Al-Jaza'iriAl‑Hadid · 57:1–21

Al-Jaza'iri · Tafsir · in Arabic

الحديد

Al-Hadid

The Iron · Medinan · 29 ayahs

57:1–6Page 537

سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ١

Whatever is in the heavens and earth exalts Allāh,1 and He is the Exalted in Might, the Wise.

لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ يُحۡيِۦ وَيُمِيتُۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ ٢

His is the dominion of the heavens and earth. He gives life and causes death, and He is over all things competent.

هُوَ ٱلۡأَوَّلُ وَٱلۡأٓخِرُ وَٱلظَّٰهِرُ وَٱلۡبَاطِنُۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٌ ٣

He is the First1 and the Last,2 the Ascendant3 and the Intimate,4 and He is, of all things, Knowing.

هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ يَعۡلَمُ مَا يَلِجُ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَا يَخۡرُجُ مِنۡهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ وَمَا يَعۡرُجُ فِيهَاۖ وَهُوَ مَعَكُمۡ أَيۡنَ مَا كُنتُمۡۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ ٤

It is He who created the heavens and earth in six days and then established Himself above the Throne.1 He knows what penetrates into the earth and what emerges from it and what descends from the heaven and what ascends therein; and He is with you2 wherever you are. And Allāh, of what you do, is Seeing.

لَّهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرۡجَعُ ٱلۡأُمُورُ ٥

His is the dominion of the heavens and earth. And to Allāh are returned [all] matters.

يُولِجُ ٱلَّيۡلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلَّيۡلِۚ وَهُوَ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ٦

He causes the night to enter the day and causes the day to enter the night, and He is Knowing of that within the breasts.

شرح الكلمات:

سبح لله ما في السماوات والأرض: أي نزه الله تعالى جميع ما في السماوات والأرض بلسان الحال والقال.

وهو العزيز الحكيم: أي في ملكه، الحكيم في صنعه وتدبيره.

له ملك السماوات والأرض: أي يملك جميع ما في السماوات والأرض يتصرف كيف يشاء.

يحيي ويميت: يحيي بعد العدم ويميت بعد الإيجاد والإحياء.

وهو على كل شيء قدير: وهو على فعل كل ما يشاء قدير لا يعجزه شيء.

هو الأول والآخر: أي ليس قبله شيء وهو الآخر الذي ليس بعده شيء.

والظاهر والباطن: أي الظاهر الذي ليس فوقه شيء والباطن الذي ليس دونه شيء.

وهو بكل شيء عليم: أي لا يغيب عن علمه شيء ولو كان مثقال ذرة في السماوات والأرض.

في ستة أيام: أي من أيام الدنيا مقدرة بها أولها الأحد وآخرها الجمعة.

ثم استوى على العرش: أي ارتفع عليه وعلا.

يعلم ما يلج في الأرض: أي ما يدخل في الأرض من كل ما يدخل فيها من مطر وأموات.

وما يخرج منها: أي من نبات ومعادن.

وما ينزل من السماء: أي من رحمة وعذاب.

وما يعرج فيها: أي يصعد فيها من الأعمال الصالحة والسيئة.

وهو معكم أينما كنتم: أي بعلمه بكم وقدرته عليكم أينما كنتم.

والله بما تعملون بصير: أي لا يخفي عليه من أعمال عباده الظاهرة الباطنة شيء.

وإلى الله ترجع الأمور: أي مرد كل شيء إلى الله خالقه ومدبره يحكم فيه بما يشاء.

يولج الليل في النهار: أي يدخل جزءاً من الليل في النهار وذلك في الصيف.

ويولج النهار في الليل: ويدخل جزءاً من النهار في الليل وذلك في الشتاء كما يدخل كامل أحدهما في الآخر فلا يبقى إلا ليل أو نهار إذْ أحدهما دخل في ثانيهما.

وهو عليم بذات الصدور: أي ما في الصدور من المعتقدات والأسرار والنيات.

معنى الآيات:

يخبر تعالى في هذه الآيات الخمس عن وجوده وعظمته من قدرة وعلم وحكمة ورحمة وتدبيره وملكه ومرد الأمور إليه وكلها مظاهر الربوبية الموجبة للألوهية فأولا تسبيح كل شيء في السماوات والأرض أي تنزيهه عن كل نقص كالزوجة والولد والشريك والوزير المعين والعجز والجهل، ثانيا إنه تعالى العزيز ذو العزة التي لا ترام العظيم الانتقام الحكيم في تدبير ملكه فلا شيء في خلقه هو عبثٌ أو لهوٌ أو باطل ثالثا له ملك السماوات والأرض ملكاً حقيقاً يتصرف كيف يشاء يهب من شاء ويمنع من شاء. رابعاً يحيى من العدم ويميت الحىّ الموجود، خامساً هو على كل شيء قدير لا يعجزه شيء ولا يعجز عن شيء متى أراد الشيء وقال له كن فهو يكون لا يتخلف.

سادساً: هو الأول الذي ليس قبله شيء والآخر الذي ليس بعده شيء إذ له ميراث السماوات والأرض. سابعاً: علمه محيط بكل شيء. ثامناً: خلقه السماوات والأرض في ستة أيام الدنيا ابتداء من الأحد وانتهاء بالجمعة وما مسه من لغوب ولا تعب ولا نصب ثم استوى على العرش يدبر ملكوت خلقه بالحكمة ومظاهر العدل والرحمة. تاسعاً: مع علوه وبعده من خلقه فالخلق كله بين يديه يعلم ما يلج في الأرض أي يدخل فيها من أمطار وأموات وما ينزل من السماء من مطر ورحمة وعذاب وملك وغيره، وما يعرج أي يصعد فيها من ملك ومن عمل صالح ودعاء وخاصة دعوة المظلوم فإنها لا تحجب عن الله أبداً. وعاشراً: معية الله تعالى الخاصة والعامة فالخاصة مَعِيْتُه بنصره لأوليائه، والعامة عِلْمُهُ بكل عباده وسائر خلقه، وقدرته عليهم وعلمه بهم. الحادي عشر: بصره تعالى بكل أعمال عباده فلا يخفى عليه شيء منها ليحاسبهم بها ويجزيهم عليها. الثاني عشر: له ملك السماوات والأرض أي كل ما في السماوات وما في الأرض من سائر الخلق هو ملك لله تعالى وحده لا شريك له فيه ولا في غيره. الثالث عشر: رد كل الأمور إليه فلا يقضى فيها غيره ولا يحكم فيها سواه والظاهر منها كالباطن. الرابع عشر: إيلاجه الليل في النهار والنهار في الليل لمصلحة عباده وفائدتهم إذ لولا هذا التدبير الحكيم لما صلح أمر الحياة ولا استقام هذ الوجود.

وأخيراً علمه الذي أحاط بكل شيء وتغلغل في كل خفي حتى ذات الصدور من خاطر ووسواس وهمّ وعزم ونية وإرادة فسبحانه من إله لا إله غيره ولا ربّ سواه، بهذه المظاهر من الكمالات استحق العبادات فلا تصح العبادة لغيره، ولا تنبغي الطاعة لسواه.

هداية الآيات

من هداية الآيات:

١- فضل التسبيح وأفضله سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم.

٢- مظاهر القدرة والعلم والحكمة في هذه الآيات الخمس هي موجبات ربوبية الله تعالى وألوهيته وهي مقتضية للبعث الآخر والجزاء فيه.

٣- في خلقه تعالى السماوات والأرض في ستة أيام وهو القادر على خلقهما بكلمة التكوين تعليم لعباده التأني في الأمور وعدم العجلة فيها لتخرج متقنة صالحة نافعة.

٤- بطلان دعاء غير الله تعالى ورجاء غيره إذ له ملك السماوات والأرض وليس لغيره شيء من ذلك.

٥- وجوب مراقبة الله تعالى والحياء منه وتقواه وذلك لعلمه بظواهرنا وبواطننا وقدرته على مجازاتنا عاجلاً وآجلاً.

57:7–11Page 538

ءَامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُم مُّسۡتَخۡلَفِينَ فِيهِۖ فَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡ وَأَنفَقُواْ لَهُمۡ أَجۡرٞ كَبِيرٞ ٧

Believe in Allāh and His Messenger and spend out of that in which He has made you successive inheritors. For those who have believed among you and spent,1 there will be a great reward.

وَمَا لَكُمۡ لَا تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلرَّسُولُ يَدۡعُوكُمۡ لِتُؤۡمِنُواْ بِرَبِّكُمۡ وَقَدۡ أَخَذَ مِيثَٰقَكُمۡ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ٨

And why do you not believe in Allāh while the Messenger invites you to believe in your Lord and He has taken your covenant, if you should [truly] be believers?

هُوَ ٱلَّذِي يُنَزِّلُ عَلَىٰ عَبۡدِهِۦٓ ءَايَٰتِۭ بَيِّنَٰتٖ لِّيُخۡرِجَكُم مِّنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ بِكُمۡ لَرَءُوفٞ رَّحِيمٞ ٩

It is He who sends down upon His Servant [Muḥammad (ﷺ)] verses of clear evidence that He may bring you out from darknesses into the light. And indeed, Allāh is to you Kind and Merciful.

وَمَا لَكُمۡ أَلَّا تُنفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَٰثُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ لَا يَسۡتَوِي مِنكُم مَّنۡ أَنفَقَ مِن قَبۡلِ ٱلۡفَتۡحِ وَقَٰتَلَۚ أُوْلَٰٓئِكَ أَعۡظَمُ دَرَجَةٗ مِّنَ ٱلَّذِينَ أَنفَقُواْ مِنۢ بَعۡدُ وَقَٰتَلُواْۚ وَكُلّٗا وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلۡحُسۡنَىٰۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ ١٠

And why do you not spend in the cause of Allāh while to Allāh belongs the heritage of the heavens and the earth? Not equal among you are those who spent before the conquest [of Makkah] and fought [and those who did so after it]. Those are greater in degree than they who spent afterwards and fought. But to all Allāh has promised the best [reward]. And Allāh, of what you do, is Aware.

مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقۡرِضُ ٱللَّهَ قَرۡضًا حَسَنٗا فَيُضَٰعِفَهُۥ لَهُۥ وَلَهُۥٓ أَجۡرٞ كَرِيمٞ ١١

Who is it that would loan Allāh a goodly loan so He will multiply it for him and he will have a noble reward?

شرح الكلمات:

آمنوا بالله ورسوله: أي صدقوا بالله ورسوله يا من لم تؤمنوا بعد واثبتوا على إيمانكم يا من آمنتم قبل.

وأنفقوا: أي وتصدقوا في سبيل الله.

مما جعلكم مستخلفين فيه: أي من المال الذي استخلفكم الله فيه إذ هو مال من قبلكم وسيكون لمن بعدكم.

فالذين آمنوا منكم وأنفقوا: أى صدقوا بالله ورسوله وتصدقوا بأموالهم المستخلفين فيها.

لهم أجر كبير: أي ثواب عظيم عند الله وهو الجنة.

وما لكم لا تؤمنون بالله؟: أي أي شيء يمنعكم من الإيمان.

والرسول يدعوكم لتؤمنوا بربكم: أي والحال أن الرسول بنفسِه يدعوكم لتؤمنوا بربكم.

وقد أخذ ميثاقكم: أي على الإيمان به وأنتم في عالم الذر حيث أشهدكم فشهدتم.

إن كنتم مؤمنين: أي مريدين الإيمان فلا تترددوا وآمنوا وأسلموا تنجوا وتسعدوا.

هو الذي ينزل على عبده: أي هو الله ربكم الذي يدعوكم رسوله لتؤمنوا به ينزل على عبده محمد ﷺ.

آيات بينات: هي آيات القرآن الكريم الواضحات المعاني البينات الدلالة.

ليخرجكم من الظلمات إلى النور: أي ليخرجكم من ظلمات الكفر والجهل إلى نور الإيمان والعلم.

وإن الله بكم لرءوف رحيم: ويدلكم على ذلك إرسال رسوله إليكم وإنزال كتابه ليخرجكم من الظلمات إلى النور.

وما لكم ألا تنفقوا في سبيل الله: أي أي شيء لكم في عدم الإنفاق في سبيل الله.

ولله ميراث السماوات والأرض: أي ومن ذلك المال الذي بين أيديكم فهو عائد إلى الله فأنفقوه في سبيله يؤجركم عليه. وإلا فسيعود إليه بدون أجر لكم.

من قبل الفتح وقاتل: أي لا يستوي مع من أنفق وقاتل بعد صلح الحديبية حيث عز الإسلام وكثر مال المسلمين.

وكلاً وعد الله الحسنى: أي الجنة، والجنة درجات.

من ذا الذي يقرض الله: أي بإنفاقه ماله في سبيل الله الذي هو الجهاد.

قرضا حسنا: أي قرضا لا يريد به غير وجه الله تعالى.

فيضاعفه له: أي الدرهم بسبعمائه درهم.

وله أجر كريم: أي يوم القيامة وهو الجنة دار النعيم المقيم.

معنى الآيات:

بعد ذكر الأدلة والبراهين على وجود الله وقدرته وعلمه وحكمته ووجوب عبادته وتوحيده فيها وتقرير البعث والجزاء يوم لقائه رحمة منه ورأفة بعباده أمرهم جميعا مؤمنيهم وكافريهم بالإيمان به وبرسوله محمد ﷺ فالمؤمنون مأمورون بزيادة الإيمان والثبات عليه والكافرون مأمورون بالإيمان والمبادرة إليه. وبما أن الآية نزلت بالمدينة بعد الهجرة وبعد صلح الحديبية فإن هذه الأوامر والتوجيهات الإلهية تشمل المؤمنين الصادقين والمنافقين الكاذبين في إيمانهم تشمل الراغبين في الإيمان في مكة وغيرها وهم يترددون في ذلك فوجه الخطاب إلى الجميع لهدايتهم ودخولهم في رحمة الله الإسلام بسرعة ودون تباطىء فقال تعالى ﴿آمِنُواْ بِٱللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ أي صدقوا بوحدانية الله ورسالة رسول الله وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه من الأموال، ووجه الاستخلاف أن العبد يرث المال عمن سبقه ويموت ويتركه لمن بعده فلا يدفن معه في قبره.

وقوله تعالى ﴿فَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ وأَنفَقُواْ لَهُمْ أجْرٌ كَبِيرٌ﴾ أي ثواب عظيم عند الله وهو الجنة والرضوان فيها. وهذا الإخبار يفيد تنشيط الهمم الفاترة والعزائم المترددة. وقوله: ﴿وما لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وٱلرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُواْ بِرَبِّكُمْ وقَدْ أخَذَ مِيثاقَكُمْ إن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾ أي أي شيء يجعلكم لا تؤمنون وفرص الإيمان كلها متاحة لكم فإيمانكم الفطري صارخ في نفوسكم إذ كل من سألكم: من خلقكم؟ من خلق العالم حولكم؟ سماء وأرضا تقولون الله. وأنتم في حَرَمِهِ وحِمى بيته والرسول الكريم بين أيديكم يدعوكم صباح مساء إلى الإيمان بربكم وقد أخذ الله ميثاقكم عليكم بأن تؤمنوا به وذلك يوم أخرجكم في صورة الذر من صلب آدم أبيكم وأشهدكم على أنفسكم فشهدتم. إذاً ما هذا التردد إن كنتم تريدون الإيمان فآمنوا قبل فوات الأوان.

وقوله تعالى: ﴿هُوَ ٱلَّذِي يُنَزِّلُ عَلىٰ عَبْدِهِ آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ أي إنكم تدعون إلى الإيمان بالله الذي ينزل على عبده ورسوله محمد ﷺ آيات واضحات المعاني بينات الدلائل كل ذلك ليخرجكم من الظلمات إلى النور من ظلمات الكفر والجهل إلى نور الإيمان والعلم، فما لكم لا تؤمنون إذاً ما هذا التردد والتلكؤ يا عباد الله في الإيمان بالله وبرسول الله، وإن الله بكم لرءوف رحيم فاعرفوا هذا وآمنوا به ويدلكم على ذلك إنزاله الكتاب وإرساله الرسول وتوضيح الأدلة وإقامة الحجج والبراهين.

وقوله: ﴿وما لَكُمْ ألاَّ تُنفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ التي هي سبيل إسعادكم وإكمالكم بعد نجاتكم من العذاب في الحياتين مع العلم أن لله ميراث السماوات والأرض إذ ما بأيديكم هو لله هو واهبه لكم ومسترده منكم فلم لا تنفقون منه.

وقوله تعالى ﴿لا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أنفَقَ مِن قَبْلِ ٱلْفَتْحِ وقاتَلَ﴾ أي صلح الحديبية لقول الله تعالى ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً﴾ [الفتح: ١] والمراد به صلح الحديبية. أي لا يستوون في الأجر والمثوبة مع من قاتل وأنفق بعد الفتح. قال تعالى ﴿أُوْلَٰئِكَ أعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ ٱلَّذِينَ أنفَقُواْ مِن بَعْدُ وقاتَلُواْ وكُلاًّ﴾ من الفريقين ﴿وعَدَ ٱللَّهُ ٱلْحُسْنىٰ﴾ أي الجنة ﴿وٱللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ لا يخفى عليه إنفاقكم وقتالكم وعدمهما كما لا يخفى عليه نياتكم وما تخفون في نفوسكم فاحذروه وراقبوه خيراً لكم.

وقوله تعالى ﴿مَّن ذا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً﴾ أي مخلصا فيه لله طيبة به نفسه ﴿فَيُضاعِفَهُ لَهُ﴾ ربه في الدرهم سبعمائة درهم، ﴿ولَهُ أجْرٌ كَرِيمٌ﴾ ألا وهو الجنة دار السلام.

هداية الآيات

من هداية الآيات:

١- وجوب الإيمان بالله ورسوله وتقويته.

٢- وجوب الإنفاق في سبيل الله من زكاة ونفقة جهاد وصدقة على الفقراء والمساكين.

٣- بيان لطف الله ورأفته ورحمته بعباده مما يستلزم محبته وطاعته وشكره.

٤- الإنفاق في المجاعات والشدائد والحرب أفضل منه في اليسر والعافية.

٥- الترغيب في الإنفاق في سبيل الله بمضاعفة الأجر حتى يكون الدينار بألف دينار عند الله تعالى وما عند الله خير وأبقى، وللآخرة خير من الأولى.

57:12–15Page 539

يَوۡمَ تَرَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ يَسۡعَىٰ نُورُهُم بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَبِأَيۡمَٰنِهِمۖ بُشۡرَىٰكُمُ ٱلۡيَوۡمَ جَنَّٰتٞ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ ١٢

On the Day you see the believing men and believing women, their light proceeding before them and on their right, [it will be said], "Your good tidings today are [of] gardens beneath which rivers flow, wherein you will abide eternally." That is what is the great attainment.

يَوۡمَ يَقُولُ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ وَٱلۡمُنَٰفِقَٰتُ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱنظُرُونَا نَقۡتَبِسۡ مِن نُّورِكُمۡ قِيلَ ٱرۡجِعُواْ وَرَآءَكُمۡ فَٱلۡتَمِسُواْ نُورٗاۖ فَضُرِبَ بَيۡنَهُم بِسُورٖ لَّهُۥ بَابُۢ بَاطِنُهُۥ فِيهِ ٱلرَّحۡمَةُ وَظَٰهِرُهُۥ مِن قِبَلِهِ ٱلۡعَذَابُ ١٣

On the [same] Day the hypocrite men and hypocrite women will say to those who believed, "Wait for us that we may acquire some of your light." It will be said, "Go back behind you1 and seek light." And a wall will be placed between them with a door, its interior containing mercy, but on the outside of it is torment.

يُنَادُونَهُمۡ أَلَمۡ نَكُن مَّعَكُمۡۖ قَالُواْ بَلَىٰ وَلَٰكِنَّكُمۡ فَتَنتُمۡ أَنفُسَكُمۡ وَتَرَبَّصۡتُمۡ وَٱرۡتَبۡتُمۡ وَغَرَّتۡكُمُ ٱلۡأَمَانِيُّ حَتَّىٰ جَآءَ أَمۡرُ ٱللَّهِ وَغَرَّكُم بِٱللَّهِ ٱلۡغَرُورُ ١٤

They [i.e., the hypocrites] will call to them [i.e., the believers], "Were we not with you?" They will say, "Yes, but you afflicted yourselves1 and awaited [misfortune for us] and doubted, and wishful thinking deluded you until there came the command of Allāh. And the Deceiver [i.e., Satan] deceived you concerning Allāh.

فَٱلۡيَوۡمَ لَا يُؤۡخَذُ مِنكُمۡ فِدۡيَةٞ وَلَا مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۚ مَأۡوَىٰكُمُ ٱلنَّارُۖ هِيَ مَوۡلَىٰكُمۡۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ ١٥

So today no ransom will be taken from you or from those who disbelieved. Your refuge is the Fire. It is most worthy of you, and wretched is the destination."

شرح الكلمات:

يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم: أي يتقدمهم نورهم الذي اكتسبوه بالإيمان والعمل الصالح بمسافات بعيدة يضيء لهم الصراط الذي يجتازونه إلى الجنة.

بشراكم اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار: أي تقول لهم الملائكة الذين أُعدوا لاستقبالهم بشراكم.

ذلك هو الفوز العظيم: أي النجاة من النار ودخول الجنة هو الفوز العظيم الذي لا أعظم منه.

المنافقون والمنافقات: أي الذين كانوا يخفون الكفر في نفوسهم ويظهرون الإيمان والإسلام بألسنتهم.

تقتبس من نوركم: أي أنظروا إلينا بوجوهكم نأخذ من نوركم ما يضيء لنا الطريق.

قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نوراً: أي يقال لهم استهزاءً بهم ارجعوا وراءكم إلى الدنيا حيث يطلب النور هناك بالإيمان وصالح الأعمال بعد التخلي عن الشرك والمعاصي فيرجعون وراءهم فلم يجدوا شيئاً.

فضرب بينهم بسور له باب باطنه الرحمة: أي فضرب بينهم وبين المؤمنين بسور عال له باب باطنه الذي هو من جهة المؤمنين الرحمة.

وظاهره من قبله العذاب: أي الذي من جهة المنافقين في عرصات القيامة العذاب.

ينادونهم ألم نكن معكم: أي ينادي المنافقون المؤمنين قائلين ألم نكن معكم في الدنيا على الطاعات أي فنصلي كما تصلون ونجاهد كما تجاهدون وننفق كما تنفقون.

قالوا بلى: أي كنتم معنا على الطاعات.

ولكنكم فتنتم أنفسكم: أي بالنفاق وهو كفر الباطن وبغض الإسلام والمسلمين.

وتربصتم: أي الدوائر بالمسلمين أي كنتم تنتظرون متى يهزم المؤمنون فتعلنون عن كفركم وتعودون إلى شرككم.

وغركم بالله الغرور: أي وغركم بالإيمان بالله ورسوله حيث زين لكم الكفر وكره إليكم الإيمان الشيطان.

فاليوم لا يؤخذ منكم فدية: أي مال تفدون به أنفسكم إذ لا مال يومئذ ينفع ولا ولد.

ولا من الذين كفروا: أي ولا فدية تقبل من الذين كفروا.

مأواكم النار هي مولاكم: أي مستقركم ومكان إيوائكم النار وهي أولى بكم لخبث نفوسكم.

وبئس المصير: أي مصيركم الذي صرتم إليه وهو النار.

معنى الآيات:

قوله تعالى ﴿يَوْمَ تَرى ٱلْمُؤْمِنِينَ وٱلْمُؤْمِناتِ﴾ هذا الظرف متعلق بقوله ﴿ولَهُ أجْرٌ كَرِيمٌ﴾ في آخر الآية السابقة أي لهم أجر كريم يوم ترى المؤمنين والمؤمنات في عرصات القيامة نورهم الذي اكتسبوه بإيمانهم وصالح أعمالهم في دار الدنيا ذلك النور يمشي أمامهم يهديهم إلى طريق الجنة، وقد أعطوا كتبهم بأيمانهم. وتقول لهم الملائكة الذين أعدوا لتلقيهم واستقبالهم بشراكم اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار أي تجري الأنهار أنهار الماء واللبن والخمر والعسل من خلال الأشجار والقصور خالدين فيها ماكثين أبدا لا يموتون ولا يخرجون. قال تعالى ﴿ذَلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ﴾ إذ هو نجاة من النار ودخول الجنان في جوار الرحمن. وقوله تعالى ﴿يَوْمَ يَقُولُ ٱلْمُنافِقُونَ وٱلْمُنافِقاتُ﴾ بدل من من قوله يوم ترى المؤمنين والمؤمنات، والمنافقون والمنافقات وهم الذين كانوا في الحياة الدنيا يخفون الكفر في أنفسهم ويظهرون الإيمان بألسنتهم والإسلام بجوارحهم يقولون للذين آمنوا انظرونا أي اقبلوا علينا بوجوهكم ذات الأنوار نقتبس من نوركم أي نأخذ من نوركم ما يضيء لنا الطريق مثلكم قيل فيقال لهم استهزاء بهم ﴿ٱرْجِعُواْ ورَآءَكُمْ فَٱلْتَمِسُواْ نُوراً﴾ إشارة إلى أن هذا النور يطلب في الدنيا بالإيمان وصالح الأعمال فيرجعون إلى الوراء وفوراً يضرب بينهم وبين المؤمنين بسور عال ﴿لَّهُ بابٌ باطِنُهُ﴾ وهو يلي المؤمنين فيه الرحمة ﴿وظاهِرُهُ﴾ وهو يلي المنافقين ﴿مِن قِبَلِهِ ٱلْعَذابُ﴾ فيأخذون في ندائهم ألم نكن معكم على الطاعات أيها المؤمنون فقد كنا نصلي معكم ونجاهد معكم وننفق كما تنفقون فيقول لهم المؤمنون بلى أي كنتم معنا في الدنيا على الطاعات في الظاهر ولكنكم فتنتم أنفسكم بالنفاق وتربصتم بنا الدوائر لتعلنوا عن كفركم وتعودوا إلى شرككم، وارْتَبتُم أي شككتم في صحة الإسلام وفي عقائده ومن ذلك البعث الآخر وغرتكم الأماني الكاذبة والأطماع في أن محمداً لن ينتصر وأن دينه لن يظهر، حتّى جاء أمر الله بنصر رسوله وإظهار دينه وغركم بالله الغرور أي بالإيمان بالله أي بعد معاجلته لكم بالعذاب والستر عليكم وعدم كشف الستار عنكم وإظهاركم على ما أنتم عليه من الكفر الغرور أي الشيطان إذ هو الذي زين لكم الكفر وذكركم بعفو الله وعدم مؤاخذته لكم.

قال تعالى: ﴿فَٱلْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ﴾ أي فداء مهما كان ولا من الذين كفروا كذلك مأواكم النار أي محل إيوائكم وإقامتكم الدائمة النار هي مولاكم أي من يتولاكم ويضمكم في أحضانه وهي أولى بكم لخبث نفوسكم وعفن أرواحكم من جراء النفاق والكفر، وبئس المصير الذي صرتم إليه إنه النار.

هداية الآيات

من هداية الآيات:

١- تقرير البعث يذكر أحداثه وما يجري فيه.

٢- تقرير أن الفوز ليس ربح الشاة والبعير ولا الدار ولا البستان في الدنيا وإنما هو الزحزحة عن النار ودخول الجنان يوم القيامة هذا هو الفوز العظيم.

٣- من بشائر السعادة لأهل الإيمان قبل دخول الجنة تلقِّي الملائكة لهم وإعطاؤهم كتبهم بأيمانهم ووجود نور عال يسعى بين أيديهم وبأيمانهم يتقدمهم على الصراط إلى الجنة.

٤- نور يوم القيامة في وجوه المؤمنين أخذوه من الدنيا وفي الحديث: «بشرِّ المشّائين في الظُّلَم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة». ٥- بيان صفات المنافقين في الدنيا وهي إبطان الكفر في نفوسهم والتربص بالمؤمنين للانقضاض عليهم متى ضعفوا أو هزموا وأمانيهم في عدم نصرة الإسلام. وشكهم الملازم لهم حتى أنهم لم يخرجوا منه إلى أن ماتوا شاكين في صحة الإسلام وما جاء به وأخبر عنه من وعد ووعيد.

57:16–19Page 539

۞ أَلَمۡ يَأۡنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَن تَخۡشَعَ قُلُوبُهُمۡ لِذِكۡرِ ٱللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ ٱلۡحَقِّ وَلَا يَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلُ فَطَالَ عَلَيۡهِمُ ٱلۡأَمَدُ فَقَسَتۡ قُلُوبُهُمۡۖ وَكَثِيرٞ مِّنۡهُمۡ فَٰسِقُونَ ١٦

Has the time not come for those who have believed that their hearts should become humbly submissive at the remembrance of Allāh and what has come down of the truth? And let them not be like those who were given the Scripture before, and a long period passed over them, so their hearts hardened; and many of them are defiantly disobedient.

ٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ يُحۡيِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَاۚ قَدۡ بَيَّنَّا لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِ لَعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ ١٧

Know that Allāh gives life to the earth after its lifelessness. We have made clear to you the signs; perhaps you will understand.1

إِنَّ ٱلۡمُصَّدِّقِينَ وَٱلۡمُصَّدِّقَٰتِ وَأَقۡرَضُواْ ٱللَّهَ قَرۡضًا حَسَنٗا يُضَٰعَفُ لَهُمۡ وَلَهُمۡ أَجۡرٞ كَرِيمٞ ١٨

Indeed, the men who practice charity and the women who practice charity and [they who] have loaned Allāh a goodly loan - it will be multiplied for them, and they will have a noble reward.

وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦٓ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلصِّدِّيقُونَۖ وَٱلشُّهَدَآءُ عِندَ رَبِّهِمۡ لَهُمۡ أَجۡرُهُمۡ وَنُورُهُمۡۖ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَآ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَحِيمِ ١٩

And those who have believed in Allāh and His messengers - those are [in the ranks of] the supporters of truth and the martyrs, with their Lord. For them is their reward and their light.1 But those who have disbelieved and denied Our verses - those are the companions of Hellfire.

شرح الكلمات:

ألم يأن للذين آمنوا: أي ألم يحن الوقت للذين أكثروا من المزاح.

أن تخشع قلوبهم لذكر الله: أي تلين وتسكن وتخضع وتطمئن لذكر الله ووعده ووعيده.

وما نزل من الحق: أي القرآن وما يحويه من وعد ووعيد.

ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل: أي ولا يكونوا كاليهود والنصارى في الإعراض والغفلة.

فطال عليهم الأمد: أي الزمن بينهم وبين أنبيائهم.

فقست قلوبهم: أي لعدم وجود من يذكرهم ويرشدهم فقست لذلك قلوبهم فلم تلن لذكر الله.

وكثير منهم فاسقون: أي نتيجة لقساوة القلوب المترتبة على ترك التذكير والإرشاد ففسق أكثرهم فخرج عن دين الله ورفض تعاليمه.

اعلموا أن الله يحيي الأرض بعد موتها: أي بالغيث ينزل بها وكذلك يحيي القلوب بالذكر والتذكير فتلين وتخشع لذكر الله ووعد ووعيده.

قد بينا لكم الآيات لعلكم تعقلون: أي بينا لكم الآيات الدالة على قدرتنا وعلمنا ولطفنا ورحمتنا رجاء أن تعقلوا فتحفظوا أنفسكم مما يرديها ويوبقها.

إن المصدقين والمصدقات: أي المتصدقين بفضول أموالهم والمتصدقات كذلك.

وأقرضوا الله قرضا حسنا: أي وكانت صدقاتهم كالقرض الحسن الذي لا منة معه والنفس طيبة به وراجية من ربها جزاءه.

يضاعف لهم: أي القرض الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة إلى ألف ألف.

والذين آمنوا بالله ورسله: أي صدقوا بالله رباً وإلهاً وبرسله هداة ودعاة صادقين.

أولئك هم الصديقون: أي الذين كتبوا عند الله صديقين وهي مرتبة شرف عالية.

والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم: أي وشهداء المعارك في سبيل الله عند ربهم أي في الجنة لهم أجرهم العظيم ونورهم التام يوم القيامة.

والذين كفروا وكذبوا بآياتنا: أي كفروا بالله وتوحيده وكذبوا بالقرآن وبما حواه من الشرائع والأحكام.

أولئك أصحاب الجحيم: أي أولئك البعداء هم أهل النار الذي لا يفارقونها أبداً.

معنى الآيات:

قوله تعالى ﴿ألَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوۤاْ﴾ أي بالله ربّاً وإلهاً وبمحمد ﷺ وبوعد الله ووعيده صدقا وحقا ألم يحن الوقت لهم أن تخشع قلوبهم فتلين وتطمئن إلى ذكر الله وتخشع كذلك ﴿وما نَزَلَ مِنَ ٱلْحَقِّ﴾ في الكتاب الكريم فيعرفون المعروف ويأمرون به ويعرفون المنكر وينهون عنه إنها لموعظة إلهية عظيمة وزادها عظمة أن تنزل في أصحاب رسول الله تستبطىء قلوبهم. فكيف بمن بعدهم.

وقوله: ﴿ولا يَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتابَ مِن قَبْلُ﴾ أي من قبل البعثة المحمدية وهم اليهود والنصارى فطال عليهم الأمد وهو الزمن الطويل بينهم وبين أنبيائهم فلم يذكروا ولم يرشدوا فقست قلوبهم من أجل ذلك وأصبح أكثرهم فاسقين عن دين الله خارجين عن شرائعه لا يعرفون معروفاً ولا ينكرون منكراً.

وقوله تعالى ﴿ٱعْلَمُوۤاْ﴾ أي أيها المؤمنون المصابون ببعض الغفلة فكثر مزاحهم وضحكهم ﴿أنَّ ٱللَّهَ يُحْيِي ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ يحييها بالغيث فتنبت وتزدهر فكذلك القلوب تموت بترك التذكير والتوجيه والإرشاد وتحيا على التذكير والإرشاد.

وقوله تعالى: ﴿قَدْ بَيَّنّا لَكُمُ ٱلآياتِ﴾ أي وضحناها لكم في هذا الكتاب الكريم لعلكم تعقلون أي لنعدّكم بذلك لتعقلوا عنّا ما نُخاطبكم به وننصح لكم فيه فاذكروا هذا ولا تنسوه. وارجعوا قلوبكم وتعهدوها بذكر الله والدار الآخرة. وقوله تعالى: ﴿إنَّ ٱلْمُصَّدِّقِينَ﴾ أي المتصدقين بفضول أموالهم في سبيل الله والمصدقات أي والمتصدقات كذلك وأقرضوا الله قرضاً حسناً بما أنفقوه في الجهاد طيبة به نفوسهم لا منة فيه ولا رياء ولا سمعة هؤلاء يضاعف لهم أي ثواب صدقاتهم وإقراضهم ربهم إلى عشرة أضعاف إلى سبعمائة ضعف إلى ألف ألف ولهم أجر كريم وهو الجنة والذين آمنوا بالله ورسله فصدقوا بالله رباً وإلهاً وبرسل الله المصطفين هداة إلى الله ودعاة إليه هؤلاء هم الصديقون ففازوا بمرتبة الصديقية والشهداء الذين استشهدوا في معارك الجهاد هم الآن عند ربهم لهم أجرهم ونورهم أرواحهم في حواصل طير خضر ترعى في الجنة. هؤلاء الأصناف الثلاثة مثلهم مثل السابقين وأصحاب اليمين. والذين كفروا أي بالله ورسله وكذبوا بآياتنا أي بآيات ربهم الحاوية لشرائعه وعبادته فلم يعبدوه بها هؤلاء الأدنون هم أصحاب الجحيم الذين يلازمونها وتلازمهم أبداً نعوذ بالله من حالهم.

هداية الآيات

من هداية الآيات:

١- التحذير من الغفلة ونسيان ذكر الله وما عنده من نعيم وما لديه من نكال وعذاب.

٢- وجوب التذكير للمؤمنين والوعظ والإرشاد والتعليم خشية أن تقسو قلوبهم فيفسقوا كما فسق أهل الكتاب ويكفروا كما كفروا.

٣- تقرير حقيقة وهي أن الأرض تحيا بالغيث والقلوب تحيا بالعلم والمواعظ والتذكير بالله.

٤- بيان أصناف المؤمنين ورتبهم وهم المتصدقون والمقرضون في سبيل الله أموالهم والمؤمنين بالله ورسله حق الإيمان والصديقون وشهداء الجهاد في سبيل الله جعلنا الله منهم.

57:20–21Page 540

ٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا لَعِبٞ وَلَهۡوٞ وَزِينَةٞ وَتَفَاخُرُۢ بَيۡنَكُمۡ وَتَكَاثُرٞ فِي ٱلۡأَمۡوَٰلِ وَٱلۡأَوۡلَٰدِۖ كَمَثَلِ غَيۡثٍ أَعۡجَبَ ٱلۡكُفَّارَ نَبَاتُهُۥ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَىٰهُ مُصۡفَرّٗا ثُمَّ يَكُونُ حُطَٰمٗاۖ وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابٞ شَدِيدٞ وَمَغۡفِرَةٞ مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضۡوَٰنٞۚ وَمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَآ إِلَّا مَتَٰعُ ٱلۡغُرُورِ ٢٠

Know that the life of this world is but amusement and diversion and adornment and boasting to one another and competition in increase of wealth and children - like the example of a rain whose [resulting] plant growth pleases the tillers; then it dries and you see it turned yellow; then it becomes [scattered] debris. And in the Hereafter is severe punishment and forgiveness from Allāh and approval. And what is the worldly life except the enjoyment of delusion.

سَابِقُوٓاْ إِلَىٰ مَغۡفِرَةٖ مِّن رَّبِّكُمۡ وَجَنَّةٍ عَرۡضُهَا كَعَرۡضِ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِ أُعِدَّتۡ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦۚ ذَٰلِكَ فَضۡلُ ٱللَّهِ يُؤۡتِيهِ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ ذُو ٱلۡفَضۡلِ ٱلۡعَظِيمِ ٢١

Race [i.e., compete] toward forgiveness from your Lord and a Garden whose width is like the width of the heavens and earth, prepared for those who believed in Allāh and His messengers. That is the bounty of Allāh which He gives to whom He wills, and Allāh is the possessor of great bounty.

شرح الكلمات:

إنما الحياة الدنيا لعب ولهو: أي إن الحياة الدنيا أشبه بالأمور الخيالية قليلة النفع سريعة الزوال.

وزينة: أي ما يتزين به المرء من أنواع الزينة والزينة سريعة التغير والزوال.

وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد: أي أنها لا تخرج عن كونها لهواً ولعباً وزينة وتفاخراً وتكاثراً في الأموال والأولاد.

كمثل غيث أعجب الكفار نباته: أي مثلها في سرعة زوالها وحرمان صاحبها من الدار الآخرة ونعيمها كمثل مطر أعجب الكفار أي الزراع أجبهم نباته أي ما نبت به من الزرع.

ثم يهيج فتاره مصفراً: أي يبس فتراه مصفراً آن أوان حصاده.

ثم يكون حطاما: ثم يتحول بسرعة إلى حطام يابس يتفتت.

إلا متاع الغرور: أي وما الحياة الدنيا في التمتع بها إذ الحياة نفسها غرور لا حقيقة لها.

سابقوا إلى مغفرة من ربكم: أي سارعوا بالتوبة مسابقين غيركم لتغفر لكم ذنوبكم وتدخلوا جنة ربكم.

ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء: أي الموعود به من المغفرة والجنة.

والله ذو الفضل العظيم: أي فلا يبعد تفضله بذلك الموعود به وإن كان عظيماً.

معنى الآيات:

ما زال السياق الكريم في توجيه المؤمنين وإرشادهم إلى ما يزيد في كمالهم وسعادتهم في الحياتين فخاطبهم قائلا: اعلموا أيها المؤمنون الذين استبطانا قلوبهم أي خشوعها إذ الإقبال على الدنيا هو سبب الغفلة عن الآخرة ومتطلباتها من الذكر والعمل الصالح ﴿أنَّما ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيا لَعِبٌ ولَهْوٌ وزِينَةٌ وتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وتَكاثُرٌ فِي ٱلأَمْوَٰلِ وٱلأَوْلَٰدِ﴾ هذه حقيقتها وهي أمور خيالية قليلة النفع سريعة الزوال. فلا تغتروا بها ولا تقبلوا بكلكم عليها أنصح لكم بذلك. فاللهو كاللعب لا يُخلِفان منفعة تعود على اللاهي اللاعب، والزينة سرعان ما تتحول وتتغير وتزول والتفاخر بين المتفاخرين مجرد كلام ما وراءه طائل أبداً والتكاثر لا ينتهي إلى حد ولا يجمع إلا بالشقاء والنصب والتعب ثم يذهب أو يُذهب عنه فلا بقاء له ولا دوام وله تبعات لا ينجو منها صاحبها إلا برحمة من الله وإليكم مثل الحياة الدنيا إنها ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ﴾ أي مطر ﴿أعْجَبَ ٱلْكُفّارَ﴾ أي الفلاحين الذين كفروا بذرة بالتربة ﴿نَباتُهُ﴾ الذي نبت به أي المطر ﴿ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَٰهُ﴾ بعد أيام ﴿مُصْفَرّاً﴾ ثم يهيج أي ييبس ﴿ثُمَّ يَكُونُ حُطَٰماً﴾ يتفتت هذه هي الدنيا من بدايتها إلى نهايتها المؤلمة أما الآخرة ففيها عذاب شديد لأهل الشرك والمعاصي لا بد لهم منه يفارقونه، ومغفرة من الله ورضوان لأهل التوحيد وصالح الأعمال وما الحياة الدنيا وقد عرَضنا عليكم مثالها فما هي إلا متاع الغرور أي إنها لا حقيقة لها وكل ما فيها من المتع التي يتمتع بها إلا غرور باطل.

وعليه فأنصح لكم سابقوا إلى مغفرة من ربكم أي سارعوا بالتوبة مسابقين بعضكم بعضا لتغفر ذنوبكم وتدخلوا جنة ربكم التي عرضها كعرض السماء والأرض أعدّت للذين آمنوا بالله ورسوله أي هُيئت وأحضرت فهي مُعدة مهيأة. ذلك فضل الله أي المغفرة ودخول الجنة يؤتيه من يشاء ومن سارع إلى التوبة فآمن وعمل صالحاً وتخلى عن الشرك والآثام فهو ممن شاء له فضله ولذلك وفقه للإيمان وصالح الأعمال. والله ذو الفضل العظيم فلا يستبعد منه ذلك المطلوب المرغوب من النجاة من النار ودخول الجنة دار الأبرار.

هداية الآيات

من هداية الآيات:

١- التحذير من الاغترار بالحياة الدنيا.

٢- الدعوة إلى المسابقة في طلب مغفرة الذنب ودخول الجنة.

٣- بيان الجنة وبيان ما يُكسبها وهو الإيمان بالله ورسله ومستلزماته من التوحيد والعمل الصالح.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском