Al-Jaza'iriAli 'Imran · 3:1–25

Al-Jaza'iri · Tafsir · in Arabic

آل عمران

Ali 'Imran

Family of Imran · Medinan · 200 ayahs

3:1–6Page 50

الٓمٓ ١

Alif, Lām, Meem.1

ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡحَيُّ ٱلۡقَيُّومُ ٢

Allāh - there is no deity except Him, the Ever-Living, the Self-Sustaining.1

نَزَّلَ عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ وَأَنزَلَ ٱلتَّوۡرَىٰةَ وَٱلۡإِنجِيلَ ٣

He has sent down upon you, [O Muḥammad], the Book in truth, confirming what was before it. And He revealed the Torah and the Gospel

مِن قَبۡلُ هُدٗى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ ٱلۡفُرۡقَانَۗ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ لَهُمۡ عَذَابٞ شَدِيدٞۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٞ ذُو ٱنتِقَامٍ ٤

Before, as guidance for the people. And He revealed the Criterion [i.e., the Qur’ān]. Indeed, those who disbelieve in the verses of Allāh will have a severe punishment, and Allāh is Exalted in Might, the Owner of Retribution.1

إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَخۡفَىٰ عَلَيۡهِ شَيۡءٞ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فِي ٱلسَّمَآءِ ٥

Indeed, from Allāh nothing is hidden in the earth nor in the heaven.

هُوَ ٱلَّذِي يُصَوِّرُكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡحَامِ كَيۡفَ يَشَآءُۚ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٦

It is He who forms you in the wombs however He wills. There is no deity except Him, the Exalted in Might, the Wise.

شرح الكلمات:

الۤمۤ: تقدم الكلام على مثله من سورة البقرة فليرجع إليه هناك.

الله: المعبود بحق.

لا إله إلا هو: لا معبود بحق سواه.

الحيّ: ذو الحياة المستلزمة للإرادة والعلم والسمع والبصر والقدرة.

القيّوم: القيِّم على كل مخلوقاته بالتربية والرعاية والحفظ.

الكتاب: القرآن.

بالحق: متلبِّساً به إذا كل ما فيه حق وصدق لا باطل فيه بأي وجه من الوجوه.

مصدقاً لما بين يديه: من الكتب السابقة لا يخالفها ولا يبطلها لأن مصدر الجميع واحد هو الله تعالى.

التوراة: كتاب موسى عليه السلام ومعناه بالعبرية الشريعة.

الإنجيل: كتاب عيسى عليه السلام ومعناه باليونانية: التعليم الجديد.

الفرقان: ما فرق الله بين الحق والباطل من الحجج القرآنية والمعجزات الإلهية والعقول النيّرة البشرية التي لم يغلب عليها التقليد والجمود والهوى.

يصوركم في الأرحام: التصوير إيجاد الصورة للشيء لم تكن له من قبل، والأرحام جمع رحم: مستودع الجنين.

معنى الآيات:

أخرج ابن جرير الطبري بأسانيد صحيحة أن وفد نجران والمكون من ستين راكبا فيهم أشرافهم وأهل الحلِّ والعَقْد منهم، وفدوا على رسول الله ﷺ يحاجّونه في أمر المسيح عليه السلام ويريدون أن يثبتوا الهيّته بالادعاء الباطل فأنزل الله تعالى نيِّفاً وثمانين آية من فاتحة السورة الۤمۤ إلى ما يقارب الثمانين. وذلك رداً لباطلهم، وإقامة للحجة عليهم، وسيلاحظ هذا المتدبر للآيات ويراه واضحاً جليّاً في السياق القرآني في هذه الآيات.

فقد قال تعالى الۤمۤ، الله لا إله إلا هو فأخبر أنه تعالى لا معبود بحق إلا هو، فأبطل عبادة المسيح عليه السلام وعبادة كل معبود سوى الله تعالى من سائر المعبودات، وقال الحيّ القيوم فذكر برهان استحقاقه للعبادة دون غيره وهو كونه تعالى حيّاً أزلاً وأبداً وكل حيّ غيره مسبوق بالعدم ويلحقه الفناء، فلذا لا يستحق الألوهية إلا هو عز وجل والمسيح عليه السلام مسبوق بالعدم ويلحقه الفناء فكيف يكون إلهاً؟ وقال تعالى القيوم أي القائم على كل الخلق بالتربية والرعاية والحفظ والتدبير والرزق، وما عداه فليس له ذلك بل هو مربوب مرزوق فكيف يكون إلهاً مع الله؟ ودليل ذلك أنه نزل عليك الكتاب: القرآن بالحق مصحوباً به ليس فيه من الباطل شيء فآياته كلها مثبتة للألوهية لله نافية لها عما سواه، فكيف يكون المسيح إلهاً مع الله أو يكون هو الله، أو ابن الله كما يزعم نصارى نجران وغيرهم من نصارى اليونان والرومان وغيرهم نزله مصدقا لما بين يديه من الكتب التي سبقته لا يخالفها ولا يتناقض معها فدل ذلك أنه وحي الله، وأنزل من قبله التوراة والإنجيل هدىً للناس وأنزل الفرقان ففرق به بين الحق والباطل في كل ما يلبس أمره على الناس فتبين أن الرب الخالق الرازق المدبر للحياة المحيي المميت الحي الذي لا يموت هو الإله الحق وما عداه مربوب مخلوق لا حق له في الألوهية والعبادة وإن شفى مريضاً أو أنطق أبكم أو أحيا ميتاً بإذن الله تعالى فإن ذلك لا يؤهله لأن يكون إلهاً مع الله كعيسى بن مريم عليه السلام فإن ما فعله من إبراء الأكمه والأبرص وإحياء بعض الموتى كان بقدرة الله وإذنه بذلك لعيسى وإلا لما قدر على شيء من ذلك شأنه شأن كل عباد الله تعالى، ولما رد الوفد ما حاجهم به الرسول وأقام به الحجة عليهم تأكذ بذلك كفرهم فتوعدهم الرب تعالى بقوله: ﴿إنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِآياتِ ٱللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وٱللَّهُ عَزِيزٌ ذُو ٱنْتِقامٍ﴾ وهذا وعيد شديد لكل من كذب بآيات الله وجحد بالحق الذي تحمَّله من توحيد الله تعالى ووجوب طاعته وطاعة رسوله ﷺ، وقال تعالى: ﴿إنَّ ٱللَّهَ لا يَخْفىٰ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي ٱلأَرْضِ ولا فِي ٱلسَّمَآءِ﴾ فلو كان هناك من يستحق الألوهية معه لعلمه وأخبر عنه، كما قرر بهذه الجملة أن عزته تعالى لا ترام وأنه على الانتقام من أهل الكفر به لقدير.

وذكر دليلاً آخر على بطلان ألوهية المسيح فقال: ﴿هُوَ ٱلَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي ٱلأَرْحامِ كَيْفَ يَشَآءُ﴾ وعيسى عليه السلام قد صُوِّر في رحم مريم فهو قطعاً ممن صور الله تعالى فكيف يكون إذاً إلهاً مع الله أو إبناً لله كما يزعم النصارى؟ وهنا قرر الحقيقة فقال: ﴿لا إلَٰهَ إلاَّ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾ فالعزّة التي لا ترام والحكمة التي لا تخطىء هما مقتضيات ألوهيته الحقة التي لا يجادل فيها إلا مكابر ولا يجاحد فيها إلا معاند كوفد نصارى نجران ومَن على شاكلتهم من أهل الكفر والعناد.

هداية الآيات

من هداية الآيات:

١- تقرير ألوهية الله تعالى بالبراهين ونفي الألوهية عن غيره من سائر خلقه.

٢- ثبوت رسالة النبي محمد ﷺ بإنزال الله تعالى الكتاب عليه.

٣- إقامة الله تعالى الحجة على عباده بإنزال كتبه والفرقان فيها ببيان الحق والباطل في كل شؤون الحياة.

٤- بطلان ألوهية المسيح لأنه مخلوق مصور في الأرحام كغيره صوره الله تعالى ما شاء فكيف يكون بعد ذلك إلها مع الله أو ابناً له تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً.

3:7–9Page 50

هُوَ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ مِنۡهُ ءَايَٰتٞ مُّحۡكَمَٰتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلۡكِتَٰبِ وَأُخَرُ مُتَشَٰبِهَٰتٞۖ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمۡ زَيۡغٞ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَٰبَهَ مِنۡهُ ٱبۡتِغَآءَ ٱلۡفِتۡنَةِ وَٱبۡتِغَآءَ تَأۡوِيلِهِۦۖ وَمَا يَعۡلَمُ تَأۡوِيلَهُۥٓ إِلَّا ٱللَّهُۗ وَٱلرَّٰسِخُونَ فِي ٱلۡعِلۡمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِۦ كُلّٞ مِّنۡ عِندِ رَبِّنَاۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ ٧

It is He who has sent down to you, [O Muḥammad], the Book; in it are verses [that are] precise - they are the foundation of the Book - and others unspecific.1 As for those in whose hearts is deviation [from truth], they will follow that of it which is unspecific, seeking discord and seeking an interpretation [suitable to them]. And no one knows its [true] interpretation except Allāh. But those firm in knowledge say, "We believe in it. All [of it] is from our Lord." And no one will be reminded except those of understanding,

رَبَّنَا لَا تُزِغۡ قُلُوبَنَا بَعۡدَ إِذۡ هَدَيۡتَنَا وَهَبۡ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحۡمَةًۚ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡوَهَّابُ ٨

[Who say], "Our Lord, let not our hearts deviate after You have guided us and grant us from Yourself mercy. Indeed, You are the Bestower.1

رَبَّنَآ إِنَّكَ جَامِعُ ٱلنَّاسِ لِيَوۡمٖ لَّا رَيۡبَ فِيهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُخۡلِفُ ٱلۡمِيعَادَ ٩

Our Lord, surely You will gather the people for a Day about which there is no doubt. Indeed, Allāh does not fail in His promise."

شرح الكلمات:

محكمات: الظاهر الدلالة البيّنة المعنى التي لا تحتمل إلا معنى واحداً، وذلك كآيات الأحكام من حلال وحرام وحدود، وعبادات، وعبر وعظات.

متشابهات: غير ظاهرة الدلالة محتملة لمعان يصعب على غير الراسخين في العلم القول فيها وهي كفواتح السور، وكأمور الغيب. ومثل قول الله تعالى في عيسى عليه السلام: ﴿.... وكَلِمَتُهُ ألْقاها إلىٰ مَرْيَمَ ورُوحٌ مِّنْهُ..﴾ [النساء: ١٧١] وكقوله تعالى: ﴿..إنِ ٱلْحُكْمُ إلاَّ للَّهِ..﴾ [الأنعام: ٥٧].

في قلوبهم زيغ: الزيغ: الميل عن الحق بسبب شبهة أو شهوة أو فتنة.

ابتغاء الفتنة: أي طلباً لفتنة المؤمنين في دينهم ومعتقداتهم.

ابتغاء تأويله: طلباً لتأويله ليوافق معتقداتهم الفاسدة.

وما يعلم تأوليه إلا الله: وما يعلم ما يؤول إليه أمر المتشابه إلا الله منزله.

الراسخون في العلم: هم أهل العلم اليقيني في نفوسهم الذين رسخت أقدامهم في معرفة الحق فلا يزلّون ولا يَشْتَطّون في شبهة أو باطل.

كلٌّ من عند ربنا: أي المحكم والمتشابه فنؤمن به جميعاً.

أولوا الألباب: أصحاب العقول الراجحة والفهوم السليمة.

ربنا لا تزغ قلوبنا: أي لا تُمل قلوبنا عن الحق بعدما هديتنا إليه وعرّفتنا به فعرفناه.

هب لنا من لدنك: أعطنا من عندك رحمة.

معنى الآيات:

ما زال تعالى يقرر ربوبيته وألوهيته ونبوّة رسوله ويبطل دعوى نصارى نجران في ألوهية المسيح عليه السلام فيقول: هو أي الله الحي القيوم الذي أنزل عليك الكتاب، أي القرآن، منه آيات محكمات، لا نسخ فيها ولا خفاء في معناها ولا غموض في دلالتها على ما نزلت فيه وهذه معظم آي الكتاب وهي أمّه وأصله، ومنه آيات أخر متشابهات وهي قليلة والحكمة من إنزالها كذلك الإمتحان والإختبار كالإمتحان بالحلال والحرام، وبأمور الغيب ليثبت على الهداية والإيمان من شاء الله هدايته، ويزيغ في إيمانه ويضل عن سبيله من شاء الله تعالى ضلاله وعدم هدايته. فقال تعالى: ﴿فَأَمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ..﴾ أي ميل عن الحق ﴿فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنهُ ٱبْتِغاءَ ٱلْفِتْنَةِ وٱبْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ للخروج به عن طريق الحق وهداية الخلق كما فعل النصارى حيث ادعوا أن الله ثالث ثلاثة لأنه يقول نخلق ونحيي، ونميت وهذا كلام جماعة فأكثر، وكما قالوا في قوله تعالى في شأن عيسى: ﴿.. ورُوحٌ مِّنْهُ..﴾ [النساء: ١٧١] أنه جزء منه متحد به وكما قال الخوارج في قوله تعالى ﴿..إنِ ٱلْحُكْمُ إلاَّ للَّهِ..﴾ [الأنعام: ٥٧] فلا يجوز لأحد أن يحكم في شيء وكفروا عليّا وخرجوا عنه لتحكيمه أبا موسى الأشعري في حقيقة الخلاف بين علي ومعاوية وهكذا يقع أهل الزيغ في الضلال حيث يتبعون المتشابه ولا يردونه إلى المحكم فيظهر لهم معناه ويفهمون مراد الله تعالى منه. وأخبر تعالى أنه لا يعلم تأويله إلا هو سبحانه وتعالى.

وأن الراسخين في العلم يُفَوِّضُون أمره إلى الله منزله فيقولون: ﴿.. آمَنّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنا وما يَذَّكَّرُ إلاَّ أُوْلُواْ ٱلأَلْبابِ﴾، ويسألون ربهم الثبات على الحق فيقولون: ﴿..رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنا وهَبْ لَنا مِن لَّدُنْكَ رَحْمَةً..﴾ ترحمنا بها في دنيانا وأخرانا إنك أنت وحدك الوهاب، لا إله غيرك ولا ربّ سواك، ويقررون مبدأ المعاد والدار الآخرة فيقولون سائلين ضارعين ﴿رَبَّنَآ إنَّكَ جامِعُ ٱلنّاسِ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ﴾ لمحاسبتهم ومجازاتهم على أعمالهم فاغفر لنا وارحمنا يومئذ حيث آمنا بك وبرسولك وبكتابك محكم آيه ومتشابهه، إنك لا تخلف الميعاد.

هداية الآيات

من هداية الآيات:

١- في كتاب الله المحكم والمتشابه، فالمحكم يجب الإيمان به والعمل بمقتضاه، والمتشابه يجب الإيمان به ويفوض أمر تأويله إلى الله منزله ويقال: ﴿..آمَنّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنا..﴾.

٢- أهل الزيغ الذين يتبعون ما تشابه يجب هجرانهم والإعراض عنهم لأنهم مبتدعة وأهل أهواء.

٣- استحباب الدعاء بطلب النجاة عند ظهور الزَّيغ ورؤية الفتن والضلال.

٤- تقرير مبدأ المعاد والدار الآخرة.

3:10–13Page 51

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَن تُغۡنِيَ عَنۡهُمۡ أَمۡوَٰلُهُمۡ وَلَآ أَوۡلَٰدُهُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيۡـٔٗاۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمۡ وَقُودُ ٱلنَّارِ ١٠

Indeed, those who disbelieve - never will their wealth or their children avail them against Allāh at all. And it is they who are fuel for the Fire.

كَدَأۡبِ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمۡۗ وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ ١١

[Theirs is] like the custom of the people of Pharaoh and those before them. They denied Our signs, so Allāh seized them for their sins. And Allāh is severe in penalty.

قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغۡلَبُونَ وَتُحۡشَرُونَ إِلَىٰ جَهَنَّمَۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمِهَادُ ١٢

Say to those who disbelieve, "You will be overcome and gathered together to Hell, and wretched is the resting place."

قَدۡ كَانَ لَكُمۡ ءَايَةٞ فِي فِئَتَيۡنِ ٱلۡتَقَتَاۖ فِئَةٞ تُقَٰتِلُ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَأُخۡرَىٰ كَافِرَةٞ يَرَوۡنَهُم مِّثۡلَيۡهِمۡ رَأۡيَ ٱلۡعَيۡنِۚ وَٱللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصۡرِهِۦ مَن يَشَآءُۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبۡرَةٗ لِّأُوْلِي ٱلۡأَبۡصَٰرِ ١٣

Already there has been for you a sign in the two armies which met [in combat at Badr] - one fighting in the cause of Allāh and another of disbelievers. They saw them [to be] twice their [own] number by [their] eyesight.1 But Allāh supports with His victory whom He wills. Indeed in that is a lesson for those of vision.

شرح الكلمات:

إن الذين كفروا: هم وفد نجران ويهود المدينة والمشركون والمنافقون.

لن تغني عنهم: لن تجزي عنهم ولن تقيهم عذاب الله إذا حلّ بهم.

وقود النار: الوقود ما توقد به النار من حطب أو فحم حجري أو غاز.

كدأب آل فرعون: كعادتهم وسنتهم في كفرهم وتكذيبهم وما حل بهم من عذاب في الدنيا والآخرة.

قل للذين كفروا: هم يهود المدينة بنو قَيْنُقاع.

آية في فئتين: علامة واضحة والفئتان: المسلمون وقريش إلتقتا في بدر.

يؤيد بنصره: يُقوِّي.

عبرة لأولي الأبصار: العبرة العظة وما يَعْبُر به ذو البصيرة مواضع الخطر فينجو.

معنى الآيات:

لما أصرَّ وفد نجران على الكفر والتكذيب واتباع المتشابه من آي الكتاب ابتغاء الفتنة وابتغاء التأويل من الحق والخروج عنه. توعّد الرب تعالى جنس الكافرين من نصارى ويهود وعرب وعجم فقال ﴿إنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ...﴾ بالحق لما جاءهم وعرفوه معرفة لا لبس فيها ولا غموض ولكن منعهم من قبوله الحفاظ على المناصب والمنافع هؤلاء جميعهم سيعذبهم الله تعالى في نار جهنم ولن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من عذاب الله شيئا، واعلم أنهم وقود النار، التي مهدوا لها بكفرهم وبئس المهاد مهدوه لأنفسهم. ثم أخبر تعالى أنهم في كفرهم وعنادهم حتى يأتيهم العذاب كدأب وعادة آل فرعون والذين من قبلهم من الأمم التي كذبت رسلها كقوم نوح وقوم هود وقوم صالح حتى أخذهم الله بالعذاب في الدنيا بالهلاك والدمار، وفي الآخرة بعذاب النار وبئس المهاد، وكان ذلك بذنوبهم لا بظلم الله تعالى ثم أمر الله تعالى رسوله محمد ﷺ أن يقول ليهود المدينة الذين قالوا للرسول لا يغرنك أنك قاتلت من لا يحسن الحرب فانتصرت عليهم يريدون قريشاً في موقعة بدر، إنك إن قابلتنا ستعلم أنا نحن الناس، لما قالوا قولتهم هذه يهددون بها رسول الله ﷺ والمسلمين أمره أن يقول لهم ﴿سَتُغْلَبُونَ﴾ يريد في المعركة وتنهزمون وتموتون، وبعد موتكم تحشرون إلى جهنم وبئس المهاد جهنم مهدتموها لأنفسكم بكفركم وعنادكم وجحودكم للحق بعد معرفته. وفَتَح أعينهم على حقيقة لو تأملوها لما تورطوا في حرب الرسول حت هزمهم وقتل من قتل منهم وأجلى من أجلاهم. وهي أن المسلمين الذين قاتلوا المشركين في بدر وانتصروا عليهم كانوا أقلّ عدد وأنقص عدة، ومع ذلك انتصروا لأنهم يقاتلون في سبيل الله والكافرون يقاتلون في سبيل الطاغوت والشرك والظلم والطغيان ونصر الله الفئة القليلة المسلمة وهزم الفئة الكافرة الكثيرة فلو اعتبر اليهود بهذه الحقيقة لما تورطوا في حرب مع الرسول ﷺ أبداً. ولكنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور وهي البصائر.

فقال تعالى لهم: ﴿قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ ٱلْتَقَتا﴾ - في بدر - فئة - جماعة - تقاتل في سبيل الله -إعلاء لكلمته - وأخرى فئة كافرة تقاتل في سبيل الطاغوت ﴿يَرَوْنَهُمْ مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ ٱلْعَيْنِ﴾ لقربهم منهم. ومع هذا نصر الله الأقلية المسلمة وهزم الأكثرية الكافرة، وذلك لأن الله تعالى يؤيد بنصره من يشاء، فأيد أولياءه وهزم أعداءه، وإن في هذه الحادثة لعبرة وعظة ومتفكر ولكن لمن كان ذا بصيرة، أما من لا بصيرة له فإنه لا يرى شيئاً حتى يقع في الهاوية قال تعالى: ﴿إنَّ فِي ذٰلِكَ﴾ المذكور لهم: ﴿..لَعِبْرَةً لأُوْلِي ٱلأَبْصارِ﴾.

هداية الآيات

من هداية الآيات:

١- الكفر مورِّث لعذاب يوم القيامة والكافر معذَّب قطعاً.

٢- الأموال والأولاد والرجال والعتاد مهما كثروا لن يغنوا من بأس الله شيئاً إذا أراده بالكافرين في الدنيا والآخرة.

٣- الذنوب بريد العذاب العاجل والآجل.

٤- ذم الفخر والتعالي وسوء عاقبتهما.

٥- العاقل من اعتبر بغيره، ولا عبرة لغير أولي الأبصار أي البصائر.

٦- صدق خبر القرآن في ما أخبر به اليهود من هزيمتهم، فكان هذا دليل صدق على أن القرآن وحي الله، وأن محمداً رسول الله، وأن الإسلام دين الله الحق.

3:14Page 51

زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَٰتِ مِنَ ٱلنِّسَآءِ وَٱلۡبَنِينَ وَٱلۡقَنَٰطِيرِ ٱلۡمُقَنطَرَةِ مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلۡفِضَّةِ وَٱلۡخَيۡلِ ٱلۡمُسَوَّمَةِ وَٱلۡأَنۡعَٰمِ وَٱلۡحَرۡثِۗ ذَٰلِكَ مَتَٰعُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَٱللَّهُ عِندَهُۥ حُسۡنُ ٱلۡمَـَٔابِ ١٤

Beautified for people is the love of that which they desire - of women and sons, heaped-up sums of gold and silver, fine branded horses, and cattle and tilled land. That is the enjoyment of worldly life, but Allāh has with Him the best return [i.e., Paradise].

شرح الكلمات:

زيّن للناس حب الشهوات: جعل حبها مستحسناً في نفوسهم لا يرون فيه قبحا ولا دمامة.

الشهوات: جمع شهوة بمعنى المشتهى طبعاً وغريزة كالطعام والشراب اللذيذين.

القناطير المقنطرة: القنطار ألف ومائة أوقية فضة والمقنطرة الكثيرة بعضها فوق بعض.

الخيل المسومة: ذات السمات الحسان والمعدة للركوب عليها للغزو والجهاد.

الأنعام: الإبل والبقر والغنم وهي الماشية.

الحرث: الزروع والحقول وسائر النباتات النافعة.

ذلك متاع الحياة الدنيا: أي ذلك المذكور من النساء والبنين الخ متاع الحياة الدنيا يريد يستمتع به فيها ويموت صاحبها ويتركها.

معنى الآية الكريمة:

لما ذكر تعالى عناد من كفر من النصارى، واليهود، والمشركين، وجحودهم، وكفرهم، ذكر علة الكفر وبيّن سببه ألا وهو ما زينه تعالى لبني البشر عامة ليفتنهم فيه ويمتحنهم به وهو حب الشهوات أي المشتهيات بالطبع البشرى من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث وهو كل ما يحرث من سائر الحبوب والنباتات الغذائية والعطرية وغيرها. هذا الذي جعل تلك الجماعات ترفض الحق وتدفعه لأنه يحول بينهم وبين هذه المشتهيات غالباً فلا يحصلون عليها، ولم يعلموا أنها مجرد متاع زائل فلا يبيعوا بها الجنة دار الخلد والسلام ولذا قال تعالى ذلك أي ما ذكر من أصناف المحبوبات متاع الحياة الدنيا لا غير أما الآخرة فلا ينفع فيها شيء من ذلك بل لا ينفع فيها إلا الزهد فيه والإعراض عنه إلا ما لا بد منه لِلْبُلْغَةِ بهِ إلى عمل الدار الآخرة وهو الإيمان وصالح الأعمال، والتخلي عن الكفر والشرك وسائر الذنوب والمعاصي.

وختم تعالى الآية بقوله مرغبا في العمل للدار الآخرة داعيا عباده إلى الزهد في المتاع الفاني لتتعلق قلوبهم بالنعيم الباقي فقال: ﴿وٱللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ ٱلْمَآبِ﴾، أي المرجع الحسن، والنزل الكريم والجوار الطيب السعيد.

هداية الآية:

١- يزين الله تعالى بمعنى يجعل الشيء زَيْناً محبوباً للناس للإبتلاء والإختبار قال تعالى: ﴿إنّا جَعَلْنا ما عَلى ٱلأَرْضِ زِينَةً لَّها لِنَبْلُوَهُمْ أيُّهُم أحْسَنُ عَمَلاً﴾ [الكهف: ٧] ويزين الشيطان للإضلال والإغواء، فالله يزين الزين ويقبح القبيح، والشيطان يزين القبيح، ويقبح الزين. فانظر الفرق وتأمل.

٢- المزينات في هذه الآية من تزيين الله تعالى للإبتلاء، وكلها زينة في الواقع وليس فيها قبيح إلا إذا طلبت من غير حلِّها وأخذت بِشَره ونهم فأفسدت أخلاق آخذها أو طغت عليه محبتها فأنسته لقاء الله وما عنده فهلك بها كاليهود والنصارى والمشركين.

٣- كل ما في الدنيا مجرد متاع والمتاع دائما قليل وزائل فعلى العاقل أن ينظر إليه كما هو فلا يطلبه بما يَحْرِمُه حسن المآب عند الله. اللهم لا تحرمنا حسن مآبك يا الله يا رحمن يا رحيم.

3:15–17Page 51

۞ قُلۡ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيۡرٖ مِّن ذَٰلِكُمۡۖ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ عِندَ رَبِّهِمۡ جَنَّٰتٞ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا وَأَزۡوَٰجٞ مُّطَهَّرَةٞ وَرِضۡوَٰنٞ مِّنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ بَصِيرُۢ بِٱلۡعِبَادِ ١٥

Say, "Shall I inform you of [something] better than that? For those who fear Allāh will be gardens in the presence of their Lord beneath which rivers flow, wherein they abide eternally, and purified spouses and approval from Allāh. And Allāh is Seeing [i.e., aware] of [His] servants -

ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ إِنَّنَآ ءَامَنَّا فَٱغۡفِرۡ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ ١٦

Those who say, 'Our Lord, indeed we have believed, so forgive us our sins and protect us from the punishment of the Fire,' "

ٱلصَّٰبِرِينَ وَٱلصَّٰدِقِينَ وَٱلۡقَٰنِتِينَ وَٱلۡمُنفِقِينَ وَٱلۡمُسۡتَغۡفِرِينَ بِٱلۡأَسۡحَارِ ١٧

The patient, the true, the obedient, those who spend [in the way of Allāh], and those who seek forgiveness before dawn.

شرح الكلمات:

أؤنبئكُمْ: أخبركم بنبأ عظيم لأن النبأ لا يكون إلا بالأمر العظيم.

بخير من ذلكم: أي المذكور في الآية السابقة من النساء والبنين الخ.

اتقوا: خافوا ربهم فتركوا الشرك به ومعصيته ومعصية رسوله.

من تحتها الأنهار: من خلال قصورها وأشجارها أنهار الماء، وأنهار اللبن وأنهار العسل وأنهار الخمر.

خالدين فيها أبدا: مقيمين فيها إقامة لا يرحلون بعدها أبدا.

أزواج مطهرة: زوجات هي الحور العين نقيات من دم الحيض والبول وكلِّ أذى وقدر.

الصابرين: على الطاعات لا يفارقونها وعلى المكروه لا يتسخطون، وعن المعاصي لا يقارفونها.

الصادقين: في إيمانهم وأقوالهم وأعمالهم.

القانتين: العابدين المحسنين الداعين الضارعين.

والمنفقين: المؤدين الزكاة والمتصدقين بفضول أموالهم.

المستغفرين بالأسحار: السائلين ربهم المغفرة في آخر الليل وقت السحور.

معنى الآيات:

لما بيّن تعالى ما زينه للناس من حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة إلى آخر ما ذكر تعالى، وبين أن حسن المآب عنده سبحانه وتعالى فلْيُطْلَبْ منه بالإيمان والصالحات أمر رسوله أن يقول للناس كافة أؤنبئكم بخير من ذلكم المذكور لكم. وبينه بقوله: ﴿لِلَّذِينَ ٱتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها ٱلأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وأَزْواجٌ مُّطَهَّرَةٌ ورِضْوانٌ مِّنَ ٱللَّهِ...﴾ وهو رضاه عز وجل عنهم وهو أكبر من النعيم المذكور قبله قال تعالى في آية أخرى: ﴿ورِضْوانٌ مِّنَ ٱللَّهِ أكْبَرُ..﴾ [التوبة: ٧٢].

ثم أخبر تعالى أنه بصير بعباده يعلم المؤمن الصادق والمنافق الكاذب، والعامل المحسن والعامل المسيىء وسيجزى كلا بعدله وفضله، ثم ذكر صفات المتقين التي ورثوا بها ما وصف من النعيم فقال: ﴿ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ إنَّنَآ آمَنّا فَٱغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وقِنا عَذابَ ٱلنّارِ﴾ فذكر صفة الإيمان والخشية والضراعة والدعاء لهم ثم ذكر باقي الصفات الكمالية فقال: ﴿ٱلصّابِرِينَ وٱلصّادِقِينَ وٱلْقانِتِينَ وٱلْمُنْفِقِينَ وٱلْمُسْتَغْفِرِينَ بِٱلأَسْحارِ﴾، يهجدون آخر الليل وقبيل طلوع الفجر يكثرون من الإستغفار وهو طلب المغفرة.

هداية الآيات:

من هداية الآيات:

١- نعيم الآخرة خير من نعيم الدنيا مهما كان.

٢- نعيم الآخرة خاصّ بالمتقين الأبرار، ونعيم الدنيا غالباً ما يكون للفجّار.

٣- التقوى وهي ترك الشرك والمعاصي هي العالم الوراثي لدار السلام.

٤- استحباب الضراعة والدعاء والإستغفار في آخر الليل.

٥- الصفات المذكورة لأهل التقوى هنا كلها واجبة في الجملة لا يحِلُّ أن لا يتصف بها مؤمن ولا مؤمنة في الحياة.

3:18–20Page 52

شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلۡعِلۡمِ قَآئِمَۢا بِٱلۡقِسۡطِۚ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ١٨

Allāh witnesses that there is no deity except Him, and [so do] the angels and those of knowledge - [that He is] maintaining [creation] in justice. There is no deity except Him, the Exalted in Might, the Wise.

إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلۡإِسۡلَٰمُۗ وَمَا ٱخۡتَلَفَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ إِلَّا مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلۡعِلۡمُ بَغۡيَۢا بَيۡنَهُمۡۗ وَمَن يَكۡفُرۡ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ ١٩

Indeed, the religion in the sight of Allāh is Islām. And those who were given the Scripture did not differ except after knowledge had come to them - out of jealous animosity between themselves. And whoever disbelieves in the verses of Allāh, then indeed, Allāh is swift in [taking] account.

فَإِنۡ حَآجُّوكَ فَقُلۡ أَسۡلَمۡتُ وَجۡهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِۗ وَقُل لِّلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡأُمِّيِّـۧنَ ءَأَسۡلَمۡتُمۡۚ فَإِنۡ أَسۡلَمُواْ فَقَدِ ٱهۡتَدَواْۖ وَّإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّمَا عَلَيۡكَ ٱلۡبَلَٰغُۗ وَٱللَّهُ بَصِيرُۢ بِٱلۡعِبَادِ ٢٠

So if they argue with you, say, "I have submitted myself to Allāh [in Islām], and [so have] those who follow me." And say to those who were given the Scripture and [to] the unlearned,1 "Have you submitted yourselves?" And if they submit [in Islām], they are rightly guided; but if they turn away - then upon you is only the [duty of] notification. And Allāh is Seeing of [His] servants.

شرح الكلمات:

شهد: أخبر عن علم بحضوره الأمر المشهود به.

لا إله إلا هو: لا معبود بحق في الأرض ولا في السماء إلا الله تبارك وتعالى.

أولو العلم: أصحاب العلم الصحيح المطابق للواقع وهم الأنبياء والعلماء.

القسط: العدل في الحكم والقول والعمل.

العزيز الحكيم: الغالب ذو العزة التي لا تغلب، الحكيم في كل خلقه وفعله وسائر تصرفاته.

الدين: ما يدان لله تعالى به أي يطاع فيه ويخضع له به من الشرائع والعبادات.

الإسلام: الإنقياد لله بالطاعة والخلوص من الشرك والمراد به هنا ملة الإسلام.

بغياً: ظلما وحسداً.

حاجوك: جادلوك وخاصموك بحجج باطلة واهية.

أسلمت وجهي لله: أخلصت كل أعمالي القلبية والبدنية لله وحده لا شريك له.

ومن اتبعن: كذلك أخلصوا لله كل أعمالهم له وحده لا شريك له.

أوتوا الكتاب: اليهود والنصارى.

الأميين: العرب المشركين سُمُّوا بالأميين لِقِلة مَن يقرأ ويكتب فيهم.

أأسلمتم: الهمزة الأولى للإستفهام والمراد به الأمر أي أسلموا خيراً لكم لظهور الحق وانبلاج نوره بينكم بواسطة كتب الله ورسوله ﷺ.

فإن أسلموا: فإن أجابوك وأسلموا فقد اهتدوا إلى سبيل النجاة.

وإن تولوا: أدبروا عن الحق بعد رؤيته وأعرضوا عنه بعد معرفته فلا يضرك أمرهم إذ ما عليك إلا البلاغ وقد بلّغت.

معنى الآيات:

يخبر الجبار عز وجل أنه شهد أنه لا إله إلا هو وأن الملائكة وأولي العلم يشهدون كذلك شهادة علم وحق قامت على مبدأ الحضور الذاتي والفعلي وأنه تعالى قائم في الملكوت كله، علويّه وسفليّه، بالعدل، فلا رب غيره ولا إله سواه، العزيز في ملكه وخلقه الحكيم في تدبيره وتصريفه فلا يضع شيئاً في غير موضعه اللائق به. فرد بهذه الشهادة على باطل نصارى نجران، ومكر اليهود، وشرك العرب، وأبطل كلّ باطلهم سبحانه وتعالى، ثم أخبر أيضاً أن الدين الحق الذي لا يقبل تعالى ديناً سواه، هو الإسلام، القائم على مبدأ الإنقياد الكامل لله تعالى بالطاعة، والخلوص التامّ من سائر أنواع الشرك فقال: ﴿إنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ﴾ في حكمه وقضائه الإسلام، وما عداه فلا يقبله ولا يرضاه. ثم أخبر تعالى عن حال نصارى نجران، المجادلين لرسوله، في شأن تأليه عيسى بالباطل فقال ﴿وما ٱخْتَلَفَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتابَ إلاَّ مِن بَعْدِ ما جَآءَهُمُ ٱلْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ﴾ يريد أن خلاف أهل الكتاب لم يكن عن جهل منهم بالحق ومعرفته ولكن كان عن علم حقيقي وإنما حملهم على الخلاف المسبب للفتن. والحروب وضياع الدين البغي والحسد إذ كل فرقة تريد الرئاسة والسلطة الدينية والدنيوية لها دون غيرها، وبذلك يفسد أمر الدين والدنيا، وهذه سنة بشرية تورط فيها المسلمون بعد القرون المفضلة أيضاً، والتاريخ شاهد.

ثم قال تعال ﴿ومَن يَكْفُرْ بِآياتِ ٱللَّهِ فَإنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسابِ﴾ يتوعد تعالى ويهدد كل من يكفر بآياته الحاملة لشرائعه فيجحدها ويعرض عنها فإنه تعالى يحصي عليه ذنوب كفره وسيآت عصيانه ويحاسبه ويجزيه وإنه لسريع الحساب لأنه لا يشغله شيء عن آخر ولا يعييه إحصاء ولا عدد ثم يلتفت بالخطاب إلى رسوله قائلا له فإن حاجوك يريد وفد نجران النصراني فاختصر الحجاج معهم بإظهار موقفك المؤيس لهم داعياً إياهم إلى الإسلام الذي عرفوه وأنكروه حفاظاً على الرئاسة والمنافع بينهم فقل لهم: ﴿أسْلَمْتُ وجْهِيَ للَّهِ ومَنِ ٱتَّبَعَنِ﴾ أيضاً أسلم وجهه لله فليس فينا شيء لغير الله وقلوبنا وأعمالنا وحياتنا كلها لله فأسلموا أنتم يا أهل الكتاب ويا أميّون ﴿فَإنْ أسْلَمُواْ فَقَدِ ٱهْتَدَواْ﴾ وإن تولوا وأعرضوا فلا يضرك إعراضهم، إذ ما كلفت إلا البلاغ وقد بلغت، أما الحساب والجزاء فهو إلى الله تعالى البصير بأعمال عباده العليم بنياتهم وسوف يجزيهم بعلمه ويقضي بينهم بحكمه وهو العزيز الحكيم.

هداية الآيات

من هداية الآيات:

١- اعتبار الشهادة والأخذ بها إن كانت قائمة على العلم وكان الشاهد أهلاً لذلك بأن كان مسلماً عدلاً.

٢- شهادة الله أعظم شهادة تثبت بها الشرائع والأحكام وتليها شهادة الملائكة وأولي العلم.

٣- بطلان كل دين بعد الإسلام وكل ملة غير ملته لشهادة الله تعالى بذلك وقوله: ﴿... ومَن يَبْتَغِ غَيْرَ ٱلإسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنهُ وهُوَ فِي ٱلآخِرَةِ مِنَ ٱلْخاسِرِينَ﴾ الآية [٨٥] من هذه السورة والآتي تفسيرها إن شاء الله تعالى.

٤- الخلاف بين أهل العلم والدين يتم عندما يؤثرون الحياة الدنيا على الآخرة فيتورطون في المطاعم والمشارب، ويتشوقون إلى الكراسي والمناصب، ويرغبون في الشرف يومئذ يختلفون بغياً بينهم وحسداً لبعضهم بعضاً.

٥- من أسلم قلبه لله وجوارحه وأصبح وقفاً في حياته على الله فقد اهتدى إلى سبيل النجاة والسلام.

٦- من علق قلبه بالحياة الدنيا وأعرض عما يصرفه عنها من العبادات ضل في حياته وسعيه وحسابه على الله وسيلقى جزاءه.

3:21–22Page 52

إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكۡفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَيَقۡتُلُونَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ بِغَيۡرِ حَقّٖ وَيَقۡتُلُونَ ٱلَّذِينَ يَأۡمُرُونَ بِٱلۡقِسۡطِ مِنَ ٱلنَّاسِ فَبَشِّرۡهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ٢١

Those who disbelieve in the signs of Allāh and kill the prophets without right and kill those who order justice from among the people - give them tidings of a painful punishment.

أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّٰصِرِينَ ٢٢

They are the ones whose deeds have become worthless in this world and the Hereafter, and for them there will be no helpers.

شرح الكلمات:

يكفرون: يجحدون ويكذِّبون.

النبيين: جمع نبي وهو ذكر من بني آدم أوحي إليه الله تعالى.

القسط: العدل والحق والخير والمعروف.

بشرهم بعذاب أليم: أخبرهم إخباراً يظهر أثره على بشرة وجوههم ألماً وحسرة.

حبِطت أعمالهم: بَطَلت وذهبت لم يجنوا منها شيئاً ينفعهم، ويهلكون بذلك ويعدمون الناصر لهم لأن الله خذلهم وأراد إهلاكهم وعذابهم في جهنم.

معنى الآيتين:

ما زال السياق في هَتْك أستار الكفرة من أهل الكتابين اليهود والنصارى فذكر تعالى هنا أن الذين يكفرون بآيات الله وهي حججه وأعلام دينه، وما بعث بها رسله، ويقتلون مع ذلك النبيين بغير حق ولا موجب للقتل، ويقتلون الذين يأمرونهم بالعدل من أتباع الأنبياء المؤمنين الصالحين، هذه جرائم بعض أهل الكتاب فبشرهم بعذاب أليم، ثم أخبر أن أولئك البعداء في مهاوي الشر والفساد والظلم والعناد حبطت أعمالهم في الدنيا فلا يجنون منها عاقبة حسنة ولا مدحاً ولا ثناءً بل سُجلت لهم بها عليهم لعنات في الحياة والممات، والآخرة كذلك وليس لهم فيها من ناصرين ينصرونهم فيخلصونهم من عذاب الله وهيهات هيهات أن يوجد من دون الله ولي أو نصير.

هداية الآيتين

من هداية الآيتين:

١- الكفر والظلم من موجبات هلاك الدنيا ولزوم عذاب الآخرة.

٢- قتل الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر كقتل الأنبياء في عِظَم الجُرْم.

٣- الشرك محبط للأعمال مفسد لها في الدنيا والآخرة.

٤- من خذله الله تعالى لا ينصره أحد، ومن ينصره الله لا يغلبه أحد.

3:23–25Page 53

أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبٗا مِّنَ ٱلۡكِتَٰبِ يُدۡعَوۡنَ إِلَىٰ كِتَٰبِ ٱللَّهِ لِيَحۡكُمَ بَيۡنَهُمۡ ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٞ مِّنۡهُمۡ وَهُم مُّعۡرِضُونَ ٢٣

Do you not consider, [O Muḥammad], those who were given a portion of the Scripture? They are invited to the Scripture of Allāh that it should arbitrate between them;1 then a party of them turns away, and they are refusing.

ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَالُواْ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلَّآ أَيَّامٗا مَّعۡدُودَٰتٖۖ وَغَرَّهُمۡ فِي دِينِهِم مَّا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ ٢٤

That is because they say, "Never will the Fire touch us except for [a few] numbered days," and [because] they were deluded in their religion by what they were inventing.

فَكَيۡفَ إِذَا جَمَعۡنَٰهُمۡ لِيَوۡمٖ لَّا رَيۡبَ فِيهِ وَوُفِّيَتۡ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا كَسَبَتۡ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ ٢٥

So how will it be when We assemble them for a Day about which there is no doubt? And each soul will be compensated [in full for] what it earned, and they will not be wronged.

شرح الكلمات:

أوتوا نصيباً من الكتاب: اعطوا حظا وقِسْطا من التوراة.

يدعون: يُطْلب إليهم أن يتحاكموا فيما اختلفوا فيه من الحق إلى كتابهم الذي يؤمنون به وهو التوراة فيأبون ويعرضون.

يتولى: يرجع وهو مصمم على عدم العودة إلى الحق.

أياما معدودات: هذا قول اليهود ويعنون بالأيام الأربعين يوماً تلك التي عبدوا فيها العجل بعد غياب موسى عليه السلام عنه.

يفترون: يكذبون.

ليوم لا ريب فيه: هو يوم القيامة.

ما كسبت: ما عملت من خير أو شر.

لا يظلمون: بأن يعذبوا بدون المقتضي لعذابهم من الشرك والكفر والمعاصي.

معنى الآيات:

ما زال السياق في فضح أهل الكتاب بذكر ذنوبهم وجرائمهم فيقول تعالى لرسوله حاملاً له على التعجب من حال اليهود ألم تر يا رسولنا إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب أي ألم ينته إلى علمك أمرهم حيث يدعون إلى التحاكم إلى كتاب الله تعالى فيما أنكروه واختلفوا فيه من صفاتك وشأن نبُوَّتك ورسالتك، ثم يتولى عدد منهم وهم مصممون على عدم العودة وطلب الحق والإقرار به. إنها حال تدعو إلى التعجب حقاً، وصارفهم عن قبول الحق. ومراجعته هو إعتقادهم الفاسد بأن النار لا تمسهم إذا ألقوا فيها إلا مدة أربعين يوما وهي المدة التي عبد فيها أسلافهم العجل يوم غاب موسى عنهم لمناجاته ربه تعالى في جبل الطور. وهذه الدعوى باطلة لا أساس لها من الصحة بل يُخلدون في النار لا بعبادة أسلافهم العجل أربعين يوماً بل بكفرهم وظلمهم وجحودهم وعنادهم. ويبين تعالى الحقيقة لرسوله والمؤمنين وهي أن هذه الدعوى اليهودية ما هي إلا فرية افتراها علماؤهم ليهونّوا عليهم ارتكاب الجرائم وغشيان عظائم الذنوب، كما حصل للمسلمين في القرون المظلمة من تاريخ الإسلام حيث أصبح مشايخ التصوف يُدَجِّلون على المريدين بأنهم سيستغفرون لهم ويغفر لهم. ثم قال تعالى مستعظماً حالهم مهوِّلاً موقفهم: فكيف أي حالهم. إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه وهو يوم القيامة كيف تكون حالهم أنها حال يعجز الوصف عنها، ﴿ووُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مّا كَسَبَتْ﴾ من خير أو شر وهم لا يظلمون بنقص حسناتهم إن كانت لهم حسنات، ولا بالزيادة في سيئآتهم وما لهم إلا السَّيئات.

هداية الآيات

من هداية الآيات:

١- من الإعراض عن الدين والكفر به رفض التحاكم إليه قال تعالى: ﴿فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُواْ فِيۤ أنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمّا قَضَيْتَ ويُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً﴾ [ النساء: ٦٥].

٢- أفسد شيء للأديان بعقائدها وشرائعها وعباداتها الافتراء فيها والإبتداع عليها والقول فيها بغير علم.

٣- مضرّة الإغترار بما يقوله بعض المفسرين والمحشين على الكتب الدينية من الحكايات والأباطيل بحجة الترغيب أو الترهيب فيغتر بها الناس فيضلوا ويهلكوا.

٤- فضيلة ذكر أهوال يوم القيامة وما يلاقي فيها أهل الظلم والشر والفساد وفي القرآن ﴿إنَّآ أخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرى ٱلدّارِ﴾ [ص: ٤٦].

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском