Al-Jaza'iri · Tafsir · in Arabic
الليل
Al-Layl
The Night · Meccan · 21 ayahs
92:1–11Page 595
وَٱلَّيۡلِ إِذَا يَغۡشَىٰ ١
By the night when it covers1
وَٱلنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ ٢
And [by] the day when it appears
وَمَا خَلَقَ ٱلذَّكَرَ وَٱلۡأُنثَىٰٓ ٣
And [by] He who created the male and female,
إِنَّ سَعۡيَكُمۡ لَشَتَّىٰ ٤
Indeed, your efforts are diverse.
فَأَمَّا مَنۡ أَعۡطَىٰ وَٱتَّقَىٰ ٥
As for he who gives and fears Allāh
وَصَدَّقَ بِٱلۡحُسۡنَىٰ ٦
And believes in the best [reward].
فَسَنُيَسِّرُهُۥ لِلۡيُسۡرَىٰ ٧
We will ease him toward ease.
وَأَمَّا مَنۢ بَخِلَ وَٱسۡتَغۡنَىٰ ٨
But as for he who withholds and considers himself free of need
وَكَذَّبَ بِٱلۡحُسۡنَىٰ ٩
And denies the best [reward],
فَسَنُيَسِّرُهُۥ لِلۡعُسۡرَىٰ ١٠
We will ease him toward difficulty.
وَمَا يُغۡنِي عَنۡهُ مَالُهُۥٓ إِذَا تَرَدَّىٰٓ ١١
And what will his wealth avail him when he falls?1
شرح الكلمات:
إذا يغشى: أي بظلمته كل ما بين السماء والأرض في الإقليم الذي يكون به.
إذا تجلى: أي تكشف وظهر في الإقليم الذي هو به وإذا هنا وفي التي قبلها ظرفية وليست شرطية.
وما خلق الذكر والأنثى: أي ومن خلق الذكر والأنثى آدم وحواء وكل ذريتهما وهو الله تعالى.
إن سعيكم لشتى: أي إن عملكم أيها الناس لمختلف منه الحسنة المورثة للجنة ومنه السيئة الموجبة للنار.
من أعطى واتقى: أي حق الله وأنفق في سبيل الله واتقى ما يسخط الله تعالى من الشرك والمعاصي.
وصدق بالحسنى: أي بالخلف لحديث اللهم أعط منفقا خلفاً.
فسنيسره لليسرى: أي فسنيسره للخلة أي الخصلة اليسرى وهي العمل بما يرضاه الله منه في الدنيا ليوجب له به الجنة في الآخرة.
وأما من بخل واستغنى: أي منع حق الله والإنفاق في سبيل الله واستغنى بماله عن الله فلم يسأله من فضله ولم يعمل عملا صالحا يتقرب به إليه.
وكذب بالحسنى: أي بالخلف وما ثتمره الصدقة والإيمان وهو الجنة.
فسنيسره للعسرى: فسنهيئه للخلة العسرى وهي العمل بما يكرهه الله ولا يرضاه ليكون قائده إلى النار.
إذا تردى: أي في جهنم فسقط فيها.
معنى الآيات:
قوله تعالى ﴿وٱلْلَّيْلِ﴾ أقسم تعالى بالليل ﴿إذا يَغْشىٰ﴾ بظلامه الكون، وبالنهار ﴿إذا تَجَلّىٰ﴾ أي تكشف وظهر وهما آيتان من آيات الله الدالتان على ربوبيته تعالى الموجبة لألوهيته، وأقسم بنفسه جل وعز فقال ﴿وما خَلَقَ ٱلذَّكَرَ وٱلأُنثىٰ﴾ أي والذي خلق الذكر والأنثى آدم وحواء ثم سائر الذكور وعامة الإناث من كل الحيوانات وهو مظهر لا يقل عظمة على آيتي الليل والنهار والمقسم عليه أو جواب القسم هو قوله ﴿إنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتّىٰ﴾ أي إن عملكم أيها الناس لمختلف منه الحسنات الموجبة للسعادة والكمال في الدارين ومنه السيئات الموجبة للشقاء في الدارين أي دار الدنيا ودار الآخرة. وبناءً على هذا ﴿فَأَمّا مَن أعْطىٰ﴾ حق الله في المال فأنفق وتصدق في سبيل الله ﴿وٱتَّقىٰ﴾ الله تعالى فآمن به وعبده ولم يشرك به ﴿وصَدَّقَ بِٱلْحُسْنىٰ﴾ التي هي الخلف أي العوض المضاعف الذي واعد به تعالى من ينفق في سبيله في قوله ﴿ومَآ أنفَقْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ [سبأ: ٣٩] وفي قول الرسول ﷺ في الصحيح «ما من يوم تطلع فيه الشمس إلا ملكان ينزلان فيقول أحدهما اللهم أعط منفقاً خلفا ويقول الآخر اللهم أعط ممسكا تلفا»، فَسَيُهيِّئُهُ للخلة اليسرى وهي العمل بما يرضاه الله منه في الدنيا ويثيبه عليه في الآخرة بالجنة ﴿وأَمّا مَن بَخِلَ﴾ بالمال فلم يعط حق الله فيه ولم يتصدق متطوعا في سبيل الله ﴿وٱسْتَغْنىٰ﴾ بماله وولده وجاهه فلم يتقرب إلى الله تعالى بطاعته في ترك معاصيه ولا في أداء فرائضه وكذب بالخلف من الله تعالى على من ينفق في سبيله ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرىٰ﴾ أي فسنهيئه للخلة العسرى وهي العمل بما يكره الله تعالى ولا يرضاه من الذنوب والآثام ليكون ذلك قائده إلى النار.
وقوله تعالى ﴿وما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إذا تَرَدّىٰ﴾ يخبر تعالى بأن من بخل واستغنى وكذب بالحسنى حفاظا على ماله وشحا به وبخلا أن ينفقه في سبيل ربه هذا المال لا يغني عنه شيئا يوم القيامة إذا ألقي به في نار جهنم فتردى ساقطا فيها على أم رأسه كما قال تعالى ﴿وأَمّا مَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ﴾ [القارعة: ٨] أي لعدم الحسنات الكافية فيها ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ ومَآ أدْراكَ ما هِيَهْ نارٌ حامِيَةٌ﴾ [القارعة: ٩-١١].
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- بيان عظمة الله وقدرته وعلمه الموجبة لربوبيته المقتضية لعبادته وحده دون سواه.
٢- تقرير القضاء والقدر وهو أن كل إنسان ميسر لما خلق له من سعادة أو شقاء لحديث «اعملوا فكل ميسر لما خلق له»، مع تقرير أن من وفق للعمل بما يرضى الله تعالى كان ذلك دليلا على أنه مكتوب سعيدا إذا مات على ما وفق له من العمل الصالح. وأن من وفق للعمل المسخط لله تعالى كان دليلا على أنه مكتوب شقاوته إن هو مات على ذلك.
٣- تقرير أن التوفيق للعمل بالطاعة يتوقف حسب سنة الله تعالى على رغبة العبد وطلبه ذلك والحرص عليه واختياره على غيره وتسخير النفس والجوارح له. كما أن التوفيق للعمل الفاسد قائم على ما ذكرنا في العمل الصالح وهو اختيار العبد وطلبه وحرصه وتسخير نفسه وجوارحه لذلك هذه سنة من سنن الله تعالى في خلقه.
92:12–21Page 595
إِنَّ عَلَيۡنَا لَلۡهُدَىٰ ١٢
Indeed, [incumbent] upon Us is guidance.
وَإِنَّ لَنَا لَلۡأٓخِرَةَ وَٱلۡأُولَىٰ ١٣
And indeed, to us belongs the Hereafter and the first [life].
فَأَنذَرۡتُكُمۡ نَارٗا تَلَظَّىٰ ١٤
So I have warned you of a Fire which is blazing.
لَا يَصۡلَىٰهَآ إِلَّا ٱلۡأَشۡقَى ١٥
None will [enter to] burn therein except the most wretched one
ٱلَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ ١٦
Who had denied and turned away.
وَسَيُجَنَّبُهَا ٱلۡأَتۡقَى ١٧
But the righteous one will avoid it –
ٱلَّذِي يُؤۡتِي مَالَهُۥ يَتَزَكَّىٰ ١٨
[He] who gives [from] his wealth to purify himself
وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُۥ مِن نِّعۡمَةٖ تُجۡزَىٰٓ ١٩
And not [giving] for anyone who has [done him] a favor to be rewarded1 –
إِلَّا ٱبۡتِغَآءَ وَجۡهِ رَبِّهِ ٱلۡأَعۡلَىٰ ٢٠
But only seeking the face [i.e., acceptance] of his Lord, Most High.
وَلَسَوۡفَ يَرۡضَىٰ ٢١
And he is going to be satisfied.
شرح الكلمات:
إن علينا للهدى: أي إن علينا لبيان الحق من الباطل والطاعة من المعصية.
وإن لنا للآخرة والأولى: أي ملك ما في الدنيا والآخرة نعطي ونحرم من نشاء لا مالك غيرنا.
فأنذرتكم: أي خوفتكم.
نارا تلظى: أي تتوقد.
لا يصلاها: أي لا يدخلها ويحترق بلهبها.
إلا الأشقى: أي إلا الشقي.
الذي كذب وتولى: كذب النبي ﷺ فيما جاء به وتولى أعرض عن الإيمان به وبما جاء به من التوحيد والطاعة لله ورسوله.
وسيجنبها الأتقى: أي يبعد عنها التقي.
يتزكى: أي يتطهر به فلذا يخليه من النظر إلى غير الله فهو لذلك خال من الرياء والسمعة.
وما لأحد عنده من نعمة تجزى: أي ليس لأحد من الناس عليه منَّة فهو يكافئه بذلك.
إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى: لكن يؤتي ماله في سبيل الله ابتغاء مرضاة الله عز وجل.
ولسوف يرضى: أي يعطيه الله تعالى من الكرامة ما يرضي به في دار السلام.
معنى الآيات:
قوله تعالى ﴿إنَّ عَلَيْنا لَلْهُدىٰ﴾ الآيات.. بعد أن علم تعالى عباده أن ييسر لليسرى من أعطى واتقى وصدق بالحسنى، وأنه ييسر للعسرى من بخل واستغنى وكذب بالحسنى أعلم بحقيقة أخرى وهي أن بيان الطريق الموصل بالعبد لليسرى هو على الله تعالى متكفل به وقد بينه بكتابه ورسوله فمن طلب اليسرى فأولا يؤمن بالله ورسوله ويوطن نفسه على طاعتهما ويأخذ في تلك الطاعة يعمل بها وثانيا ينفق في سبيل الله ما يطهر به نفسه من البخل وشح النفس ويظهر فقره وحاجته إلى الله تعالى بالتقرب إليه بالنوافل وصالح الأعمال وبذلك يكون قد يُسر فعلا لليسرى وقوله تعالى ﴿وإنَّ لَنا لَلآخِرَةَ وٱلأُولىٰ﴾ أي الدنيا وعليه فمن طلبها من غيرنا فقد أخطأ ولا يحصل عليها بحال فطلب الآخرة يكون بالإيمان والتقوى، وطلب الدنيا يكون بالعمل حسب سنتنا في الكسب وحصول المال وقوله تعالى ﴿فَأَنذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظّىٰ لا يَصْلَٰهَآ إلاَّ ٱلأَشْقى ٱلَّذِي كَذَّبَ وتَوَلّىٰ﴾ أي فبناء على ما بيّنا لكم فقد أنذرتكم أي خوفتكم نارا تلظى أي تتوقد التهابا لا يصلاها لا يدخلها ويصطلي بحرها خالداً فيها أبدا إلا الأشقى اي الأكثر شقاوة وهو المشرك وقد يدخلها الشقي من اهل التوحيد ويخرج منها بتوحيده، حيث لم يكذب ولم يتول، ولكن فجر وعصى، وما أشرك وما تولى، وقوله تعالى ﴿وسَيُجَنَّبُها ٱلأَتْقى ٱلَّذِى يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكّىٰ﴾ اي يعطي ماله في سبيل الله يتزكى به من مرض الشح والبخل وآثار الذنوب والإثم، وقوله ﴿وما لأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزىٰ إلاَّ ٱبْتِغَآءَ وجْهِ رَبِّهِ ٱلأَعْلىٰ﴾ أي فهو ينفق ما ينفقه في سبيل الله خاصة وليس ما ينفقه من أجل أن عليه لأحد من الناس فضلا أو يداً فهو يكافئه بها لا لا، وإنما هو ينفق ابتغاء وجه ربه الأعلى أي يريد رضا ربه تعالى لا غير.
قال تعالى ﴿ولَسَوْفَ يَرْضىٰ﴾ أي ما دام ينفق ابتغاء وجهنا فقط فسوف نكافئه ونعطيه عطاء يرضى به وذلك في الجنة دار السلام. هذه الآية الكريمة نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه فقد كان في مكة يشتري العبيد من مواليهم الذين يعذبونهم من أجل إسلامهم فكان يشتريهم ويعتقهم لوجه الله تعالى ومنهم بلال رضي الله عنه فقال المشركون إنما فعل ذلك ليد عنده أي نعمه فهو يكافيه بها فأكذبهم الله في ذلك وأنزل قوله وسيجنبها الأتقى الآيات.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- بيان أن الله تعالى متكفل بطريق الهدى فأرسل الرسل وأنزل الكتاب فأبان الطريق وأوضح السبيل.
٢- بيان أن لله تعالى وحده الدنيا والآخرة فمن أرادهما أو إحداهما فليطلب ذلك من الله تعالى فالآخرة تطلب بالإيمان والتقوى والدنيا تطلب باتباع سنن الله تعالى في الحصول عليها.
٣- بيان فضل أبي بكر الصديق وأنه مبشر بالجنة في هذه الآية الكريمة.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences