Al-Jaza'iriSad · 38:1–33

Al-Jaza'iri · Tafsir · in Arabic

ص

Sad

The Letter "Saad" · Meccan · 88 ayahs

38:1–11Page 453

صٓۚ وَٱلۡقُرۡءَانِ ذِي ٱلذِّكۡرِ ١

Ṣād.1 By the Qur’ān containing reminder...2

بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي عِزَّةٖ وَشِقَاقٖ ٢

But those who disbelieve are in pride and dissension.

كَمۡ أَهۡلَكۡنَا مِن قَبۡلِهِم مِّن قَرۡنٖ فَنَادَواْ وَّلَاتَ حِينَ مَنَاصٖ ٣

How many a generation have We destroyed before them, and they [then] called out; but it was not a time for escape.

وَعَجِبُوٓاْ أَن جَآءَهُم مُّنذِرٞ مِّنۡهُمۡۖ وَقَالَ ٱلۡكَٰفِرُونَ هَٰذَا سَٰحِرٞ كَذَّابٌ ٤

And they wonder that there has come to them a warner [i.e., Prophet Muḥammad (ﷺ)] from among themselves. And the disbelievers say, "This is a magician and a liar.

أَجَعَلَ ٱلۡأٓلِهَةَ إِلَٰهٗا وَٰحِدًاۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيۡءٌ عُجَابٞ ٥

Has he made the gods [only] one God? Indeed, this is a curious thing."

وَٱنطَلَقَ ٱلۡمَلَأُ مِنۡهُمۡ أَنِ ٱمۡشُواْ وَٱصۡبِرُواْ عَلَىٰٓ ءَالِهَتِكُمۡۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيۡءٞ يُرَادُ ٦

And the eminent among them went forth, [saying], "Continue, and be patient over [the defense of] your gods. Indeed, this is a thing intended.1

مَا سَمِعۡنَا بِهَٰذَا فِي ٱلۡمِلَّةِ ٱلۡأٓخِرَةِ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا ٱخۡتِلَٰقٌ ٧

We have not heard of this in the latest religion.1 This is not but a fabrication.

أَءُنزِلَ عَلَيۡهِ ٱلذِّكۡرُ مِنۢ بَيۡنِنَاۚ بَلۡ هُمۡ فِي شَكّٖ مِّن ذِكۡرِيۚ بَل لَّمَّا يَذُوقُواْ عَذَابِ ٨

Has the message been revealed to him out of [all of] us?" Rather, they are in doubt about My message. Rather, they have not yet tasted My punishment.

أَمۡ عِندَهُمۡ خَزَآئِنُ رَحۡمَةِ رَبِّكَ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡوَهَّابِ ٩

Or do they have the depositories of the mercy of your Lord, the Exalted in Might, the Bestower?1

أَمۡ لَهُم مُّلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَاۖ فَلۡيَرۡتَقُواْ فِي ٱلۡأَسۡبَٰبِ ١٠

Or is theirs the dominion of the heavens and the earth and what is between them? Then let them ascend through [any] ways of access.1

جُندٞ مَّا هُنَالِكَ مَهۡزُومٞ مِّنَ ٱلۡأَحۡزَابِ ١١

[They are but] soldiers [who will be] defeated there among the companies [of disbelievers].

شرح الكلمات:

صۤ: هذا أحد الحروف المقطعة يكتب صۤ ويقرأ صاد الله أعلم بمراده به.

والقرآن ذي الذكر: أي أقسم بالقرآن ذي الذكر إذ به يذكر الله تعالى ما الأمر كما يقول هؤلاء الكافرون من أن النبي ساحر وشاعر وكاذب.

بل الذين كفروا في عزة وشقاق: أي أهل مكة في عزة نفس وشقاق مع النبي والمؤمنين وعداوة فلذا قالوا في الرسول ما قالوا، وإلا فهم يعلمون براءته مما قالوا فيه.

وكم أهلكنا قبلهم من قرن: أي كثيرا من الأمم الماضية أهلكناهم.

فنادوا ولات حين مناص: أي صرخوا واستغاثوا وليس الوقت وقت مهرب ولا نجاة.

وعجبوا: أي وما اعتبر بهم أهل مكة وعجبوا أن جاءهم منذر منهم محمد ﷺ.

قالوا ساحر كذاب: أي لما يظهره من الخوارق ولما يسنده إلى الله تعالى من الإرسال والإنزال.

أجعل الآلهة إلهاً واحدا: أي لما قال لهم قولوا لا إله إلا الله، فقالوا كيف يسع الخلائق إله واحد؟

إن هذا لشيء عجاب: أي جعل الآلهة إلهاً واحدا أمر عجيب.

وانطلق الملأ منهم أن امشوا: أي خرجوا من بيت أبي طالب حيث كانوا مجتمعين بالنبي ﷺ وسمعوا منه قوله لهم قولوا لا إله إلا الله.

إن هذا لشيء يراد: أي إن هذا المذكور من التوحيد لأمر يراد منّا تنفيذه.

في الملة الآخرة: أي ملة عيسى عليه السلام.

إن هذا إلا اختلاق: أي ما هذا إلا كذب مختلق.

أأنزل عليه الذكر من بيننا: أي كيف يكون ذلك وليس هو بأكبر منا ولا أشرف.

بل هم في شك من ذكري: أي بل هم في شك من القرآن والوحي ولذا قالوا في الرسول ما قالوا.

بل لما يذوقوا عذاب: أي بل لم يذوقوا عذابي إذ لو ذاقوه لما كذبوا بل آمنوا ولا ينفعهم إيمان.

أم عندهم خزائن رحمة ربك: أي من النبوة وغيرها فيعطوا منها من شاءوا ويحرموا من شاءوا.

أم لهم ملك السماوات والأرض: أي ليس لهم ذلك.

فليرتقوا في الأسباب: أي الموصلة إلى السماء فيأتوا بالوحي فيخصوا به من شاءوا أو يمنعوا الوحي النازل على نبينا محمد ﷺ وأنّى لهم ذلك.

جند ما هنالك مهزوم: أي هم جند حقير في تكذيبهم لك مهزوم أمامك وفي بدر.

من الأحزاب: أي من الأمم الماضية التي تحزبت على رسلها وأهلكها الله تعالى.

معنى الآيات:

قوله تعالى ﴿صۤ وٱلْقُرْآنِ ذِي ٱلذِّكْرِ﴾ أمّا صۤ فإنه أحد حروف الهجاء ومذهب السلف فيه أن يقال الله أعلم بمراده به إذ هو من المتشابه الذي يجب الإيمان به ويوكل أمر معناه إلى من أنزله، وقد ذكرنا غير ما مرة أن هذه الحروف قد أفادت فائدتين فليطلبهما من شاء من القراء الكرام من السور المفتتحة بمثل هذه الحروف نحو طسۤ، الۤمۤ.

وأما قوله ﴿وٱلْقُرْآنِ﴾ هو كتاب الله هذا المنزل على محمد ﷺ ﴿ذِي ٱلذِّكْرِ﴾ معناه التذكير إذ به يذكر الله تعالى والجملة قسم أقسم الله به فقال ﴿وٱلْقُرْآنِ ذِي ٱلذِّكْرِ﴾ وجواب القسم محذوف تقديره ما الأمر كما يقول هؤلاء المشركون من أن النبي محمدا ﷺ ساحر وشاعر وكاذب ﴿بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي عِزَّةٍ وشِقاقٍ﴾ أي بل هم في عزة نفس وكبرياء وخلاف وعداوة مع النبي ﷺ والمؤمنين فحملهم ذلك على أن يقولوا في الرسول ما قالوا، وإلاّ فهم يعلمون يقينا أن النبي محمدا ﷺ أبعد الناس عن السحر والشعر والكذب والجنون. وقوله تعالى ﴿كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ﴾ أي كثيرا من الأمم الماضية أهلكناها بتكذيبها لرسلها فلما جاءهم العذاب نادوا صارخين مستغيثين ﴿وَّلاتَ حِينَ مَناصٍ﴾ أي وليست الساعة ساعة نجاة ولا هرب، فلم لا يعتبر مشركو مكة بمثل هؤلاء. لم يعتبروا ﴿وعَجِبُوۤاْ أن جَآءَهُم مٌّنذِرٌ مِّنْهُمْ﴾ ينذرهم عذاب الله في الدنيا والآخرة وهو محمد ﷺ. ﴿وقالَ ٱلْكافِرُونَ﴾ أي لم يعتبروا وعجبوا وقالوا فيه ﷺ ﴿ساحِرٌ كَذّابٌ﴾. ﴿أجَعَلَ ٱلآلِهَةَ إلَٰهاً واحِداً إنَّ هَٰذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ أي عجيب أي كيف يسع العباد إله واحد إن هذا لأمر يتعجب منه غاية العجب، لأنهم قاسوا الغائب وهو الله تعالى على الشاهد وهو الإنسان الضعيف فوقعوا في أفحش خطأ وأقبحه.

وقوله تعالى ﴿وٱنطَلَقَ ٱلْمَلأُ مِنهُمْ﴾ وهم يقولون لبعضهم بعضا امشوا واصبروا على آلهتكم ﴿إنَّ هَٰذا لَشَيْءٌ يُرادُ﴾ أي منا إمضاؤه وتنفيذه. قالوا هذا وما بعده من القول لما اجتمعوا بالرسول ﷺ في منزل عمه أبي طالب لمفاوضة الرسول في شأن دعوته فلما قال لهم الرسول ﷺ قولوا لا إله إلا الله قاموا من المجلس وانطلقوا يمشون ويقولون ما أخبر تعالى به عنهم ﴿أنِ ٱمْشُواْ واْصْبِرُواْ عَلىٰ آلِهَتِكُمْ﴾ أي على عبادتها فلا تتخلوا عنها ﴿إنَّ هَٰذا﴾ أي الدعوة إلى لا إله إلا الله لشيء كبير يراد منا إمضاؤه وتنفيذه لصالح غيرنا. ما سمعنا بهذا أي بالتوحيد في الملة الآخرة أي الدين الأخير وهو ما جاء به عيسى بن مريم عليه السلام. ﴿إنْ هَٰذا إلاَّ ٱخْتِلاقٌ﴾ أي ما هذا الذي يدعو إليه محمد إلا كذب اختلقه لم ينزل عليه ولم يُوحَ به إليه. وواصلوا كلامهم قائلين ﴿أءُنزِلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ﴾ أي القرآن ﴿مِن بَيْنِنا﴾ وليس هو بأكبرنا سنا ولا بأشرفنا نسباً. فكيف يكون هذا؟ وقوله تعالى ﴿بَلْ هُمْ فَي شَكٍّ مِّن ذِكْرِي﴾ أي لم يكن بالقوم جهل بصدق محمد في قوله وسلامة عقله، وإنما حملهم على ذلك هو شكهم في القرآن وما ينزل به من الحق ويدعو إليه من الهدى، وهذا أولاً وثانيا إنهم لما يذوقوا عذابي إذ لو ذاقوا عذاب الله على تكذيبهم ما كذبوا، وسوف يذوقونه ولكن لا ينفعهم يؤمئذ تصديق ولا إيمان.

وقوله تعالى ﴿أمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ ٱلْعَزِيزِ ٱلْوَهّابِ﴾ أي بل أعندهم خزائن رحمة ربك يا رسولنا العزيز أي الغالب الوهاب أي الكثير العطاء من النبوة وغيرها وعندئذ لهم أن يعطوا من شاءوا ويمنعوا من شاءوا ولكن فهل لهم من خزائن رحمة ربك شيء والجواب لا إذاً فلم ينكرون هبة الله لمحمد بالنبوة والوحي والرسالة.. وقوله تعالى ﴿أمْ لَهُم مُّلْكُ ٱلسَّمَٰوٰتِ وٱلأَرْضِ﴾ أي بل ألهم ملك السماوات والأرض وما بينهما؟ إذا كان هذا لهم ﴿فَلْيَرْتَقُواْ فِى ٱلأَسْبابِ﴾ سببا بعد سبب حتى ينتهوا إلى السماء السابعة ويمنعوا الوحي النازل على محمد ﷺ من ربّه سبحانه وتعالى. ومن أين لهم ذلك وهم الضعفاء الحقيرون إنهم كما قال تعالى فيهم ﴿جُندٌ مّا هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِّن ٱلأَحَزابِ﴾ أي جند حقير من جملة أحزاب الباطل والشر مهزوم هنالك ببدر ويوم الفتح بإذن الله.

هداية الآيات:

من هداية الآيات:

١- لله تعالى أن يقسم بما يشاء بخلاف العبد لا يقسم إلا بربّه تعالى.

٢- بيان ما كان عليه المشركون من كبرياء وعداء للنبي ﷺ.

٣- بيان جهل المشركين في استنكارهم للا إله إلا الله محمد رسول الله.

٤- تحدِّي الرب تعالى للمشركين إظهاراً لعجزهم ودعوته لهم إلى النزول إلى الحقِّ وقَبوله.

٥- إخبار القرآن بالغيب وصدقه في ذلك.

٦- ذم كلمة الأحزاب ومدلولها إذ لا تأتي الأحزاب بخير.

38:12–20Page 453

كَذَّبَتۡ قَبۡلَهُمۡ قَوۡمُ نُوحٖ وَعَادٞ وَفِرۡعَوۡنُ ذُو ٱلۡأَوۡتَادِ ١٢

The people of Noah denied before them, and [the tribe of] ʿAad and Pharaoh, the owner of stakes,1

وَثَمُودُ وَقَوۡمُ لُوطٖ وَأَصۡحَٰبُ لۡـَٔيۡكَةِۚ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلۡأَحۡزَابُ ١٣

And [the tribe of] Thamūd and the people of Lot and the companions of the thicket [i.e., people of Madyan]. Those are the companies.1

إِن كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ ٱلرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ ١٤

Each of them denied the messengers, so My penalty was justified.

وَمَا يَنظُرُ هَٰٓؤُلَآءِ إِلَّا صَيۡحَةٗ وَٰحِدَةٗ مَّا لَهَا مِن فَوَاقٖ ١٥

And these [disbelievers] await not but one blast [of the Horn]; for it there will be no delay.1

وَقَالُواْ رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا قَبۡلَ يَوۡمِ ٱلۡحِسَابِ ١٦

And they say, "Our Lord, hasten for us our share [of the punishment] before the Day of Account."

ٱصۡبِرۡ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَٱذۡكُرۡ عَبۡدَنَا دَاوُۥدَ ذَا ٱلۡأَيۡدِۖ إِنَّهُۥٓ أَوَّابٌ ١٧

Be patient over what they say and remember Our servant, David, the possessor of strength; indeed, he was one who repeatedly turned back [to Allāh].

إِنَّا سَخَّرۡنَا ٱلۡجِبَالَ مَعَهُۥ يُسَبِّحۡنَ بِٱلۡعَشِيِّ وَٱلۡإِشۡرَاقِ ١٨

Indeed, We subjected the mountains [to praise] with him, exalting [Allāh] in the [late] afternoon and [after] sunrise.

وَٱلطَّيۡرَ مَحۡشُورَةٗۖ كُلّٞ لَّهُۥٓ أَوَّابٞ ١٩

And the birds were assembled, all with him repeating [praises].

وَشَدَدۡنَا مُلۡكَهُۥ وَءَاتَيۡنَٰهُ ٱلۡحِكۡمَةَ وَفَصۡلَ ٱلۡخِطَابِ ٢٠

And We strengthened his kingdom and gave him wisdom and discernment in speech.

شرح الكلمات:

كذبت قبلهم: أي قبل هؤلاء المشركين من قريش.

وفرعون ذو الأوتاد: أي صاحب أوتاد أربعة يشد إليها من أراد تعذيبه.

وأصحاب الأيكة: أي الغيضة وهم قوم شعيب.

إن كل إلا كذب الرسل: أي ما كل واحد منهم إلا كذب الرسل ولم يصدقهم فيما دعوا إليه.

فحق عقاب: أي وجبت عقوبتي عليهم.

صيحة واحدة: هي نفخة إسرافيل في الصور نفخة.

مالها من فواق: أي ليس لها من فتور ولا انقطاع حتى تهلك كل شيء.

عجل لنا قطنا: أي صك أعمالنا لنرى ما أعددت لنا إذ القط الكتاب.

ذا الأيد: أي القوة والشدة في طاعة الله تعالى.

إنه أواب: أي رجاع إلى الله في كل أُموره.

بالعشي والإشراق: أي بالمساء بعد العصر إلى الغروب والاشراق من طلوع الشمس إلى ارتفاع الضحى.

والطير محشورة له: أي والطيور مجموعة.

وأتيناه الحكمة وفصل الخطاب: أي وأُعطينا داود الحكمة. وهي الإصابة في الأمور والسداد فيها وفصل الخطاب. الفقة في القضاء ومن ذلك البيّنة على المُدَّعي واليمين على من أنكر.

معنى الآيات:

السياق الكريم في تسلية النبي ﷺ وتهديد المشركين علهم يتوبون إلى الله ويرجعون قال تعالى ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ﴾ أي قبل قومك يا محمد ﴿قَوْمُ نُوحٍ وعادٌ وفِرْعَوْنُ ذُو ٱلأَوْتادِ﴾ أي صاحب الأوتاد التي كان يشد إليها من أراد تعذيبه ويعذبه عليها كأعواد المشانق، ﴿وثَمُودُ وقَوْمُ لُوطٍ وأَصْحابُ لْئَيْكَةِ﴾ أي الغيضة وهي الشجر الملتف وهم قوم شعيب، ﴿أُوْلَٰئِكَ ٱلأَحْزابُ﴾ أي الطوائف الكافرة الهالكة ﴿إن كُلٌّ إلاَّ كَذَّبَ ٱلرُّسُلَ﴾ أي ما كل واحدة منها إلا كذبت الرسل ﴿فَحَقَّ عِقابِ﴾ أي وجب عقابي لهم فعاقبتهم، وما ينظر هؤلاء من قومك ﴿إلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً مّا لَها مِن فَواقٍ﴾ أي من فتور ولا انقطاع حتى يهلك كل شيء ولا يبقى إلا وجه الله ذو الجلال والإكرام. وقوله تعالى ﴿وقالُواْ رَبَّنا عَجِّل لَّنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ ٱلْحِسابِ﴾ قالوا هذا لما نزل ﴿فَأَمّا مَن أُوتِيَ كِتَٰبَهُ بِيَمِينِهِ﴾ [الآية: ١٩] الآيات من سورة الحاقة. قال غلاة الكافرين كأبي جهل وغيره استهزاء، ربنا عجل لنا قطنا أي كتابنا لنرى ما فيه من حسنات وسيئات قبل يوم القيامة والحساب والجزاء وهم لا يؤمنون ببعث ولا جزاء، وإنما قالوا هذا استهزاء وعنادا أو مكابرة فلذا قال تعالى لرسوله ﴿ٱصْبِر عَلىٰ ما يَقُولُونَ وٱذْكُرْ عَبْدَنا داوُودَ ذا ٱلأَيْدِ﴾ أي القوة في دين الله ﴿إنَّهُ أوّابٌ﴾ أي رجاع إلى الله تعالى اذكره لتتأسى به في صبره وقوته في الحق وقوله تعالى ﴿إنّا سَخَّرْنا﴾ الآيات بيان لإنعام الله تعالى على داود لتعظم الرغبة في الاقتداء به، والرغبة إلى الله تعالى فيما لديه من إفضالات ﴿إنّا سَخَّرْنا ٱلجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِٱلْعَشِيِّ وٱلإشْراقِ﴾ أي إذا سبح داود في المساء من بعد العصر إلى الغروب وفي الاشراق وهو وقت الضحى سبحت الجبال معه أي رددت تسبيحه كرامة له والطير محشورة أي وسخرنا الطير محشورة أي مجموعة تردد التسبيح معه، وقوله ﴿كُلٌّ لَّهُ أوّابٌ﴾ أي كل من الجبال والطير أواب أي رجاع يسبح الله تعالى.

وقوله ﴿وشَدَدْنا مُلْكَهُ﴾ أي قوينا ملك داود بمنحنا إياه كل أسباب القوة المادية والروحية. ﴿وآتَيْناهُ ٱلْحِكْمَةَ﴾ وهي النبوة والإصابة في الأمور والسداد فيها قولا كانت أو فعلا. ﴿وفَصْلَ ٱلْخِطابِ﴾ أي حسن القضاء والبصيرة فيه، والبيان الشافي في كلامه. فبه اقتده يا رسولنا.

هداية الآيات:

من هداية الآيات:

١- تسلية الرسول ﷺ وحمله على الصبر على أذى قريش وتكذيبها وعنادها.

٢- تهديد قريش إذا أصرت على التكذيب باشد أنواع العقوبات.

٣- بيان استهزاء المشركين واستخفافهم بأخبار الله تعالى وشرائعه.

٤- مشروعية الأسوة والاقتداء بالصالحين.

٥- بيان آية تسخير الله تعالى الجبال والطير لداود تسبح الله تعالى معه.

٦- حسن صوت داود في قراءته وتسبيحه.

٧- مشروعية صلاة الإشراق والضحى.

38:21–25Page 454

۞ وَهَلۡ أَتَىٰكَ نَبَؤُاْ ٱلۡخَصۡمِ إِذۡ تَسَوَّرُواْ ٱلۡمِحۡرَابَ ٢١

And has there come to you the news of the adversaries, when they climbed over the wall of [his] prayer chamber -

إِذۡ دَخَلُواْ عَلَىٰ دَاوُۥدَ فَفَزِعَ مِنۡهُمۡۖ قَالُواْ لَا تَخَفۡۖ خَصۡمَانِ بَغَىٰ بَعۡضُنَا عَلَىٰ بَعۡضٖ فَٱحۡكُم بَيۡنَنَا بِٱلۡحَقِّ وَلَا تُشۡطِطۡ وَٱهۡدِنَآ إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلصِّرَٰطِ ٢٢

When they entered upon David and he was alarmed by them? They said, "Fear not. [We are] two adversaries, one of whom has wronged the other, so judge between us with truth and do not exceed [it] and guide us to the sound path.

إِنَّ هَٰذَآ أَخِي لَهُۥ تِسۡعٞ وَتِسۡعُونَ نَعۡجَةٗ وَلِيَ نَعۡجَةٞ وَٰحِدَةٞ فَقَالَ أَكۡفِلۡنِيهَا وَعَزَّنِي فِي ٱلۡخِطَابِ ٢٣

Indeed this, my brother, has ninety-nine ewes, and I have one ewe; so he said, 'Entrust her to me,' and he overpowered me in speech."

قَالَ لَقَدۡ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعۡجَتِكَ إِلَىٰ نِعَاجِهِۦۖ وَإِنَّ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلۡخُلَطَآءِ لَيَبۡغِي بَعۡضُهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٍ إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَقَلِيلٞ مَّا هُمۡۗ وَظَنَّ دَاوُۥدُ أَنَّمَا فَتَنَّٰهُ فَٱسۡتَغۡفَرَ رَبَّهُۥ وَخَرَّۤ رَاكِعٗاۤ وَأَنَابَ۩ ٢٤

[David] said, "He has certainly wronged you in demanding your ewe [in addition] to his ewes. And indeed, many associates oppress one another, except for those who believe and do righteous deeds - and few are they." And David became certain that We had tried him, and he asked forgiveness of his Lord1 and fell down bowing [in prostration] and turned in repentance [to Allāh].

فَغَفَرۡنَا لَهُۥ ذَٰلِكَۖ وَإِنَّ لَهُۥ عِندَنَا لَزُلۡفَىٰ وَحُسۡنَ مَـَٔابٖ ٢٥

So We forgave him that; and indeed, for him is nearness to Us and a good place of return.

شرح الكلمات:

هل أتاك: الاستفهام هنا للتعجب أي حمل المخاطب على التعجب.

نبأ الخصم: أي خبر الخصم الغريب في بابه العجيب في واقعه.

إذ تسوروا المحراب: أي محراب مسجده إذ منعوا من الدخول من الباب فقصدوا سوره ونزلوا من أعلى السور.

بغى بعضنا على بعض: أي تعدّى بعضنا على بعض.

فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط: أي احكم بالعدل ولا تجر في حكمك.

واهدنا إلى سواء الصراط: أي أرشدنا إلى العدل في قضيتنا هذه ولا تمل بنا إلى غير الحق.

إن هذا أخي: أي عَلى ديني في الإسلام.

فقال أكفلنيها: أي اجعلني كافلها بمعنى تنازل لي عنها وملكنيها.

وعزتي في الخطاب: أي غلبني في الكلام الجدلي فأخذها مني.

لقد ظلمك بسؤال نعجتك: أي بطلبه نعجتك وضمها إلى نعاجه.

من الخلطاء ليبغي بعضهم: أي الشركاء يظلم بعضهم بعضا.

وظن داود أنما فتناه: أي أيقن داود أنما فتنه ربه أي اختبره.

فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب: أي طلب المغفرة من ربه بقوله استغفر الله وسقط ساجدا على الأرض وأناب أي رجع تائبا إلى ربه.

وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب: أي وحسن مرجع عندنا وهي الجنة والدرجات العلا فيها.

معنى الآيات:

ما زال السياق في تسلية الرسول وحمله على الصبر على ما يعاني من كفار قريش من تطاول وأذى فقال له ربّه تعالى ﴿وهَلْ أتاكَ﴾ إلى آخر الآيات. وذلك أن داود عليه السلام ذكر مرة في نفسه ما أكرم الله تعالى به إبراهيم وإسحاق ويعقوب من حسن الثناء الباقي لهم في الناس، فتمنى مثله فقيل له إنهم امتحنوا فصبر فسأل أن يبتلى كالذي ابتلوا به ويعطى كالذي أُعطوا إن هو صبر فاختبره الله تعالى بناء على رغبته فأرسل إليه ملكين في صورة رجلين فتسورا عليه المحراب كما يأتي تفصيله في الآيات وهو قوله تعالى ﴿وهَلْ أتاكَ﴾ يا رسولنا نبأ الخصم وهما ملكان في صورة رجلين، ولفظ الخصم يطلق على الواحد والأكثر كالعدو فيقال هذا خصمي وهؤلاء خصمي، وهذا عدوي، وهؤلاء عدوٌّ لي. وقوله ﴿إذْ تَسَوَّرُواْ ٱلْمِحْرابَ﴾ أي طلعوا على سور المنزل الذي هو المحراب في عرف بني إسرائيل ولم يدخلوا من الباب لأن الحرس منعهم من ذلك، لأن لداود وقتا ينقطع فيه للعبادة فلا يسمح بمقابلة أحد وقوله ﴿إذْ دَخَلُواْ عَلىٰ داوُودَ فَفَزِعَ مِنهُمْ﴾ أي ارتاع واضطرب نفسا ﴿قالُواْ لا تَخَفْ خَصْمانِ﴾ أي نحن خصمان ﴿بَغىٰ بَعْضُنا عَلىٰ بَعْضٍ﴾ أي اعتدى بعضنا على بعض جئنا نتحاكم إليك ﴿فَٱحْكُمْ بَيْنَنا بِٱلْحَقِّ ولا تُشْطِطْ﴾ أي لا تجر في الحكم ﴿وٱهْدِنَآ إلىٰ سَوَآءِ ٱلصِّراطِ﴾ أي إلى وسط الطريق فلا تمل بنا عن الحق.

ثم عرضنا عليه القضية فقال أحدهما وهو المظلوم عارضاً مظلمته ﴿إنَّ هَذَآ أخِي﴾ أي في الإسلام ﴿لَهُ تِسْعٌ وتِسْعُونَ نَعْجَةً ولِي نَعْجَةٌ واحِدَةٌ فَقالَ أكْفِلْنِيها﴾ أي ملكنيها أضمها إلى نعاجي، ﴿وعَزَّنِي فِي ٱلْخِطابِ﴾ أي وغلبني في الكلام والجدال وأخذها مني. فقال داود على الفور وبدون أن يسمع من الخصم الثاني ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إلىٰ نِعاجِهِ﴾ وعلل لذلك بقوله ﴿وإنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلْخُلَطَآءِ﴾ أي الشركاء في زرع أو ماشية أو تجارة ﴿لَيَبْغِيۤ بَعْضُهُمْ عَلىٰ بَعْضٍ إلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وعَمِلُواْ ٱلصّالِحاتِ﴾ وهم أهل الإيمان والتقوى فإنهم يسلمون من مثل هذه الاعتداءات، ﴿وقَلِيلٌ مّا هُمْ﴾ أي وهم قليل جداً، وهنا طار الملكان من بين يدي داود وعرجا إلى السماء فعلم عندئذ أنما فتنه ربّه كما رغب إليه وأنه لم يصبر حيث قضى بدون أن يسمع من الخصم الثاني فكانت زلة صغيرة أرته أن ما ناله إبراهيم وإسحاق ويعقوب من الكمال كان نتيجة ابتلاء عظيم، وهنا استغفر داود ربّه ﴿وخَرَّ راكِعاً﴾ يبكي ويطلب العفو وأناب إلى ربّه في أمره كله، وذكر تعالى أنه قبل توبته وعفا عنه فقال تعالى ﴿فَغَفَرْنا لَهُ ذَلِكَ وإنَّ لَهُ عِندَنا لَزُلْفىٰ﴾ أي لقُربه عندنا ﴿وحُسْنَ مَآبٍ﴾ أي مرجع وهو الدرجات العلا في دار الأبرار، جعلنا الله تعالى من أهلها بفضله ورحمته.

هداية الآيات:

من هداية الآيات:

١- فائدة عرض مثل هذا القصص تقوية قلب الرسول ﷺ وتثبيت فؤاده وحمله على الصبر.

٢- تقرير نبوة النبي ﷺ إذ مثل هذا القصص لا يتأتّى له قصه إلا بوحي إلهي.

٣- تقرير جواز تشكل الملائكة في صورة بني آدم.

٤- حرمة إصدار القاضي أو الحاكم الحكم قبل أن يسمع الدعوى من الخصمين معاً إذ هذا محل الفتنة التي كانت لداود عليه السلام.

٥- وجوب التوبة عند الوقوع في الذنب.

٦- مشروعية السجود عند قراءة هذه الآية ﴿وخَرَّ راكِعاً وأَنابَ﴾.

38:26–29Page 454

يَٰدَاوُۥدُ إِنَّا جَعَلۡنَٰكَ خَلِيفَةٗ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱحۡكُم بَيۡنَ ٱلنَّاسِ بِٱلۡحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ ٱلۡهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ لَهُمۡ عَذَابٞ شَدِيدُۢ بِمَا نَسُواْ يَوۡمَ ٱلۡحِسَابِ ٢٦

[We said], "O David, indeed We have made you a successor upon the earth, so judge between the people in truth and do not follow [your own] desire, as it will lead you astray from the way of Allāh." Indeed, those who go astray from the way of Allāh will have a severe punishment for having forgotten the Day of Account.

وَمَا خَلَقۡنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَا بَٰطِلٗاۚ ذَٰلِكَ ظَنُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۚ فَوَيۡلٞ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنَ ٱلنَّارِ ٢٧

And We did not create the heaven and the earth and that between them aimlessly. That is the assumption of those who disbelieve, so woe to those who disbelieve from the Fire.

أَمۡ نَجۡعَلُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ كَٱلۡمُفۡسِدِينَ فِي ٱلۡأَرۡضِ أَمۡ نَجۡعَلُ ٱلۡمُتَّقِينَ كَٱلۡفُجَّارِ ٢٨

Or should We treat those who believe and do righteous deeds like corrupters in the land? Or should We treat those who fear Allāh like the wicked?

كِتَٰبٌ أَنزَلۡنَٰهُ إِلَيۡكَ مُبَٰرَكٞ لِّيَدَّبَّرُوٓاْ ءَايَٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ ٢٩

[This is] a blessed Book which We have revealed to you, [O Muḥammad], that they might reflect upon its verses and that those of understanding would be reminded.

شرح الكلمات:

إنا جعلناك خليفة: أي خلفت من سبقك تدبر أمر الناس بإذننا.

ولا تتبع الهوى: أي هوى النفس وهو ما تميل إليه مما تشتهيه.

فيضلك عن سبيل الله: أي عن الطريق الموصل إلى رضوانه.

إن الذين يضلون عن سبيل الله: أي يخطئون الطريق الموصل إلى رضوانه وهو الإيمان والتقوى.

بما نسوا يوم الحساب: أي بنسيانهم يوم القيامة فلم يتقوا الله تعالى.

باطلا: أي عبثا لغير حكمة مقصودة من ذلك الخلق.

ذلك ظن الذين كفروا: أي ظنُّ أن السماوات والأرض وما بينهما خلقت عبثا لا لحكمة مقصودة منها ظن الذين كفروا.

فويل للذين كفروا من النار: أي من واد في النار بعيد غوره كريه ريحه لا يطاق.

مبارك: أي لا تفارقه البركة يجدها قارئه والعامل به والحاكم بما فيه.

وليتذكر أولوا الألباب: أي ليتعظ به أصحاب العقول الراجحة.

معنى الآيات:

ما زال السياق في ذكر قصة داود للعظة والاعتبار وتثبيت فؤاد النبي ﷺ فقال تعالى ﴿يٰداوُودُ﴾ أي وقلنا له أي بعد توبته وقبولها يا داود ﴿إنّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي ٱلأَرْضِ﴾ خلفت من قبلك من الأنبياء تدبر أمر الناس ﴿فَٱحْكُمْ بَيْنَ ٱلنّاسِ بِٱلْحَقِّ﴾ أي بالعدل الموافق لشرع الله ورضاه، ﴿ولا تَتَّبِعِ ٱلْهَوىٰ﴾ وهو ما تهواه نفسك دون ما هو شرع الله، ﴿فَيُضِلَّكَ﴾ أي اتباع الهوى يضلك عن سبيل الله المفضي بالعباد إلى الإسعاد والكمال وذلك أنّ الأحكام إذا كانت مطابقة للشريعة الإلهية انتظمت بها مصالح العباد ونفعت العامة والخاصة أما إذا كانت على وفق الهوى وتحصيل مقاصد النفس للحاكم لا غير أفضت إلى تخريب العالم بوقوع الهرج والمرج بين الناس وفي ذلك هلاك الحاكم والمحكومين، وقوله تعالى ﴿إنَّ ٱلَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ﴾ القائم على الإيمان والتقوى وإقامة الشرع والعدل هؤلاء ﴿لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدُ بِما نَسُواْ يَوْمَ ٱلْحِسابِ﴾ أي بسبب نسيانهم ليوم القيامة فتركوا العمل له وهو الإيمان والتقوى التقوى التي هي فعل الأوامر الإلهية واجتناب النواهي في العقيدة والقول والعمل، وقوله تعالى في الآية [٢٧] ﴿وما خَلَقْنا ٱلسَّمَآءَ وٱلأَرْضَ وما بَيْنَهُما باطِلاً﴾ ينفي تعالى ما يظنه المشركون وهو أن خلق الكون لم يكن لحكمة اقتضت خلقه وإيجاده وهي أن يعبد الله تعالى بذكره وشكره المتمثل في الإيمان والتقوى. وقوله ﴿ذَلِكَ ظَنُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ أي ظن أن الله خلق السماء والأرض وما بينهما لا لحكمة مقصودة وهي عبادة الله تعالى بما يشرع لعباده من العبادات القلبية والقولية والفعلية ظن الذين كفروا من كفار مكة وغيرهم. ثم توعدهم تعالى على كفرهم وظنهم الخاطئ الذي نتج عنه كفرهم وعصيانهم فقال ﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنَ ٱلنّارِ﴾ أي ويل للذين كفروا من واد في جهنم بعيد الغور كريه الريح.

وقوله تعالى في الآية [٢٨] ﴿أمْ نَجْعَلُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وعَمِلُواْ ٱلصّالِحاتِ كَٱلْمُفْسِدِينَ فِي ٱلأَرْضِ أمْ نَجْعَلُ ٱلْمُتَّقِينَ كَٱلْفُجّارِ﴾ هذا أولاً ردٌّ لما زعمه المشركون من أنهم يعطون في الآخرة من النعيم مثل ما يعطى المؤمنون، وثانيا ينفي تعالى أن يسوى بين من آمن به واتبع هداه فأطاعه في الأمر والنهي، وبين من أفسد في الأرض بالشرك والمعاصي كما نفى أن يجعل المتقين الذين آمنوا واتقوا فتركوا الشرك والمعاصي كالفجار الذين فجروا أي خرجوا عن طاعة الله ورسوله فلم يؤمنوا ولم يوحدوا فعاشوا كفاراً فجاراً وماتوا على ذلك. أي فحاشا لله ربّ العالمين وأعدل العادلين وأحكم الحاكمين أن يسوي بين أهل الإيمان والتقوى وبين أهل الشرك والمعاصي بل ينعم الأولين في دار النعيم، ويعذب الآخرين في سواء الجحيم وقوله تعالى في الآية [٢٩] ﴿كِتابٌ أنزَلْناهُ﴾ أي هذا كتاب مبارك أنزلناه على رسولنا ليدبروا آياته بمعنى يتأملوها ويترووها بعقولهم فيحصلوا على هداية القلوب والعقول فيؤمنوا بالله ويعملوا بطاعته فينجوا ويسعدوا. وليذكّر أولوا الألباب أي وليتعظ بمواعظه وينزجر بزواجره أولو الألباب اي العقول السليمة ووصف الكتاب وهو القرآن بالبركة هو كما أخبر الله لا تفارق القرآن البركة وهي الخير الدائم فكل من قرأه متدبراً عرف الهدى ومن قرأه تقرباً حصل على القرب وفاز به ومن قرأه حاكماً عدل في حكمه.

هداية الآيات:

من هداية الآيات:

١- وجوب الحكم بالعدل على كل من حكم ولا عدل في غير الشرع الإلهي.

٢- حرمة اتباع الهوى لما يفضي بالعبد إلى الهلاك والخسار.

٣- تقرير البعث والجزاء.

٤- إبطال ظن من يظن أن الحياة الدنيا خلقت عبثا وباطلا.

٥- تنزيه الربّ تعالى عن العبث والظلم.

٦- فضيلة العقول لمن استعملها في التدبر والتذكر.

٧- بركة القرآن لا تفارقه أبداً وما طلبها أحد إلا وجدها.

38:30–33Page 455

وَوَهَبۡنَا لِدَاوُۥدَ سُلَيۡمَٰنَۚ نِعۡمَ ٱلۡعَبۡدُ إِنَّهُۥٓ أَوَّابٌ ٣٠

And to David We gave Solomon. An excellent servant, indeed he was one repeatedly turning back [to Allāh].

إِذۡ عُرِضَ عَلَيۡهِ بِٱلۡعَشِيِّ ٱلصَّٰفِنَٰتُ ٱلۡجِيَادُ ٣١

[Mention] when there were exhibited before him in the afternoon the poised [standing] racehorses.

فَقَالَ إِنِّيٓ أَحۡبَبۡتُ حُبَّ ٱلۡخَيۡرِ عَن ذِكۡرِ رَبِّي حَتَّىٰ تَوَارَتۡ بِٱلۡحِجَابِ ٣٢

And he said, "Indeed, I gave preference to the love of good [things] over the remembrance of my Lord until it [i.e., the sun] disappeared into the curtain [of darkness]."

رُدُّوهَا عَلَيَّۖ فَطَفِقَ مَسۡحَۢا بِٱلسُّوقِ وَٱلۡأَعۡنَاقِ ٣٣

[He said], "Return them to me," and set about striking1 [their] legs and necks.

شرح الكلمات:

ووهبنا لداود سليمان: أي ومن جملة هباتنا لداود الأواب أن وهبنا له سليمان ابنه.

نعم العبد إنه أواب: أي سليمان أي رجاع إلى ربّه بالتوبة والإنابة.

الصافنات الجياد: أي الخيل الصافنات أي القائمة على ثلاث الجياد أي السوابق.

حب الخير: أي حب الخيل عن ذكر ربي وهي صلاة العصر لإنشغاله باستعراض الخيل للجهاد.

حتى توارت بالحجاب: أي استترت الشمس في الأفق وتغطت عن أعين الناظرين.

ردوها علي: أي ردوا الخيل التي استعرضتها آنفا فشغلتني عن ذكر ربّي.

فطفق مسحاً بالسوق: أي فأخذ يمسح بسوق تلك الخيل وأعناقها.

معنى الآيات:

ما زال السياق في ذكر إفضال الله على داود حيث قال ﴿ووَهَبْنا لِداوُودَ سُلَيْمانَ نِعْمَ ٱلْعَبْدُ﴾ فذكر تعالى أنه وهبه سليمان وأثنى على سليمان بأنه نعم العبد لله، وعلل لتلك الأفضليّة بقوله ﴿إنَّهُ أوّابٌ﴾ أي كثير الأوبة إلى الله تعالى، وهي الرجوع إلى الله بذكره واستغفاره عند الغفلة والنسيان العارض للعبد، وأشار تعالى إلى ذلك بقوله ﴿إذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِٱلْعَشِيِّ ٱلصّافِناتُ ٱلْجِيادُ﴾ أي الخيل القوية على السير التي إذا وقفت تأبى أن تقف على أربع كالحمير بل تقف على ثلاثٍ وترفع الرابعة، والجياد هي السريعة العدو، وهذا العرض كان استعراضا منه لها إعداداً لغزو أراده فاستعرض خيله فانشغل بذلك عن صلاة العصر فلم يشعر إلا وقد غربت الشمس وهو معنى قوله تعالى.

﴿حَتّىٰ تَوارَتْ﴾ أي استترت الشمس ﴿بِٱلْحِجابِ﴾ أي بالأفق الذي حجبها عن أعين الناظرين. فندم لذلك وقال ﴿إنِّيۤ أحْبَبْتُ حُبَّ ٱلْخَيْرِ﴾ أي الخيل ﴿عَن ذِكْرِ رَبِّي﴾ وصلى العصر، ثم عاد إلى إكمال الاستعراض فردها رجاله عليه فجعل يمسح بيده سوقها وأعناقها حتى أكمل استعراضها هذا وجه الأوبة التي وصف بها سليمان عليه السلام في قوله تعالى ﴿إنَّهُ أوّابٌ﴾.

هداية الآيات:

من هداية الآيات:

١- الولد الصالح هبة إلهيّة لوالده فليشكر الله تعالى من وهب ذلك.

٢- الثناء على العبد بالتوبة الفوريّة التي تعقب الذنب مباشرة.

٣- جواز استعراض الحاكم القائد قواته تفقداً لها لما قد يحدثه فيها.

٤- اطلاق لفظ الخير على الخيل فيه تقرير أن الخيل إذا ربطت في سبيل الله كان طعامها وشرابها حسنات لمن ربطها في سبيل الله كما في الحديث الصحيح «الخيل لثلاث.....».

٥- ربط الطائرات النفاثة في الحظائر اليوم والمدرعات وإعدادها للقتال في سبيل الله حل محل ربط الجياد من الخيل في سبيل الله.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском