Al-Jaza'iriAl‑Ahzab · 33:1–19

Al-Jaza'iri · Tafsir · in Arabic

الأحزاب

Al-Ahzab

The Combined Forces · Medinan · 73 ayahs

33:1–3Page 418

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ ٱتَّقِ ٱللَّهَ وَلَا تُطِعِ ٱلۡكَٰفِرِينَ وَٱلۡمُنَٰفِقِينَۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمٗا ١

O Prophet, fear Allāh and do not obey the disbelievers and the hypocrites. Indeed, Allāh is ever Knowing and Wise.

وَٱتَّبِعۡ مَا يُوحَىٰٓ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٗا ٢

And follow that which is revealed to you from your Lord. Indeed Allāh is ever, of what you do, Aware.

وَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلٗا ٣

And rely upon Allāh; and sufficient is Allāh as Disposer of affairs.1

شرح الكلمات:

اتق الله: أي دم على تقواه بامتثالك أوامره واجتنابك نواهيه.

ولا تطع الكافرين: أي المشركين فيما يقترحون عليك.

والمنافقين: أي الذين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر بما يخوفونك به.

إن الله كان عليما حكيما: أي عليما بخلقه ظاهراً وباطناً حكيماً في تدبيره وصنعه.

واتبع ما يوحى إليك من ربك: أي تقيد بما يشرع لك من ربك ولا تلتفت إلى ما يقوله خصومك لك من اقتراحات أو تهديدات.

وتوكل على الله: أي فوض أمرك إليه وامض في ما أمرك به غير مبالٍ بشيء.

معنى الآيات:

لقد واصل المشركون اقتراحاتهم التي بدأوها بمكة حتى المدينة وهي عروض المصالحة بينه وبينهم بالتخلي عن بعض دينه أو بطرد بعض أصحابه، والمنافقون قاموا بدورهم في المدينة بتهديده ﷺ بالقتل غيلة إن لم يكف عن ذكر آلهة المشركين في هذا الظرف بالذات نزل قوله تعالى ﴿يَٰأيُّها ٱلنَّبِيُّ﴾ ناداه ربّه تعالى بعنوان النبوة تقريرا لها وتشريفا له ولم يناده باسمه العلم كما نادى موسى وعيسى وغيرهما بأسمائهم فقال ﴿يَٰأيُّها ٱلنَّبِيُّ ٱتَّقِ ٱللَّهَ ولا تُطِعِ ٱلْكافِرِينَ وٱلْمُنافِقِينَ إنَّ ٱللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً﴾ أي اتق الله فخفه فلا تقبل اقتراح المشركين ولا ترهب تهديد المنافقين بقتلك إن الله كان وما يزال عليما بكل خلقه وما يحدثون من تصرفات ظاهرة أو باطنة حكيما في تدبيره وتصريفه أمور خلقه وعباده فهو تعالى لعلمه وحكمته لا يخذلك ولا يتركك، ولا يُمكن أعداءك وأعداءه منك بحال وقوله ﴿وٱتَّبِعْ ما يُوحىٰ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ﴾ من تشريعات خاصة وعامة ولا تترك منها صغيرة ولا كبيرة إذ هي طريق فوزك وسُلم نجاحط أنت وأمتك تابعة لك في كل ذلك، وقوله ﴿إنَّ ٱللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً﴾ هذه الجملة تعليلية تحمل الوعد والوعيد إذ علم الله بأعمال العباد صالحها وفاسدها يستلزم الجزاء عليها فمتى كانت صالحة كان الجزاء حسناً وفي هذا وعده ومتى كانت فاسدة كان الجزاء سوءاً وفي هذا الوعيد. وقوله ﴿وتَوَكَّلْ عَلىٰ ٱللَّهِ وكَفىٰ بِٱللَّهِ وكِيلاً﴾ أمر تعالى رسوله وأُمته تابعة له أن يتوكل على الله في أمره ويمضي في طريقه منفذاً أحكام ربه غير مبال بالكافرين ولا بالمنافقين، وأعلمه ضمناً أنه كافيه متى توكل عليه وكفى بالله كافيا ووكيلا حافظاً.

هداية الآيات:

من هداية الآيات:

١) وجوب تقوى الله تعالى بفعل المأمور به وترك المنهي عنه.

٢) حرمة طاعة الكافرين والمنافقين فيما يقترحون أو يهددون من أجله.

٣) وجوب اتباع الكتاب والسنة والتوكل على الله والمضي في ذلك بلا خوف ولا وجل.

33:4–5Page 418

مَّا جَعَلَ ٱللَّهُ لِرَجُلٖ مِّن قَلۡبَيۡنِ فِي جَوۡفِهِۦۚ وَمَا جَعَلَ أَزۡوَٰجَكُمُ ٱلَّٰٓـِٔي تُظَٰهِرُونَ مِنۡهُنَّ أُمَّهَٰتِكُمۡۚ وَمَا جَعَلَ أَدۡعِيَآءَكُمۡ أَبۡنَآءَكُمۡۚ ذَٰلِكُمۡ قَوۡلُكُم بِأَفۡوَٰهِكُمۡۖ وَٱللَّهُ يَقُولُ ٱلۡحَقَّ وَهُوَ يَهۡدِي ٱلسَّبِيلَ ٤

Allāh has not made for a man two hearts in his interior. And He has not made your wives whom you declare unlawful1 your mothers. And He has not made your claimed [i.e., adopted] sons your [true] sons. That is [merely] your saying by your mouths, but Allāh says the truth, and He guides to the [right] way.

ٱدۡعُوهُمۡ لِأٓبَآئِهِمۡ هُوَ أَقۡسَطُ عِندَ ٱللَّهِۚ فَإِن لَّمۡ تَعۡلَمُوٓاْ ءَابَآءَهُمۡ فَإِخۡوَٰنُكُمۡ فِي ٱلدِّينِ وَمَوَٰلِيكُمۡۚ وَلَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٞ فِيمَآ أَخۡطَأۡتُم بِهِۦ وَلَٰكِن مَّا تَعَمَّدَتۡ قُلُوبُكُمۡۚ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمًا ٥

Call them1 by [the names of] their fathers; it is more just in the sight of Allāh. But if you do not know their fathers - then they are [still] your brothers in religion and those entrusted to you. And there is no blame upon you for that in which you have erred but [only for] what your hearts intended. And ever is Allāh Forgiving and Merciful.

شرح الكلمات:

ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه: أي لم يخلق الله رجلاً بقلبين كما ادعى بعض المشركين.

تظاهرون منهن أمهاتكم: يقول الرجل لامرأته: أنت عليّ كظهر أمي.

وما جعل أدعياءكم أبناءكم: أي ولم يجعل الدعيَّ إبناً لمن ادّعاه.

ذلكم قولكم بأفواهكم: أي مجرد قول باللسان لا حقيقة له في الخارج فلم تكن المرأة أماً ولا الدعي ابنا.

هو أقسط عند الله: أي أعدل.

فإخوانكم في الدين ومواليكم: أي أُخوة الإسلام وبنو عمكم فمن لم يعرف أبوه فقولوا له: يا أخي أو ابن عمي.

ليس عليكم جناح فيما أخطأتم به: أي لا حرج ولا إثم في الخطأ، فمن قال للدعي خطأ يا ابن فلان فلا إثم عليه.

ولكن ما تعمدت قلوبكم: أي الاثم والحرج في التعمد بأن ينسب الدعي لمن ادعاه.

وكان الله غفوراً رحيما: ولذا لم يؤاخذكم بالخطأ ولكن بالتعمد.

معنى الآيات:

لما كان القلب محط العقل والإدراك كان وجود قلبين في جوف رجل واحد يحدث تعارضاً يؤدي إلى الفساد في حياة الإنسان ذي القلبين لم يجعل الله تعالى لرجل قلبين في جوفه كما ادعى بعض أهل مكة أن أبا معمر جميل بن معمر الفهري كان له قلبان لما شاهدوا من ذكائه ولباقته وحذقه وغره ذلك فقال إن لي قلبين أعقل بهما أفضل من عقل محمد ﷺ فكانت الآية رداً عليه قال تعالى ﴿مّا جَعَلَ ٱللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ وفيه إشارة إلى أنه لا يجمع بين حب الله تعالى وحب أعدائه وطاعة الله وطاعة أعدائه، وقوله، ﴿وما جَعَلَ أزْواجَكُمُ ٱللاَّئِي تُظاهِرُونَ مِنهُنَّ أُمَّهاتِكُمْ﴾ أي لم يجعل الله تعالى المرأة المظاهر ومنها أُماً لمن ظاهر منها كأن يقول لها أنت عليّ كظهر أُمي وكان أهل الجاهلية يعدون الظهار محُرِّماً للزوجة كالأم فأبطل الله تعالى ذلك وبيّن حكمه في سورة المجادلة، وأن من ظاهر من امرأته يجب عليه كفارة: عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكينا.

وقوله تعالى ﴿وما جَعَلَ أدْعِيَآءَكُمْ أبْنَآءَكُمْ﴾ أي لم يجعل الله الدعيّ إبناً إذ كانوا في الجاهلية وفي صدر الإسلام يطلقون على المتبنَّي إبناً فيترتب على ذلك كامل حقوق البنوة من حرمة التزوج بامرأته إن طلقها أو مات عنها، وقوله ﴿ذَٰلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْواهِكُمْ﴾ أي ما هو إلا نطق بالفم ولا حقيقة في الخارج له إذ قول الرجل للدعيّ أنت ولدي لم يُصيِّرة ولده وقول الزوج لزوجته أنت كأمي لم تكن أماً له. وقوله تعالى ﴿وٱللَّهُ يَقُولُ ٱلْحَقَّ﴾ فلا يطلق على المظاهر منها لفظ أم، ولا على الدعي لفظ ابن، ﴿وهُوَ يَهْدِي ٱلسَّبِيلَ﴾ أي الأقوم والأرشد سبحانه لا إله إلا هو.

وقوله تعالى في الآية [٥] من هذا السياق ﴿ٱدْعُوهُمْ لآبَآئِهِمْ﴾ أي ادعوا الأدعياء لآبائهم أي انسبوهم لهم يا فلان بن فلان. فإن دعوتهم إلى آبائهم أقسط وأعدل في حكم الله وشرعه. ﴿فَإن لَّمْ تَعْلَمُوۤاْ آباءَهُمْ فَإخوانُكُمْ فِي ٱلدِّينِ﴾ فادعوهم باسم الإخوة الإسلامية فقولوا هذا أخي في الإسلام. ﴿ومَوالِيكُمْ﴾ أي بنو عمكم فادعوهم بذلك فقولوا يا بن عمي وإن كان الدعي ممن حررتموه فقولوا له مولاي ﴿ولَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ﴾ أي إثم أو حرج ﴿فِيمَآ أخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ من قول أحدكم للدعي يا ابن فلان لمن ادعاه خطأ لسان بدون قصد، أو ظناً منكم أنه إبنه وهو في الواقع ليس ابنه ولكن الاثم في التعمد والقصد المتعمد، وقوله ﴿وكانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً﴾ أي غفوراً لمن تاب رحيما لم يعاجل بالعقوبة من عصى لعله يتوب ويرجع.

هداية الآيات:

من هداية الآيات:

١) إبطال التحريم بالظهار الذي كان في الجاهلية.

٢) إبطال عادة التبنّي، وما يترتب عليها من حرمة نكاح امرأة المتبنّى.

٣) وجوب دعاء الدعي المتبنّى بأبيه إن عُرف ولو كان حماراً.

٤) إن لم يعرف للمدعي أب دُعي بعنوان الإخوة الإسلامية، أو العمومة أو المولوية.

٥) رفع الحرج والإثم في الخطأ عموما وفيما نزلت في الآية الكريمة خصوصا وهو دعاء الدعي باسم مُدعيه سبق لسان بدون قصد، أو بقصد لأنه يرى أنه ابنه وهو ليس ابنه.

33:6–8Page 418

ٱلنَّبِيُّ أَوۡلَىٰ بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ مِنۡ أَنفُسِهِمۡۖ وَأَزۡوَٰجُهُۥٓ أُمَّهَٰتُهُمۡۗ وَأُوْلُواْ ٱلۡأَرۡحَامِ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلَىٰ بِبَعۡضٖ فِي كِتَٰبِ ٱللَّهِ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُهَٰجِرِينَ إِلَّآ أَن تَفۡعَلُوٓاْ إِلَىٰٓ أَوۡلِيَآئِكُم مَّعۡرُوفٗاۚ كَانَ ذَٰلِكَ فِي ٱلۡكِتَٰبِ مَسۡطُورٗا ٦

The Prophet is more worthy of the believers than themselves,1 and his wives are [in the position of] their mothers. And those of [blood] relationship are more entitled [to inheritance] in the decree of Allāh than the [other] believers and the emigrants, except that you may do to your close associates a kindness [through bequest]. That was in the Book2 inscribed.

وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِنَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ مِيثَٰقَهُمۡ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٖ وَإِبۡرَٰهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَى ٱبۡنِ مَرۡيَمَۖ وَأَخَذۡنَا مِنۡهُم مِّيثَٰقًا غَلِيظٗا ٧

And [mention, O Muḥammad], when We took from the prophets their covenant and from you and from Noah and Abraham and Moses and Jesus, the son of Mary; and We took from them a solemn covenant

لِّيَسۡـَٔلَ ٱلصَّٰدِقِينَ عَن صِدۡقِهِمۡۚ وَأَعَدَّ لِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابًا أَلِيمٗا ٨

That He may question the truthful about their truth.1 And He has prepared for the disbelievers a painful punishment.

شرح الكلمات:

النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم: أي فيما يأمرهم به وينهاهم عنه ويطلب منهم هو أحق به من أنفسهم.

وأزواجه أمهاتهم: في الحرمة وسواء من طلقت أو مات عنها منهن رضي الله عنهن.

وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض: أي في التوارث من المهاجرين والمتعاقدين المتحالفين.

إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفاً: بأن توصوا لهم وصيَّة جائزة وهي الثلث فأقل.

كان ذلك في الكتاب مسطورا: أي عدم التوارث بالإيمان والهجرة والحلف مكتوب في اللوح المحفوظ.

وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم: أي أذكر لقومك أخذنا من النبيين ميثاقهم على أن يعبدوا الله وحده ويدعوا إلى عبادته.

ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى: أي وأخذنا بخاصة منك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى بن مريم، وقدم محمد ﷺ في الذكر تشريفا وتعظيما له.

وأخذنا منهم ميثاقا غليظا: أي شديداً والميثاق: العهد المؤكد باليمين.

ليسأل الصادقين عن صدقهم: أي أخذ الميثاق من أجل أن يسأل الصادقين وهم الأنبياء عن صدقهم في تبليغ الرسالة تبكيتاً للكافرين بهم.

وأعدّ للكافرين عذابا أليما: أي فأثاب المؤمنين وأعد للكافرين عذابا أليماً أي موجعا.

معنى الآيات:

لما أبطل الله تعالى عادة التبنّي وكان النبي ﷺ قد تبنى زيد بن حارثة الكلبي فكان يعرف بزيد بن محمد ﷺ وأصبح بذلك يدعى بزيد بن حارثة مولى رسول الله ﷺ أعلم تعالى كافة المؤمنين أن نبيّه محمداً ﷺ أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وأن أزواجه أمهاتهم في الحرمة فلا تحل امرأة النبي لأحد بعده ﷺ، ومعنى أن ﴿ٱلنَّبِيُّ أوْلىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ﴾ أي فيما يأمرهم به وينهاهم عنه ويطلبه منهم هو أحق به من أنفسهم، وبذلك أعطى الله تعالى رسوله من الرفعة وعلوّ الشأن ما لم يُعط أحداً غيره جزاء له على صبره على ما أُخذ منه من بنوَّة زيد رضي الله عنه الذي كان يُدعى بزيد بن محمد فأصبح يعرف بزيد بن حارثة.

وقوله تعالى ﴿وأُوْلُواْ ٱلأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أوْلىٰ بِبَعْضٍ﴾ يريد في الإرث فأبطل تعالى بهذه الآية التوارث بالإيمان والهجرة والحلف الذي كان في صدر الإسلام وأصبح التوارث بالنسب والمصاهرة والولاء لا غير. وقوله ﴿كانَ ذَلِكَ فِي ٱلْكِتابِ مَسْطُوراً﴾ التوارث بالأرحام أي بالقرابات مكتوب في اللوح المحفوظ وقوله ﴿إلاَّ أن تَفْعَلُوۤاْ إلىٰ أوْلِيَآئِكُمْ مَّعْرُوفاً﴾ أي إلا أن توصوا بوصيّة جائزة وهي الثلث لأحد من المؤمنين والمهاجرين ومن حالفتم فلا بأس فهي جائزة ولا حرمة فيها، وقوله ﴿كانَ ذَلِكَ﴾ أي المذكور من التوارث بالقرابات لا غير وجواز الوصيّة بالثلث لمن أبطل إرثهم بالإيمان والهجرة والمؤاخاة، في اللوح المحفوظ وهو كتاب المقادير مسطوراً أي مكتوباً مسطراً فلا يحل تبديله ولا تغييره.

وقوله تعالى ﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ ٱلنَّبِيِّيْنَ مِيثاقَهُمْ﴾ أي اذكر يا رسولنا لقومك أخذنا الميثاق وهو العهد المؤكد باليمين من النبيين عامة بأن يعبدوا الله وحده ويدعوا أُممهم إلى ذلك، ومن أُولي العزم من الرسل خاصة وهم أنت يا محمد ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى بن مريم وقوله ﴿وأَخَذْنا مِنهُمْ مِّيثاقاً غَلِيظاً﴾ أُعيد اللفظ تكراراً لتقريره، وليرتب عليه قوله ﴿لِّيَسْأَلَ﴾ تعالى يوم القيامة ﴿ٱلصّادِقِينَ﴾ وهم الأنبياء ﴿عَن صِدْقِهِمْ﴾ في تبليغ رسالتهم تقريعاً لأممهم الذين كفروا وكذبوا. فأثاب المؤمنين ﴿وأَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً ألِيماً﴾ أي موجعاً وهو عذاب النار.

هداية الآيات:

من هداية الآيات:

١) وجوب تقديم ما يريده الرسول من المؤمن على ما يريده المؤمن لنفسه.

٢) حرمة أزواج النبي ﷺ وأنهن أُمهات المؤمنين وهو ﷺ كالأب لهم.

٣) بطلان التوارث بالمؤاخاة والهجرة والتحالف الذي كان في صدر الإسلام.

٤) جواز الوصيّة لغير الوارث بالثلث فأقل.

٥) وجوب توحيد الله تعالى في عبادته ودعوة الناس إلى ذلك.

٦) تقرير التوحيد بأخذ الميثاق به على كافة الأنبياء والمرسلين.

33:9–14Page 419

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَةَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ إِذۡ جَآءَتۡكُمۡ جُنُودٞ فَأَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ رِيحٗا وَجُنُودٗا لَّمۡ تَرَوۡهَاۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرًا ٩

O you who have believed, remember the favor of Allāh upon you when armies came to [attack] you and We sent upon them a wind and armies [of angels] you did not see. And ever is Allāh, of what you do, Seeing.

إِذۡ جَآءُوكُم مِّن فَوۡقِكُمۡ وَمِنۡ أَسۡفَلَ مِنكُمۡ وَإِذۡ زَاغَتِ ٱلۡأَبۡصَٰرُ وَبَلَغَتِ ٱلۡقُلُوبُ ٱلۡحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِٱللَّهِ ٱلظُّنُونَا۠ ١٠

[Remember] when they came at you from above you and from below you, and when eyes shifted [in fear], and hearts reached the throats, and you assumed about Allāh [various] assumptions.

هُنَالِكَ ٱبۡتُلِيَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَزُلۡزِلُواْ زِلۡزَالٗا شَدِيدٗا ١١

There the believers were tested and shaken with a severe shaking.

وَإِذۡ يَقُولُ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ مَّا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ إِلَّا غُرُورٗا ١٢

And [remember] when the hypocrites and those in whose hearts is disease said, "Allāh and His Messenger did not promise us except delusion,"

وَإِذۡ قَالَت طَّآئِفَةٞ مِّنۡهُمۡ يَٰٓأَهۡلَ يَثۡرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمۡ فَٱرۡجِعُواْۚ وَيَسۡتَـٔۡذِنُ فَرِيقٞ مِّنۡهُمُ ٱلنَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوۡرَةٞ وَمَا هِيَ بِعَوۡرَةٍۖ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارٗا ١٣

And when a faction of them said, "O people of Yathrib,1 there is no stability for you [here], so return [home]." And a party of them asked permission of the Prophet, saying, "Indeed, our houses are exposed [i.e., unprotected]," while they were not exposed. They did not intend except to flee.

وَلَوۡ دُخِلَتۡ عَلَيۡهِم مِّنۡ أَقۡطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُواْ ٱلۡفِتۡنَةَ لَأٓتَوۡهَا وَمَا تَلَبَّثُواْ بِهَآ إِلَّا يَسِيرٗا ١٤

And if they had been entered upon from all its [surrounding] regions and fitnah [i.e., disbelief] had been demanded of them, they would have done it and not hesitated over it except briefly.

شرح الكلمات:

اذكروا نعمة الله عليكم: أي اذكروا نعمة الله أي دفاعنا عنكم لتشكروا ذلك.

جنود: أي جنود المشركين المتحزبين.

ريحا وجنودا لم تروها: هي جنود الملائكة والريح ريح الصبا وهي التي تهب من شرق.

بما تعملون بصيرا: أي بصيراً بأعمالكم من حفر الخندق والاستعدادات للمعركة.

إذ جاءوكم من فوقكم: أي بنو أسد وغطفان أتوا من قبل نجد من شرق المدينة.

ومن أسفل منكم: أي من غرب وهم قريش وكنانة.

وإذ زاغت الأبصار: أي مالت عن كل شيء إلا عن العدو تنظر إليه من شدة الفزع.

وبلغت القلوب الحناجر: أي منتهى الحلقوم من شدة الخوف.

وتظنون بالله الظنونا: أي المختلفة من نصر وهزيمة، ونجاة وهلاك.

هنالك ابتلي المؤمنون: أي ثم في الخندق وساحة المعركة أُختبر المؤمنون.

وزلزلوا زلزالا شديدا: أي حركوا حراكا قويا من شدة الفزع.

والذين في قلوبهم مرض: أي شيء من النفاق لضعف عقيدتهم.

ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا: أي ما وعدنا من النصر ما هو إلا غروراً وباطلاً.

يا أهل يثرب لا مقام لكم: أي يا أهل المدينة لا مقام لكم حول الخندق فارجعوا إلى دياركم.

إن بيوتنا عورة: أي غير حصينة.

إن يريدون إلا فرارا: أي من القتال إذ بيوتهم حصينة.

ولو دخلت عليهم: أي المدينة أي دخلها العدو الغازي.

ثم سئلوا الفتنة: أي ثم طلب إليهم الردة إلى الشرك لآتوها أي اعطوها وفعلوها.

وما تلبثوا بها إلا يسيرا: أي ما تريثوا ولا تمهلوا بل أسرعوا الإجابة وارتدوا.

معنى الآيات:

قوله تعالى ﴿يٰأيُّها ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إذْ جَآءَتْكُمْ جُنُودٌ﴾ الآيات هذه قصة غزوة الخندق أو الأحزاب قصها تبارك وتعالى على المؤمنين في معرض التذكير بنعمه تعالى عليهم ليشكروا بالإنقياد والطاعة لله ورسوله وقبول كل ما يشرع لهم لإكمالهم وإسعادهم في الحياتين فقال تعالى ﴿يٰأيُّها ٱلَّذِينَ آمَنُواْ﴾ أي يا من آمنتم بالله ربا وإلها وبمحمد نبيا ورسولا وبالإسلام دينا وشرعاً ﴿ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ المتمثلة في دفع أكبر خطر قد حاق بكم وهو اجتماع جيوش عدَّة على غزوكم في عقر داركم وهم جيوش قريش وأسد وغطفان وبنو قريظة من اليهود ألّبهم عليهم وحزّب أحزابهم حُيي بن أخطب النضري يريد الانتقام من الرسول والمؤمنين إذ أجلوهم عن المدينة وأخرجوهم منها فالتحقوا بيهود خيبر وتيما، ولما بلغ النبي ﷺ خبرهم أمر بحفر الخندق تحت سفح جبل سلع غربي المدينة، وذلك بإشارة سلمان الفارسي رضي الله عنه إذ كانت له خبرة حربيّة علمها من ديار قومه فارس.

وتم حفر الخندق في خلال شهر من الزمن وكان ﷺ يعطي لكل عشرة أنفار أربعين ذراعاً أي عشرين متراً، وما إن فرغوا من حفره حتى نزلت جيوش المشركين وكانوا قرابة اثني عشر ألفاً ولما رأوا الرسول والمسلمين وراء الخندق تحت جبل سلع قالوا هذه مكيدة لم تكن العرب تعرفها فتناوشوا بالنبال ورمى عمرو بن عبد ود القرشي بفرسه في الخندق فقتله علي رضي الله عنه ودام الحصار والمناوشة وكانت الأيام والليالي باردة والمجاعة ضاربة أطنابها قرابة الشهر.

وتفصيل الأحداث للقصة فيما ذكره تعالى فيما يلي:

فقوله تعالى ﴿إذْ جَآءَتْكُمْ جُنُودٌ﴾ هي جنود المشركين من قريش ومن بني أسد وغطفان ﴿فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وجُنُوداً لَّمْ تَرَوْها﴾ لما جاءتكم جنود المشركين وحاصروكم في سفح سلع أرسلنا عليهم ريحاً وهي ريح الصبا المباركة التي قال فيها رسول الله ﷺ نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور وهي الريح الغربيّة. وفعلت بهم الصبا الأفاعيل حيث لم تبق لهم ناراً إلا أطفأتها ولا قدراً على الأثافي إلا أراقته، ولا خيمة ولا فسطاطاً إلا أسقطته وأزالته حتى اضطروا إلى الرحيل وقوله ﴿وجُنُوداً لَّمْ تَرَوْها﴾ وهم الملائكة فأصابتهم بالفزع والرعب الأمر الذي أفقدهم كل رشدهم وصوابهم ورجعوا يجرون أذيال الخيبة والحمد لله وقوله تعالى ﴿وكانَ ٱللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً﴾ أي بكل أعمالكم من حفر الخندق والمشادات والمناورات وما قاله وعمله المنافقون لم يغب عليه تعالى شيء وسيجزيكم به المحسن بالإحسان والمُسيئ بالإساءة.

وقوله تعالى: ﴿إذْ جَآءُوكُمْ﴾ أي المشركون ﴿مِّن فَوْقِكُمْ﴾ أي من الشرق وهم غطفان بقيادة عيينة بن حصن وأسد، ﴿ومِن أسْفَلَ مِنكُمْ﴾ وهم قريش وكنانة أي من الجنوب الغربي وهذا تحديد لساحة المعركة، وقوله ﴿وإذْ زاغَتِ ٱلأَبْصارُ﴾ أي مالت عن كل شيء فلم تبق تنظر إلا إلى القوات الغازية من شدة الخوف، ﴿وبَلَغَتِ ٱلْقُلُوبُ ٱلْحَناجِرَ﴾ أي ارتفعت بارتفاع الرئتين فبلغت منتهى الحلقوم. وقوله ﴿وتَظُنُّونَ بِٱللَّهِ ٱلظُّنُوناْ﴾ المختلفة من نصر وهزيمة وسلامة وعطب، وهذا تصوير للحال أبدع تصوير وهو كما ذكر تعالى حرفيّاً.

وقوله تعالى ﴿هُنالِكَ﴾ أي في ذلك المكان والزمان الذي حدّق العدو بكم ﴿ٱبْتُلِيَ ٱلْمُؤْمِنُونَ﴾ أي اختبرهم ربهم ليرى الثابت على إيمانه الذي لا تزعزعه الشدائد والفتن من السريع الانهزام والتحول لضعف عقيدته وقلة عزمه وصبره. وقوله تعالى ﴿وزُلْزِلُواْ زِلْزالاً شَدِيداً﴾ أي أُزعجوا وحرّكوا حراكاً شديداً لعوامل قوة العدو وكثرة جنوده، وضعف المؤمنين وقلة عددهم، وعامل المجاعة والحصار، والبرد الشديد وما أظهره المنافقون من تخاذل وما كشفت عنه الحال من نقض بني قريظة عهدهم وانضمامهم إلى الأحزاب.

وقوله تعالى: ﴿وإذْ يَقُولُ ٱلْمُنافِقُونَ وٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ أي النفاق لضعف إيمانهم ﴿مّا وعَدَنا ٱللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ أي من النصر ﴿إلاَّ غُرُوراً﴾ أي باطلا: وذلك أنهم لما كانوا يحفرون في الخندق استعصت عليهم صخرة فأبت أن تنكسر فدعي لها الرسول ﷺ فضربها بالمعول ضربة تصدعت لها وبرق منها بريقٌ أضاء الساحة كلها فكبر رسول الله ﷺ وكبر المسلمون، ثم ضربها ثانية فصدعها وبرقت منها برقة أضاءت ما بين لابتي المدينة فكبر رسول الله ﷺ تكبير الفتح وكبر المسلمون وضرب ثالثة فكسرها وبرقت لها برقة كسابقتيها وكبر رسول الله ﷺ وكبر المسلمون ثم أخذ رسول الله ﷺ بيد سلمان فرقى من الخندق فقال سلمان بأبي أنت وأمي يا رسول الله لقد رأيت شيئا ما رأيته قط فالتفت رسول الله إلى القوم فقال هل رأيتم ما رأى سلمان؟ قالوا نعم يا رسول الله فأعلمهم أنه على ضوء ذلك البريق رأى قصور مدائن كسرى كأنياب الكلاب وإن جبريل أخبرني أن أُمتي ظاهرة عليها كما رأيت في الضربة الثانية القصور الحمراء من أرض الروم وأخبرني جبريل أن أُمتي ظاهرة عليها، ورأيت في الثالثة قصور صنعاء وأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليها فأبشروا أبشروا أبشروا فاستبشر المسلمون وقالوا الحمد لله موعود صدق.

فلما طال الحصار واشتدت الأزمة واستبد الخوف بالرجال قال المنافقون وضعفاء الإيمان ﴿مّا وعَدَنا ٱللَّهُ ورَسُولُهُ إلاَّ غُرُوراً﴾ إذ قال معتب بن قشير يعدنا محمد بفتح فارس والروم وأحدنا لا يقدر أن يتبرّز فرقاً وخوفاً ما هذا إلا وعد غرورا!!.

وقوله ﴿وإذْ قالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْهُمْ﴾ أي من المنافقين. وهو أُويس بن قيظى أحد رؤساء المنافقين ﴿يٰأهْلَ يَثْرِبَ﴾ أي المدينة قبل أن يبطل الرسول هذا الإسم لها ويسميها بالمدينة ﴿لا مُقامَ لَكُمْ﴾ أي في سفح سلع عند الخندق ﴿فَٱرْجِعُواْ﴾ إلى منازلكم داخل المدينة بحجة أنه لا فائدة في البقاء هُنا دون قتال، وما قال ذلك إلا فراراً من القتال وهروباً من المواجهة، وقوله تعالى ﴿ويَسْتَئْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ ٱلنَّبِيَّ﴾ أي يطلبون الإذن لهم بالعودة إلى منازلهم بالمدينة بدعوى أن بيوتهم عورة أي مكشوفة أمام العدو وهم لا يأمنون عليها وأكذبهم الله تعالى في قولهم فقال ﴿وما هِيَ بِعَوْرَةٍ إن يُرِيدُونَ إلاَّ فِراراً﴾ أي ما يريدون بهذا الاعتذار إلا الفرار من وجه العدو، وقال تعالى فيهم ومن أصدق من الله قيلا. ﴿ولَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ﴾ المدينة ﴿مِّنْ أقْطارِها﴾ أي من جميع نواحيها من شرق وغرب وشمال وجنوب ﴿ثُمَّ سُئِلُواْ ٱلْفِتْنَةَ﴾ أي ثم طلب منهم العدو الغازي الذي دخل عليهم المدينة الردة أي العودة إلى الشرك ﴿لآتَوْها﴾ أعطوها فوراً ﴿وما تَلَبَّثُواْ بِهَآ إلاَّ يَسِيراً﴾ حتى يرتدوا عن الإسلام ويصبحوا كما كانوا مشركين والعياذ بالله من النفاق والمنافقين.

هداية الآيات:

من هداية الآيات:

١) مشروعية التذكير بالنعم ليشكرها المذكَّرون بها فتزداد طاعتهم لله ورسوله.

٢) عرض غزوة الأحزاب أو الخندق عرضا صادقاً لا أمثل منه في عرض الأحداث للعبرة.

٣) بيان أن غزوة الخندق كانت من أشد الغزوات وأكثرها ألماً وتعباً على المسلمين.

٤) بيان أن حُسْنَ الظن بالله ممدوح، وأن سوء الظن به تعالى كفر ونفاق.

٥) بيان مواقف المنافقين الداعية إلى الهزيمة ليكون ذلك درساً للمؤمنين.

٦) تقرير النبوة المحمدية بإخبار الغيب التي أخبر بها رسول الله فكانت كما أخبر من فتح فارس والروم واليمن.

33:15–19Page 419

وَلَقَدۡ كَانُواْ عَٰهَدُواْ ٱللَّهَ مِن قَبۡلُ لَا يُوَلُّونَ ٱلۡأَدۡبَٰرَۚ وَكَانَ عَهۡدُ ٱللَّهِ مَسۡـُٔولٗا ١٥

And they had already promised Allāh before not to turn their backs [i.e., flee]. And ever is the promise to Allāh [that about which one will be] questioned.

قُل لَّن يَنفَعَكُمُ ٱلۡفِرَارُ إِن فَرَرۡتُم مِّنَ ٱلۡمَوۡتِ أَوِ ٱلۡقَتۡلِ وَإِذٗا لَّا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلٗا ١٦

Say, [O Muḥammad], "Never will fleeing benefit you if you should flee from death or killing; and then [if you did], you would not be given enjoyment [of life] except for a little."

قُلۡ مَن ذَا ٱلَّذِي يَعۡصِمُكُم مِّنَ ٱللَّهِ إِنۡ أَرَادَ بِكُمۡ سُوٓءًا أَوۡ أَرَادَ بِكُمۡ رَحۡمَةٗۚ وَلَا يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّٗا وَلَا نَصِيرٗا ١٧

Say, "Who is it that can protect you from Allāh1 if He intends for you an ill or intends for you a mercy?" And they will not find for themselves besides Allāh any protector or any helper.

۞ قَدۡ يَعۡلَمُ ٱللَّهُ ٱلۡمُعَوِّقِينَ مِنكُمۡ وَٱلۡقَآئِلِينَ لِإِخۡوَٰنِهِمۡ هَلُمَّ إِلَيۡنَاۖ وَلَا يَأۡتُونَ ٱلۡبَأۡسَ إِلَّا قَلِيلًا ١٨

Already Allāh knows the hinderers1 among you and those [hypocrites] who say to their brothers, "Come to us,"2 and do not go to battle, except for a few,3

أَشِحَّةً عَلَيۡكُمۡۖ فَإِذَا جَآءَ ٱلۡخَوۡفُ رَأَيۡتَهُمۡ يَنظُرُونَ إِلَيۡكَ تَدُورُ أَعۡيُنُهُمۡ كَٱلَّذِي يُغۡشَىٰ عَلَيۡهِ مِنَ ٱلۡمَوۡتِۖ فَإِذَا ذَهَبَ ٱلۡخَوۡفُ سَلَقُوكُم بِأَلۡسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى ٱلۡخَيۡرِۚ أُوْلَٰٓئِكَ لَمۡ يُؤۡمِنُواْ فَأَحۡبَطَ ٱللَّهُ أَعۡمَٰلَهُمۡۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٗا ١٩

Indisposed1 toward you. And when fear comes, you see them looking at you, their eyes revolving like one being overcome by death. But when fear departs, they lash you with sharp tongues, indisposed toward [any] good. Those have not believed, so Allāh has rendered their deeds worthless, and ever is that, for Allāh, easy.

شرح الكلمات:

ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل: أي من قبل غزوة الخندق وذلك يوم أحد قالوا: والله لئن أشهدنا الله قتالا لنقاتلن ولا نولي الأدبار.

وكان عهد الله مسؤلا: أي صاحب العهد عن الوفاء به.

وإذاً لا تمتعون إلا قليلا: أي وإذا فررتم من القتال فإنكم لا تمتعون بالحياة إلا قليلا وتموتون.

من ذا الذي يعصمكم من الله: أي من يجيركم ويحفظكم من الله.

إن أراد بكم سوءاً: أي عذاباً تستاءُون له وتكربون.

قد يعلم الله المعوقين منكم: أي المثبطين عن القتال المفشلين إخوانهم عنه حتى لا يقاتلوا مع رسول الله والمؤمنين.

هلم إلينا: أي تعالوا إلينا ولا تخرجوا مع رسول الله ﷺ.

ولا يأتون البأس إلا قليلا: أي ولا يشهدون القتال إلا قليلا دفعاً عن أنفسهم تهمة النفاق.

أشحة عليكم: أي بخلاء لا ينفقون على مشاريعكم الخيرية كنفقة الجهاد وعلى الفقراء.

تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت: أي تدور أعينهم من شدة الخوف لجبنهم كالمحتضر الذي يغشى عليه أي يغمى عليه من آلام سكرات الموت.

سلقوكم بألسنة حداد: أي آذوكم بألسنة ذربة حادة كأنها الحديد وذلك بكثرة كلامهم وتبجحهم بالأقوال دون الأفعال.

أشحة على الخير: أي بخلاء بالخير لا يعطونه ولا يفعلونه بل ولا يقولونه حتى القول.

أولئك لم يؤمنوا: أي إنهم لم يؤمنوا الإيمان الصحيح فلذا هم جبناء عند اللقاء بخلاء عند العطاء.

معنى الآيات:

ما زال السياق الكريم في عرض أحداث غزوة الأحزاب فقوله تعالى: ﴿ولَقَدْ كانُواْ عاهَدُواْ ٱللَّهَ مِن قَبْلُ﴾ أي ولقد عاهد أولئك المنافقون الله من قبل غزوة الأحزاب وذلك يوم فروا من غزوة أُحد إذ كانت قبل غزوة الأحزاب بقرابة السَّنتين فقالوا والله لئن أشهدنا الله قتالا لنقاتلن ولا نوليّ الأدبار، فذكرهم الله بعهدهم الذي قطعوه على أنفسهم ثم نكثوه، ﴿وكانَ عَهْدُ ٱللَّهِ مَسْئُولاً﴾ أي يُسأل عنه صاحبه ويؤاخذ به. وقوله تعالى: ﴿قُل لَّن يَنفَعَكُمُ ٱلْفِرارُ إن فَرَرْتُمْ مِّنَ ٱلْمَوْتِ أوِ ٱلْقَتْلِ﴾ أي قل لهم يا رسولنا إنه لن ينفعكم الفرار أي الهروب من الموت أو القتل لأن الآجال محددة ومن لم يمت بالسيف مات بغيره فلا معنى للفرار من القتال إذا وجب وقوله ﴿وإذاً لاَّ تُمَتَّعُونَ إلاَّ قَلِيلاً﴾ أي وإذا فررتم من القتال فإنكم لا تمتعون بالحياة إلا قليلا من الزمن ثم تموتون عند نهاية أعماركم وهي فترة قليلة، فالفرار لا يطيل أعماركم والقتال لا ينقصها، وقوله تعالى ﴿قُلْ مَن ذا ٱلَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ إنْ أرادَ بِكُمْ سُوۤءاً أوْ أرادَ بِكُمْ رَحْمَةً﴾ أي قل لهم يا رسولنا تبكيتا لهم، وتأنيبا وتعليما أيضا: من ذا الذي يعصمكم أي يجيركم ويحفظكم من الله ﴿إنْ أرادَ بِكُمْ سُوۤءاً﴾ أي ما يسوءكم من بلاء وقتل ونحوه ﴿أوْ أرادَ بِكُمْ رَحْمَةً﴾ أي سلامة وخيراً فليس هناك من يحول دون وصول ذلك إليكم لأن الله تعالى يجير ولا يُجار عليه وقوله تعالى ﴿ولا يَجِدُونَ لَهُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ ولِيّاً ولا نَصِيراً﴾ أي ولا يجد المخالفون لأمر الله العصاة له ولرسوله من دون الله ولياً يتولاهم فيدفع عنهم ما أراد الله بهم من سوء، ولا نصيراً ينصرهم إذا أراد الله إذلالهم وخُذلانهم لسوء أفعالهم، وقوله تعالى في الآية [١٨] في هذا السياق ﴿قَدْ يَعْلَمُ ٱللَّهُ ٱلْمُعَوِّقِينَ مِنكُمْ﴾ أخبرهم تعالى بأنه قد علم المعوقين أي المثبطين عن القتال والمخذلين بما يقولونه سراً في صفوف المؤمنين كالطابور الخامس في الحروب وهم أناس يذكرون في الخفاء عظمة العدو وقوته يرهبون منه ويخذلون عن قتاله.

وقوله ﴿وٱلْقَآئِلِينَ لإخْوانِهِمْ هَلُمَّ إلَيْنا﴾ أي تعالوا إلينا إلى المدينة واتركوا محمداً وأصحابه يموتون وحدهم فإنهم لا يزيدون عن أكلة جزور. وقوله ﴿ولا يَأْتُونَ ٱلْبَأْسَ إلاَّ قَلِيلاً﴾ أي ولا يشهد القتال ويحضره أولئك المنافقون المثبطون والذين قالوا إن بيوتنا عورة إلا قليلا إذ يتخلفون في أكثر الغزوات وإن حضروا مرة قتالا فإنما هم يدفعون به معرة التخلف ودفعاً لتهمة النفاق التي لصقت بهم.

وقوله تعالى ﴿أشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾ وصفهم بالبخل بعد وصفهم بالجبن وهما شر صفات المرء أي الجبن والبخل أشحة عليكم أي بخلاء لا ينفقون معكم لا على الجهاد ولا على الفقراء والمحتاجين وقوله تعالى ﴿فَإذا جَآءَ ٱلْخَوْفُ﴾ أي بسبب هجوم العدو ﴿رَأَيْتَهُمْ﴾ أيها الرسول ﴿يَنظُرُونَ إلَيْكَ﴾ لائذين بك ﴿تَدُورُ أعْيُنُهُمْ﴾ من الخوف ﴿كَٱلَّذِي يُغْشىٰ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْمَوْتِ﴾ وهو المحتضر يُغمى عليه لما يعاني من سكرات الموت وهذا تصوير هائل لمدى ما عليه المنافقون من الجبن والخوف وعلة هذا هو الكفر وعدم الإيمان بالقدر والبعث والجزاء.

وقوله ﴿فَإذا ذَهَبَ ٱلْخَوْفُ﴾ أي راحت أسبابه بانتهاء الحرب ﴿سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ﴾ أي سلقكم أولئك الجبناء عند اللقاء أي ضربوكم بألسنة ذربة حادة كالحديد بالمطالبة بالغنيمة أو بالتبجح الكاذب بأنهم فعلوا وفعلوا. وهذا حالهم إلى اليوم.

وقوله ﴿أشِحَّةً عَلى ٱلْخَيْرِ﴾ أي بخلاء على مشاريع الخير وما ينفق في سبيل الله فلا ينفقون لأنهم لا يؤمنون بالخلف ولا بالثواب والأجر وذلك لكفرهم بالله ولقائه. ولذا قال تعالى ﴿أوْلَٰئِكَ لَمْ يُؤْمِنُواْ﴾ فسجل عليهم وصف الكفر ورتب عليه نتائجه فقال ﴿فَأَحْبَطَ ٱللَّهُ أعْمالَهُمْ﴾ أي أبطلها فلا يثابون عليها لأنها أعمال مشرك وأعمال المشرك باطلة، وقوله ﴿وكانَ ذَلِكَ عَلى ٱللَّهِ يَسِيراً﴾ أي إبطال أعمالهم وتخييبهم فيها وحرمانهم من جزائها يسير على الله ليس بالعسير. ولذا هو واقع كما أخبر تعالى.

هداية الآيات:

من هداية الآيات:

١) وجوب الوفاء بالعهد إذ نقض العهد من علامات النفاق.

٢) ترك الجهاد خوفاً من القتل عمل غير صالح إذ القتال لا ينقص العمر وتركه لا يزيد فيه.

٣) الشح والجبن من صفات المنافقين وهما شر الصفات في الإنسان.

٤) الثرثرة وكثرة الكلام والتبجح بالأقوال من صفات أهل الجبن والنفاق.

٥) الكفر محبط للأعمال.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском