Al-Jaza'iri · Tafsir · in Arabic
الأنعام
Al-An'am
The Cattle · Meccan · 165 ayahs
6:1–3Page 128
ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَٰتِ وَٱلنُّورَۖ ثُمَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمۡ يَعۡدِلُونَ ١
[All] praise is [due] to Allāh, who created the heavens and the earth and made the darkness and the light. Then those who disbelieve equate [others] with their Lord.
هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن طِينٖ ثُمَّ قَضَىٰٓ أَجَلٗاۖ وَأَجَلٞ مُّسَمًّى عِندَهُۥۖ ثُمَّ أَنتُمۡ تَمۡتَرُونَ ٢
It is He who created you from clay and then decreed a term1 and a specified time [known] to Him;2 then [still] you are in dispute.
وَهُوَ ٱللَّهُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَفِي ٱلۡأَرۡضِ يَعۡلَمُ سِرَّكُمۡ وَجَهۡرَكُمۡ وَيَعۡلَمُ مَا تَكۡسِبُونَ ٣
And He is Allāh, [the only deity] in the heavens and the earth. He knows your secret and what you make public, and He knows that which you earn.
شرح الكلمات:
الحمد: الثناء باللسان على المحمود بصفات الجمال والجلال.
خلق: أنشأ وأوجد.
يعدلون: يسوون به غيره فيعبدونه معه.
الأجل: الوقت المحدد لعمل ما من الأعمال يتم فيه أو ينتهي فيه، والأجل الأول أجل كل إنسان، والثاني أجل الدنيا.
تمترون: تشكُّون في البعث الآخر والجزاء: كما تشكون في وجوب توحيده بعبادته وحده دون غيره.
وهو الله في السماوات: أي معبود في السماوات وفي الأرض.
ما تكسبون: أي من خير وشر، وصلاح فساد.
معنى الآيات:
يخبر تعالى بأنه المستحق للحمد كله وهو الوصف بالجلال والجمال والثناء بهما عليه وضمن ذلك يأمر عباده أن يحمدوه كأنما قال قولوا الحمد لله، ثم ذكر تعالى موجبات حمده دون غيره فقال: ﴿ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوٰتِ وٱلأَرْضَ وجَعَلَ ٱلظُّلُمَٰتِ وٱلنُّورَ﴾، فالذي أوجد السماوات والأرض وما فيهما وما بينهما من سائر المخلوقات وجعل الظلمات والنور وهما من أقوى عناصر الحياة هو المستحق للحمد والثناء لا غيره ومع هذا فالذين كفروا من الناس يعدلون به أصناماً وأوثاناً ومخلوقات فيعبدونها معه يا للعجب!!.
هذا ما دلت عليه الآية الأولى [١] أما الآية الثانية [٢] فإنه تعالى يخاطب المشركين موبخاً لهم على جهلهم مندداً بباطلهم فيقول: ﴿هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن طِينٍ﴾ لأن آدم أباهم خلقه من طين ثم تناسلوا منه فباعتبار أصلهم هم مخلوقون من طين ثم الغذاء الذي هو عنصر حياتهم من طين، ثم قضى لكلٍ أجلاً وهو عمره المحدد له وقضى أجل الحياة كلها الذي تنتهي فيه وهو مسمى عنده معروف له لا يعرفه غيره ولا يطلع عليه سواه ولحكم عالية أخفاه، ثم أنتم أيها المشركون الجهلة تشكُّون في وجوب توحيده، وقدرته على إحيائكم بعد موتكم لحسابكم ومجازاتكم على كسبكم خيره وشره، حسنه وسيئه، وفي الآية الثالثة [٣] يخبر تعالى أنه هو الله المعبود بحق في السماوات وفي الأرض لا إله غيره ولا رب سواه ﴿يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وجَهْرَكُمْ ويَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ﴾ من خير وشر فهو تعالى فوق عرشه بائن من خلقه ويعلم سر عباده وجهرهم ويعلم أعمالهم وما يكتسبون بجوارحهم يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، لذا وجبت الرغبة فيما عنده من خير، والرهبة مما لديه من عذاب، ويحصل ذلك لهم بالإنابة إليه وعبادته والتوكل عليه.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- وجوب حمد الله تعالى والثناء عليه بما هو أهله.
٢- لا يصح حمد أحد بدون ما يوجد لديه من صفات الكمال ما يحمد عليه.
٣- التعجب من حال من يسوون المخلوقات بالخالق عز وجل في العبادة.
٤- التعجب من حال من يرى عجائب صنع الله ومظاهر قدرته ثم ينكر البعث والحياة الآخرة.
٥- صفة العلم لله تعالى وأنه تعالى لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء يعلم السر وأخفى.
6:4–6Page 128
وَمَا تَأۡتِيهِم مِّنۡ ءَايَةٖ مِّنۡ ءَايَٰتِ رَبِّهِمۡ إِلَّا كَانُواْ عَنۡهَا مُعۡرِضِينَ ٤
And no sign comes to them from the signs of their Lord except that they turn away therefrom.
فَقَدۡ كَذَّبُواْ بِٱلۡحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمۡ فَسَوۡفَ يَأۡتِيهِمۡ أَنۢبَٰٓؤُاْ مَا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ ٥
For they had denied the truth when it came to them, but there is going to reach them the news of what they used to ridicule.1
أَلَمۡ يَرَوۡاْ كَمۡ أَهۡلَكۡنَا مِن قَبۡلِهِم مِّن قَرۡنٖ مَّكَّنَّٰهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مَا لَمۡ نُمَكِّن لَّكُمۡ وَأَرۡسَلۡنَا ٱلسَّمَآءَ عَلَيۡهِم مِّدۡرَارٗا وَجَعَلۡنَا ٱلۡأَنۡهَٰرَ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهِمۡ فَأَهۡلَكۡنَٰهُم بِذُنُوبِهِمۡ وَأَنشَأۡنَا مِنۢ بَعۡدِهِمۡ قَرۡنًا ءَاخَرِينَ ٦
Have they not seen how many generations We destroyed before them which We had established upon the earth as We have not established you? And We sent [rain from] the sky upon them in showers and made rivers flow beneath them; then We destroyed them for their sins and brought forth after them a generation of others.
شرح الكلمات:
من آية: المراد بالآية هنا آيات القرآن الكريم الدالة على توحيد الله تعالى والإيمان برسوله ولقائه يوم القيامة.
معرضين: غير ملتفتين إليها ولا مفكرين فيها.
الحق: الحق هنا هو النبي ﷺ وما جاء به من الدين الحق.
أنباء: أخبار ما كانوا به يستهزئون وهو عذاب الدنيا وعذاب الآخرة.
من قرن: أي أهل قرن من الأمم السابقة، والقرن مائة سنة.
مكنا لهم في الأرض: أعطيناهم من القوة المادية ما لم نعط هؤلاء المشركين.
مدراراً: مطراً متواصلاً غزيراً.
بذنوبهم: أي بسبب ذنوبهم وهي معصية الله ورسله.
وأنشأنا: خلقنا بعد إهلاك الأولين أهل قرن آخرين.
معنى الآيات:
ما زال السياق في الحديث عن أولئك الذين يعدلون بربهم غيره من مخلوقاته فيقول تعالى عنهم: وما تأتيهم من آية من آيات ربهم التي يوحيها إلى رسوله ويضمها كتابه القرآن الكريم، إلا قابلوها بالإعراض التام، وعدم الالتفات إلى ما تحمله من هدى ونور، وسبب ذلك أنهم قد كذبوا بالحق لما جاءهم وهو الرسول وما معه من الهدى، وبناء على ذلك ﴿فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أنْباءُ ما كانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ﴾ وقد استهزأوا بالوعيد وسينزل بهم العذاب الذي كذبوا به واستهزأوا، وأول عذاب نزل بهم هزيمتهم يوم بدر، ثم القحط سبع سنين، ومن مات منهم على الشرك فسوف يعذب في نار جهنم أبداً، ويقال لهم ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تستهزئون وقوله تعالى: ﴿ألَمْ يَرَوْاْ كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ﴾ أي كثيراً من أهل القرون الماضية مكن الله تعالى لهم في الأرض من الدولة والسلطان والمال والرجال ما لم يمكن لهؤلاء المشركين من كفار قريش، وأرسل على أولئك الذين مكن لهم السماء مدراراً بغزير المطر وجعل لهم في أرضهم الأنهار تجري من تحت أشجارهم وقصورهم، فلما أنكروا توحيدي وكذبوا رسولي، وعصوا أمري ﴿فَأَهْلَكْنَٰهُمْ بِذُنُوبِهِمْ﴾، لا ظلماً منا ولكن بظلمهم هم لأنفسهم، وأوجدنا بعدهم قوماً آخرين، وكان ذلك علينا يسيراً.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- التكذيب بالحق هو سبب الإعراض عنه فلو آمنوا به لأقبلوا عليه.
٢- الاستهزاء والسخرية بالدين من موجبات العذاب وقرب وقوعه.
٣- العبرة بهلاك الماضين، ومصارع الظالمين.
٤- هلاك الأمم كان بسبب ذنوبهم، فما من مصيبة إلا بذنب.
6:7–11Page 128
وَلَوۡ نَزَّلۡنَا عَلَيۡكَ كِتَٰبٗا فِي قِرۡطَاسٖ فَلَمَسُوهُ بِأَيۡدِيهِمۡ لَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا سِحۡرٞ مُّبِينٞ ٧
And even if We had sent down to you, [O Muḥammad], a written scripture on a page and they touched it with their hands, the disbelievers would say, "This is not but obvious magic."
وَقَالُواْ لَوۡلَآ أُنزِلَ عَلَيۡهِ مَلَكٞۖ وَلَوۡ أَنزَلۡنَا مَلَكٗا لَّقُضِيَ ٱلۡأَمۡرُ ثُمَّ لَا يُنظَرُونَ ٨
And they say, "Why was there not sent down to him an angel?"1 But if We had sent down an angel, the matter would have been decided;2 then they would not be reprieved.
وَلَوۡ جَعَلۡنَٰهُ مَلَكٗا لَّجَعَلۡنَٰهُ رَجُلٗا وَلَلَبَسۡنَا عَلَيۡهِم مَّا يَلۡبِسُونَ ٩
And if We had made him [i.e., the messenger] an angel, We would have made him [appear as] a man, and We would have covered them with that in which they cover themselves [i.e., confusion and doubt].
وَلَقَدِ ٱسۡتُهۡزِئَ بِرُسُلٖ مِّن قَبۡلِكَ فَحَاقَ بِٱلَّذِينَ سَخِرُواْ مِنۡهُم مَّا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ ١٠
And already were messengers ridiculed before you, but those who mocked them were enveloped by that which they used to ridicule.
قُلۡ سِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ ثُمَّ ٱنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُكَذِّبِينَ ١١
Say, "Travel through the land; then observe how was the end of the deniers."
شرح الكلمات:
قرطاساً: القرطاس: ما يكتب عليه جلداً أو كاغداً.
لمسوه بأيديهم: مسوه بأصابعهم ليتأكدوا منه.
ملك: الملك أحد الملائكة.
لقضي الأمر: أي أهلكوا وانتهت حياتهم.
لا ينظرون: لا يمهلون.
ولو جعلناه ملكاً: ولو جعلنا الرسول إليهم ملكاً لإنكارهم البشر.
لبسنا: خلطنا عليهم.
استهزىء: سخر وتهكم واستخف.
حاق بهم: نزل بهم العذاب وأحاط بهم فأهلكوا.
معنى الآيات:
ما زال السياق في شأن العادلين بربهم أصنامهم التي يعبدونها ويزعمون أنها تشفع لهم عند الله يقول تعال: ﴿ولَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتَٰباً﴾ أيها الرسول ﴿كِتَٰباً﴾ أي مكتوباً في ورق جلد أو كاغد ورأوه منزلاً من السماء ولمسوه بأيديهم وحسوه بأصابعهم ما آمنوا ولقالوا: ﴿إنْ هَٰذَآ إلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾. أي سحر واضح سحركم به محمد ﷺ وإلا كيف ينزل الكتاب من السماء، ﴿وقالُواْ لَوْلاۤ أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ أي هلا أنزل عليه، لم لا ينزل عليه ملك يساعده ويصدقه بأنه نبي الله ورسوله، فقال تعالى: ﴿ولَوْ أنزَلْنا مَلَكاً﴾، وليس من شأن الله أن ينزل الملائكة ولو أنزل ملكاً فكذبوه لأهلكهم، إذ الملائكة لا تنزل إلا لإحقاق الحق وعليه فلو نزل ملك لقضي أمرهم بإهلاكهم وقطع دابرهم وهذا ما لا يريده الله تعالى لهم. وقوله: ﴿ثُمَّ لا يُنظَرُونَ﴾ أي لا يمهلون ولو ساعة ليتوبوا أو يعتذروا مثلا. وقوله تعالى: ﴿ولَوْ جَعَلْنَٰهُ مَلَكاً﴾ أي الرسول ملكاً لقالوا كيف نفهم عن الملك ونحن بشر فيطالبون بأن يكون بشراً وهكذا كما قال تعالى: ﴿ولَوْ جَعَلْنَٰهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَٰهُ رَجُلاً ولَلَبَسْنا عَلَيْهِم﴾ خلطنا وشبهنا ما يخلطون على أنفسهم ويشبهون. ثم أخبر تعالى رسوله مسلياً له قائلاً ﴿ولَقَدِ ٱسْتُهْزِىءَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ﴾ كما استهزيء بك فاصبر، فقد حاق بالمستهزئين ما كانوا به يستهزئون، كانوا إذا خوفهم الرسل عذاب الله سخروا منهم واستخفوا بهم وبالعذاب الذي خوفوهم به، ثم أمر الله تعالى رسوله محمداً ﷺ أن يقول لأولئك المستهزئين بما يعدهم من عذاب ربهم وهم أكابر مجرمي قريش: ﴿قُلْ سِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ﴾ جنوباً لتقفوا على ديار عاد أو شمالاً لتقفوا على ديار ثمود، أو غرباً لتقفوا على بحيرة لوط فتعرفوا ﴿كَيْفَ كانَ عَٰقِبَةُ ٱلْمُكَذِّبِينَ﴾ من أمثالكم لعلكم تحققون من طغيانكم وتكذيبكم فيسهل عليكم الرجوع.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- الآيات بمعنى المعجزات والخوارق لا تستلزم الإيمان بل قد تكون سبباً للكفر والعناد، ولذا لم يستجب الله لقريش ولم يعط رسوله ما طالبوه من الآيات.
٢- إنكار رسالة البشر عام في كل الأمم وقالوا ما هذا إلا بشر مثلكم في آيات كثيرة في حين أن إرسال الملائكة لا يتم معه هدف لعدم قدرة الإنسان على التلقي عن الملائكة والتفاهم معهم، ولو أنزل الله ملكاً رسولاً لقالوا نريده بشراً مثلنا ولحصل الخلط واللبس بذلك.
٣- الاستهزاء بالرسل والدعاة سنة بشرية لا تكاد تتخلف ولذا وجب على الرسل والدعاة الصبر على ذلك.
٤- عاقبة التكذيب والاستهزاء هلاك المكذبين المستهزئين.
٥- مشروعية زيارة القبور للوقوف على مصير الإنسان ومآل أمره فإن في ذلك ما يخفف شهوة الدنيا والنهم فيها والتكالب عليها وهو سبب الظلم والفساد.
6:12–16Page 129
قُل لِّمَن مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ قُل لِّلَّهِۚ كَتَبَ عَلَىٰ نَفۡسِهِ ٱلرَّحۡمَةَۚ لَيَجۡمَعَنَّكُمۡ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ لَا رَيۡبَ فِيهِۚ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ فَهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ ١٢
Say, "To whom belongs whatever is in the heavens and earth?" Say, "To Allāh." He has decreed upon Himself mercy. He will surely assemble you for the Day of Resurrection, about which there is no doubt. Those who will lose themselves [that Day] do not believe.
۞ وَلَهُۥ مَا سَكَنَ فِي ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ١٣
And to Him belongs that which reposes by night and by day, and He is the Hearing, the Knowing.
قُلۡ أَغَيۡرَ ٱللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّٗا فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَهُوَ يُطۡعِمُ وَلَا يُطۡعَمُۗ قُلۡ إِنِّيٓ أُمِرۡتُ أَنۡ أَكُونَ أَوَّلَ مَنۡ أَسۡلَمَۖ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ١٤
Say, "Is it other than Allāh I should take as a protector, Creator of the heavens and earth, while it is He who feeds and is not fed?" Say, [O Muḥammad], "Indeed, I have been commanded to be the first [among you] who submit [to Allāh] and [was commanded], 'Do not ever be of the polytheists.'"
قُلۡ إِنِّيٓ أَخَافُ إِنۡ عَصَيۡتُ رَبِّي عَذَابَ يَوۡمٍ عَظِيمٖ ١٥
Say, "Indeed I fear, if I should disobey my Lord, the punishment of a tremendous Day."
مَّن يُصۡرَفۡ عَنۡهُ يَوۡمَئِذٖ فَقَدۡ رَحِمَهُۥۚ وَذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡمُبِينُ ١٦
He from whom it is averted that Day - [Allāh] has granted him mercy. And that is the clear attainment.
شرح الكلمات:
كتب على نفسه الرحمة: أي أوجب على نفسه رحمة خلقه.
لا ريب فيه: لا شك في مجيئه وحصوله في أجله المحدد له.
خسروا أنفسهم: حيث لوثوها بأوضار الشرك والمعاصي فلم ينتفعوا بها.
وله ما سكن في الليل والنهار: أي ما استقر فيها من ساكن ومتحرك أي له كل شيء.
ولياً: أحبه وأنصره وأطلب نصرته ومحبته وولايته.
من يصرف عنه: أي من العذاب بمعنى يبعد عنه.
الفوز المبين: أي الواضح إذ النجاة من النار ودخول الجنة هو الفوز العظيم.
معنى الآيات:
ما زال السياق في الحديث مع العادلين بربهم غيره من أهل الشرك فيقول تعالى لرسوله سلهم قائلاً: ﴿قُل لِّمَن مّا فِي ٱلسَّمَٰوٰتِ وٱلأَرْضِ﴾ خلقاً وإيجاداً أو ملكاً وتصرفاً وتدبيراً، واسبقهم إلى الجواب فقل لله، إذ ليس لهم من جواب إلا هذا: ﴿للَّهِ﴾، أي هو الله الذي ﴿كَتَبَ عَلىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ﴾ قضى بها وأوجبها على نفسه، ومظاهرها متجلية في الناس: إنهم يكفرونه ويعصونه وهو يطعمهم ويسقيهم ويكلؤهم ويحفظهم، وما حمدوه قط. ومن مظاهر رحمته جمعه الناس ليوم القيامة ليحاسبهم ويجزيهم بعملهم الحسنة بعشر أمثالها أما السيئة فبسيئة مثلها فقط وهو ما دل عليه قوله: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إلىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَٰمَةِ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ أي الكائن الآتي بلا ريب ولا شك، وقوله تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ يخبر تعالى أنّ الذين كتب خسرانهم أزلاً في كتاب المقادير فهم لذلك لا يؤمنون وما كتب أزلاً لعلم تام بموقفهم هذا الذي هم وافقوه من الكفر والعناد والشرك والشر والفساد، بذلك استوجبوا الخسران هذا ما دلت عليه الآية الأولى [١٢] أما الآية الثانية [١٣] ﴿ولَهُ ما سَكَنَ فِي ٱلْلَّيْلِ وٱلنَّهارِ﴾ وهذا تقرير بأنه رب كل شيء والمالك لكل شيء إذ ما هناك إلا ساكن ومتحرك وهو رب الجميع، وهو السميع لأحوال عباده وسائر مخلوقاته العليم فأفعالهم الظاهرة والباطنة ولذا لا يسأل عما يفعل ويفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ومن هنا وجب اللجأ إليه والتوكل عليه، والانقياد لأمره ونهيه. وقوله تعالى في الآية الثالثة [١٤] ﴿قُلْ أغَيْرَ ٱللَّهِ أتَّخِذُ ولِيّاً فاطِرِ ٱلسَّمَٰوٰتِ وٱلأَرْضِ وهُوَ يُطْعِمُ ولا يُطْعَمُ﴾ يأمر تعالى رسوله أن يرد على المشركين المطالبين منه أن يوافقهم على شركهم ويعبد معهم آلهتهم فيقول: أفغير الله فاطر السماوات والأرض الذي يطعم غيره لافتقاره إليه، ولا يطعم لغناه المطلق أغيره تعالى أتخذ ولياً أعبده كما اتخذتم أنتم أيها المشركون أولياء تعبدونهم. إن هذا لن يكون أبداً كما أمره ربه تعالى أن يقول في صراحة ووضوح، ﴿إنِّيۤ أُمِرْتُ أنْ أكُونَ أوَّلَ مَن أسْلَمَ﴾ أي وجهه لله، وأقبل عليه بعبده بما شرع له، ونهاني أن أكون من المشركين بقوله: ﴿ولا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكَينَ﴾ الذين يعبدون مع الله غيره من مخلوقاته وأمره في الآية [١٥] أن يقول للمشركين الراغبين في تركه التوحيد: ﴿إنِّيۤ أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ وهو عذاب يوم القيامة.
إنه عذاب أليم لا يطاق من يصرف عنه يومئذ فقد رحمه أي أدخله الجنة والنجاة من النار ودخول الجنة هو الفوز العظيم كما قال تعالى ﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ ٱلنّارِ وأُدْخِلَ ٱلْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ﴾ [آل عمران: ١٨٥] نعم فاز وأي فوز أكبر من الخلوص من العذاب ودخول في دار السلام.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- عموم رحمة الله تعالى.
٢- تقرير مبدأ الشقاوة والسعادة في الأزل قبل خلق الخلق.
٣- الله رب كل شيء ومليكه.
٤- تحريم ولاية غير الله، وتحريم الشرك به تعالى.
٥- بيان الفوز الأخروي وهو النجاة من العذاب ودخول الجنة.
6:17–19Page 129
وَإِن يَمۡسَسۡكَ ٱللَّهُ بِضُرّٖ فَلَا كَاشِفَ لَهُۥٓ إِلَّا هُوَۖ وَإِن يَمۡسَسۡكَ بِخَيۡرٖ فَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ١٧
And if Allāh should touch you with adversity, there is no remover of it except Him. And if He touches you with good - then He is over all things competent.
وَهُوَ ٱلۡقَاهِرُ فَوۡقَ عِبَادِهِۦۚ وَهُوَ ٱلۡحَكِيمُ ٱلۡخَبِيرُ ١٨
And He is the subjugator over His servants. And He is the Wise,1 the Aware.2
قُلۡ أَيُّ شَيۡءٍ أَكۡبَرُ شَهَٰدَةٗۖ قُلِ ٱللَّهُۖ شَهِيدُۢ بَيۡنِي وَبَيۡنَكُمۡۚ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانُ لِأُنذِرَكُم بِهِۦ وَمَنۢ بَلَغَۚ أَئِنَّكُمۡ لَتَشۡهَدُونَ أَنَّ مَعَ ٱللَّهِ ءَالِهَةً أُخۡرَىٰۚ قُل لَّآ أَشۡهَدُۚ قُلۡ إِنَّمَا هُوَ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞ وَإِنَّنِي بَرِيٓءٞ مِّمَّا تُشۡرِكُونَ ١٩
Say, "What thing is greatest in testimony?" Say, "Allāh is witness between me and you. And this Qur’ān was revealed to me that I may warn you thereby and whomever it reaches.1 Do you [truly] testify that with Allāh there are other deities?" Say, "I will not testify [with you]." Say, "Indeed, He is but one God, and indeed, I am free of what you associate [with Him]."
شرح الكلمات:
يمسسك: يصبك.
بضر: الضر: ما يؤلم الجسم أو النفس كالمرض والحزن.
بخير: الخير: كل ما يسعد الجسم أو الروح.
القاهر: الغالب المذل المعز.
شهادة: الشهادة: إخبار العالم بالشيء عنه بما لا يخالفه.
لأنذركم به: لأخوفكم بما فيه من وعيد الله لأهل عداوته.
إله واحد: معبود واحد لأنه رب واحد، إذ لا يعبد إلا الرب الخالف الرازق المدبر.
معنى الآيات:
ما زال السياق في توجيه الرسول ﷺ وتقوية موقفه من أولئك العادلين بربهم المشركين به فيقول له ربه تعالى: ﴿وإن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إلاَّ هُوَ﴾ أي إن أصابك الله بما يضرك في بدنك فلا كاشف له عنك بإنجائك منه إلا هو. ﴿وإن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ﴾ أي وإن يردك بخير فلا راد له ﴿فَهُوَ عَلىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدُيرٌ﴾، والخطاب وإن كان موجهاً للرسول ﷺ عام في كل أحد فلا كاشف للضر إلا هو، ولا راد لفضله أحد، ومع كل أحد، وقوله تعالى في الآية الثانية [١٨] ﴿وهُوَ ٱلْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْخَبِيرُ﴾ تقرير لربوبيته المستلزمة لألوهيتة فقهره لكل أحد، وسلطانه على كل أحد مع علو كلمته وعلمه بكل شيء موجب لألوهيته وطاعته وطلب ولايته، وبطلان ولاية غيره وعبادة سواه وقوله تعالى في الآية الثالثة [١٩] ﴿قُلِ ٱللَّهُ شَهِيدٌ بِيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾ نزلت لما قال المشركون بمكة للرسول ﷺ إئتنا بمن يشهد لك بالنبوة فإن أهل الكتاب أنكروها فأمره ربه تعالى أن يقول لهم رداً عليهم: أي شيء أكبر شهادة؟ ولما كان لا جواب لهم إلا أن يقولوا الله أمره أن يجيب به: ﴿قُلِ ٱللَّهُ شَهِيدٌ بِيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾. فشهادة الله تعالى لي بالنبوّة إيحاؤه إليّ بهذا القرآن الذي أنذركم به. وأنذر كل من بلغه وسمع به بأن من بلغه ولم يؤمن به ويعمل بما جاء فيه من العقائد والعبادات والشرائع فإنه خاسر لنفسه يوم القيامة. ثم أمره أن ينكر عليهم الشرك بقوله: أئنكم لتشهدون مع الله آلهة أخرى، وذلك بإيمانكم بها وعبادتكم لها أما أنا فلا أعترف بها بل أنكرها فضلاً عن أن أشهد بها. ثم أمره بعد إنكار آلهة المشركين أن يقرر ألوهيته الله وحده وأن يتبرأ مع آلهتهم المدعاة فقال له قل: ﴿إنَّما هُوَ إلَٰهٌ واحِدٌ وإنَّنِي بَرِيءٌ مِّمّا تُشْرِكُونَ﴾.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- وجوب اللجأ إلى الله تعالى دون غيره من سائر خلقه إذ لا يكشف الضر إلا هو.
٢- شهادة الله تعالى لرسوله بالنبوة وما أنزل عليه من القرآن وما أعطاه من المعجزات.
٣- نذارة الرسول بلغت كل من بلغه القرآن الكريم إلى يوم الدين.
٤- تقرير مبدأ التوحيد لا إله إلا الله، ووجوب البراءة من الشرك.
6:20–24Page 130
ٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ يَعۡرِفُونَهُۥ كَمَا يَعۡرِفُونَ أَبۡنَآءَهُمُۘ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ فَهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ ٢٠
Those to whom We have given the Scripture recognize it1 as they recognize their [own] sons. Those who will lose themselves [in the Hereafter] do not believe.
وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوۡ كَذَّبَ بِـَٔايَٰتِهِۦٓۚ إِنَّهُۥ لَا يُفۡلِحُ ٱلظَّٰلِمُونَ ٢١
And who is more unjust than one who invents about Allāh a lie or denies His verses? Indeed, the wrongdoers will not succeed.
وَيَوۡمَ نَحۡشُرُهُمۡ جَمِيعٗا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشۡرَكُوٓاْ أَيۡنَ شُرَكَآؤُكُمُ ٱلَّذِينَ كُنتُمۡ تَزۡعُمُونَ ٢٢
And [mention, O Muḥammad], the Day We will gather them all together; then We will say to those who associated others with Allāh, "Where are your 'partners' that you used to claim [with Him]?"
ثُمَّ لَمۡ تَكُن فِتۡنَتُهُمۡ إِلَّآ أَن قَالُواْ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشۡرِكِينَ ٢٣
Then there will be no [excuse upon] examination except they will say, "By Allāh, our Lord, we were not those who associated."
ٱنظُرۡ كَيۡفَ كَذَبُواْ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡۚ وَضَلَّ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ ٢٤
See how they will lie about themselves. And lost from them will be what they used to invent.
شرح الكلمات:
الذين أوتوا الكتاب: علماء اليهود والنصارى.
يعرفونه: يعرفون محمداً نبياً لله ورسولاً له.
افترى على الله كذباً: اختلق الكذب وزوّره في نفسه وقال.
لا يفلح الظالمون: لا ينجون من عذاب الله يوم القيامة.
أين شركاؤكم: استفهام توبيخي لهم.
تزعمون: تدعون أنهم شركاء يشفعون لكم عند الله.
وضل عنهم: غاب عنهم ولم يحضرهم ما كانوا يكذبونه.
معنى الآيات:
قوله تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ آتَيْناهُمُ ٱلْكِتابَ﴾ أي علماء اليهود والنصارى ﴿يَعْرِفُونَهُ﴾ أي النبي محمداً ﷺ أنه نبي الله وأن القرآن كتاب الله أوحاه إليه يعرفونه بما ثبت من أخباره ونعوته معرفة كمعرفة أبنائهم، رد الله تعالى بهذا على العرب الذين قالوا: لو كنت نبياً لشهد لك بذلك أهل الكتاب ثم أخبر تعالى أن الذين خسروا أنفسهم في قضاء الله وحكمه الأزلي لا يؤمنون، وإن علموا ذلك في كتبهم وفهموه واقتنعوا به، فهذا سر عدم إيمانهم، فلن يكون إذاً عدم إيمانهم حجة ودليلاً على النبي محمد ﷺ بأنه غير نبي ولا رسول هذا ما دلت عليه الآية الأولى [٢٠] وفي الآية الثانية نداء الله تعالى لكلٍّ من مشركي العرب وكفار أهل الكتاب بقوله ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرىٰ عَلى ٱللَّهِ كَذِباً﴾ وهم المشركون بزعمهم أن الأصنام تشفع لهم عند الله ولذا عبدوها، أو كذبوا بآياته وهم أهل الكتاب، وأخبر أن الجميع في موقفهم المعادي للتوحيد والإسلام ظالمون، وإن الظالمون لا يفلحون فحكم بخسران الجميع إلا من آمن منهم وعبد الله ووحده وكان من المسلمين وقوله تعالى في الآية الثالثة [٢٢] ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً﴾ مشركين وأهل كتاب أي لا يفلحون في الدنيا ولا يوم نحشرهم وهو يوم القيامة لأنهم ظالمون، ثم أخبر تعالى بمناسبة ذكر يوم القيامة أنه يسأل المشركين منهم فيقول لهم: ﴿أيْنَ شُرَكَآؤُكُمُ ٱلَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ أنهم يشفعون لكم في هذا اليوم؟ ثم لم تكن نتيجة هذه الفتنة أي الاختبار إلا قولهم: ﴿وٱللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ يكذبون هذا الكذب لأنهم رأوا أن المشركين لا يغفر لهم ولا ينجون من النار. ثم أمر الله رسوله أن يتعجب من موقفهم هذا المخزي لهم فقال له: ﴿ٱنظُرْ كَيْفَ كَذَبُواْ عَلىٰ أنفُسِهِمْ﴾ أما ربهم فهو عليم بهم ﴿وضَلَّ عَنْهُمْ﴾ أي غاب فلم يروه. ﴿مّا كانُواْ يَفْتَرُونَ﴾ أي يكذبون.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- لم يمنع أهل الكتاب من الدخول في الإسلام إلا إيثار الدنيا على الآخرة.
٢- سببان في عظم الجريمة الكاذب على الله المفتري والمكذب الجاحد به وبكتابه وبنبيه.
٣- تقرير عدم فلاح الظالمين في الحياتين.
٤- الشرك لا يغفر لصاحبه إذا لم يتب منه قبل موته.
6:25–29Page 130
وَمِنۡهُم مَّن يَسۡتَمِعُ إِلَيۡكَۖ وَجَعَلۡنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ أَكِنَّةً أَن يَفۡقَهُوهُ وَفِيٓ ءَاذَانِهِمۡ وَقۡرٗاۚ وَإِن يَرَوۡاْ كُلَّ ءَايَةٖ لَّا يُؤۡمِنُواْ بِهَاۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءُوكَ يُجَٰدِلُونَكَ يَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّآ أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ ٢٥
And among them are those who listen to you,1 but We have placed over their hearts coverings, lest they understand it, and in their ears deafness. And if they should see every sign, they will not believe in it. Even when they come to you arguing with you, those who disbelieve say, "This is not but legends of the former peoples."
وَهُمۡ يَنۡهَوۡنَ عَنۡهُ وَيَنۡـَٔوۡنَ عَنۡهُۖ وَإِن يُهۡلِكُونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمۡ وَمَا يَشۡعُرُونَ ٢٦
And they prevent [others] from him and are [themselves] remote from him. And they do not destroy except themselves, but they perceive [it] not.
وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذۡ وُقِفُواْ عَلَى ٱلنَّارِ فَقَالُواْ يَٰلَيۡتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِـَٔايَٰتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٢٧
If you could but see when they are made to stand before the Fire and will say, "Oh, would that we could be returned [to life on earth] and not deny the signs of our Lord and be among the believers."
بَلۡ بَدَا لَهُم مَّا كَانُواْ يُخۡفُونَ مِن قَبۡلُۖ وَلَوۡ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنۡهُ وَإِنَّهُمۡ لَكَٰذِبُونَ ٢٨
But what they concealed before has [now] appeared to them. And even if they were returned, they would return to that which they were forbidden; and indeed, they are liars.
وَقَالُوٓاْ إِنۡ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا ٱلدُّنۡيَا وَمَا نَحۡنُ بِمَبۡعُوثِينَ ٢٩
And they say, "There is none but our worldly life, and we will not be resurrected."
شرح الكلمات:
أكنة: جمع كنان ما يكن فيه الشيء كالغطاء.
وقرأ: ثقلاً وصمماً فهم لا يسمعون.
يجادلونك: يخاصمونك.
أساطير الأولين: جمع أسطورة: ما يكتب ويحكى من أخبار السابقين.
وينأون عنه: أي ويبعدون عنه.
بل بدا لهم: بل ظهر لهم.
إن هي إلا حياتنا: ما هي إلا حياتنا.
مبعوثين: بعد الموت أحياء كما كنا قبل أن نموت.
معنى الآيات:
ما زال السياق في الحديث عن أولئك العادلين بربهم المشركين به سواه فيخبر تعالى عن بعضهم فيقول ﴿ومِنهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ﴾ حال قراءتك القرآن ولكنه لا يعيه قلبه ولا يفقه ما فيه من أسرار وحكم تجعله يعرف الحق ويؤمن به، وذلك لما جعلنا حسب سنتنا في خلقنا من أكنة على قلوبهم أي أغطية، ومن وقر أي ثقل وصمم في آذانهم، فلذا هم يستمعون ولا يسمعون، ولا يفقهون وتلك الأغطية وذلك الصمم هما نتيجة ما يحملونه من بغض للنبي ﷺ وكره لما جاء به من التوحيد، ولذا فهم لو يرون كل آية مما يطالبون من المعجزات كإحياء الموتى ونزول الملائكة عياناً لا يؤمنون بها لأنهم لا يريدون أن يؤمنوا ولذا قال تعالى: ﴿وإن يَرَوْاْ كُلَّ ءايَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِها حَتّىٰ إذا جَآءُوكَ يُجَٰدِلُونَكَ﴾ أي في شأن التوحيد وآلهتهم ﴿يَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إنْ هَٰذَآ﴾ أي ما هذا ﴿إلاَّ أسَٰطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ﴾، أمليت عليك أو طلبت كتابتها فأنت تقصها، وليس لك من نبوة ولا وحي ولا رسالة. هذا ما دلت عليه الآية الأولى [٢٥] أما باقي الآيات فإن الثانية [٢٦] تضمنت إخبار الله تعالى عنهم بأنهم ينهون الناس عن الإيمان بالنبي وبما جاء به وعن متابعته والدخول في دينه، وينأون هم بأنفسهم أي يبعدون عنه فلا إيمان ولا متابعة. وهذه شر الصفات يصفهم الله تعالى بها وهي البعد عن الحق والخير، وأمر الناس بالبعد عنهما ونهيهم عن قربهما ولذا قال تعالى: ﴿وإن يُهْلِكُونَ إلاَّ أنفُسَهُمْ﴾ بهذا الموقف الشائن المعادي للرسول والتوحيد، وما يشعرون بذلك إذ لو شعروا لكفوا، والذي أفقدهم الشعور هو حب الباطل والشر الذي حملهم على عداوة الرسول وما جاء به من عبادة الله وتوحيده وها هم أولاً قد حشروا في جهنم، والله تعالى يقول للرسول: ﴿ولَوْ تَرىٰ إذْ وُقِفُواْ عَلى ٱلنّارِ﴾ ولا بد لهم من دخولها والاصطلاء بحرها والاحتراق بلهبها، فقالوا وهم في وسطها ﴿يٰلَيْتَنا نُرَدُّ﴾ إلى الحياة الدنيا ﴿ولا نُكَذِّبَ بِآيَٰتِ رَبِّنا ونَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾، وما هم والله بصادقين وإنما هي تمنيات حمل عليها الإشفاق من العذاب والخوف من نار جهنم، والفضيحة حين ظهر لهم ما كانوا يخفون في الدنيا من جرائم وفواحش وهم يغشونها الليل والنهار قال تعالى وهو العليم الخبير: ﴿ولَوْ رُدُّواْ لَعادُواْ لِما نُهُواْ عَنْهُ وإنَّهُمْ لَكاذِبُونَ﴾، وصدق الله لو ردوا لعادوا وفي الآية الأخيرة [٢٩] يسجل الله تعالى عليهم سبب بلائهم ومحنتهم، وإقدامهم في تلك الجرأة الغريبة على الشرك ومحاربة التوحيد، ومحاربة الموحدين بالضرب والقتل والتعذيب إنه كفرهم بالبعث والجزاء إذ قالوا ما أخبر تعالى به عنهم: ﴿إنْ هِيَ إلاَّ حَياتُنا ٱلدُّنْيا وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- بيان سنة الله تعالى في أن العبد إذا كره أحداً وأبغضه وتغالى في ذلك يصبح لا يسمع ما يقول له، ولا يفهم معنى ما يسمع منه.
٢- شر دعاة الشر من يعرض عن الهدى ويأمر بالإعراض عنه، وينهى من يقبل عليه.
٣- سبب الشر في الأرض الكفر بالله، وإنكار البعث والجزاء الآخر.
6:30–32Page 131
وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذۡ وُقِفُواْ عَلَىٰ رَبِّهِمۡۚ قَالَ أَلَيۡسَ هَٰذَا بِٱلۡحَقِّۚ قَالُواْ بَلَىٰ وَرَبِّنَاۚ قَالَ فَذُوقُواْ ٱلۡعَذَابَ بِمَا كُنتُمۡ تَكۡفُرُونَ ٣٠
If you could but see when they will be made to stand before their Lord. He will say, "Is this not the truth?" They will say, "Yes, by our Lord." He will [then] say, "So taste the punishment for what you used to deny."
قَدۡ خَسِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَآءِ ٱللَّهِۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَتۡهُمُ ٱلسَّاعَةُ بَغۡتَةٗ قَالُواْ يَٰحَسۡرَتَنَا عَلَىٰ مَا فَرَّطۡنَا فِيهَا وَهُمۡ يَحۡمِلُونَ أَوۡزَارَهُمۡ عَلَىٰ ظُهُورِهِمۡۚ أَلَا سَآءَ مَا يَزِرُونَ ٣١
Those will have lost who deny the meeting with Allāh, until when the Hour [of resurrection] comes upon them unexpectedly, they will say, "Oh, [how great is] our regret over what we neglected concerning it [i.e., the Hour]," while they bear their burdens [i.e., sins] on their backs. Unquestionably, evil is that which they bear.
وَمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَآ إِلَّا لَعِبٞ وَلَهۡوٞۖ وَلَلدَّارُ ٱلۡأٓخِرَةُ خَيۡرٞ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ ٣٢
And the worldly life is not but amusement and diversion; but the home of the Hereafter is best for those who fear Allāh, so will you not reason?
شرح الكلمات:
وقفوا على ربهم: جيء بهم ووقفوا على قضائه وحكمه تعالى فيهم.
بلى وربنا: أي إنه للحق والله.
خسر الذين كذبوا: أي خسروا أنفسهم في جهنم.
الساعة بغتة: ساعة: البعث ليوم القيامة وبغتة: أي فجأة.
يا حسرتنا: الحسرة: التندم والتحسر على ما فات ينادون حسرتهم زيادة في التألم والتحزن.
أوزارهم: أحمال ذنوبهم إذ الوزر الحمل الثقيل.
لعب ولهو: اللعب: العمل الذي لا يجلب درهماً للمعاش، ولا حسنة للمعاد.
واللهو: ما يشغل الإنسان عما يعنيه مما يكسبه خيراً أو يدفع عنه ضيراً.
معنى الآيات:
يقول تعالى لرسوله: ولو ترى إذ أولئك لمنكرون للبعث القائلون ﴿إنْ هِيَ إلاَّ حَياتُنا ٱلدُّنْيا وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ [الأنعام: ٢٩]، لو تراهم وقد حبسوا لقضاء الله وحكمه فيهم وقيل لهم وهم يشاهدون أهوال القيامة وما فيها من حساب وجزاء وعذاب ﴿ألَيْسَ هَٰذا بِٱلْحَقِّ﴾ أي الذي كنتم تكذبون فيسارعون بالإجابة قائلين ﴿بَلىٰ ورَبِّنا﴾، فيحلفون بالله تعالى تأكيداً لصحة جوابهم فيقال لهم: ﴿فَذُوقُواْ ٱلعَذابَ بِما كُنتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ لا ظلماً منا ولكن بسبب كفركم إذ الكفر منع من طاعة الله ورسوله، والنفس لا تطهُر إلا على تلك الطاعة، هذا ما دلت عليه الآية الأولى [٣٠] أما الآية الثانية [٣١] فقد أعلن تعالى عن خسارة صفقة الكافرين الذين باعوا الإيمان بالكفر والتوحيد بالشرك، والطاعة بالمعاصي فقال تعالى: ﴿قَدْ خَسِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَآءِ ٱللَّهِ﴾ أي بالحياة بعد الموت وهذا هو سبب المحنة والكارثة ﴿حَتّىٰ إذا جَآءَتْهُمُ ٱلسّاعَةُ﴾ ساعة فناء هذه الحياة وإقبال الحياة الآخرة ﴿بَغْتَةً﴾ أي فجأة لم يكونوا يفكرون فيها لكفرهم بها، وعندئذ صاحوا بأعلى أصواتهم معلنين عن تندمهم ﴿يٰحَسْرَتَنا عَلىٰ ما فَرَّطْنا﴾ أي في صفقتنا حيث اشترينا الكفر بالإيمان والشرك وبالتوحيد قال تعالى: ﴿وهُمْ يَحْمِلُونَ أوْزارَهُمْ﴾ من الجائز أن تصور لهم أعمالهم من الكفر والشرك والظلم والشر والفساد في صورة رجل قبيح أشوه فيحملونه على ظهورهم في عرصات القيامة وقد ورد به خبر. ولذا قال تعالى: ﴿ألا سَآءَ ما يَزِرُونَ﴾ أي قبح ما يحملونه! وفي الآية [٣٢] الأخيرة يخبر تعالى مذكراً واعظاً ناصحاً فيقول يا عباد الله: ﴿وما ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَآ إلاَّ لَعِبٌ ولَهْوٌ﴾ فانتبهوا فلا تغتروا بما فيها من ملذات فإن نعيمها إلى زوال ما شأنها إلا شأن من يلعب أو يلهو، ثم لا يحصل على طائل من لعبه ولهوه، أما الدار الآخرة فإنها خير ولكن للذين يتقون الشرك والشر والمعاصي، فما لكم مقبلين على الفانى معرضين عن الباقي ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾؟!.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- تقرير مبدأ البعث والجزاء بذكر صور ومشاهد له.
٢- قبح الذنوب وأنها أسوأ حمل يحمله صاحبها يوم القيامة.
٣- حكم الله تعالى بالخسران على من كذب بلقائه فلم يؤمن ولم يعمل صالحا.
٤- الساعة لا تأتي إلا بغتة، ولا ينافي ذلك ظهور علاماتها، لأن الزمن ما بين العلامة والعلامة لا يعرف مقداره.
٥- نصيحة القرآن للعقلاء بأن لا يغتروا بالحياة الدنيا. ويهملوا شأن الآخرة وهي خير للمتقين.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences