Ан-НасафиАль‑Бакара · 2:17–22

Ан-Насафи · Тафсир · на арабском

Аль-Бакара 2:17–22

2:17Страница 4

مَثَلُهُمۡ كَمَثَلِ ٱلَّذِي ٱسۡتَوۡقَدَ نَارٗا فَلَمَّآ أَضَآءَتۡ مَا حَوۡلَهُۥ ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمۡ وَتَرَكَهُمۡ فِي ظُلُمَٰتٖ لَّا يُبۡصِرُونَ ١٧

Они подобны тому, кто разжег огонь. Когда же огонь озарил все вокруг него, Аллах лишил их света и оставил их в темноте, где они ничего не видят.

﴿مَثَلُهم كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا﴾ لَمّا جاءَ بِحَقِيقَةِ صِفَتِهِمْ عَقَّبَها بِضَرْبِ المَثَلِ زِيادَةً في الكَشْفِ، وتَتْمِيمًا لِلْبَيانِ. ولِضَرْبِ الأمْثالِ في إبْرازِ خَفِيّاتِ المَعانِي ورَفْعِ الأسْتارِ عَنِ الحَقائِقِ تَأْثِيرٌ ظاهِرٌ. ولَقَدْ كَثُرَ ذَلِكَ في الكُتُبِ السَماوِيَّةِ. ومِن سُوَرِ الإنْجِيلِ سُورَةُ الأمْثالِ. والمَثَلُ في أصْلِ كَلامِهِمْ: هو المَثَلُ، وهو النَظِيرُ. يُقالُ: مَثَلٌ ومِثْلٌ ومَثِيلٌ كَشَبَهٍ وشِبْهٍ وشَبِيهٍ. ثُمَّ قِيلَ لِلْقَوْلِ السائِرِ المَثَلِ مَضْرِبُهُ بِمَوْرِدِهِ: مَثَلٌ. ولَمْ يَضْرِبُوا مَثَلًا إلّا قَوْلًا فِيهِ غَرابَةٌ، ولِذا حُوفِظَ عَلَيْهِ فَلا يُغَيَّرُ. وقَدِ اسْتُعِيرَ المَثَلُ لِلْحالِ، أوِ الصِفَةِ، أوِ القِصَّةِ إذا كانَ لَها شَأْنٌ، وفِيها غَرابَةٌ. كَأنَّهُ قِيلَ: حالُهُمُ العَجِيبَةُ الشَأْنِ كَحالِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا. وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿مَثَلُ الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ﴾ [الرَعْدُ: ٣٥] أيْ: وفِيما قَصَصْنا (p-٥٥)عَلَيْكَ مِنَ العَجائِبِ قِصَّةُ الجَنَّةِ العَجِيبَةِ الشَأْنِ، ثُمَّ أخَذَ في بَيانِ عَجائِبِها ﴿وَلِلَّهِ المَثَلُ الأعْلى﴾ [النَحْلُ: ٦٠] أيِ: الوَصْفُ الَّذِي لَهُ شَأْنٌ مِنَ العَظَمَةِ والجَلالَةِ. ووَضَعَ الَّذِي مَوْضِعَ الَّذِينَ كَقَوْلِهِ: ﴿وَخُضْتُمْ كالَّذِي خاضُوا﴾ [التَوْبَةُ: ٦٩] فَلا يَكُونُ تَمْثِيلُ الجَماعَةِ بِالواحِدِ، أوْ قَصْدُ جِنْسِ المُسْتَوْقَدِينَ، أوْ أُرِيدَ الفَوْجُ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا، عَلى أنَّ ذَواتِ المُنافِقِينَ لَمْ يُشَبَّهُوا بِذاتِ المُسْتَوْقِدِ حَتّى يَلْزَمَ مِنهُ تَشْبِيهُ الجَماعَةِ بِالواحِدِ، إنَّما شُبِّهَتْ قِصَّتُهم بِقِصَّةِ المُسْتَوْقِدِ. ومَعْنى اسْتَوْقَدَ: أوْقَدَ. ووُقُودُ النارِ: سُطُوعُها. والنارُ: جَوْهَرُ لَطِيفٌ مُضِيءٌ حارٌّ مُحْرِقٌ. واشْتِقاقُها مِن: نارَ يَنُورُ، إذا نَفَرَ، لِأنَّ فِيها حَرَكَةً واضْطِرابًا ﴿فَلَمّا أضاءَتْ ما حَوْلَهُ﴾ الإضاءَةُ: فَرْطُ الإنارَةِ، ومِصْداقُهُ قَوْلُهُ: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَمْسَ ضِياءً والقَمَرَ نُورًا﴾ [يُونُسُ: ٥] وهي في الآيَةِ مُتَعَدِّيَةٌ. [وَيُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ غَيْرَ مُتَعَدِّيَةٍ] مُسْنَدَةً إلى ﴿ما حَوْلَهُ﴾ والتَأْنِيثُ لِلْحَمْلِ عَلى المَعْنى، لِأنَّ ما حَوْلَ المُسْتَوْقَدِ أماكِنُ وأشْياءُ. وجَوابُ "فَلَمّا" ﴿ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ﴾ وهو ظَرْفُ زَمانٍ، والعامِلُ فِيهِ جَوابُهُ مِثْلُ إذا، وما مَوْصُولَةٌ، وحَوْلَهُ نَصْبٌ عَلى الظَرْفِ، أوْ نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ، والتَقْدِيرُ: فَلَمّا أضاءَتْ شَيْئًا ثابِتًا حَوْلَهُ. وجَمْعُ الضَمِيرِ وتَوْحِيدُهُ لِلْحَمْلِ عَلى اللَفْظِ تارَةً، وعَلى المَعْنى أُخْرى. والنُورُ: ضَوْءُ النارِ، وُضُوءُ كُلِّ نَيِّرٍ. ومَعْنى أذْهَبَهُ: أزالَهُ وجَعَلَهُ ذاهِبًا، ومَعْنى ذَهَبَ بِهِ: اسْتَصْحَبَهُ، ومَضى بِهِ. والمَعْنى: أخَذَ اللهُ بِنُورِهِمْ، وأمْسَكَهُ ﴿وَما يُمْسِكْ﴾ اللهُ ﴿فَلا مُرْسِلَ لَهُ﴾ [فاطِرُ: ٢] فَكانَ أبْلَغَ مِنَ الإذْهابِ، ولَمْ يَقُلْ: ذَهَبَ اللهُ بِضَوْئِهِمْ، لِقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا أضاءَتْ﴾ لِأنَّ ذِكْرَ النُورِ أبْلَغُ، لِأنَّ الضَوْءَ فِيهِ دَلالَةٌ عَلى الزِيادَةِ، والمُرادُ: إزالَةُ النُورِ عَنْهم رَأْسًا، ولَوْ قِيلَ: ذَهَبَ اللهُ بِضَوْئِهِمْ، لِأوْهَمَ الذَهابَ بِالزِيادَةِ، وبَقاءَ ما يُسَمّى نُورًا. ألا تَرى كَيْفَ ذَكَرَ عَقِيبَهُ ﴿وَتَرَكَهم في ظُلُماتٍ﴾ والظُلْمَةُ: عَرَضَ يُنافِي النُورَ، وكَيْفَ جَمَعَها، وكَيْفَ نَكَّرَها، وكَيْفَ أتْبَعَها ما يَدُلُّ عَلى أنَّها ظُلْمَةٌ لا يَتَراءى فِيها شَبَحانِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿لا يُبْصِرُونَ﴾ وتَرَكَ بِمَعْنى: طَرَحَ (p-٥٦)وَخَلّى إذا عُلِّقَ بِواحِدٍ، فَإذا عُلِّقَ بِشَيْئَيْنِ كانَ مُضَمَّنًا مَعْنى صَيَّرَ، فَيَجْرِي مَجْرى أفْعالِ القُلُوبِ، ومِنهُ ﴿وَتَرَكَهم في ظُلُماتٍ﴾ أصْلُهُ: هم في ظُلُماتٍ، ثُمَّ دَخَلَ تَرَكَ فَنَصَبَ الجُزْأيْنِ، والمَفْعُولُ الساقِطُ مِن ﴿لا يُبْصِرُونَ﴾ مِن قَبِيلِ المَتْرُوكِ المَطْرُوحِ، لا مِن قَبِيلِ المُقَدَّرِ المَنَوِيِّ، كَأنَّ الفِعْلَ غَيْرُ مُتَّعَدٍ أصْلًا، وإنَّما شُبِّهَتْ حالُهم بِحالِ المُسْتَوْقِدِ، لِأنَّهم غِبُّ الإضاءَةِ وقَعُوا في ظُلْمَةٍ وحَيْرَةٍ. نَعَمْ. المُنافِقُ خابِطٌ في ظُلُماتِ الكُفْرِ أبَدًا، ولَكِنَّ المُرادَ ما اسْتَضاءُوا بِهِ قَلِيلًا مِنَ الِانْتِفاعِ بِالكَلِمَةِ المُجْراةِ عَلى ألْسِنَتِهِمْ، ووَراءَ اسْتِضاءَتِهِمْ بِنُورِ هَذِهِ الكَلِمَةِ ظُلْمَةُ النِفاقِ المُفْضِيَةُ بِهِمْ إلى ظُلْمَةِ العِقابِ السَرْمَدِ. ولِلْآيَةِ تَفْسِيرٌ آخَرُ وهُوَ: أنَّهم لَمّا وُصِفُوا بِأنَّهُمُ اشْتَرَوُا الضَلالَةَ بِالهُدى عَقَّبَ ذَلِكَ بِهَذا التَمْثِيلِ لِيُمَثِّلَ هُداهُمُ الَّذِي باعُوهُ بِالنارِ المُضِيئَةِ ما حَوْلَ المُسْتَوْقِدِ، والضَلالَةِ الَّتِي اشْتَرَوْها بِذَهابِ اللهِ بِنُورِهِمْ، وتَرْكِهِ إيّاهم في الظُلُماتِ، وتَنْكِيرُ النارِ لِلتَّعْظِيمِ.

2:18Страница 4

صُمُّۢ بُكۡمٌ عُمۡيٞ فَهُمۡ لَا يَرۡجِعُونَ ١٨

Глухие, немые, слепые! Они не вернутся на прямой путь.

﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ أيْ: هم صُمٌّ، كانَتْ حَواسُّهم سَلِيمَةً، ولَكِنْ لَمّا سَدُّوا عَنِ الإصاخَةِ إلى الحَقِّ مَسامِعَهُمْ، وأبَوْا أنْ يَنْطِقُوا بِهِ ألْسِنَتَهُمْ، وأنْ يَنْظُرُوا ويَتَبَصَّرُوا بِعُيُونِهِمْ، جُعِلُوا كَأنَّما إيفَتْ مَشاعِرُهم. وطَرِيقَتُهُ عِنْدَ عُلَماءِ البَيانِ طَرِيقَةُ قَوْلِهِمْ: هم لُيُوثٌ لِلشُّجْعانِ، وبُحُورٌ لِلْأسْخِياءِ، إلّا أنَّ هَذا في الصِفاتِ، وذَلِكَ في الأسْماءِ. وما في الآيَةِ تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ في الأصَحِّ لا اسْتِعارَةٌ، لِأنَّ المُسْتَعارَ لَهُ مَذْكُورٌ وهُمُ المُنافِقُونَ، والِاسْتِعارَةُ إنَّما تُطْلَقُ حَيْثُ يُطْوى ذِكْرُ المُسْتَعارِ لَهُ، ويُجْعَلُ الكَلامُ خَلْوًا عَنْهُ، صالِحًا، لِأنَّ يُرادُ بِهِ المَنقُولُ عَنْهُ والمَنقُولُ إلَيْهِ، لَوْلا دَلالَةُ الحالِ، أوْ فَحْوى الكَلامِ ﴿فَهم لا يَرْجِعُونَ﴾ لا يَعُودُونَ إلى الهُدى بَعْدَ أنْ باعُوهُ، أوْ عَنِ الضَلالَةِ بَعْدَ أنِ اشْتَرَوْها، لِتَنَوُّعِ الرُجُوعِ إلى الشَيْءِ وعَنْهُ، أوْ أرادَ أنَّهم مُتَحَيِّرُونَ، بَقُوا جامِدَيْنِ في مَكاناتِهِمْ لا يَبْرَحُونَ ولا يَدْرُونَ أيُتَقَدَّمُونَ أمْ يَتَأخَّرُونَ.

2:19Страница 4

أَوۡ كَصَيِّبٖ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فِيهِ ظُلُمَٰتٞ وَرَعۡدٞ وَبَرۡقٞ يَجۡعَلُونَ أَصَٰبِعَهُمۡ فِيٓ ءَاذَانِهِم مِّنَ ٱلصَّوَٰعِقِ حَذَرَ ٱلۡمَوۡتِۚ وَٱللَّهُ مُحِيطُۢ بِٱلۡكَٰفِرِينَ ١٩

Или же они подобны тем, кто оказался под ливнем с неба. Он несет мрак, гром и молнию. Они же в смертельном страхе затыкают уши пальцами от грохота молний. Воистину, Аллах объемлет неверующих.

(p-٥٧)﴿أوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ ورَعْدٌ وبَرْقٌ﴾ ثَنّى اللهُ سُبْحانَهُ وتَعالى في شَأْنِهِمْ بِتَمْثِيلٍ آخَرَ لِزِيادَةِ الكَشْفِ والإيضاحِ، شَبَّهَ المُنافِقَ في التَمْثِيلِ الأوَّلِ المُسْتَوْقِدَ نارًا، وإظْهارُ الإيمانِ بِالإضاءَةِ، وانْقِطاعُ انْتِفاعِهِ بِانْطِفاءِ النارِ. وهُنا شَبَّهَ دِينَ الإسْلامِ بِالصَيِّبِ، لِأنَّ القُلُوبَ تَحْيا بِهِ حَياةَ الأرْضِ بِالمَطَرِ، وما يَتَعَلَّقُ بِهِ مِن شُبَهِ الكُفّارِ بِالظُلُماتِ، وما فِيهِ مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ بِالرَعْدِ والبَرْقِ، وما يُصِيبُهم مِنَ الأفْزاعِ والبَلايا مِن جِهَةِ أهْلِ الإسْلامِ بِالصَواعِقِ، والمَعْنى: أوْ كَمَثَلِ ذَوِي صَيِّبٍ، فَحَذَفَ مِثْلَ لِدَلالَةِ العَطْفِ عَلَيْهِ، وذَوِي لِدَلالَةِ يَجْعَلُونَ عَلَيْهِ، والمُرادُ: كَمَثَلِ قَوْمٍ أخَذَتْهُمُ السَماءُ بِهَذِهِ الصِفَةِ فَلَقُوا مِنها ما لَقُوا، فَهَذا تَشْبِيهُ أشْياءَ بِأشْياءَ، إلّا أنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ بِذِكْرِ المُشَبَّهاتِ، كَما صَرَّحَ في قَوْلِهِ: ﴿وَما يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ ولا المُسِيءُ﴾ [غافِرٌ: ٥٨]. وقَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:

؎ كَأنَّ قُلُوبَ الطَيْرِ رَطْبًا ويابِسًا ∗∗∗ لَدى وكْرِها العُنّابُ والحَشَفُ البالِي

بَلْ جاءَ بِهِ مَطْوِيًّا ذِكْرُهُ عَلى سَنَنِ الِاسْتِعارَةِ، والصَحِيحُ أنَّ التَمْثِيلَيْنِ مِن جُمْلَةِ التَمْثِيلاتِ المُرَكَّبَةِ دُونَ المُفَرَّقَةِ، لِأنَّهُ يَتَكَلَّفُ لِواحِدٍ واحِدٍ شَيْءٌ بِقَدْرِ شُبَهِهِ بِهِ. بَيانُهُ أنَّ العَرَبَ تَأْخُذُ أشْياءَ فُرادى مَعْزُولًا بَعْضُها مِن بَعْضٍ، لَمْ يَأْخُذْ هَذا بِحُجْزَةِ ذاكَ فَتُشَبِّهُها بِنَظائِرِها، كَما فَعَلَ امْرُؤُ القَيْسِ، وتُشَبَّهُ كَيْفِيَّةٌ حاصِلَةٌ مِن مَجْمُوعِ أشْياءَ قَدْ تَضامَّتْ وتَلاصَقَتْ حَتّى عادَتْ شَيْئًا واحِدًا بِأُخْرى مِثْلِها، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها﴾ الآيَةُ [الجُمْعَةُ: ٥] فالمُرادُ تَشْبِيهُ حالِ اليَهُودِ في جَهْلِها بِما مَعَها مِنَ التَوْراةِ بِحالِ الحِمارِ في جَهْلِهِ بِما يَحْمِلُ مِن أسْفارِ الحِكْمَةِ، وتَساوِي الحالَتَيْنِ عِنْدَهُ مِن حَمْلِ أسْفارِ الحِكْمَةِ، (p-٥٨)وَحَمْلِ ما سِواها مِنَ الأوْقارِ، ولا يَشْعُرُ مِن ذَلِكَ إلّا بِما يَمُرُّ بِدُفَّيْهِ مِنَ التَعَبِ والكَدِّ. وكَقَوْلِهِ: ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلَ الحَياةِ الدُنْيا كَماءٍ أنْـزَلْناهُ مِنَ السَماءِ﴾ [الكَهْفُ: ٤٥] فالمُرادُ قِلَّةُ بَقاءِ زَهْرَةِ الحَياةِ الدُنْيا كَقِلَّةِ بَقاءِ الخُضْرِ، فَهو تَشْبِيهُ كَيْفِيَّةٍ بِكَيْفِيَّةٍ، فَأمّا أنْ يُرادَ تَشْبِيهُ الأفْرادِ بِالأفْرادِ غَيْرَ مَنُوطٍ بَعْضُها بِبَعْضٍ ومُصَيَّرَةً شَيْئًا واحِدًا، فَلا. فَكَذَلِكَ لَمّا وصَفَ وُقُوعَ المُنافِقِينَ في ضَلالِهِمْ، وما خَبَطُوا فِيهِ مِنَ الحَيْرَةِ والدَهْشَةِ، شُبِّهَتْ حَيْرَتُهم وشِدَّةُ الأمْرِ بِما يُكابِدُ مَن أُطْفِئَتْ نارُهُ بَعْدَ إيقادِها في ظُلْمَةِ اللَيْلِ، وكَذَلِكَ مَن أخَذَتْهُ السَماءُ في اللَيْلَةِ المُظْلِمَةِ مَعَ رَعْدٍ وبَرْقٍ وخَوْفٍ مِنَ الصَواعِقِ. والتَمْثِيلُ الثانِي أبْلَغُ، لِأنَّهُ أدَلُّ عَلى فَرْطِ الحَيْرَةِ وشِدَّةِ الأمْرِ، ولِذا أخَّرَ، وهم يَتَدَرَّجُونَ في نَحْوِ هَذا مِنَ الأهْوَنِ إلى الأغْلَظِ. وعَطَفَ أحَدَ التَمْثِيلَيْنِ عَلى الآخَرِ بَأوْ، لِأنَّها في أصْلِها لِتَساوِي شَيْئَيْنِ فَصاعِدًا [فِي الشَكِّ عِنْدَ البَعْضِ، ثُمَّ اسْتُعِيرَتْ لِمُجَرَّدِ التَساوِي] كَقَوْلِكَ: جالِسِ الحَسَنَ أوِ ابْنَ سَيْرَيْنِ، تُرِيدُ أنَّهُما سِيّانِ في اسْتِصْوابِ أنْ يُجالَسا. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تُطِعْ مِنهم آثِمًا أوْ كَفُورًا﴾ [الإنْسانُ: ٢٤] أيِ: الآثِمُ والكَفُورُ سِيّانِ في وُجُوبِ العِصْيانِ. فَكَذا هُنا مَعْناهُ: أنَّ كَيْفِيَّةَ قِصَّةِ المُنافِقِينَ مُشْبِهَةٌ لِكَيْفِيَّتَيْ هاتَيْنِ القِصَّتَيْنِ، وأنَّ القِصَّتَيْنِ سَواءٌ في اسْتِقْلالِ كُلِّ واحِدَةٍ مِنهُما بِوَجْهِ التَمْثِيلِ، فَبِأيَّتِهِما مَثَّلْتَها فَأنْتَ مُصِيبٌ، وإنْ مَثَّلْتَها بِهِما جَمِيعًا فَكَذَلِكَ، والصَيِّبُ: المَطَرُ الَّذِي يَصُوبُ، أيْ: يَنْزِلُ ويَقَعُ، ويُقالُ لِلسَّحابِ: صِيِّبٌ أيْضًا. وتَنْكِيرُ صَيِّبٍ، لِأنَّهُ نَوْعٌ مِنَ المَطَرِ شَدِيدٌ هائِلٌ، كَما نُكِّرَتِ النارُ في التَمْثِيلِ الأوَّلِ. والسَماءُ: هَذِهِ المَظَلَّةُ. وعَنِ الحَسَنِ: أنَّها مَوْجٌ مَكْفُوفٌ. والفائِدَةُ في ذِكْرِ السَماءِ -والصَيِّبُ لا يَكُونُ إلّا مِنَ السَماءِ- أنَّهُ جاءَ بِالسَماءِ مَعْرِفَةً فَأفادَ أنَّهُ غَمامٌ أخَذَ بِآفاقِ السَماءِ، ونَفى أنْ يَكُونَ مِن سَماءٍ، أيْ: مَن أُفُقٍ واحِدٍ مِن بَيْنِ سائِرِ الآفاقِ، لِأنَّ كُلَّ أُفُقٍ مِن آفاقِها سَماءٌ، فَفي التَعْرِيفِ مُبالَغَةٌ كَما في تَنْكِيرِ صَيِّبٍ (p-٥٩)وَتَرْكِيبِهِ وبِنائِهِ. وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ السَحابَ مِنَ السَماءِ يَنْحَدِرُ، مِنها يَأْخُذُ ماءَهُ. وقِيلَ: إنَّهُ يَأْخُذُ مِنَ البَحْرِ ويَرْتَفِعُ، ظُلُماتٌ: مَرْفُوعٌ بِالجارِّ والمَجْرُورِ، لِأنَّهُ قَدْ قَوِيَ لِكَوْنِهِ صِفَةً لِصَيِّبٍ، بِخِلافِ ما لَوْ قُلْتَ ابْتِداءً: فِيهِ ظُلُماتٌ، فَفِيهِ خِلافٌ بَيْنِ الأخْفَشِ وسِيبَوَيْهِ. والرَعْدُ: الصَوْتُ الَّذِي يُسْمَعُ مِنَ السَحابِ لِاصْطِكاكِ أجْرامِ السَحابِ، أوْ مَلَكٍ يَسُوقُ السَحابَ. والبَرْقُ: الَّذِي يَلْمَعُ مِنَ السَحابِ، مِن بَرَقَ الشَيْءُ بَرِيقًا: إذا لَمَعَ. والضَمِيرُ في فِيهِ يَعُودُ إلى الصَيِّبِ، فَقَدْ جَعَلَ الصَيِّبَ مَكانًا لِلظُّلُماتِ، فَإنْ أُرِيدَ بِهِ السَحابُ فَظُلُماتُهُ إذا كانَ أسْحَمَ مُطْبِقًا، ظُلْمَتا سُحْمَتِهِ وتَطْبِيقِهِ مَضْمُومًا إلَيْهِما ظُلْمَةُ اللَيْلِ، وأمّا ظُلُماتُ المَطَرِ فَظُلْمَةُ تَكاثُفِهِ بِتَتابُعِ القُطْرِ وظُلْمَةِ إظْلالِ غَمامِهِ مَعَ ظُلْمَةِ اللَيْلِ. وجَعْلُ الصَيِّبِ مَكانًا لِلرَّعْدِ والبَرْقِ عَلى إرادَةِ السَحابِ بِهِ ظاهِرٌ. وكَذا إنْ أُرِيدَ بِهِ المَطَرُ، لِأنَّهُما مُلْتَبِسانِ بِهِ في الجُمْلَةِ. ولَمْ يَجْمَعِ الرَعْدَ والبَرْقَ، لِأنَّهُما مَصْدَرانِ في الأصْلِ، يُقالُ: رَعَدَتِ السَماءُ رَعْدًا، وبَرَقَتْ بَرْقًا، فَرُوعِيَ حُكْمُ الأصْلِ بِأنْ تُرِكَ جَمْعُهُما، ونُكِّرَتْ هَذِهِ الأشْياءُ، لِأنَّ المُرادَ أنْواعٌ مِنها، كَأنَّهُ قِيلَ: فِيهِ ظُلُماتٌ داجِيَةٌ، ورَعْدٌ قاصِفٌ، وبَرْقٌ خاطِفٌ ﴿يَجْعَلُونَ أصابِعَهم في آذانِهِمْ﴾ الضَمِيرُ لِأصْحابِ الصَيِّبِ وإنْ كانَ مَحْذُوفًا، كَما في قَوْلِهِ: ﴿أوْ هم قائِلُونَ﴾ [الأعْرافُ: ٤] لِأنَّ المَحْذُوفَ باقٍ مَعْناهُ وإنْ سَقَطَ لَفْظُهُ. ولا مَحَلَّ لِيَجْعَلُونِ لِكَوْنِهِ مُسْتَأْنَفًا، لِأنَّهُ لَمّا ذَكَرَ الرَعْدَ والبَرْقَ عَلى ما يُؤْذِنُ بِالشِدَّةِ والهَوْلِ، فَكَأنَّ قائِلًا قالَ: فَكَيْفَ حالُهم مَعَ مَثَلِ ذَلِكَ الرَعْدِ؟ فَقِيلَ: ﴿يَجْعَلُونَ أصابِعَهم في آذانِهِمْ﴾ ثُمَّ قالَ: فَكَيْفَ حالُهم مَعَ مَثَلِ ذَلِكَ البَرْقِ؟ فَقالَ: ﴿يَكادُ البَرْقُ يَخْطَفُ أبْصارَهُمْ﴾ [البَقَرَةُ: ٢٠] وإنَّما ذَكَرُ الأصابِعَ، ولَمْ يَذْكُرِ الأنامِلَ، ورُءُوسُ الأصابِعِ هي الَّتِي تُجْعَلُ في الأذانِ، اتِّساعًا، كَقَوْلِهِ: ﴿فاقْطَعُوا أيْدِيَهُما﴾ [المائِدَةُ: ٣٨] والمُرادُ إلى الرُسْغِ، ولِأنَّ في ذِكْرِ الأصابِعِ مِنَ المُبالَغَةِ ما لَيْسَ في ذِكْرِ الأنامِلِ. وإنَّما لَمْ يَذْكُرِ الأُصْبُعَ الخاصَّ الَّذِي تُسَدُّ بِهِ الأُذُنُ، لِأنَّ السَبّابَةَ فَعّالَةٌ مِنَ السَبِّ، فَكانَ (p-٦٠)اجْتِنابُها أوْلى بِآدابِ القُرْآنِ، ولَمْ يَذْكُرِ المِسْبَحَةَ، لِأنَّها مُسْتَحْدَثَةٌ غَيْرُ مَشْهُورَةٍ ﴿مِنَ الصَواعِقِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِيَجْعَلُونَ، أيْ: مِن أجْلِ الصَواعِقِ يَجْعَلُونَ أصابِعَهم في آذانِهِمْ. والصاعِقَةُ: قَصْفَةُ رَعْدٍ تَنْقَضُّ مَعَها شَقَّةٌ مِن نارٍ. قالُوا: تَنْقَدِحُ مِنَ السَحابِ إذا اصْطَكَّتْ أجْرامُهُ. وهي نارٌ لَطِيفَةٌ حَدِيدَةٌ، لا تَمُرُّ بِشَيْءٍ إلاَّ أتَتْ عَلَيْهِ، إلاَّ أنَّها مَعَ حِدَّتِها سَرِيعَةُ الخُمُودِ. يُحْكى أنَّها سَقَطَتْ عَلى نَخْلَةٍ فَأحْرَقَتْ نَحْوَ النِصْفِ ثُمَّ طَفِئَتْ. ويُقالُ: صَعْقَتُهُ الصاعِقَةُ: إذا أهْلَكَتْهُ فَصَعِقَ، أيْ: ماتَ إمّا بِشِدَّةِ الصَوْتِ، أوْ بِالإحْراقِ ﴿حَذَرَ المَوْتِ﴾ مَفْعُولٌ لَهُ. والمَوْتُ: فَسادُ بِنْيَةِ الحَيَوانِ أوْ عَرَضٌ لا يَصِحُّ مَعَهُ إحْساسٌ مُعاقِبٌ لِلْحَياةِ ﴿واللهُ مُحِيطٌ بِالكافِرِينَ﴾ يَعْنِي: أنَّهم لا يَفُوتُونَهُ، كَما لا يَفُوتُ المُحاطَ بِهِ المُحِيطُ بِهِ، فَهو مَجازٌ، هَذِهِ الجُمْلَةُ اعْتِراضٌ لا مَحَلَّ لَها.

2:20Страница 4

يَكَادُ ٱلۡبَرۡقُ يَخۡطَفُ أَبۡصَٰرَهُمۡۖ كُلَّمَآ أَضَآءَ لَهُم مَّشَوۡاْ فِيهِ وَإِذَآ أَظۡلَمَ عَلَيۡهِمۡ قَامُواْۚ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمۡعِهِمۡ وَأَبۡصَٰرِهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٢٠

Молния готова отнять у них зрение. Когда она вспыхивает, они отправляются в путь, когда же опускается мрак, они останавливаются. Если бы Аллах пожелал, Он лишил бы их слуха и зрения. Воистину, Аллах способен на всякую вещь.

﴿يَكادُ البَرْقُ يَخْطَفُ أبْصارَهُمْ﴾ الخَطْفُ: الأخْذُ بِسُرْعَةٍ، وكادَ يُسْتَعْمَلُ لِتَقْرِيبِ الفِعْلِ جِدًّا، ومَوْضِعُ يَخْطِفُ نَصْبٌ، لِأنَّهُ خَبَرُ كادَ ﴿كُلَّما أضاءَ لَهُمْ﴾ "كُلَّ" ظَرْفٌ، و"ما" نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ، مَعْناها: الوَقْتُ، والعائِدُ مَحْذُوفٌ، أيْ: كُلَّ وقْتٍ أضاءَ لَهم فِيهِ، والعامِلُ فِيهِ جَوابُها وهو ﴿مَشَوْا فِيهِ﴾ أيْ: في ضَوْئِهِ. وهو اسْتِئْنافٌ ثالِثٌ كَأنَّهُ جَوابٌ لِمَن يَقُولُ: كَيْفَ يَصْنَعُونَ في تارَتَيِ خُفُوقِ البَرْقِ وخُفْيَتِهِ؟ وهَذا تَمْثِيلٌ لِشِدَّةِ الأمْرِ عَلى المُنافِقِينَ بِشِدَّتِهِ عَلى أصْحابِ الصَيِّبِ، وما هم فِيهِ مِن غايَةِ التَحَيُّرِ والجَهْلِ بِما يَأْتُونَ وما يَذْرُونَ. إذا صادَفُوا مِنَ البَرْقِ خَفْقَةً مَعَ خَوْفِ أنْ يَخْطِفَ أبْصارَهُمُ انْتَهَزُوا تِلْكَ الخَفْقَةَ فُرْصَةً، فَخَطَوْا خُطُواتٍ يَسِيرَةً، فَإذا خَفِيَ وفَتَرَ لَمَعانُهُ بَقُوا واقِفِينَ. وأضاءَ: مُتَعَدٍّ، أيْ: كُلَّما نَوَّرَ لَهم مَمْشًى ومَسْلَكًا أخَذُوهُ، والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، أوْ غَيْرُ مُتَّعَدٍ، أيْ: كُلَّما لَمَعَ لَهم مَشَوْا في مَطْرَحِ نُورِهِ. والمَشْيُ: جِنْسُ الحَرَكَةِ المَخْصُوصَةِ، فَإذا اشْتَدَّ فَهو سَعْيٌ، فَإذا ازْدادَ فَهو عَدْوٌ ﴿وَإذا أظْلَمَ عَلَيْهِمْ﴾ أظْلَمَ غَيْرُ مُتَّعَدٍ. وذَكَرَ مَعَ "أضاءَ" "كُلَّما"، ومَعَ "أظْلَمَ" "إذا"، لِأنَّهم حُرّاصٌ عَلى وُجُودِ ما هَمُّهم بِهِ مَعْقُودٌ مِن إمْكانِ المَشْيِ، فَكُلَّما صادَفُوا مِنهُ فُرْصَةً انْتَهَزُوها، ولا كَذَلِكَ التَوَقُّفُ ﴿قامُوا﴾ وقَفُوا، وثَبَتُوا (p-٦١)فِي مَكانِهِمْ، ومِنهُ: قامَ الماءُ: إذا جَمُدَ ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ﴾ بِقَصِيفِ الرَعْدِ،

﴿وَأبْصارِهِمْ﴾ بِوَمِيضِ البَرْقِ، ومَفْعُولُ "شاءَ" مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ الجَوابِ عَلَيْهِ، أيْ: ولَوْ شاءَ اللهُ أنْ يَذْهَبَ بِسَمْعِهِمْ وأبْصارِهِمْ لَذَهَبَ بِهِما. ولَقَدْ تَكاثَرَ هَذا الحَذْفُ في "شاءَ"، وأرادَ: لا يَكادُونَ يُبْرِزُونَ المَفْعُولَ إلّا في الشَيْءِ المُسْتَغْرَبِ، كَنَحْوِ قَوْلِهِ:

؎ فَلَوْ شِئْتُ أنْ أبْكِيَ دَمًا لَبَكَيْتُهُ ∗∗∗ عَلَيْهِ ولَكِنْ ساحَةُ الصَبْرِ أوْسَعُ

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْ أرَدْنا أنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا﴾ [الأنْبِياءُ: ١٧] و﴿لَوْ أرادَ اللهُ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾ [الزُمَرُ: ٤] ﴿إنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أيْ: إنَّ اللهَ قادِرٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ.

2:21Страница 4

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعۡبُدُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمۡ وَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ ٢١

О люди! Поклоняйтесь вашему Господу, Который сотворил вас и тех, кто был до вас, - быть может, вы устрашитесь.

لَمّا عَدَّدَ اللهُ فِرَقَ المُكَلَّفِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ والكُفّارِ والمُنافِقِينَ، وذَكَرَ صِفاتِهِمْ وأحْوالَهُمْ، وما اخْتَصَّتْ بِهِ كُلُّ فِرْقَةٍ مِمّا يُسْعِدُها، ويُشْقِيها، ويُحْظِيها، ويُرْدِيها أقْبَلَ عَلَيْهِمْ بِالخِطابِ، وهو مِنَ الِالتِفاتِ المَذْكُورِ، فَقالَ: ﴿يا أيُّها الناسُ﴾ قالَ عَلْقَمَةُ: ما في القُرْآنِ " يا أيُّها الناسُ " فَهو خِطابٌ لِأهْلِ مَكَّةَ، وما فِيهِ " يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا " فَهو خِطابٌ لِأهْلِ المَدِينَةِ. وهَذا خِطابٌ لِمُشْرِكِي مَكَّةَ. و"يا": حَرْفٌ وُضِعَ لِنِداءِ البَعِيدِ -وَأيُّ والهَمْزَةُ لِلْقَرِيبِ- ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في مُناداةِ مَن غَفَلَ وسَها، وإنْ قَرُبَ ودَنا، تَنْزِيلًا لَهُ مَنزِلَةَ مَن بَعُدَ ونَأى، فَإذا نُودِيَ بِهِ القَرِيبُ المُقاطِنُ فَذاكَ لِلتَّوْكِيدِ المُؤْذِنِ بِأنَّ الخِطابَ الَّذِي يَتْلُوهُ مُعْتَنًى بِهِ جِدًّا، وقَوْلُ الداعِي: يا رَبِّ وهو أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ- اسْتِقْصارٌ مِنهُ لِنَفْسِهِ، واسْتِبْعادٌ لَها عَنْ مَظانِّ الزُلْفى، هَضْمًا لِنَفْسِهِ، وإقْرارًا عَلَيْها بِالتَفْرِيطِ مَعَ فَرْطِ التَهالُكِ عَلى اسْتِجابَةِ دَعْوَتِهِ. وأيُّ: وُصْلَةٌ إلى نِداءِ ما فِيهِ الألِفُ واللامُ، كَما أنَّ "ذُو" و"الَّذِي" وُصْلَتانِ إلى الوَصْفِ بِأسْماءِ الأجْناسِ، ووَصْفُ المَعارِفِ بِالجُمَلِ. وهو اسْمٌ مُبْهَمٌ يَفْتَقِرُ إلى ما يُزِيلُ إبْهامَهُ، فَلا بُدَّ أنْ (p-٦٢)يَرْدِفَهُ اسْمُ جِنْسٍ، أوْ ما يَجْرِي مَجْراهُ يَتَّصِفُ بِهِ، حَتّى يَتَّضِحَ المَقْصُودُ بِالنِداءِ. فالَّذِي يَعْمَلُ فِيهِ يا: أيُّ. والتابِعُ لَهُ صِفَتُهُ، نَحْوُ: يا زَيْدُ الظَرِيفُ، إلّا أنَّ أيًّا لا يَسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ اسْتِقْلالَ زَيْدٍ، فَلَمْ يَنْفَكَّ عَنِ الصِفَةِ، وكَلِمَةِ التَنْبِيهِ المُقْحَمَةِ بَيْنَ الصِفَةِ ومَوْصُوفِها لِتَأْكِيدِ مَعْنى النِداءِ، ولِلْعِوَضِ عَمّا يَسْتَحِقُّهُ، أيْ: مِنَ الإضافَةِ، وكَثُرَ النِداءُ في القُرْآنِ عَلى هَذِهِ الطَرِيقَةِ، لِأنَّ ما نادى اللهُ بِهِ عِبادَهُ مِن أوامِرِهِ ونَواهِيهِ، ووَعْدِهِ ووَعِيدِهِ، أُمُورٌ عِظامٌ، وخُطُوبٌ جِسامٌ، يَجِبُ عَلَيْهِمْ أنْ يَتَيَقَّظُوا لَها، ويَمِيلُوا بِقُلُوبِهِمْ إلَيْها، وهم عَنْها غافِلُونَ، فاقْتَضَتْ أنْ يُنادَوْا بِالآكَدِ الأبْلَغِ ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ وحِّدُوهُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُما-: كُلُّ عِبادَةٍ في القُرْآنِ فَهي تَوْحِيدٌ ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ صِفَةٌ مُوَضِّحَةٌ مُمَيِّزَةٌ، لِأنَّهم كانُوا يُسَمُّونَ الآلِهَةَ أرْبابًا. والخَلْقُ: إيجادُ المَعْدُومِ عَلى تَقْدِيرٍ واسْتِواءٍ. وعِنْدالمُعْتَزِلَةِ: إيجادُ الشَيْءِ عَلى تَقْدِيرٍ واسْتِواءٍ. وهَذا بِناءً عَلى أنَّ المَعْدُومَ شَيْءٌ عِنْدَهُمْ، لِأنَّ الشَيْءَ ما صَحَّ أنْ يُعْلَمَ ويُخْبَرَ عَنْهُ عِنْدَهُمْ، وعِنْدَنا هو اسْمٌ لِلْمَوْجُودِ "خَلَقَكُمْ" بِالِإدْغامِ، أبُو عَمْرٍو ﴿والَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ احْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِأنَّهُ خالِقُهم وخالِقُ مَن قَبْلَهُمْ، لِأنَّهم كانُوا مُقِرِّينَ بِذَلِكَ، فَقِيلَ لَهُمْ: إنْ كُنْتُمْ مُقِرِّينَ بِأنَّهُ خالِقُكم فاعْبُدُوهُ، ولا تَعْبُدُوا الأصْنامَ ﴿لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ أيِ: اعْبُدُوا عَلى رَجاءِ أنْ تَتَّقُوا فَتَنْجُوا بِسَبَبِهِ مِنَ العَذابِ. ولَعَلَّ لِلتَّرَجِّي والإطْماعِ، ولَكِنَّهُ إطْماعٌ مِن كِرِيمٍ، فَيَجْرِي مَجْرى وعْدِهِ المَحْتُومِ وفاؤُهُ، وبِهِ قالَ سِيبَوَيْهِ، وقالَ قُطْرُبٌ: هو بِمَعْنى كَيْ، أيْ: لِكَيْ تَتَّقُوا.

2:22Страница 4

ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ فِرَٰشٗا وَٱلسَّمَآءَ بِنَآءٗ وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَخۡرَجَ بِهِۦ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزۡقٗا لَّكُمۡۖ فَلَا تَجۡعَلُواْ لِلَّهِ أَندَادٗا وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ٢٢

Он сделал для вас землю ложем, а небо - кровлей, низвел с неба воду и взрастил ею плоды для вашего пропитания. Посему никого не равняйте с Аллахом сознательно.

﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ﴾ أيْ: صَيَّرَ. ومَحِلُّ الَّذِي نَصْبَ عَلى المَدْحِ، أوْ رَفْعٌ بِإضْمارِ هو ﴿فِراشًا﴾ بِساطًا تَقْعُدُونَ عَلَيْها، وتَنامُونَ، وتَتَقَلَّبُونَ، وهو مَفْعُولٌ ثانٍ لِجَعَلَ، ولَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الأرْضَ مُسَطَّحَةٌ أوْ كُرِّيَّةٌ إذِ الِافْتِراشُ مُمْكِنٌ عَلى التَقْدِيرَيْنِ ﴿والسَماءَ بِناءً﴾ سَقْفًا، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَجَعَلْنا (p-٦٣)السَماءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ [الأنْبِياءُ: ٣٢] وهو مَصْدَرٌ سُمِّي بِهِ المَبْنِيُّ ﴿وَأنْـزَلَ مِنَ السَماءِ ماءً﴾ مَطَرًا ﴿فَأخْرَجَ بِهِ﴾ بِالماءِ. نَعَمْ خُرُوجُ الثَمَراتِ بِقُدْرَتِهِ ومَشِيئَتِهِ وإيجادِهِ، ولَكِنَّ جَعْلَ الماءِ سَبَبًا في خُرُوجِها، كَماءِ الفَحْلِ في خَلْقِ الوَلَدِ، وهو قادِرٌ عَلى إنْشاءِ الكُلِّ بِلا سَبَبٍ، كَما أنْشَأ نُفُوسَ الأسْبابِ والمَوادِّ، ولَكِنَّ لَهُ في إنْشاءِ الأشْياءِ مَدْرَجًا لَها مِن حالٍ إلى حالٍ، وناقِلًا مِن مَرْتَبَةٍ إلى مَرْتَبَةٍ، حِكَمًا وعِبَرًا لِلنُّظّارِ بِعُيُونِ الِاسْتِبْصارِ. و"مِن" في ﴿مِنَ الثَمَراتِ﴾ لِلتَّبْعِيضِ، أوْ لِلْبَيانِ ﴿رِزْقًا﴾ مَفْعُولٌ لَهُ إنْ كانَتْ "مِن" لِلتَّبْعِيضِ، ومَفْعُولٌ بِهِ لِأخْرَجَ إنْ كانَتْ لِلْبَيانِ. وإنَّما قِيلَ: الثَمَراتُ دُونَ الثَمَرِ والثِمارِ -وَإنْ كانَ الثَمَرُ المُخْرَجُ بِماءِ السَماءِ كَثِيرًا-، لِأنَّ المُرادَ جَماعَةُ الثَمَرَةِ، ولِأنَّ الجُمُوعَ يَتَعاوَرُ بَعْضُها مَوْقِعَ بَعْضٍ، لِالتِقائِها في الجَمْعِيَّةِ ﴿لَكُمُ﴾ صِفَةٌ جارِيَةٌ عَلى الرِزْقِ إنْ أُرِيدَ بِهِ العَيْنُ، وإنْ جُعِلَ اسْمًا لِلْمَعْنى فَهو مَفْعُولٌ بِهِ، كَأنَّهُ قِيلَ: رِزْقًا إيّاكم ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا﴾ هو مُتَعَلِّقٌ بِالأمْرِ، أيِ: اعْبُدُوا رَبَّكم فَلا تَجْعَلُوا لَهُ أنْدادًا، لِأنَّ أصْلَ العِبادَةِ وأساسَها التَوْحِيدُ، وأنْ لا يُجْعَلَ لَهُ نِدٌّ ولا شَرِيكٌ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الَّذِي رَفْعًا عَلى الِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ ﴿فَلا تَجْعَلُوا﴾ ودُخُولُ الفاءِ، لِأنَّ الكَلامَ يَتَضَمَّنُ الجَزاءَ، أيِ: الَّذِي حَفَّكم بِهَذِهِ الآياتِ العَظِيمَةِ، والدَلائِلِ النَيِّرَةِ الشاهِدَةِ بِالوَحْدانِيَّةِ، فَلا تَتَّخِذُوا لَهُ شُرَكاءَ. والنِدُّ: المَثَلُ، ولا يُقالُ إلّا لِلْمَثَلِ المُخالِفِ والمُنافِي. ومَعْنى قَوْلِهِمْ: لَيْسَ لِلَّهِ نِدٌّ ولا ضِدٌّ: نَفْيُ ما يَسُدُّ مَسَدَّهُ، ونَفْيُ ما يُنافِيهِ ﴿وَأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أنَّها لا تَخْلُقُ شَيْئًا، ولا تَرْزُقُ، واللهُ الخالِقُ الرازِقُ، أوْ مَفْعُولُ تَعْلَمُونَ مَتْرُوكٌ، أيْ: وأنْتُمْ مِن أهْلِ العِلْمِ، وجَعْلُ الأصْنامِ لِلَّهِ أنْدادًا غايَةُ الجَهْلِ، والجُمْلَةُ حالٌ مِنَ الضَمِيرِ في ﴿فَلا تَجْعَلُوا﴾

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English