليك وأنه يأمرك بالعدل والتوحيد وينهاك عن الظلم والكفر ومنع بني إسرائيل من الخروج إلى أرض المعاد معنا.
﴿وٱلسَّلامُ عَلىٰ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلْهُدىٰ﴾ أي واعلم يا فرعون أن الأمان والسلامة يحصلان لمن اتبع الهدى الذي جئناك به، فاتبع الهدى تسلم، وإلا فأنت عرضة للمخاوف والهلاك والدمار وذلك لأنه ﴿قَدْ أُوحِيَ إلَيْنَآ﴾ أي أوحى إلينا ربنا، ﴿إنّا أنَّ ٱلْعَذابَ عَلىٰ مَن كَذَّبَ﴾ بالحق الذي جئناك به ﴿وتَوَلّىٰ﴾ عنه فأعرض عنه ولم يقبله كبرياءً وعناداً.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- عظم شأن الذكر بالقلب واللسان والجوارح أي بالطاعة فعلاً وتركاً.
٢- وجوب مراعاة الحكمة في دعوة الناس إلى ربهم.
٣- تقرير معية الله تعالى مع أوليائه وصالحي عباده بنصرهم وتأييدهم.
٤- تقرير أن السلامة من عذاب الدنيا والآخرة هي من نصيب متبعي الهدى.
٥- شرعية إتيان الظالم وأمره ونهيه والصبر على أذاه.
٦- عدم المؤاخذة على الخوف حيث وجدت أسبابه.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences