Al-Jaza'iriAn‑Nur · 24:1–29

Al-Jaza'iri · Tafsir · in Arabic

النور

An-Nur

The Light · Medinan · 64 ayahs

24:1–3Page 350

سُورَةٌ أَنزَلۡنَٰهَا وَفَرَضۡنَٰهَا وَأَنزَلۡنَا فِيهَآ ءَايَٰتِۭ بَيِّنَٰتٖ لَّعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ ١

[This is] a sūrah which We have sent down and made [that within it] obligatory and revealed therein verses of clear evidence that you might remember.

ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي فَٱجۡلِدُواْ كُلَّ وَٰحِدٖ مِّنۡهُمَا مِاْئَةَ جَلۡدَةٖۖ وَلَا تَأۡخُذۡكُم بِهِمَا رَأۡفَةٞ فِي دِينِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمۡ تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۖ وَلۡيَشۡهَدۡ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٞ مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٢

The [unmarried] woman or [unmarried] man found guilty of sexual intercourse1 - lash each one of them with a hundred lashes,2 and do not be taken by pity for them in the religion [i.e., law] of Allāh,3 if you should believe in Allāh and the Last Day. And let a group of the believers witness their punishment.

ٱلزَّانِي لَا يَنكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوۡ مُشۡرِكَةٗ وَٱلزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَآ إِلَّا زَانٍ أَوۡ مُشۡرِكٞۚ وَحُرِّمَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٣

The fornicator does not marry except a [female] fornicator or polytheist, and none marries her except a fornicator1 or a polytheist, and that [i.e., marriage to such persons] has been made unlawful to the believers.

شرح الكلمات:

سورة أنزلناها: أي هذه سورة أنزلناها.

وفرضناها: أي فرضنا ما فيها من أحكام.

وأنزلنا فيها آيات بينات: أي وأنزلنا ضمنها آيات أي حججاً واضحات تهدي إلى الحق وإلى صراط مستقيم.

لعلكم تذكرون: أي تتعظون فتعملون بما في السورة من أحكام.

الزانية: من أفضت إلى رجل بغير نكاح شرعي وهي غير محصنة.

مائة جلدة: أي ضربة على جلد ظهره.

رأفة: شفقة ورحمة.

وليشهد عذابهما: أي إقامة الحد عليهما.

طائفة: أي عدد لا يقل عن ثلاثة أنفار من المسلمين والأربعة أولى من الثلاثة.

الزاني لا ينكح إلا زانية: أي إلا زانية مثله أو مشركة أي لا يقع وطء إلاَّ على مثله.

معنى الآيات:

قوله تعالى: ﴿سُورَةٌ أنزَلْناها﴾ أي هذه سورة من كتاب الله أنزلناها أي على عبدنا ورسولنا محمد ﷺ ﴿وفَرَضْناها﴾ أي وفرضنا ما اشتملت عليه من أحكام على أمة الإسلام، وقوله: ﴿لَّعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ أي تتعظون فتعملون بما حوته هذه السورة من أوامر ونواه وآداب وأخلاق وقوله تعالى: ﴿ٱلزّانِيَةُ وٱلزّانِي فَٱجْلِدُواْ كُلَّ واحِدٍ مِّنْهُما مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾ أي من زنت برجل منكم أيها المسلمون وهما بكران حُرّان غير محصنين ولا مملوكين فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة بعصا لا تشين جارحة ولا تكسر عضواً أي جلداً غير مبرح، وزادت السنة تغريب سنة، وقوله تعالى: ﴿ولا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ ٱللَّهِ﴾، أي لا تشفقوا عليهما فتعطلوا حَدَّ الله تعالى وتحرموهما من التطهير بهذا الحد لأن الحدود كفارة لأصحابها، وقوله: ﴿إن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ﴾ أي فأقيموا عليهما الحد وقوله: ﴿ولْيَشْهَدْ عَذابَهُما﴾ أي إقامة الحد ﴿طَآئِفَةٌ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي ثلاثة أنفار فأكثر وأربعة أولى لأن شهادة الزنا تثبت بأربعة شهداء وكلما كثر العدد كان أولى وأفضل.

وقوله تعالى: ﴿ٱلزّانِي لا يَنكِحُ إلاَّ زانِيَةً أوْ مُشْرِكَةً﴾ أي لا يطأ إلا مثله من الزواني أو مشركة لا دين لها، والزانية أيضاً لا يطأها إلا زانٍ مثلها أو مشرك ﴿وحُرِّمَ ذٰلِكَ عَلى ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي حرم الله الزنا على المؤمنين والمؤمنات ولازم هذا أن لا نزوج زانياً من عفيفة إلا بعد توبته، ولا نزوج زانية من عفيف إلا بعد توبتها.

هداية الآيات:

من هداية الآيات:

١- بيان حكم الزانية والزاني البكرين الحرين وهو جلد مائة وتغريب عام وأما الثيبان فالرجم إن كانا حرين أو جلد خمسين جلدة لكل واحد منهما إن كانا غير حرين.

٢- وجوب إقامة هذا الحد أمام طائفة من المؤمنين.

٣- لا يحل تزويج الزاني إلا بعد توبته، ولا الزانية إلا بعد توبتها.

24:4–5Page 350

وَٱلَّذِينَ يَرۡمُونَ ٱلۡمُحۡصَنَٰتِ ثُمَّ لَمۡ يَأۡتُواْ بِأَرۡبَعَةِ شُهَدَآءَ فَٱجۡلِدُوهُمۡ ثَمَٰنِينَ جَلۡدَةٗ وَلَا تَقۡبَلُواْ لَهُمۡ شَهَٰدَةً أَبَدٗاۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ ٤

And those who accuse chaste women and then do not produce four witnesses - lash them with eighty lashes and do not accept from them testimony ever after. And those are the defiantly disobedient,

إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ وَأَصۡلَحُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٥

Except for those who repent thereafter and reform, for indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.

شرح الكلمات:

يرمون: أي يقذفون.

المحصنات: أي العفيفات والرجال هنا كالنساء.

فاجلدوهم: أي حداً عليهم واجباً.

ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً: لسقوط عدالتهم بالقذف للمؤمنين والمؤمنات.

إلا الذين تابوا: فإنهم بعد توبتهم يعود إليهم اعتبارهم وتصح شهادتهم.

معنى الآيتين:

بعد بيان حكم الزناة بين تعالى حكم القذف فقال: ﴿وٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَناتِ﴾ أي والذين يرمون المؤمنين والمؤمنات بالفاحشة وهي الزنا واللواط بأن يقول فلان زان أو لائط فيقذفه بهذه الكلمة الخبيثة فإن عليه أن يحضر شهوداً أربعة يشهدون أمام الحاكم على صحة ما رمى به أخاه المؤمن فإن لم يأت بالأربعة شهود أقيم عليه الحد المذكور في الآية: وهو جلد ثمانين جلدة على ظهره وتسقط عدالته حتى يتوب وهو معنى قوله تعالى: ﴿وٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ فَٱجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً ولا تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهادَةً أبَداً وأُوْلَٰئِكَ هُمُ ٱلْفاسِقُونَ﴾ أي عن طاعة الله ورسوله ﴿إلاَّ ٱلَّذِينَ تابُواْ مِن بَعْدِ ذٰلِكَ وأَصْلَحُواْ﴾ بأن كذبوا أنفسهم بأنهم ما رأوا الفاحشة وقوله: ﴿فَإنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ﴾ فيغفر لهم بعد التوبة ﴿رَّحِيمٌ﴾ بهم يرحمهم ولا يعذبهم بهذا الذنب العظيم بعدما تابوا منه.

هداية الآيتين

من هداية الآيتين:

١- بيان حد القذف وهو جلد ثمانين جلدة لمن قذف مؤمناً أو مؤمنة بالفاحشة وكان المقذوف بالغاً عاقلاً مسلماً عفيفاً أي لم يعرف بالفاحشة قبل رمية بها.

٢- سقوط عدالة القاذف إلا أن يتوب فإنه تعود إليه عدالته.

٣- قبول توبة التائب إن كانت توبته صادقة نصوحاً.

24:6–10Page 350

وَٱلَّذِينَ يَرۡمُونَ أَزۡوَٰجَهُمۡ وَلَمۡ يَكُن لَّهُمۡ شُهَدَآءُ إِلَّآ أَنفُسُهُمۡ فَشَهَٰدَةُ أَحَدِهِمۡ أَرۡبَعُ شَهَٰدَٰتِۭ بِٱللَّهِ إِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ ٦

And those who accuse their wives [of adultery] and have no witnesses except themselves - then the witness of one of them1 [shall be] four testimonies [swearing] by Allāh that indeed, he is of the truthful.

وَٱلۡخَٰمِسَةُ أَنَّ لَعۡنَتَ ٱللَّهِ عَلَيۡهِ إِن كَانَ مِنَ ٱلۡكَٰذِبِينَ ٧

And the fifth [oath will be] that the curse of Allāh be upon him if he should be of the liars.

وَيَدۡرَؤُاْ عَنۡهَا ٱلۡعَذَابَ أَن تَشۡهَدَ أَرۡبَعَ شَهَٰدَٰتِۭ بِٱللَّهِ إِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلۡكَٰذِبِينَ ٨

But it will prevent punishment from her if she gives four testimonies [swearing] by Allāh that indeed, he is of the liars.

وَٱلۡخَٰمِسَةَ أَنَّ غَضَبَ ٱللَّهِ عَلَيۡهَآ إِن كَانَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ ٩

And the fifth [oath will be] that the wrath of Allāh be upon her if he was of the truthful.

وَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَرَحۡمَتُهُۥ وَأَنَّ ٱللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ ١٠

And if not for the favor of Allāh upon you and His mercy...1 and because Allāh is Accepting of Repentance and Wise.

شرح الكلمات:

يرمون أزواجهم: أي يقذفونهن بالزنا كأن يقول زنت أو الحمل الذي في بطنها ليس منه.

إنه لمن الصادقين: اي فيما رماها به من الزنى.

والخامسة: أي والشهادة الخامسة.

ويدرأ عنها العذاب: أي يدفع عنها حد القذف وهو هنا الرجم حتى الموت.

أن تشهد أربع شهادات: أي شهادتها أربع شهادات.

والخامسة: هي قولها غضب الله عليها إن كان من الصادقين.

ولولا فضل الله عليكم: أي لفضح القاذف أو المقذوف ببيان كذب أحدهما.

معنى الآيات:

بعد بيان حكم حد القذف العام ذكر تعالى حكم القذف الخاص وهو قذف الرجل زوجته فقال تعالى: ﴿وٱلَّذِينَ يَرْمُونَ أزْواجَهُمْ﴾ أي بالفاحشة ﴿ولَمْ يَكُنْ لَّهُمْ شُهَدَآءُ﴾ أي من يشهد معهم إلا أنفسهم أي إلا القاذف وحده فالذي يقوم مقام الأربعة شهود هو أن يشهد أربع شهادات قائلاً: أشهد بالله لقد رأيتها تزني أو زنت أو هذا الولد أو الحمل ليس لي ويلتعن فيقول في الخامسة ﴿لَعْنَتَ ٱللَّهِ عَلَيْهِ إن كانَ مِنَ ٱلْكاذِبِينَ﴾ أي فيما رمى به زوجته، وهنا يعرض على الزوجة أن تقر بما رماها به زوجها ويقام عليها حد القذف وهو هنا الرجم، أو تشهد أربع شهادات بالله أنها ما زنت، والخامسة تدعو على نفسها بغضب الله فتقول ﴿أنَّ غَضَبَ ٱللَّهِ عَلَيْهَآ إن كانَ مِنَ ٱلصّادِقِينَ﴾ فيما رماها به، وبذلك درأت عنها العذاب الذي هو الحد ويفرق بينهما فلا يجتمعان أبداً. وقوله تعالى: ﴿ولَوْلا فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ ورَحْمَتُهُ﴾ جواب لولا محذوف تقديره لعاجلكم بالعقوبة ولفضح أحد الكاذبين: ولكن الله تواب رحيم فستر عليكم ليتوب من يتوب منكم ورحمكم بهذا التشريع العادل الرحيم.

هداية الآيات:

من هداية الآيات:

١- بيان حكم قذف الرجل امرأته ولم يكن له أربعة شهود يشهدون معه على ما رمى به زوجته وهو اللعان.

٢- بيان كيفية اللعان، وأنه موجب لإقامة الحد، إن لم ترد الزوجة الدعوى بأربع شهادات والدعاء عليها في الخامسة وقولها ﴿أنَّ غَضَبَ ٱللَّهِ عَلَيْهَآ إن كانَ مِنَ ٱلصّادِقِينَ﴾.

٣- في مشروعية اللعان مظهر من مظاهر حسن التشريع الإسلامي وكماله وأن مثله لن يكون إلا بوحي إلهي وفيه إشارة إلى تقرير النبوة المحمدية.

24:11–18Page 351

إِنَّ ٱلَّذِينَ جَآءُو بِٱلۡإِفۡكِ عُصۡبَةٞ مِّنكُمۡۚ لَا تَحۡسَبُوهُ شَرّٗا لَّكُمۖ بَلۡ هُوَ خَيۡرٞ لَّكُمۡۚ لِكُلِّ ٱمۡرِيٕٖ مِّنۡهُم مَّا ٱكۡتَسَبَ مِنَ ٱلۡإِثۡمِۚ وَٱلَّذِي تَوَلَّىٰ كِبۡرَهُۥ مِنۡهُمۡ لَهُۥ عَذَابٌ عَظِيمٞ ١١

Indeed, those who came with falsehood1 are a group among you. Do not think it bad for you; rather, it is good for you. For every person among them is what [punishment] he has earned from the sin, and he who took upon himself the greater portion thereof2 - for him is a great punishment [i.e., Hellfire].

لَّوۡلَآ إِذۡ سَمِعۡتُمُوهُ ظَنَّ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتُ بِأَنفُسِهِمۡ خَيۡرٗا وَقَالُواْ هَٰذَآ إِفۡكٞ مُّبِينٞ ١٢

Why, when you heard it, did not the believing men and believing women think good of themselves [i.e., one another] and say, "This is an obvious falsehood"?

لَّوۡلَا جَآءُو عَلَيۡهِ بِأَرۡبَعَةِ شُهَدَآءَۚ فَإِذۡ لَمۡ يَأۡتُواْ بِٱلشُّهَدَآءِ فَأُوْلَٰٓئِكَ عِندَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلۡكَٰذِبُونَ ١٣

Why did they [who slandered] not produce for it four witnesses? And when they do not produce the witnesses, then it is they, in the sight of Allāh, who are the liars.

وَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَرَحۡمَتُهُۥ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِ لَمَسَّكُمۡ فِي مَآ أَفَضۡتُمۡ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ١٤

And if it had not been for the favor of Allāh upon you and His mercy in this world and the Hereafter, you would have been touched for that [lie] in which you were involved by a great punishment

إِذۡ تَلَقَّوۡنَهُۥ بِأَلۡسِنَتِكُمۡ وَتَقُولُونَ بِأَفۡوَاهِكُم مَّا لَيۡسَ لَكُم بِهِۦ عِلۡمٞ وَتَحۡسَبُونَهُۥ هَيِّنٗا وَهُوَ عِندَ ٱللَّهِ عَظِيمٞ ١٥

When you received it with your tongues1 and said with your mouths that of which you had no knowledge and thought it was insignificant while it was, in the sight of Allāh, tremendous.

وَلَوۡلَآ إِذۡ سَمِعۡتُمُوهُ قُلۡتُم مَّا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَٰذَا سُبۡحَٰنَكَ هَٰذَا بُهۡتَٰنٌ عَظِيمٞ ١٦

And why, when you heard it, did you not say, "It is not for us to speak of this. Exalted are You, [O Allāh]; this is a great slander"?

يَعِظُكُمُ ٱللَّهُ أَن تَعُودُواْ لِمِثۡلِهِۦٓ أَبَدًا إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ١٧

Allāh warns you against returning to the likes of this [conduct], ever, if you should be believers.

وَيُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِۚ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ١٨

And Allāh makes clear to you the verses [i.e., His rulings], and Allāh is Knowing and Wise.

شرح الكلمات:

بالإفك عصبة: الإفك الكذب المقلوب وهو أسوأ الكذب، والعصبة الجماعة.

شراً لكم بل هو خير لكم: الشر ما غلب ضرره على نفعه، والخير ما غلب نفعه على ضرره، والشر المحض النار يوم القيامة والخير المحض الجنة دار الأبرار.

والذي تولى كبره: أي معظمه وهو ابن أبي كبير المنافقين.

لولا: أداة تحضيض وحث بمعنى هَلاّ.

فيما أفضتم فيه: أي فيما تحدثتم بتوسع وعدم تحفظ.

إذ تلقونه: أي تتلقونه أي يتلقاه بعضكم من بعض.

وتحسبونه هيناً: أي من صغائر الذنوب وهو عند الله من كبائرها لأنه عرض مؤمنة هي زوج رسول الله ﷺ.

سبحانك: كلمة تقال عند التعجب والمراد بها تنزيه الله تعالى عما لا يليق به.

بهتان عظيم: البهتان الكذب الذي يحيّر من قيل فيه.

يعظكم الله: أي ينهاكم نهياً مقروناً بالوعيد حتى لا تعودوا لمثله أبداً.

معنى الآيات:

بعد أن ذكر تعالى حكم القذف العام والخاص ذكر حادثة الإفك التي هلك فيها خلق لا يحصون عداً إذا طائفة الشيعة الروافض ما زالوا يهلكون فيها جيلاً بعد جيل إلى اليوم إذ ورَّثَ فيهم رؤوساء الفتنة الذين اقتطعوا من الإسلام وأمته جزءاً كبيراً سموه شيعة آل البيت تضليلاً وتغريراً فأخرجوهم من الإسلام باسم الإسلام وأوردهم النار باسم الخوف من النار فكذبوا الله ورسوله وسبوا زوج رسول الله واتهموها بالفاحشة وأهانوا أباها ولوثوا شرف زوجها ﷺ بنسبة زوجه إلى الفاحشة.

وخلاصة الحادثة أن رسول الله ﷺ بعد أن فرض الحجاب على النساء المؤمنات خرج إلى غزوة تدعى غزوة بني المصطلق أو المريسيع، ولما كان عائداً منها وقارب المدينة النبوية نزل ليلاً وارتحل، ولما كان الرجال يرحلون النساء على الهوادج وجدوا هودج عائشة رضي الله عنها فظنوها فيه فوضعوه على البعير وساقوه ضمن الجيش ظانين أن عائشة فيه، وما هي فيه، لأنها ذكرت عقداً لها قد سقط منها في مكان تبرزت فيه فعادت تلتمس عقدها فوجدت الجيش قد رحل فجلست في مكانها لعلهم إذا افتقدوها رجعوا إليها وما زالت جالسة تنظر حتى جاء صفوان بن معطل السلمي رضي الله عنه وكان الرسول ﷺ قد عينه في الساقة وهم جماعة يمشون وراء الجيش بعيداً عنه حتى إذا تأخر شخص أو ترك متاع أو ضاع شيء يأخذونه ويصلون به إلى المعسكر فنظر فرآها من بعيد فأخذ يسترجع أي يقول إنا لله وإنا إليه راجعون آسفاً لتخلف عائشة عن الركب قالت رضي الله عنها فتجلببت بثيابي وغطيت وجهي وجاء فأناخ راحلته فركبتها وقادها بي حتى انتهينا إلى رسول الله ﷺ في المعسكر، وما إن رآني ابن أبي لعنة الله عليه حتى قال والله ما نجت منه ولا نجا منها، وروج للفتنة فاستجاب له ثلاثة أنفار فرددوا ما قال وهم حسان بن ثابت ومسطح بن أثاثة، وحمنة بنت جحش، ﴿وٱلَّذِي تَوَلّىٰ كِبْرَهُ﴾ هو ابن أبي المنافق وتورط آخرون ولكن هؤلاء الأربعة هم الذين أشاعوا وراجت الفتنة في المدينة واضطربت لها نفس رسول الله ﷺ ونفوس أصحابه وآل بيته فأنزل الله هذه الآيات في براءة أم المرمنين عائشة رضي الله عنها وبراءة صفوان رضي الله عنه، ومن خلال شرح الآيات تتضح جوانب القصة.

قال تعالى: ﴿إنَّ ٱلَّذِينَ جَآءُوا بِٱلإفْكِ عُصْبَةٌ مِّنْكُمْ﴾ أي إن الذين جاءوا بهذا الكذب المقلوب إذ المفروض أن يكون الطهر والعفاف لكل من أم المؤمنين وصفوان بدل الرمي بالفاحشة القبيحة فقلبوا القضية فلذا كان كذبهم إفكاً وقوله: ﴿عُصْبَةٌ﴾ أي جماعة لا يقل عادة عدده على عشرة أنفار إلا أن الذين روجوا الفتنة وتورطوا فيها حقيقة وأقيم عليهم الحد أربعة ابن أبي وهو الذي تولى كبره منهم وتوعده الله بالعذاب العظيم لأنه منافق كافر مات على كفره ونفاقه، ومسطح بن أثاثة، وحمنة بنت جحش أخت أم المؤمنين زينب رضي الله عنها وحسان بن ثابت رضي الله عنه، وقوله تعالى: ﴿لا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَّكُمْ﴾ لما نالكم من هم وغم وكرب من جرائه ﴿بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ لما كان له من العاقبة الحسنة وما نالكم من الأجر العظيم من أجل عظم المصاب وشدة الفتنة وقوله تعالى: ﴿لِكُلِّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ مّا ٱكْتَسَبَ مِنَ ٱلإثْمِ﴾ على قدر ما قال وروج وسيجزي به إن لم يتب الله تعالى عليه ويعفو عنه.

وقوله: ﴿وٱلَّذِي تَوَلّىٰ كِبْرَهُ مِنهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ وهو عبد الله بن أبي بن سلول رئيس المنافقين عليه لعنة الله.

وقوله تعالى: ﴿لَّوْلاۤ إذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ ٱلْمُؤْمِنُونَ وٱلْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً وقالُواْ هَٰذَآ إفْكٌ مُّبِينٌ﴾ هذا شروع في عتاب القوم وتأديبهم وتعليم المسلمين وتربيتهم فقال عز وجل: ﴿لَّوْلاۤ﴾ أي هلا وهي للحض والحث على فعل الشيء إذ سمعتم قول الإفك ظننتم بأنفسكم خيراً إذ المؤمنون والمؤمنات كنفس واحدة، وقلتم لن يكون هذا وإنما هو إفك مبين أي ظاهر لا يقبل ولا يقر عليه هكذا كان الواجب عليكم ولكنكم ما فعلتم.

وقوله تعالى: ﴿لَّوْلا جَآءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ فَإذْ لَمْ يَأْتُواْ بِالشُّهَدَآءِ فَأُوْلَٰئِكَ عِندَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْكاذِبُونَ﴾ أي كان المفروض فيكم أيها المؤمنون أنكم تقولون هذا لمن جاء بالإفك فإنهم لا يأتون بشاهد فضلاً عن أربعة وبذلك تسجلون عليهم لعنة الكذب في حكم الله. وقوله تعالى: ﴿ولَوْلا فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ ورَحْمَتُهُ فِي ٱلدُّنْيا وٱلآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَآ أفَضْتُمْ فِيهِ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ هذه منة من الله تحمل أيضاً عتاباً واضحاً إذ بولوغكم في عرض أم المؤمنين، وما كان لكم أن تفعلوا ذلك قد استوجبتم العذاب لولا فضل الله عليكم ورحمته لمسكم العذاب العظيم.

وقوله: ﴿إذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ﴾ أي يتلقاه بعضكم من بعض، ﴿وتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ مّا لَّيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ وهذا عتاب وتأديب. وقوله: ﴿وتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً﴾ أي ليس بذنب كبير ولا تبعة فيه ﴿وهُوَ عِندَ ٱللَّهِ عَظِيمٌ﴾، وكيف وهو يمس عرض رسول الله وعائشة والصديق وآل البيت آجمعين.

وقوله تعالى: ﴿ولَوْلاۤ إذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مّا يَكُونُ لَنَآ أن نَّتَكَلَّمَ بِهَٰذا﴾ إذ هذه مما لا يصح لمؤمن أن يقول فيه لخطره وعظم شأنه، وقلتم متعجبين من مثله كيف يقع ﴿سُبْحانَكَ﴾ أي يا رب ﴿هَٰذا﴾ أي الإفك ﴿بُهْتانٌ عَظِيمٌ﴾ بهتوا به أم المؤمنين وصفوان.

وقوله: ﴿يَعِظُكُمُ ٱللَّهُ﴾ أي ينهاكم الله مخوفاً لكم بذكر العقوبة الشديدة ﴿أن تَعُودُواْ لِمِثْلِهِ أبَداً﴾ أي طول الحياة فأياكم إياكم إن كنتم مؤمنين حقاً وصدقاً فلا تعودوا لمثله أبداً، وقوله: ﴿ويُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلآياتِ﴾ التي تحمل الهدى والنور لترشدوا وتكملوا والله عليم بخلقه وأعمالهم وأحوالهم حكيم فيما يشرع لهم من أمر ونهي.

هداية الآيات:

من هداية الآيات:

١- قضاء الله تعالى للمؤمن كله خير له.

٢- بشاعة الإفك وعظيم جرمه.

٣- العقوبة على قدر الجرم كبراً وصغراً قلة وكثرة.

٤- واجب المؤمن أن لا يصدق من يرمي مؤمناً بفاحشة، وأن يقول له هل تستطيع أن تأتي بأربعة شهداء على قولك فإن قال لا قال له إذاً أنت عند الله من الكاذبين.

٥- حرمة القول بدون علم والخوض في ذلك.

24:19–22Page 351

إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ ٱلۡفَٰحِشَةُ فِي ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ وَأَنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ ١٩

Indeed, those who like that immorality1 should be spread [or publicized] among those who have believed will have a painful punishment in this world and the Hereafter. And Allāh knows2 and you do not know.

وَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَرَحۡمَتُهُۥ وَأَنَّ ٱللَّهَ رَءُوفٞ رَّحِيمٞ ٢٠

And if it had not been for the favor of Allāh upon you and His mercy...1 and because Allāh is Kind and Merciful.

۞ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّبِعُواْ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيۡطَٰنِۚ وَمَن يَتَّبِعۡ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيۡطَٰنِ فَإِنَّهُۥ يَأۡمُرُ بِٱلۡفَحۡشَآءِ وَٱلۡمُنكَرِۚ وَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَرَحۡمَتُهُۥ مَا زَكَىٰ مِنكُم مِّنۡ أَحَدٍ أَبَدٗا وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَآءُۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٞ ٢١

O you who have believed, do not follow the footsteps of Satan. And whoever follows the footsteps of Satan - indeed, he enjoins immorality and wrongdoing. And if not for the favor of Allāh upon you and His mercy, not one of you would have been pure, ever, but Allāh purifies whom He wills, and Allāh is Hearing and Knowing.

وَلَا يَأۡتَلِ أُوْلُواْ ٱلۡفَضۡلِ مِنكُمۡ وَٱلسَّعَةِ أَن يُؤۡتُوٓاْ أُوْلِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينَ وَٱلۡمُهَٰجِرِينَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۖ وَلۡيَعۡفُواْ وَلۡيَصۡفَحُوٓاْۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغۡفِرَ ٱللَّهُ لَكُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٌ ٢٢

And let not those of virtue among you and wealth swear not to give [aid] to their relatives and the needy and the emigrants for the cause of Allāh, and let them pardon and overlook. Would you not like that Allāh should forgive you? And Allāh is Forgiving and Merciful.

شرح الكلمات:

أن تشيع الفاحشة: أي تعم المجتمع وتنتشر فيه والفاحشة هي الزنا.

ولولا فضل الله عليكم ورحمته: جواب لولا محذوف تقديره: لعاجلكم بالعقوبة أيها العصبة.

خطوات الشيطان: نزغاته ووساوسه.

ما زكى منكم من أحد أبداً: أي ما طهر ظاهره وباطنه وهي خلو النفس من دنس الإثم.

ولا يأتل أولوا الفضل منكم: أي ولا يحلف صاحب الفضل منكم وهو أبو بكر الصديق رضي الله عنه.

والسعة: أي سعة الرزق والفضل والإحسان إلى الغير.

معنى الآيات:

ما زال السياق في عتاب المؤمنين الذين خاضوا في الإفك فقوله تعالى: ﴿إنَّ ٱلَّذِينَ يُحِبُّونَ أن تَشِيعَ ٱلْفاحِشَةُ﴾ أي تنتشر وتشتهر ﴿فِي ٱلَّذِينَ آمَنُواْ﴾ أي في المؤمنين ﴿لَهُمْ عَذابٌ ألِيمٌ فِي ٱلدُّنْيا﴾ بإقامة حد القذف عليهم وإسقاط عدالتهم وفي الآخرة إن لم يتوبوا بإدخالهم نار جهنم، وكفى بهذا الوعد زاجراً ورادعاً وقوله تعالى: ﴿وٱللَّهُ يَعْلَمُ وأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ أي ما يترتب على حب إشاعة الفاحشة بين المؤمنين من الآثار السيئة فلذا توعد من يحبها بالعذاب الأليم في الدارين، وأوجب رد الأمور إليه تعالى وعدم الاعتراض على ما يشرع وذلك لعلمه المحيط بكل شيء وجهلنا لكل شيء إلا ما علمناه فأزال به جهلنا وقوله: ﴿ولَوْلا فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ ورَحْمَتُهُ وأَنَّ ٱللَّهَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ لهلكتم بجهلكم وسوء عملكم، ولكن لما أحاطكم الله به من فضل لم تستوجبوه إلا برأفته بكم ورحمته لكم عفا عنكم ولم يعاقبكم.

وقوله تعالى: ﴿يٰأيُّها ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لا تَتَّبِعُواْ خُطُواتِ ٱلشَّيْطانِ﴾ أي يا من صدقتم الله ورسوله لا تتبعوا خطوات الشيطان فإنه عدوكم فكيف تمشون وراءه وتتبعونه فيما يزين لكم من قبيح المعاصي وسيء الأقوال والأعمال فإن من يتبع خطوات الشيطان لا يلبث أن يصبح شيطاناً يأمر بالفحشاء والمنكر، ففاصلوا هذا العدو، واتركوا الجري وراءه فإنه لا يأمر بخير قط فاحذروا وسواسه وقاوموا نزغاته بالاستعاذة بالله السميع العليم فإنه لا ينجكم منه إلا هو سبحانه وتعالى وقوله تعالى: ﴿ولَوْلا فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ ورَحْمَتُهُ ما زَكىٰ مِنكُمْ مِّنْ أحَدٍ أبَداً﴾ وهذه منة أخرى وهي أنه لولا فضل الله على المؤمنين ورحمته بحفظهم ودفع الشيطان عنهم ما كان ليطهر منهم أحد، وذلك لضعفهم واستعدادهم الفطري للاستجابة لعدوهم، فعلى الذين شعروا بكمالهم، لأنهم نجوا مما وقع فيه عصبة الإفك من الإثم أن يستغفروا لإخوانهم وأن يقللوا من لومهم وعتابهم، فإنه لولا فضله عليهم ورحمته بهم لوقعوا فيما وقع فيه إخوانهم، فليحمدوا الله الذي نجاهم وليتطامنوا تواضعاً لله وشكراً له، وقوله: ﴿ولَٰكِنَّ ٱللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَآءُ وٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ أي فمن شاء الله تزكيته زكاه وعليه فليلجأ إليه وليطلب التزكية منه، وهو تعالى يزكي من كان أهلاً للتزكية، ومن لا فلا، لأنه السميع لأقوال عباده والعليم بأعمالهم ونياتهم وأحوالهم وهي حال تقتضي التضرع إليه والتذلل وقوله تعالى: ﴿ولا يَأْتَلِ أُوْلُواْ ٱلْفَضْلِ مِنكُمْ وٱلسَّعَةِ أن يُؤْتُوۤاْ أُوْلِي ٱلْقُرْبىٰ وٱلْمَساكِينَ وٱلْمُهاجِرِينَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ولْيَعْفُواْ ولْيَصْفَحُوۤاْ﴾ هذه الآية نزلت في أبي بكر الصديق لما منع مسطح بن أثاثة وهو ابن خالته، وكان رجلاً فقيراً من المهاجرين، ووقع في الإفك فغضب عليه أبو بكر وحلف أن يمنعه ما كان يرفده به من طعام وشراب، فأنزل الله تعالى هذه الآية ولا يأتل أي ولا يحلف أصحاب الفضل والإحسان والسعة في الرزق والمعاش أن يؤتوا أولي القربى أي أن يعطوا أصحاب القرابة، والمساكين والمهاجرين في سبيل الله كمسطح، وليعفو أي وعليهم أن يعفوا عما صدر من أولئك الأقرباء من الفقراء والمهاجرين، وليصفحوا أي يعرضوا عما قالوه فلا يذكروه لهم ولا يذكرونهم به فإنه يحزنهم ويسوءهم ولا سيما وقد تابوا وأقيم الحد عليهم وقوله تعالى: ﴿ألا تُحِبُّونَ أن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَكُمْ﴾؟ فقال أبو بكر بلى والله أحب أن يغفر الله لي فعندها صفح وعفا وسأل رسول الله ﷺ عن يمينه فقال كفر عن يمينك ورد الذي كنت تعطيه لمسطح.

وتقرر بذلك أن من حلف يميناً على شيء فرأى غيره خيراً منه كفر عن يمينه وأتى الذي هو خير.

وقوله تعالى: ﴿وٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ فهذا إخبار منه تعالى أنه ذو المغفرة والرحمة وهما من صفاته الثابتة له وفي هذا الخبر تطميع للعباد لأن يرجوا مغفرة الله ورحمته وذلك بالتوبة الصادقة والطلب الحثيث المتواصل لأن الله تعالى لا يغفر لمن لا يستغفره، ولا يرحم من لا يرجو ويطلب رحمته.

هداية الآيات:

من هداية الآيات:

١- لقبح فاحشة الزنى وضع الله تعالى لمقاومتها أموراً منها وضع حد شرعي لها، ومنع تزويج الزاني من عفيفة أو عفيفة من زانٍ إلا بعد التوبة، ومنها شهود عدد من المسلمين إقامة الحد ومنها حد القذف ومنها اللعان بين الزوجين، ومنها حرمة ظن السوء بالمؤمنين، ومنها حرمة حب ظهور الفاحشة وإشاعتها في المؤمنين، ومنها وجوب الإستئذان عند دخول البيوت المسكونة، ومنها وجوب غض البصر وحرمة النظر إلى الأجنبية، ومنها احتجاب المؤمنة عن الرجال الأجانب ومنها حرمة حركة ما كضرب الأرض بالأرجل لإظهار الزينة. ومنها وجوب تزويج العزاب والمساعدة على ذلك حتى في العبيد بشروطها، ومنها وجوب استئذان الأطفال إذا بلغوا الحلم، وهذه وغيرها كلها أسباب واقية من أخطر فاحشة وهي الزنى.

٢- حرمة إتباع الشيطان فيما يزينه من الباطل والسوء والفحشاء والمنكر.

٣- متابعة الشيطان والجري وراءه في كل ما يدعو إليه يؤدي بالعبد أن يصبح شيطاناً يأمر بالفحشاء والمنكر.

٤- على من حفظهم الله من الوقوع في السوء أن يتطامنوا ولا يشعروا بالكبر فإن عصمتهم من الله تعالى لا من أنفسهم.

٥- من حلف على شيء لا يفعله أو يفعله ورأى أن غيره خيرٌ منه كفر عن يمينه وفعل الذي هو خير.

٦- وجوب العفو والصفح على ذوي المروءات وإقالة عثرتهم إن هم تابوا وأصلحوا.

24:23–26Page 352

إِنَّ ٱلَّذِينَ يَرۡمُونَ ٱلۡمُحۡصَنَٰتِ ٱلۡغَٰفِلَٰتِ ٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ لُعِنُواْ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِ وَلَهُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٞ ٢٣

Indeed, those who [falsely] accuse chaste, unaware and believing women are cursed in this world and the Hereafter; and they will have a great punishment

يَوۡمَ تَشۡهَدُ عَلَيۡهِمۡ أَلۡسِنَتُهُمۡ وَأَيۡدِيهِمۡ وَأَرۡجُلُهُم بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٢٤

On a Day when their tongues, their hands and their feet will bear witness against them as to what they used to do.

يَوۡمَئِذٖ يُوَفِّيهِمُ ٱللَّهُ دِينَهُمُ ٱلۡحَقَّ وَيَعۡلَمُونَ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡحَقُّ ٱلۡمُبِينُ ٢٥

That Day, Allāh will pay them in full their true [i.e., deserved] recompense, and they will know that it is Allāh who is the manifest Truth [i.e., perfect in justice].

ٱلۡخَبِيثَٰتُ لِلۡخَبِيثِينَ وَٱلۡخَبِيثُونَ لِلۡخَبِيثَٰتِۖ وَٱلطَّيِّبَٰتُ لِلطَّيِّبِينَ وَٱلطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَٰتِۚ أُوْلَٰٓئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَۖ لَهُم مَّغۡفِرَةٞ وَرِزۡقٞ كَرِيمٞ ٢٦

Evil words are for evil men, and evil men are [subjected] to evil words. And good words are for good men, and good men are [an object] of good words.1 Those [good people] are declared innocent of what they [i.e., slanderers] say. For them is forgiveness and noble provision.

شرح الكلمات:

يرمون المحصنات: أي العفيفات بالزنى.

الغافلات: أي عن الفواحش بحيث لم يقع في قلوبهن فعلها.

المؤمنات: أي بالله ورسوله ووعد الله ووعيده.

يعملون: أي من قول أو عمل.

يوفيهم الله دينهم الحق: أي يجازيهم جزاءهم الواجب عليهم.

الخبيثات: الخبيثات من النساء والكلمات.

للخبيثين: للخبيثين من الرجال.

والطيبات: من النساء والكلمات.

للطيبين: أي من الرجال.

أولئك مبرءون مما يقولون: أي صفوان بن المعطل وعائشة رضي الله عنهما أي مبرءون مما قاله عصبة الإفك.

معنى الآيات:

قوله تعالى: ﴿إنَّ ٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَناتِ ٱلْغافِلاتِ ٱلْمُؤْمِناتِ لُعِنُواْ فِي ٱلدُّنْيا وٱلآخِرَةِ﴾ هذه الآية وإن تناولت ابتداءً عبد الله بن أبي فإنها عامة في كل من يقذف مؤمنة محصنة أي عفيفة غافلة لسلامة صدرها من الفواحش لا تخطر ببالها ﴿لُعِنُواْ﴾ أي أبعدوا من الرحمة الإلهية ﴿فِي ٱلدُّنْيا وٱلآخِرَةِ ولَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ في الدنيا بإقامة الحد عليهم وفي الآخرة بعذاب النار، وذلك ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ ألْسِنَتُهُمْ وأَيْدِيهِمْ وأَرْجُلُهُمْ بِما كانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ من سوء الأفعال وقوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ ٱللَّهُ دِينَهُمُ ٱلْحَقَّ﴾ أي يتم ذلك يوم يوفيهم الله دينهم الحق أي جزاءهم الواجب عليهم ويعلمون حينئذ أن الله هو الحق المبين أي الإله الحق الواجب الإيمان به والطاعة له والعبودية الكاملة له لا لغيره.

وقوله تعالى: ﴿ٱلْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ﴾ أي الخبيثات من النساء والكلمات للخبيثين من الرجال كابن أبي، ﴿وٱلْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ﴾ أي والخبيثون من الرجال للخبيثات من النساء والكلمات وقوله: ﴿وٱلطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ﴾ أي والطيبات من النساء والكلمات للطيبين من الرجال كالنبي ﷺ وعائشة رضي الله عنها وقوله: ﴿وٱلطَّيِّبُونَ لِلْطَّيِّباتِ﴾ أي والطيبون من الرجال للطيبات من النساء والكلمات تأكيد للخبر السابق وقوله تعالى: ﴿أُوْلَٰئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمّا يَقُولُونَ﴾ أولئك إشارة إلى صفوان بن المعطل وعائشة رضي الله عنها، ومبرؤون أي من قالة السوء التي قالها ابن أُبي ومن أذاعها معه. وقوله: ﴿لَهُم مَّغْفِرَةٌ ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ هذه بشرى لهم بالجنة مقابل ما نالهم من ألم الإفك الذي جاءت به العصبة المتقدم ذكرها إذ أخبر تعالى أن لهم مغفرة لذنوبهم التي لا يخلو منها مؤمن وهو الستر عنها ومحوها ورزقاً كريماً في الجنة.

وبهذه تمت براءة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها والحمد لله أولاً وآخراً.

هداية الآيات:

من هداية الآيات:

١- عِظَمُ ذنب قذف المحصنات الغافلات المؤمنات وقد عده رسول الله ﷺ في السبع الموبقات، والعياذ بالله تعالى.

٢- تقرير الحساب وما يتم فيه من استنطاق واستجواب.

٣- تقرير التوحيد بأنه لا إله إلا الله.

٤- استحقاق الخبث أهله. فالخبيث هو الذي يناسبه القول الخبيث والفعل الخبيث.

٥- استحقاق الطيب أهله فالطيب هو الذي يناسبه القول الطيب والفعل الطيب.

٦- براءة أم المؤمنين وصفوان مما رماهما به أهل الإفك.

٧- بشارة أم المؤمنين وصفوان بالجنة بعد مغفرة ذنوبهما.

24:27–29Page 352

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَدۡخُلُواْ بُيُوتًا غَيۡرَ بُيُوتِكُمۡ حَتَّىٰ تَسۡتَأۡنِسُواْ وَتُسَلِّمُواْ عَلَىٰٓ أَهۡلِهَاۚ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ ٢٧

O you who have believed, do not enter houses other than your own houses until you ascertain welcome and greet1 their inhabitants. That is best for you; perhaps you will be reminded [i.e., advised].

فَإِن لَّمۡ تَجِدُواْ فِيهَآ أَحَدٗا فَلَا تَدۡخُلُوهَا حَتَّىٰ يُؤۡذَنَ لَكُمۡۖ وَإِن قِيلَ لَكُمُ ٱرۡجِعُواْ فَٱرۡجِعُواْۖ هُوَ أَزۡكَىٰ لَكُمۡۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ عَلِيمٞ ٢٨

And if you do not find anyone therein, do not enter them until permission has been given you. And if it is said to you, "Go back,"1 then go back; it is purer for you. And Allāh is Knowing of what you do.

لَّيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٌ أَن تَدۡخُلُواْ بُيُوتًا غَيۡرَ مَسۡكُونَةٖ فِيهَا مَتَٰعٞ لَّكُمۡۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ مَا تُبۡدُونَ وَمَا تَكۡتُمُونَ ٢٩

There is no blame upon you for entering houses not inhabited in which there is convenience1 for you. And Allāh knows what you reveal and what you conceal.

شرح الكلمات:

آمنوا: أي صدقوا الله ورسوله فيما أخبرا به من الغيب والشرع.

تستأنسوا: أي تستأذنوا إذ الاستئذان من عمل الإنسان والدخول بدونه من عمل الحيوان الوحشي.

وتسلموا على أهلها: أي تقولوا السلام عليكم أأدخل ثلاثا.

تذكرون: أي تذكرون أنكم مؤمنون، وأن الله أمركم بالإستئذان.

أزكى لكم: أي أطهر وأبعد عن الريبة والإثم.

ليس عليكم جناح: أي إثم ولا حرج.

فيها متاع لكم: أي ما تتمتعون به كالنزول بها أو شراء حاجة منها.

ما تبدون: أي ما تظهرونه.

وما تكتمون: أي ما تخفونه إذاً فراقبوه تعالى ولا تضمروا ما لا يرضى فإنه يعلمه.

معنى الآيات:

نظراً إلى خطر الرمي بالفاحشة وفعلها وحرمة ذلك كان المناسب هنا ذكر وسيلة من وسائل الوقاية من الوقوع في مثل ذلك ففرض الله تعالى على المؤمنين الإستئذان فقال: ﴿يٰأيُّها ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لا تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتّىٰ تَسْتَأْنِسُواْ وتُسَلِّمُواْ عَلىٰ أهْلِها﴾ أي يا من آمنتم بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد رسولاً لا تدخلوا بيوتاً على أهلها حتى تسلموا عليهم قائلين السلام عليكم وتستأذنوا قائلين أندخل ثلاث مرات فإن أذن لكم بالدخول دخلتم وإن قيل لكم ارجعوا أي لم يأذنوا لكم لحاجة عندهم فارجعوا وعبر عن الإستئذان بالاستئناس لأمرين أولها أن لفظ الإستئناس وارد في لغة العرب بمعنى الإستئذان وثانيهما: أن الإستئذان من خصائص الإنسان الناطق وعدمه من خصائص الحيوان المتوحش إذ يدخل على المنزل بدون إذن إذ ذاك ليس من خصائصه.

وقوله ﴿ذٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ أي الإستئذان خير لكم أي من عدمه لما فيه من الوقاية من الوقوع في الإثم وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ أي تذكرون أنكم مؤمنون وأن الله تعالى أمركم بالإستئذان حتى لا يحصل لكم ما يضركم وبذلك يزداد إيمانكم وتسموا أرواحكم. وقوله تعالى: ﴿وإن قِيلَ لَكُمْ ٱرْجِعُواْ﴾ لأِمْرٍ اقتضى ذلك ﴿فَٱرْجِعُواْ﴾ وأنتم راضون غير ساخطين. وقوله تعالى: ﴿هُوَ أزْكىٰ لَكُمْ﴾ أي أطهر لنفوسكم وأكثر عائدة خير عليكم، وقوله تعالى: ﴿وٱللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ أي مطلع على أحوالكم فتشريعه لكم الإستئذان واقع موقعه إذاً فأطيعوه فيه وفي غيره تكملوا وتسعدوا.

وقوله: ﴿لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أن تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيها مَتاعٌ لَّكُمْ﴾. هذه رخصة منه تعالى لعباده المؤمنين بأن لا يستأذنوا عند دخولهم بيوتاً غير مسكونة أي ليس فيها نساء من زوجات وسريات يحرم النظر إليهن وذلك كالدكاكين والفنادق وما إلى ذلك فللعبد أن يدخل لقضاء حاجاته المعبر عنها بالمتاع بدون استئذان لأنها مفتوحة للعموم من أصحاب الأغراض والحاجات أما السلام فسنة على من دخل على دكان أو فندق فليقل السلام عليكم والذي يسقط هو الإستئذان أي طلب الإذن لا غير.

وقوله تعالى: ﴿وٱللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وما تَكْتُمُونَ﴾ أي يعلم ما تظهرون من أقوالكم وأعمالكم وما تخفون إذاً فراقبوه تعالى في أوامره ونواهيه وافعلوا المأمور واتركوا المنهي تكملوا وتسعدوا في الدنيا والآخرة.

هداية الآيات:

من هداية الآيات:

١- مشروعية الإستئذان ووجوبه على كل من أراد أن يدخل بيتاً مسكوناً غير بيته.

٢- الرخصة في عدم الإستئذان من دخول البيوت والمحلات غير المسكونة للعبد فيها غرض.

٣- من آداب الإستئذان أن يقف بجانب الباب فلا يعترضه، وأن يرفع صوته بقدر الحاجة وأن يقرع الباب قرعاً خفيفاً وأن يقول السلام عليكم أأدخل ثلاث مرات.

٤- في كل طاعة خير وبركة وإن كانت كلمة طيبة.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском