Al-Jaza'iri · Tafsir · in Arabic
فاطر
Fatir
Originator · Meccan · 45 ayahs
35:1–3Page 434
ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ جَاعِلِ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ رُسُلًا أُوْلِيٓ أَجۡنِحَةٖ مَّثۡنَىٰ وَثُلَٰثَ وَرُبَٰعَۚ يَزِيدُ فِي ٱلۡخَلۡقِ مَا يَشَآءُۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ١
[All] praise is [due] to Allāh, Creator of the heavens and the earth, [who] made the angels messengers having wings, two or three or four. He increases in creation what He wills. Indeed, Allāh is over all things competent.
مَّا يَفۡتَحِ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحۡمَةٖ فَلَا مُمۡسِكَ لَهَاۖ وَمَا يُمۡسِكۡ فَلَا مُرۡسِلَ لَهُۥ مِنۢ بَعۡدِهِۦۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٢
Whatever Allāh grants to people of mercy - none can withhold it; and whatever He withholds - none can release it thereafter. And He is the Exalted in Might, the Wise.
يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡۚ هَلۡ مِنۡ خَٰلِقٍ غَيۡرُ ٱللَّهِ يَرۡزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِۚ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ فَأَنَّىٰ تُؤۡفَكُونَ ٣
O mankind, remember the favor of Allāh upon you. Is there any creator other than Allāh who provides for you from the heaven and earth? There is no deity except Him, so how are you deluded?
شرح الكلمات:
الحمد لله: أي قولوا الحمد لله فإنه واجب الحمد ومقتضى الحمد ما ذكر بعد.
فاطر السماوات والأرض: أي خالقهما على غير مثال سابق.
جاعل الملائكة رسلا: أي جعل منهم رسلا إلى الأنبياء كجبريل عليه السلام.
أولي أجنحة: أي ذوي أجنحة جمع جناح كجناح الطائر.
يزيد في الخلق ما يشاء: أي يزيد على الثلاثة ما يشاء فإن لجبريل ستمائة جناح.
وما يمسك: أي الله من الرحمة فلا أحد يرسلها غيره سبحانه وتعالى.
وهو العزيز الحكيم: أي الغالب على أمره الحكيم في تدبيره وصنعه.
اذكروا نعمة الله عليكم: أي اذكروا نعمه تعالى عليكم في خلقكم ورزقكم وتأمينكم في حرمكم.
هل من خالق غير الله يرزقكم: أي لا خالق لكم غير الله ولا رازق لكم يرزقكم.
من السماء والأرض؟: أي بإنزال المطر من السماء وإنبات الزروع في الأرض.
لا إله إلا هو: أي لا معبود بحق إلا هو إذاً فاعبدوه ووحدوه.
فأنى تؤفكون: أي كيف تصرفون عن توحيده مع اعترافكم بأنه وحده الخالق الرازق.
معنى الآيات:
قوله تعالى ﴿ٱلْحَمْدُ للَّهِ فاطِرِ ٱلسَّمَٰوٰتِ وٱلأَرْضِ﴾ أي الشكر الكامل والحمد التام لله استحقاقاً، والكلام خَرَجَ مَخْرج الخبر ومعناه الإنشاء أي قولوا الحمد لله. واشكروه كما هو أيضاً إخبار منه تعالى بأن الحمد له ولا مستحقه غيره ومقتضى حمده. فطره السماوات والأرض أي خلقه لهما على غير مثال سابق ولا نموذج حاكاه في خلقهما. وجعله الملائكة رسلاً إلى الأنبياء وإلى من يشاء من عباده بالإلهام والرؤيا الصالحة. وقوله ﴿أُوْلِيۤ أجْنِحَةٍ﴾ صفة للملائكة أي أصحاب أجنحة مثنى أي اثنين اثنين، وثلاث أي ثلاثة ثلاثة ورباع أي أربعة أربعة. وقوله ﴿يَزِيدُ فِي ٱلْخَلْقِ﴾ أي خلق الأجنحة ما يشاء فقد خلق لجبريل عليه السلام ستمائة جناح كما أخبر بذلك رسول الله ﷺ في الصحاح ويزيد في خلق ما يشاء من مخلوقاته وهو على كل شيء قدير.
وقوله تعالى ﴿مّا يَفْتَحِ ٱللَّهُ لِلنّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها﴾ يخبر تعالى أن مفاتيح كل شيء بيده فما يفتحُ للناس من أرزاق وخيرات وبركات لا يمكن لأحد من خلقه أن يمسكها دونه وما يمسك من ذلك فلا يستطيع أحد من خلقه أن يرسله، وهو وحده العزيز الغالب على أمره ومراده فلا مانع لما أعطى ولا راد لما قضى الحكيم في صنعه وتدبير خلقه. وقوله تعالى: ﴿يٰأيُّها ٱلنّاسُ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ هذا نداؤه تعالى لأهل مكة من قريش يأمرهم بعده بأن يذكروا نعمه تعالى عليهم حيث خلقهم ووسع أرزاقهم وجعل لهم حرماً آمناً والناس يتخطفون من حولهم خائفون يأمرهم بذكر نعمه لأنهم إذا ذكروها شكروها بالإيمان به وتوحيده.
وقوله ﴿هَلْ مِن خالِقٍ غَيْرُ ٱللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وٱلأَرْضِ﴾؟ والجواب لا أحد إذ لا خالق إلا هو ولا رازق سواه فهو الذي خلقهم ومن السماء والأرض رزقهم. السماء تُمطر والأرض تنبت بأمره. إذاً فلا إله إلا هو أي لا معبود بحق إلا هو فكيف إذاً تصرفون عن الحق بعد معرفته إن حالكم لعجب.
هذا ما دل علي قوله تعالى ﴿هَلْ مِن خالِقٍ غَيْرُ ٱللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وٱلأَرْضِ لا إلَٰهَ إلاَّ هُوَ فَأَنّىٰ تُؤْفَكُونَ﴾.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- وجوب حمد الله تعالى وشكره على إنعامه.
٢- تقرير الرسالة والنبوة لمحمد ﷺ بإخباره أنه جاعل الملائكة رسلاً.
٣- وجوب اللجوء إلى الله تعالى في طلب الخير ودفع الضر فإنه بيده خزائن كل شيء.
٤- وجوب ذكر النعم ليكون ذلك حافزاً على شكرها بطاعة الله ورسوله.
٥- تقرير التوحيد بالأدلة العقلية التي لا ترد.
٦- العجب من حال المشركين يقرون بانفراد الله تعالى بخلقهم ورزقهم ويعبدون معه غيره.
35:4–7Page 435
وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدۡ كُذِّبَتۡ رُسُلٞ مِّن قَبۡلِكَۚ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرۡجَعُ ٱلۡأُمُورُ ٤
And if they deny you, [O Muḥammad] - already were messengers denied before you. And to Allāh are returned [all] matters.
يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٞۖ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلۡغَرُورُ ٥
O mankind, indeed the promise of Allāh is truth, so let not the worldly life delude you and be not deceived about Allāh by the Deceiver [i.e., Satan].
إِنَّ ٱلشَّيۡطَٰنَ لَكُمۡ عَدُوّٞ فَٱتَّخِذُوهُ عَدُوًّاۚ إِنَّمَا يَدۡعُواْ حِزۡبَهُۥ لِيَكُونُواْ مِنۡ أَصۡحَٰبِ ٱلسَّعِيرِ ٦
Indeed, Satan is an enemy to you; so take him as an enemy. He only invites his party to be among the companions of the Blaze.
ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمۡ عَذَابٞ شَدِيدٞۖ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَهُم مَّغۡفِرَةٞ وَأَجۡرٞ كَبِيرٌ ٧
Those who disbelieve will have a severe punishment, and those who believe and do righteous deeds will have forgiveness and great reward.
شرح الكلمات:
وإن يكذبوك: أي يا رسولنا فيما جئت به من التوحيد وعقيدة البعث والجزاء ولم يؤمنوا بك.
فقد كذبت رسل من قبلك: أي فلست وحدك كذبت إذاً فلا تأس ولا تحزن واصبر كما صبر من قبلك.
وإلى الله ترجع الأمور: وسوف يجزي المكذبين بتكذيبهم والصابرين بصبرهم.
ولا يغرنكم بالله الغرور: أي ولا يغرنكم بالله أي في حلمه وإمهاله الغرور أي الشيطان.
فاتخذوه عدواً: أي فلا تطيعوه ولا تقبلوا ما يغركم به وأطيعوا ربكم عز وجل.
إنما يدعو حزبه: أي أتباعه في الباطل والكفر والشر والفساد.
ليكونوا من أصحاب السعير: أي ليؤول أمرهم إلى أن يكونوا من أصحاب النار المستعرة.
لهم مغفرة وأجر كبير: أي لهم مغفرة لذنوبهم وأجر كبير في الجنة وذلك لإيمانهم وعملهم الصالحات.
معنى الآيات:
لما أقام تعالى الحجة على المشركين في الآيات السابقة قال لرسوله ﷺ ﴿وإن يُكَذِّبُوكَ﴾ بعدما أقمت عليهم الحجة فلست وحدك المكذِّب فقد كذبت قبلك رسل كثيرون جاءوا أقوامهم بالبينات والزبر وصبروا إذاً فاصبر كما صبروا ﴿وإلى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ﴾ وسوف يقضى بينك وبينهم بالحق فينصرك في الدنيا ويخذلهم، ويرحمك في الآخرة ويعذبهم.
وقوله ﴿يٰأيُّها ٱلنّاسُ إنَّ وعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ﴾ أي يا أهل مكة وكل مغرور من الناس بالحياة الدنيا إعلموا أن وعد الله بالبعث والجزاء حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا بطول أعماركم وصحة أبدانكم وسعة أرزاقكم، فإن ذلك زائل عنكم لا محالة ﴿ولا يَغُرَّنَّكُمْ بِٱللَّهِ﴾ أي حلمه وإمهاله ﴿ٱلْغَرُورُ﴾ وهو الشيطان حيث يتخذ من حلم الله تعالى عليكم وإمهاله لكم طريقاً إلى إغوائكم وإفسادكم بما يحملكم عليه من تأخير التوبة والإصرار على المعاصي، والاستمرار عليها ﴿إنَّ ٱلشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾ بالغ العداوة ظاهرها فاتخذوه أنتم عدواً كذلك فلا تطيعوه ولا تستجيبوا لندائه، ﴿إنَّما يَدْعُواْ حِزْبَهُ﴾ أي أتباعه ﴿لِيَكُونُواْ مِن أصْحابِ ٱلسَّعِيرِ﴾ أي النار المستعرة، إنه يريد أن تكونوا معه في الجحيم. إذ هو محكوم عليه بها أزلاً وقوله تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ أي في الآخرة، والذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴿لَهُم مَّغْفِرَةٌ﴾ أي لذنوبهم ﴿وأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ هو الجنة وما فيها من النعيم المقيم. هذا حكم الله في عباده وقراره فيهم: وهم فريقان مؤمن صالح وكافر فاسد ولكل جزاء عادل.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- تسلية الرسول ﷺ ويدخل فيها كل دعاة الحق إذا كُذِّبوا وأُوذوا فعليهم أن يصبروا.
٢- تقرير البعث والجزاء المتضمن له وعد الله الحق.
٣- التحذير من الاغترار بالدنيا أي من طول العمر وسعة الرزق وسلامة البدن.
٤- التحذير من الشيطان ووجوب الاعتراف بعداوته ومعاملته معاملة العدو فلا يقبل كلامه ولا يستجاب لندائه ولا يخدع بتزيينه للقبيح والشر.
٥- بيان جزاء أولياء الرحمن أعداء الشيطان، وجزاء أعداء الرحمن أولياء الشيطان.
35:8–11Page 435
أَفَمَن زُيِّنَ لَهُۥ سُوٓءُ عَمَلِهِۦ فَرَءَاهُ حَسَنٗاۖ فَإِنَّ ٱللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهۡدِي مَن يَشَآءُۖ فَلَا تَذۡهَبۡ نَفۡسُكَ عَلَيۡهِمۡ حَسَرَٰتٍۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمُۢ بِمَا يَصۡنَعُونَ ٨
Then is one to whom the evil of his deed has been made attractive so he considers it good [like one rightly guided]? For indeed, Allāh sends astray whom He wills and guides whom He wills. So do not let yourself perish over them in regret. Indeed, Allāh is Knowing of what they do.
وَٱللَّهُ ٱلَّذِيٓ أَرۡسَلَ ٱلرِّيَٰحَ فَتُثِيرُ سَحَابٗا فَسُقۡنَٰهُ إِلَىٰ بَلَدٖ مَّيِّتٖ فَأَحۡيَيۡنَا بِهِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَاۚ كَذَٰلِكَ ٱلنُّشُورُ ٩
And it is Allāh who sends the winds, and they stir the clouds, and We drive them to a dead land and give life thereby to the earth after its lifelessness. Thus is the resurrection.
مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلۡعِزَّةَ فَلِلَّهِ ٱلۡعِزَّةُ جَمِيعًاۚ إِلَيۡهِ يَصۡعَدُ ٱلۡكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ وَٱلۡعَمَلُ ٱلصَّٰلِحُ يَرۡفَعُهُۥۚ وَٱلَّذِينَ يَمۡكُرُونَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ لَهُمۡ عَذَابٞ شَدِيدٞۖ وَمَكۡرُ أُوْلَٰٓئِكَ هُوَ يَبُورُ ١٠
Whoever desires honor [through power] - then to Allāh belongs all honor.1 To Him ascends good speech, and righteous work raises it.2 But they who plot evil deeds will have a severe punishment, and the plotting of those - it will perish.
وَٱللَّهُ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٖ ثُمَّ مِن نُّطۡفَةٖ ثُمَّ جَعَلَكُمۡ أَزۡوَٰجٗاۚ وَمَا تَحۡمِلُ مِنۡ أُنثَىٰ وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلۡمِهِۦۚ وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٖ وَلَا يُنقَصُ مِنۡ عُمُرِهِۦٓ إِلَّا فِي كِتَٰبٍۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٞ ١١
And Allāh created you from dust, then from a sperm-drop; then He made you mates. And no female conceives nor does she give birth except with His knowledge. And no aged person is granted [additional] life nor is his lifespan lessened but that it is in a register. Indeed, that for Allāh is easy.
شرح الكلمات:
أفمن زين له سوء عمله: أي قبيح عمله من الشرك والمعاصي.
فرآه حسناً: أي رآه حسناً زيناً لا قبح فيه.
فلا تذهب نفسك عليهم: أي على أولئك الذين زين لهم الشيطان قبيح أعمالهم.
حسرات: أي لا تُهلِك نفسك بالتحسر عليهم لكفرهم.
إن الله عليم بما يصنعون: وسيجزيهم بصنيعهم الباطل.
فتثير سحاباً: أي تزعجه وتحركه بشدة فيجتمع ويسير.
فسقناه إلى بلد ميت: أي لا نبات به.
فأحيينا به الأرض: أي بالنبات والعشب والكلأ والزرع.
كذلك النشور: أي البعث والحياة الثانية.
فلله العزة جميعاً: أي فليطلب العزة بطاعة الله فإنها لا تنال إلا بذلك.
إليه يصعد الكلم الطيب: أي إلى الله تعالى يصعد الكلم الطيب وهو سبحان الله والحمد لله والله أكبر.
والعمل الصالح يرفعه: أي أداء الفرائض وفعل النوافل يرفع إلى الله الكلم الطيب.
يمكرون السيئات: أي يعملونها ويكسبونها.
ومكر أولئك هو يبور: أي عملهم هو الذي يفسد ويبطل.
خلقكم من تراب: أي أصلكم وهو آدم.
ثم من نطفة: أي من ماء الرجل وماء المرأة وذلك كل ذُريِّة آدم.
ثم جعلكم أزواجاً: أي ذكراً وأنثى.
وما تحمل من أُنثى: أي ما تحمل من جنين ولا تضعه إلا بإذنه.
وما يعمر من معمر: أي وما يطول من عُمر ذي عُمر طويل إلا في كتاب.
ولا ينقص من عمره: أي بأن يجعل أقل وأقصر من العمر الطويل إلا في كتاب.
معنى الآيات:
ما زال السياق الكريم في تقوية روح الرسول ﷺ والشد من عزمه أمام تقلبات المشركين وعنادهم ومكرهم فقال تعالى: ﴿أفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوۤءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً﴾ أي أفمن زين له الشيطان ونفسه وهواه قبيح عمله وهو الشرك والمعاصي فرآه حسناً كمن هداه الله فهو على نور من ربّه يرى الحسنة حسنة والسيئة سيئة والجواب: لا، لا. وقوله تعالى: ﴿فَإنَّ ٱللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ ويَهْدِي مَن يَشَآءُ﴾ يضل بعدله وحسب سننه في الإضلال من يشاء من عباده، ويهدي بفضله من يشاء هدايته إذاً فلا تذهب نفسك أيها الرسول على عدم هدايتهم حسرات فتهلك نفسك تحسُّراً على عدم هدايتهم. وقوله ﴿إنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ﴾ فلذا لا داعي إلى الحزن والغمّ ما دام الله تعالى وهو ربهم قد أحصى أعمالهم وسيجزيهم بها وقوله تعالى ﴿وٱللَّهُ ٱلَّذِيۤ أرْسَلَ ٱلرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً﴾ أي تزعجه وتحركه. ﴿فَسُقْناهُ إلىٰ بَلَدٍ مَّيِّتٍ﴾ أي لا نبات ولا زرع به ﴿فَأَحْيَيْنا بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها كَذَلِكَ ٱلنُّشُورُ﴾ أي كما أن الله تعالى ينزل من السماء ماء فيحيي به الأرض بعد موتها كذلك يحي الموتى إذ بعد فناء العالم ينزل الله تعالى من تحت العرش ماء فينبت الإنسان من عظم يقال له عَجُبُ الذَّنَبَ فيتم خلقه، ثم يرسل الله تعالى الأرواح فتدخل كل روح في جسدها فلا تخطئ روح جسدها.
وهكذا كما تتم عملية إحياء الأرض بالنبات تتم عملية إحياء الأموات ويساقون إلى المحشر ويجزي كل نفس بما كسبت والله سريع الحساب.
وقوله تعالى ﴿مَن كانَ يُرِيدُ ٱلْعِزَّةَ فَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ جَمِيعاً﴾ فلْيَطلُبْها من الله تعالى بطاعته وطاعة رسوله فإن العزة لله جميعاً فالعزيز من أعزه الله والذليل من أذَله، إنهم كانوا يطلبون العزة بالأصنام فاعلموا أن من يريد العزة فليطلبها من مالكها أما الذي لا يملك العزة فكيف يعطيها لغيره إن فاقد الشيء لا يعطيه. وقوله ﴿إلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ﴾ أي إلى الله يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه إلى الله تعالى فإذا كان قول بدون عمل فإنه لا يرفع إلى الله تعالى ولا يثيب عليه، وقد ندد الله تعالى بالذين يقولون ولا يعملون فقال ﴿كَبُرَ مَقْتاً عِندَ ٱللَّهِ أن تَقُولُواْ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٣]. وقوله ﴿وٱلَّذِينَ يَمْكُرُونَ ٱلسَّيِّئاتِ﴾ أي يعملونها وهي الشرك والمعاصي ﴿لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ هذا جزاؤهم، ﴿ومَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾ أي ومكر الذين يعملون السيئات ﴿هُوَ يَبُورُ﴾ أي يفسد ويبطل.
وقوله تعالى ﴿وٱللَّهُ خَلَقَكُمْ مِّن تُرابٍ﴾ أي خلق أصلنا من تراب وهو آدم، ثم خلقنا نحن ذريته من نطفة وهي ماء الرجل وماء المرأة، ﴿ثُمَّ جَعَلَكُمْ أزْواجاً﴾ أي ذكراً وأنثى. هذه مظاهر القدرة الإلهية الموجبة لعبادته وتوحيده والمقتضية للبعث والجزاء، وقوله ﴿وما تَحْمِلُ مِن أُنْثىٰ ولا تَضَعُ إلاَّ بِعِلْمِهِ وما يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ﴾ أي يزداد في عمره، ولا ينقص من عمره فلا يزاد فيه إلا في كتاب وهو كتاب المقادير. هذا مظهر من مظاهر العلم، وبالعلم والقدرة هو قادر على إحياء الموتى وبعث الناس للحساب والجزاء. ولذا قال تعالى ﴿إنَّ ذَلِكَ﴾ أي المذكور من الخلق والتدبير ووجوده في كتاب المقادير على الله يسير أي سهل لا صعوبة فيه.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- التحذير من اتباع الهوى والاستجابة للشيطان فان ذلك يؤدي بالعبد إلى أن يصبح يرى الأعمال القبيحة حسنة ويومها يحرم هداية الله فلا يهتدي أبداً وهذا ينتج عن الإدمان على المعاصي والذنوب.
٢- عملية إحياء الأرض بعد موتها دليل واضح على بعث الناس أحياءً بعد موتهم.
٣- مطلب العزة مطلب غال، وهو طاعة الله ورسوله ولا يعز أحد عزاً حقيقياً بدون طاعة الله ورسوله.
٤- علم الله المتجلي في الخلق والتدبير يُضافُ إليه قدرته تعالى التي لا يعجزها شيء بهما يتم الخلق والبعث والجزاء.
٥- تقرير البعث والجزاء وتقرير كتاب المقادير وهو اللوح المحفوظ.
35:12–14Page 436
وَمَا يَسۡتَوِي ٱلۡبَحۡرَانِ هَٰذَا عَذۡبٞ فُرَاتٞ سَآئِغٞ شَرَابُهُۥ وَهَٰذَا مِلۡحٌ أُجَاجٞۖ وَمِن كُلّٖ تَأۡكُلُونَ لَحۡمٗا طَرِيّٗا وَتَسۡتَخۡرِجُونَ حِلۡيَةٗ تَلۡبَسُونَهَاۖ وَتَرَى ٱلۡفُلۡكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِهِۦ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ١٢
And not alike are the two seas [i.e., bodies of water]. One is fresh and sweet, palatable for drinking, and one is salty and bitter. And from each you eat tender meat and extract ornaments which you wear, and you see the ships plowing through [them] that you might seek of His bounty; and perhaps you will be grateful.
يُولِجُ ٱلَّيۡلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلَّيۡلِ وَسَخَّرَ ٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَۖ كُلّٞ يَجۡرِي لِأَجَلٖ مُّسَمّٗىۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمۡ لَهُ ٱلۡمُلۡكُۚ وَٱلَّذِينَ تَدۡعُونَ مِن دُونِهِۦ مَا يَمۡلِكُونَ مِن قِطۡمِيرٍ ١٣
He causes the night to enter the day, and He causes the day to enter the night and has subjected the sun and the moon - each running [its course] for a specified term. That is Allāh, your Lord; to Him belongs sovereignty. And those whom you invoke other than Him do not possess [as much as] the membrane of a date seed.
إِن تَدۡعُوهُمۡ لَا يَسۡمَعُواْ دُعَآءَكُمۡ وَلَوۡ سَمِعُواْ مَا ٱسۡتَجَابُواْ لَكُمۡۖ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ يَكۡفُرُونَ بِشِرۡكِكُمۡۚ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثۡلُ خَبِيرٖ ١٤
If you invoke them, they do not hear your supplication; and if they heard, they would not respond to you. And on the Day of Resurrection they will deny your association.1 And none can inform you like [one] Aware [of all matters].
شرح الكلمات:
عذب فرات: أي شديد العذوبة.
وهذا ملح أجاج: أي شديد الملوحة.
ومن كل تأكلون: أي ومن كل منهما.
لحماً طريا: أي السمك.
حلية تلبسونها: أي اللؤلؤ والمرجان.
مواخر: أي تمخر الماء وتشقه عند جريانها في البحر.
لتبتغوا من فضله: أي لتطلبوا الرزق بالتجارة من فضل الله تعالى.
ولعلكم تشكرون: أي رجاء أن تشكروا الله تعالى على ما رزقكم.
يولج الليل في النهار: أي يدخل الليل في النهار فيزيد.
ويولج النهار في الليل: أي يدخل النهار في الليل فيزيد.
وسخر الشمس والقمر: أي ذللهما.
كل يجري لأجل مسمى: أي في فلكه إلى يوم القيامة.
والذين تدعون: أي تعبدون بالدعاء وغيره من العبادات وهم الأصنام.
ما يملكون من قطمير: أي من لفافة النواة التي تكون عليه وهي بيضاء رقيقة.
ولو سمعوا: أي فرضاً ما استجابوا لكم.
يكفرون بشرككم: أي يتبرأون منكم ومن عبادتكم إياهم.
ولا يُنبئك مثل خبير: أي لا ينبئك أي بأحوال الدارين مثلي فإني خبير بذلك عليم.
معنى الآيات:
ما زال السياق الكريم في ذكر مظاهر قدرة الله وعلمه وحكمة تدبيره لخلقه وهي مظاهر موجبة لله العبادة وحده دون غيره، ومقتضيه للبعث الذي أنكره المشركون قال تعالى ﴿وما يَسْتَوِي ٱلْبَحْرانِ﴾ أي لا يتعادلان. ﴿هَٰذا عَذْبٌ فُراتٌ سَآئِغٌ شَرابُهُ﴾ أي ماؤه عذب شديد العذوبة ﴿وهَٰذا مِلْحٌ أُجاجٌ﴾ أي ماؤه شديد الملوحة لمرارته مع ملوحته، فهل يستوي الحق والباطل هل تستوي عبادة الأصنام مع عبادة الرحمن؟ والجواب لا. وقوله: ﴿ومِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ﴾ أي ومن كل من البحرين العذب والملح تأكلون لحماً طرياً وهو السمك ﴿وتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها﴾ أي اللؤلؤ والمرجان. وهي حلية يتحلى بها النساء للرجال، وقوله ﴿وتَرى ٱلْفُلْكَ فِيهِ مَواخِرَ﴾ أي وترى أيها السامع لهذا الخطاب ﴿ٱلْفُلْكَ﴾ أي السفن مواخر في البحر تمخر عباب البحر وتشق ماءه غادية رائحة تحمل الرجال والأموال، سخرها وسخر البحر ﴿لِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ﴾ أي الرزق بالتجارة، ﴿ولَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أي سخر لكم البحر لتبتغوا من فضله ورجاء أن تشكروا. لم يقل لتشكروا كما قال لتبتغوا لأن الابتغاء حاصل من كل راكب، وأما الشكر فليس كذلك بل من الناس من يشكر ومنهم من لا يشكر، ولذا جاء بأداة الرجاء وهي لعل وقوله ﴿يُولِجُ ٱلْلَّيْلَ فِي ٱلنَّهارِ﴾ أي يدخل جزءاً من الليل في النهار فيطول، ويقصر الليل ﴿ويُولِجُ ٱلنَّهارَ فِي ٱلْلَّيْلِ﴾ أي يدخل جزءاً منه في الليل فيطول كما أنه يدخل النهار في الليل، والليل في النهار بالكلية فإنه إذا جاء أحدهما ذهب الآخر ويشهد له قوله تعالى ﴿وآيَةٌ لَّهُمُ ٱلَّيلُ نَسْلَخُ مِنهُ ٱلنَّهارَ﴾ [يس: ٣٧] ولازمه والنهار نسلخ منه الليل، فإذا الليل ليل والنهار نهار.
وقوله ﴿وسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وٱلْقَمَرَ﴾ أي ذللهما فما يسيران الدهر كله بلا كلل ولا ملل لصالح العباد إذ بهما كان الليل والنهار، وبهما تعرف السنون والحساب وقوله ﴿كُلٌّ يَجْرِي﴾ أي كل منهما يجري ﴿لأَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ أي إلى وقت محدد وهو يوم القيامة. ولما عرف تعالى نفسه بمظاهر القدرة قدرته وعلمه وحكمته ولطفه ورحمته قال للناس ﴿ذَلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ﴾ أي بعد أن أقام الحجة وأظهر الدليل لم يبق إلا الإعلان عن الحقيقة التي يتنكر لها الكافرون فأعلنها بقوله ﴿ذَلِكُمُ﴾ ذو الصفات العظام والجلال والإكرام هو الله ربكم الذي لا رب لكم سواه له الملك، وليس لغيره فلا يصح طلب شيء من غيره، إذ الملك كله لله وحده، وأما الذين تدعون من دونه أي تعبدونهم من دونه وهي الأصنام والأوثان وغيرها من الملائكة والأنبياء والأولياء فإنهم لا يملكون من قطمير فضلا عن غيره ثمرة فما فوقها لأن الذي لا يملك قطميراً - وهو القشرة الرقيقة على النواة - لا يملك بعيراً.
وقوله ﴿إن تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُواْ دُعَآءَكُمْ﴾ نعم لا يسمعون لأنهم جمادات وأصنام من حجارة فكيف يسمعون وعلى فرض لو أنهم سمعوا ما استجابوا لداعيهم لعدم قدرتهم على الاستجابة وقوله تعالى ﴿ويَوْمَ ٱلْقِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ فهم إذاً محنة لكم في الدنيا تنحتونهم وتحمونهم وتعبدونهم ويوم القيامة يكونون أعداء لكم وخُصُوماً فيتبرءون من شرككم إياهم في عبادة الله، فتقوم عليكم الحجة بسببهم فما الحاجة إذاً إلى الإصرار على عبادتهم وحمايتهم والدفاع عنهم وقوله تعالى ﴿ولا يُنَبِّئُكَ﴾ أيها السامع ﴿مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ وهو الله تعالى فالخبير أصدق من ينبئ وأصح من يقول فالله هو العليم الخبير وما أخبر به عن الآلهة في الدنيا والآخرة في الدنيا عن عجزها وعدم غناها وفي الآخرة عن براءتها وكفرها بعبادة عابديها. فهو الحق الذي لا مرية فيه.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- تقرير ربوبية الله المستلزمة لأُلوهيته.
٢- بيان مظاهر القدرة والعلم والحكمة وبها تقرر ربوبيته تعالى وألوهيته لعباده.
٣- تقرير عقيدة البعث والجزاء بذكر يوم القيامة وبراءة الآلهة من عابديها.
٤- بيان عجز الآلهة عن نفع عابديها في الدنيا وفي الآخرة.
٥- تقرير صفات الكمال لله تعالى من الملك والقدرة والعلم، والخبرة التامة الكاملة وبكل شيء.
35:15–18Page 436
۞ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ أَنتُمُ ٱلۡفُقَرَآءُ إِلَى ٱللَّهِۖ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلۡغَنِيُّ ٱلۡحَمِيدُ ١٥
O mankind, you are those in need of Allāh, while Allāh is the Free of need, the Praiseworthy.
إِن يَشَأۡ يُذۡهِبۡكُمۡ وَيَأۡتِ بِخَلۡقٖ جَدِيدٖ ١٦
If He wills, He can do away with you and bring forth a new creation.
وَمَا ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ بِعَزِيزٖ ١٧
And that is for Allāh not difficult.
وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٞ وِزۡرَ أُخۡرَىٰۚ وَإِن تَدۡعُ مُثۡقَلَةٌ إِلَىٰ حِمۡلِهَا لَا يُحۡمَلۡ مِنۡهُ شَيۡءٞ وَلَوۡ كَانَ ذَا قُرۡبَىٰٓۗ إِنَّمَا تُنذِرُ ٱلَّذِينَ يَخۡشَوۡنَ رَبَّهُم بِٱلۡغَيۡبِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَۚ وَمَن تَزَكَّىٰ فَإِنَّمَا يَتَزَكَّىٰ لِنَفۡسِهِۦۚ وَإِلَى ٱللَّهِ ٱلۡمَصِيرُ ١٨
And no bearer of burdens will bear the burden of another. And if a heavily laden soul calls [another] to [carry some of] its load, nothing of it will be carried, even if he should be a close relative. You can only warn those who fear their Lord unseen and have established prayer. And whoever purifies himself only purifies himself for [the benefit of] his soul. And to Allāh is the [final] destination.
شرح الكلمات:
أنتم الفقراء إلى الله: أي المحتاجون إليه في كل حال.
والله هو الغني الحميد: أي الغني عنكم أيها الناس وعن سائر خلقه، المحمود بأفعاله وأقواله وحسن تدبيره فكل الخلائق تحمده لحاجتها إليه وغناه عنها.
ويأت بخلق جديد: أي بدلا عنكم.
وما ذلك على الله بعزيز: أي بشديد ممتنع بل هو سهل جائز الوقوع.
ولا تزر وازرة وزر أخرى: أي في حكم الله وقضائه بين عباده أنّ النفس المذنبة الحاملة لذنبها لا تحمل وزر أي ذنب نفس أخرى بل كل وازرة تحمل وزرها وحدها.
وإن تدع مثقلة: أي بأوزارها حتى لم تقدر على المشي أو الحركة.
لا يحمل منه شيء: أي لا تجد من يستجيب لها ويحمل عنها بعض ذنبها حتى لو دعت ابنها أو أباها أو أمها فضلا عن غيرهم، وبهذا حكم الله سبحانه وتعالى.
يخشون ربهم بالغيب: أي لأنهم ما رأواه بأعينهم.
ومن تزكى: أي طهَّر نفسه من الشرك والمعاصي.
فإنما يتزكّى لنفسه: أي صلاحه واستقامته على دين ثمرتها عائدة عليه.
معنى الآيات:
بعد تلك الأدلة والحجج التي سيقت في الآيات السابقة وكلها مقررة ربوبية الله تعالى وألوهيته وموجبة توحيده وعبادته نادى تعالى الناس بقوله ﴿يٰأيُّها ٱلنّاسُ﴾ ليعلمهم بأنه وإن خلقهم لعبادته وأمرهم بها وتوعد بأليم العذاب لمن تركها ولم يكن ذلك لفقر منه إليها ولا لحاجة به إليهم فقال ﴿يٰأيُّها ٱلنّاسُ أنتُمُ ٱلْفُقَرَآءُ إلى ٱللَّهِ وٱللَّهُ هُوَ ٱلْغَنِيُّ ٱلْحَمِيدُ﴾ إن عبادة الناس لربهم تعود عليهم فيكملون عليها في أخلاقهم وأرواحهم ويسعدون عليها في دنياهم وآخرتهم أما الله جل جلاله فلا تنفعه طاعة ولا تضره معصية. وهو الغني عن كل ما سواه ﴿ٱلْحَمِيدُ﴾ أي المحمود بنعمه فكل نعمة بالعباد موجبة له الحمد والشكر. وقوله ﴿إن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ ويَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ وهذا دليل غناه، وافتقارهم كما هو دليل قدرته وعلمه، وقوله: ﴿وما ذَلِكَ عَلى ٱللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ أي إذهابهم والإتيان بخلق جديد غيرهم ليس بالأمر العزيز الممتنع ولا بالصعب المتعذر بل هو اليسير السهل عليه تعالى.
وقوله تعالى ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرىٰ﴾ هذا مظهر عدالته تعالى فهو مع قدرته وقهره لعباده ذو عدل فيهم فلا يؤاخذ بغير جرم، ولا يحمل وزر نفس نفساً أخرى لم تذنب ولم تزر بل كل نفس تؤخذ بذنبها إن كانت مذنبة هذه عدالته تتجلى لعباده يوم يعرضون عليه في يوم كله هول وفزع يدل عليه قوله ﴿وإن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ﴾ أي بذنوبها ﴿إلىٰ حِمْلِها لا يُحْمَلْ مِنهُ شَيْءٌ ولَوْ كانَ﴾ من تدعوه ﴿ذا قُرْبىٰ﴾ كالولد والبنت. وقوله تعالى: ﴿إنَّما تُنذِرُ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَيْبِ وأَقامُواْ ٱلصَّلاةَ﴾ أي إنما تنذر يا رسولنا ويقبل إنذارك وينتفع به من يخشون ربهم ويخافون عذابه بالغيب وأقاموا الصلاة، أما غيرهم من أهل الكفر والعناد والجحود فإنهم لا يقبلون إنذارك ولا ينتفعون به لظلمة جهلهم وكفرهم وقساوة قلوبهم، ومع هذا فأنذر ولا عليك في ذلك شيء فإن من تزكّى بالإيمان والعمل الصالح مع ترك الشرك والمعاصي فإنما يتزكّى لنفسه لا لك ولا لنا، ومن أبى فعليه إباؤه، وإلينا مصير الكل وسنجزي كلاً بما كسب من خير وشر.
هذا ما دل عليه قوله تعالى: ﴿إنَّما تُنذِرُ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَيْبِ وأَقامُواْ ٱلصَّلاةَ ومَن تَزَكّىٰ فَإنَّما يَتَزَكّىٰ لِنَفْسِهِ وإلى ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ﴾.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- بيان فقر العباد إلى ربهم وحاجتهم إليه وإزالة فقرهم وسد حاجتهم يكون باللجوء إليه والاطراح بين يديه يعبدونه ويسألونه.
٢- بيان عدالة الله تعالى يوم القيامة.
٣- بيان صعوبة الموقف في عرصات القيامة لا سيما عند وضع الميزان ووزن الأعمال.
٤- بيان أن الإنذار والتخويف من عذاب الله لا ينتفع به غير المؤمنين الصالحين.
٥- تقرير عقيدة البعث والجزاء يوم القيامة.
٦- تقرير حقيقة وهي أن من عمل صالحاً فلنفسه ومن أساء فعليها.
35:19–26Page 437
وَمَا يَسۡتَوِي ٱلۡأَعۡمَىٰ وَٱلۡبَصِيرُ ١٩
Not equal are the blind and the seeing,
وَلَا ٱلظُّلُمَٰتُ وَلَا ٱلنُّورُ ٢٠
Nor are the darknesses and the light,
وَلَا ٱلظِّلُّ وَلَا ٱلۡحَرُورُ ٢١
Nor are the shade and the heat,1
وَمَا يَسۡتَوِي ٱلۡأَحۡيَآءُ وَلَا ٱلۡأَمۡوَٰتُۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُسۡمِعُ مَن يَشَآءُۖ وَمَآ أَنتَ بِمُسۡمِعٖ مَّن فِي ٱلۡقُبُورِ ٢٢
And not equal are the living and the dead. Indeed, Allāh causes to hear whom He wills, but you cannot make hear those in the graves.1
إِنۡ أَنتَ إِلَّا نَذِيرٌ ٢٣
You, [O Muḥammad], are not but a warner.
إِنَّآ أَرۡسَلۡنَٰكَ بِٱلۡحَقِّ بَشِيرٗا وَنَذِيرٗاۚ وَإِن مِّنۡ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٞ ٢٤
Indeed, We have sent you with the truth as a bringer of good tidings and a warner. And there was no nation but that there had passed within it a warner.
وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدۡ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ جَآءَتۡهُمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ وَبِٱلزُّبُرِ وَبِٱلۡكِتَٰبِ ٱلۡمُنِيرِ ٢٥
And if they deny you - then already have those before them denied. Their messengers came to them with clear proofs and written ordinances and with the enlightening Scripture.
ثُمَّ أَخَذۡتُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۖ فَكَيۡفَ كَانَ نَكِيرِ ٢٦
Then I seized the ones who disbelieved, and how [terrible] was My reproach.
شرح الكلمات:
وما يستوي الأعمى والبصير: أي لا يستويان فكذلك الكافر والمؤمن لا يستويان.
ولا الظلمات ولا النور: أي لا يستويان فكذلك الكفر والإيمان لا يستويان.
ولا الظل ولا الحرور: أي لا يستويان فكذلك الجنة والنار لا يستويان.
وما يستوي الأحياء ولا الأموات: فكذلك لا يستوي المؤمنون والكافرون.
وما أنت بمسمع من في القبور: أي فكذلك لا تسمع الكفار فإنهم كالأموات.
إن أنت إلا نذير: ما أنت إلا منذر فلا تملك أكثر من الإنذار.
إنا أرسلناك بالحق: أي بالدين الحق والهدى والكتاب.
وإن من أمة إلا خلا فيها نذير: أي سلف فيها نبيٌّ ينذرها.
جاءتهم رسلهم بالبينات: أي بالحجج والأدلة الواضحة.
وبالزبر وبالكتاب المنير: أي وبالصحف كصحف إبراهيم وبالكتاب المنير كالتوراة والإنجيل.
فكيف كان نكير: أي فكيف كان إنكاري عليهم بالعقوبة والإهلاك والجواب هو واقع موقعه والحمد لله.
معنى الآيات:
لمّا تقدم في السياق الكريم أن إنذار الرسول ﷺ لا ينتفع به إلا المؤمن المقيم للصلاة وإن الكافر المكذب الجاحد لا ينتفع به ذكر تعالى هنا مثلا للكافر والمؤمن وإنهما لا يستويان فقال ﴿وما يَسْتَوِي ٱلأَعْمىٰ وٱلْبَصِيرُ﴾ فالأعمى الكافر والبصير المؤمن وهما لا يستويان في عقل ولا شرع ﴿ولا ٱلظُّلُماتُ ولا ٱلنُّورُ﴾ أي ولا تستوي الظلمات ولا النور كما لا يستوي الكفر والإيمان ولا الظل ولا الحرور، فبرودة الجو، لا تستوي مع حرارته فكذلك الجنّة لا تستوى مع النار، وقوله ﴿وما يَسْتَوِي ٱلأَحْيَآءُ ولا ٱلأَمْواتُ﴾ أي ولا المؤمنون مع الكافرين كذلك وقوله تعالى ﴿إنَّ ٱللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَآءُ ومَآ أنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي ٱلْقُبُورِ﴾ هذا شروع في تسلية الرسول ﷺ من أجل ما يجد في نفسه من إعراض قومه وعدم استجابتهم لدعوته، فأخبره ربه بأنه تعالى قادر على أن يسمع من يشاء إسماعه وذلك لقدرته على خلقه أما أنت أيها الرسول فإنك لا تسمع الأموات وإنما تسمع الأحياء، والكفار شأنهم شأن الأموات في القبور فلا تقدر على إسماعهم. ولا يحزنك ذلك فإنك ما أنت إلا نذير، والنذير ينذر ولا يُسأل عمن أجابه ومن لم يجبه.
وقوله تعالى ﴿إنَّآ أرْسَلْناكَ بِٱلْحَقِّ بَشِيراً ونَذِيراً﴾ بهذا الخبر يقرر تعالى رسالة رسوله محمد ﷺ وأنه أرسله بالهدى ودين الحق بشيراً لمن آمن به واتبع هداه بالجنة، ونذيراً لمن كفر به وعصاه بالنار. وقوله ﴿وإن مِّنْ أُمَّةٍ إلاَّ خَلا فِيها نَذِيرٌ﴾، يخبر تعالى أن رسوله محمداً ليس الرسول الوحيد الذي أرسل في أمة بل إنه ما من أمة من الأمم إلا مضى فيها نذير، فلا يكون إرساله عجباً لكفار قريش إذ هذه سنة الله تعالى في عباده يرسل إليهم من يهديهم إلى نجاتهم وسعادتهم ثم قال لرسوله ﷺ معزياً له مسلياً ﴿وإن يُكَذِّبُوكَ﴾ فلم يكونوا أول من كذب فقد كذب الذين من قبلهم ﴿جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِٱلْبَيِّناتِ وبِٱلزُّبُرِ وبِٱلْكِتابِ ٱلْمُنِيرِ﴾ أي جاءتهم رسلهم بالحجج القواطع والبراهين السواطع، والمعجزات الخوارق، وبالصحف والكتب المنيرة لسبيل الهداية وطريق النجاة والفلاح.
ومنهم من آمن ومنهم من كذب وكفر وبعد إمهال وإنظار دَلَّ عليه العطف بثم أخذ الذين كفروا بعذاب ملائم لكفر الكافرين. ﴿فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ أي فكيف كان إنكاري عليهم بالعقوبة الشديدة والإهلاك التام إنه كان واقعاً موقعه، موافيا لطالبه بكفره وعناده.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- استحسان ضرب الأمثال للكشف عن الحال وزيادة البيان.
٢- الكفار عمى لا بصيرة لهم، وأموات لا حياة فيهم، والدليل عدم انتفاعهم بحياتهم ولا بأسماعهم ولا أبصارهم.
٣- تقرير نُبوَّة الرسول محمد ﷺ وتأكيد رسالته.
٤- تسلية الدعاة ليتدرّعوا بالصبر ويلتزموا الثبات.
٥- بيان سنة الله في المكذبين الكافرين وهي أخذهم عند حلول أجلهم.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences