Ibn 'AtiyyaHud · 11:61–71

Ibn 'Atiyya · Tafsir · in Arabic

Hud 11:61–71

11:61–62Page 228

۞ وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمۡ صَٰلِحٗاۚ قَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥۖ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ وَٱسۡتَعۡمَرَكُمۡ فِيهَا فَٱسۡتَغۡفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوٓاْ إِلَيۡهِۚ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٞ مُّجِيبٞ ٦١

And to Thamūd [We sent] their brother Ṣāliḥ. He said, "O my people, worship Allāh; you have no deity other than Him. He has produced you from the earth and settled you in it, so ask forgiveness of Him and then repent to Him. Indeed, my Lord is near and responsive."

قَالُواْ يَٰصَٰلِحُ قَدۡ كُنتَ فِينَا مَرۡجُوّٗا قَبۡلَ هَٰذَآۖ أَتَنۡهَىٰنَآ أَن نَّعۡبُدَ مَا يَعۡبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكّٖ مِّمَّا تَدۡعُونَآ إِلَيۡهِ مُرِيبٖ ٦٢

They said, "O Ṣāliḥ, you were among us a man of promise before this. Do you forbid us to worship what our fathers worshipped? And indeed we are, about that to which you invite us, in disquieting doubt."

قوله عزّ وجلّ:

﴿وَإلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ هو أنْشَأكم مِن الأرْضِ واسْتَعْمَرَكم فِيها فاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ إنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ ﴿قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذا أتَنْهانا أنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا وإنَّنا لَفي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ مُرِيبٍ﴾

(p-٥٩٩)التَقْدِيرُ: وأرْسَلَنا إلى ثَمُودَ وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في مِثْلِ هَذا وفي مَعْنى الأُخُوَّةِ في قِصَّةِ هُودٍ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَإلى ثَمُودَ" بِغَيْرِ صَرْفٍ، وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ: "وَإلى ثَمُودٍ" بِالصَرْفِ حَيْثُ وقَعَ، فالأُولى عَلى إرادَةِ القَبِيلَةِ، والثانِيَةُ عَلى إرادَةِ الحَيِّ، وفي هَذِهِ الألْفاظِ الدالَّةِ عَلى الجُمُوعِ ما يَكْثُرُ فِيهِ إرادَةُ الحَيِّ كَقُرَيْشٍ وثَقِيفٍ وما لا يُقالُ فِيهِ بَنُو فُلانٍ وفِيها ما يَكْثُرُ فِيهِ إرادَةُ القَبِيلَةِ كَتَمِيمَ وتَغَلِبَ، ألا تَرى أنَّهم يَقُولُونَ تَغْلِبُ ابْنَةُ وائِلٍ، وقالَ الطِرِّمّاحُ:

؎ .......................... ∗∗∗ إذا نَهَلَتْ مِنهُ تَمِيمٌ وعَلَّتِ

وقَوْلُ الآخَرِ:

تَمِيمُ بْنُ مَرٍّ وأشْياعُها

وفِيها ما يَكْثُرُ فِيهِ الوَجْهانِ كَثَمُودَ وسَبَإٍ، فالقِراءَتانِ هُنا فَصِيحَتانِ مُسْتَعْمَلَتانِ. وقَرَأتْ فِرْقَةُ: "غَيْرُهُ" بِرَفْعِ الراءِ، وقَدْ تَقَدَّمَ آنِفًا.

و﴿أنْشَأكم مِنَ الأرْضِ﴾ أيِ: اخْتَرَعَكم وأوجَدَكُمْ، وذَلِكَ بِاخْتِراعِ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ: فَكَأنَّ إنْشاءَ آدَمَ إنْشاءٌ لِبَنِيهِ. و"اسْتَعْمَرَكُمْ": أيِ: اتَّخَذَكم عُمّارًا، كَما تَقُولُ: اسْتَكْتَبَ واسْتَعْمَلَ. وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّها مِنَ العُمْرِ أيْ عَمَّرَكُمْ، وقَدْ تَقَدَّمَ مِثْلُ قَوْلِهِ: (p-٦٠٠)﴿فاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ.﴾. ﴿إنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾، أيْ: إجابَتُهُ وغُفْرانُهُ قَرِيبٌ مِمَّنْ آمَنَ وأنابَ، و"مُجِيبٌ" مَعْناهُ: بِشَرْطِ المَشِيئَةِ.

والظاهِرُ الَّذِي حَكاهُ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ أنَّ قَوْلَهُ: "مَرْجُوًّا" مَعْناهُ: مُسَوَّدًا، نُؤَمِّلُ فِيكَ أنْ تَكُونَ سَيِّدًا سادًّا مَسَدَّ الأكابِرِ، ثُمَّ قَرَّرُوهُ -عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ في زَعْمِهِمْ- بِقَوْلِهِمْ: "أتَنْهانا"، وحَكى النَقّاشُ عن بَعْضِهِمْ أنَّهُ قالَ: مَعْناهُ: حَقِيرًا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

فَأمّا أنْ يَكُونَ لَفْظُ "مَرْجُوًّا" بِمَعْنى حَقِيرٍ فَلَيْسَ ذَلِكَ في كَلامِ العَرَبِ، وإنَّما يَتَّجِهُ ذَلِكَ عَلى جِهَةِ التَفْسِيرِ لِلْمَعْنى، وذَلِكَ أنَّ القَصْدَ بِقَوْلِهِمْ: "مَرْجُوًّا" يَكُونُ: لَقَدْ كُنْتَ فِينا سَهْلًا مَرامُكَ قَرِيبًا رَدُّ أمْرِكَ، مِمَّنْ لا يُظَنُّ أنْ يَسْتَفْحِلَ مِن أمْرِهِ مِثْلُ هَذا فَمَعْنى "مَرْجُوٍّ" أيْ: مَرْجُوٌّ اطِّراحُهُ وغَلَبَتُهُ ونَحْوُ هَذا، فَيَكُونُ ذَلِكَ عَلى جِهَةِ الِاحْتِقارِ، فَلِذَلِكَ فُسِّرَ بِحَقِيرٍ، ويُشْبِهُ هَذا المَعْنى قَوْلُ أبِي سُفْيانَ بْنِ حَرْبٍ: "لَقَدْ أمِرَ أمْرُ ابْنِ أبِي كَبْشَةَ..." الحَدِيثُ، ثُمَّ يَجِيءُ قَوْلُهُمْ: "أتَنْهانا" عَلى جِهَةِ التَوَعُّدِ والِاسْتِشْناعِ لِهَذِهِ المَقالَةِ مِنهُ.

و﴿ما يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ يُرِيدُونَ بِهِ الأوثانَ والأصْنامَ، ثُمَّ أوجَبُوا أنَّهم في شَكٍّ مِن أمْرِهِ وأقاوِيلِهِ، وأنَّ ذَلِكَ الشَكَّ يَرْتابُونَ بِهِ زائِدًا إلى مَرْتَبَتِهِ مِنَ الشَكِّ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

ولا فَرْقَ بَيْنَ هَذِهِ الحالِ وبَيْنَ حالَةِ التَصْمِيمِ عَلى الكُفْرِ، ومُرِيبٍ مَعْناهُ: مُلْبِسٌ مُتَّهَمٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:

؎ يا قَوْمِ ما بالُ أبِي ذُؤَيْبٍ ∗∗∗ ∗∗∗ كُنْتُ إذا أتَيْتُهُ مِن غَيْبِ

؎ يَشُمُّ عَطْفِي ويَمَسُّ ثَوْبِي ∗∗∗ ∗∗∗ كَأنَّنِي أرْبَتْهُ بِرَيْبِ

(p-٦٠١)

11:63–65Page 229

قَالَ يَٰقَوۡمِ أَرَءَيۡتُمۡ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٖ مِّن رَّبِّي وَءَاتَىٰنِي مِنۡهُ رَحۡمَةٗ فَمَن يَنصُرُنِي مِنَ ٱللَّهِ إِنۡ عَصَيۡتُهُۥۖ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيۡرَ تَخۡسِيرٖ ٦٣

He said, "O my people, have you considered: if I should be upon clear evidence from my Lord and He has given me mercy from Himself, who would protect me from Allāh if I disobeyed Him? So you would not increase me except in loss.

وَيَٰقَوۡمِ هَٰذِهِۦ نَاقَةُ ٱللَّهِ لَكُمۡ ءَايَةٗۖ فَذَرُوهَا تَأۡكُلۡ فِيٓ أَرۡضِ ٱللَّهِۖ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوٓءٖ فَيَأۡخُذَكُمۡ عَذَابٞ قَرِيبٞ ٦٤

And O my people, this is the she-camel of Allāh - [she is] to you a sign. So let her feed upon Allāh's earth and do not touch her with harm, or you will be taken by an impending punishment."

فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُواْ فِي دَارِكُمۡ ثَلَٰثَةَ أَيَّامٖۖ ذَٰلِكَ وَعۡدٌ غَيۡرُ مَكۡذُوبٖ ٦٥

But they hamstrung her, so he said, "Enjoy yourselves in your homes for three days. That is a promise not to be denied [i.e., unfailing]."

قوله عزّ وجلّ:

﴿قالَ يا قَوْمِ أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي وآتانِي مِنهُ رَحْمَةً فَمَن يَنْصُرُنِي مِن اللهِ إنْ عَصَيْتُهُ فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ ﴿وَيا قَوْمِ هَذِهِ ناقَةُ اللهِ لَكم آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ في أرْضِ اللهِ ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابٌ قَرِيبٌ﴾ ﴿فَعَقَرُوها فَقالَ تَمَتَّعُوا في دارِكم ثَلاثَةَ أيّامٍ ذَلِكَ وعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾

قَوْلُهُ: "أرَأيْتُمْ" هو مِن رُؤْيَةِ القَلْبِ، أيْ: أتَدَبَّرْتُمْ؟ والشَرْطُ الَّذِي بَعْدَهُ وجَوابُهُ يَسُدُّ مَسَدَّ مَفْعُولَيْنِ لـ"أرَأيْتُمْ": و"البَيِّنَةُ": البُرْهانُ واليَقِينُ، والهاءُ في "بَيِّنَةٍ" لِلْمُبالَغَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ هاءَ تَأْنِيثٍ، و"الرَحْمَةُ" في هَذِهِ الآيَةِ: النُبُوَّةُ وما انْضافَ إلَيْها، وفي الكَلامِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: أيَضُرُّنِي شَكُّكم أو أيُمْكِنُنِي طاعَتُكم ونَحْوُ هَذا مِمّا يَلِيقُ بِمَعْنى الآيَةُ.

وقَوْلُهُ: ﴿فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ مَعْناهُ: فَما تُعْطُونَنِي فِيما أقْتَضِيهِ مِنكم مِنَ الإيمانِ وأطْلُبُكم بِهِ مِنَ الإنابَةِ غَيْرَ تَخْسِيرٍ لِأنْفُسِكُمْ، وهو مِنَ الخَسارَةِ، ولَيْسَ التَخْسِيرُ في هَذِهِ الآيَةِ إلّا لَهم وفي حَيِّزِهِمْ، وأضافَ الزِيادَةَ إلَيْهِ مِن حَيْثُ هو مُقْتَضٍ لِأقْوالِهِمْ مُوكَلٌ بِإيمانِهِمْ، كَما تَقُولُ لِمَن تُوصِيهِ: "أنا أُرِيدُ بِكَ خَيْرًا وأنْتَ تُرِيدُ بِي شَرًّا". فَكَأنَّ الوَجْهَ البَيِّنَ: "وَأنْتَ تُرِيدُ شَرًّا" ولَكِنْ مِن حَيْثُ كَنْتَ مُرِيدَ خَيْرٍ ومُقْتَضٍ ذَلِكَ حَسُنَ أنْ تُضِيفَ الزِيادَةَ إلى نَفْسِكَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيا قَوْمِ هَذِهِ ناقَةُ اللهِ﴾ الآيَةُ، اقْتُضِبَ في هَذِهِ الآيَةِ ذِكْرُ أوَّلِ أمْرِ الناقَةِ، وذَلِكَ أنَّهُ رُوِيَ أنَّ قَوْمَهُ طَلَبُوا مِنهُ آيَةً تَضْطَرُّهم إلى الإيمانِ، فَأخْرَجَ اللهُ، جَلَّتْ قُدْرَتُهُ، لَهُمُ الناقَةَ مِنَ الجَبَلِ، ورُوِيَ أنَّهُمُ اقْتَرَحُوا تَعْيِينَ خُرُوجِ الناقَةِ مِن تِلْكَ الصَخْرَةِ، (p-٦٠٢)فَرُوِيَ أنَّ الجَبَلَ تَمَخَّضَ كالحامِلِ، وانْصَدَعَ الحَجَرُ، وخَرَجَتْ مِنهُ ناقَةٌ بِفَصِيلِها، ورُوِيَ أنَّها خَرَجَتْ عُشَراءَ، ووَضَعَتْ بَعْدَ خُرُوجِها، فَوَقَّفَهم صالِحٌ وقالَ لَهُمْ: ﴿هَذِهِ ناقَةُ اللهِ لَكم آيَةً﴾، ونَصْبُ "آيَةً" عَلى الحالِ.

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "تَأْكُلْ" بِالجَزْمِ عَلى جَوابِ الأمْرِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "تَأْكُلُ" عَلى طَرِيقِ القَطْعِ والِاسْتِئْنافِ، أو عَلى أنَّهُ الحالُ مِنَ الضَمِيرِ في "ذَرُوها". وقَوْلُهُ: ﴿وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ﴾ عامٌّ في العَقْرِ وغَيْرِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿فَيَأْخُذَكم عَذابٌ قَرِيبٌ﴾ هَذا بِوَحْيٍ مِنَ اللهِ إلَيْهِ أنَّ قَوْمَكَ إذا عَقَرُوا الناقَةَ جاءَهم عَذابٌ قَرِيبُ المُدَّةِ مِن وقْتِ المَعْصِيَةِ، وهي الأيّامُ الثَلاثَةُ الَّتِي فَهِمَها صالِحٌ عَلَيْهِ السَلامُ مِن رُغاءِ الفَصِيلِ عَلى جَبَلِ القارَّةِ. وأضافَ العَقْرَ إلى جَمِيعِهِمْ لِأنَّ العاقِرَ كانَ مِنهم وكانَ عن رِضًى مِنهم وتَمالُؤٍ، وعاقِرُها قُدارٌ، ورُوِيَ في خَبَرِ ذَلِكَ أنَّ صالِحًا أوحى اللهُ إلَيْهِ أنَّ قَوْمَكَ سَيَعْقِرُونَ الناقَةَ ويَنْزِلُ بِهِمُ العَذابُ عِنْدَ ذَلِكَ، فَأخْبَرَهم بِذَلِكَ فَقالُوا: عِياذًا بِاللهِ أنْ نَفْعَلَ ذَلِكَ، فَقالَ: إنْ لَمْ تَفْعَلُوا أنْتُمْ ذَلِكَ أوشَكَ أنْ يُولَدَ فِيكم مَن يَفْعَلُهُ، وقالَ لَهُمْ: صِفَةُ عاقِرِها أحْمَرَ أزْرَقَ أشْقَرَ، فَجَعَلُوا الشَرْطَ مَعَ القَوابِلِ وأمَرُوهم بِتَفَقُّدِ الأطْفالِ، فَمَن كانَ عَلى هَذِهِ الصِفَةِ قُتِلَ، وكانَ في المَدِينَةِ شَيْخانِ شَرِيفانِ عَزِيزانِ، وكانَ لِهَذا ابْنٌ ولِهَذا بِنْتٌ، فَتَصاهَرا فَوُلِدَ بَيْنَ الزَوْجَيْنِ قُدارٌ، عَلى الصِفَةِ المَذْكُورَةِ، فَهَمَّ الشُرَطُ بِقَتْلِهِ، فَمَنَعَ مِنهُ جَدّاهُ حَتّى كَبِرَ، فَكانَ الَّذِي عَقَرَها بِالسَيْفِ في عَراقِيبِها، وقِيلَ: بِالسَهْمِ في ضَرْعِها وهَرَبَ فَصِيلُها عن ذَلِكَ، فَصَعِدَ عَلى جَبَلٍ يُقالُ لَهُ القارَّةُ، فَرَغا ثَلاثًا، فَقالَ صالِحٌ: هَذا مِيعادُ ثَلاثَةِ أيّامٍ لِلْعَذابِ، وأمَرَهم قَبْلَ رُغاءِ الفَصِيلِ أنْ يَطْلُبُوهُ عَسى أنْ يَصِلُوا إلَيْهِ فَيَنْدَفِعَ عنهُمُ العَذابَ بِهِ، فَرامُوا الصُعُودَ إلَيْهِ في الجَبَلِ، فارْتَفَعَ الجَبَلُ في السَماءِ حَتّى ما تَنالُهُ الطَيْرُ، وحِينَئِذٍ رَغا الفَصِيلُ.

وقَوْلُهُ: ﴿فِي دارِكُمْ﴾ هي جَمْعُ "دارَةٍ" كَما تَقُولُ: ساحَةٌ وساحٌ وسُوحٌ، ومِنهُ قَوْلُ أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَلْتِ:

؎ لَهُ داعٍ بِمَكَّةَ مُشْمَعِلُّ ∗∗∗ وآخَرُ عِنْدَ دارَتِهِ يُنادِي

(p-٦٠٣)وَيُمْكِنُ أنْ يُسَمّى جَمِيعَ مَسْكَنِ الحَيِّ دارًا، والثَلاثَةُ أيّامٍ تَعْجِيزٌ قاسَ الناسُ عَلَيْهِ الإعْذارَ إلى المَحْكُومِ عَلَيْهِ ونَحْوِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وذَلِكَ عِنْدِي مُفْتَرِقٌ لِأنَّها في المَحْكُومِ عَلَيْهِ والغارِمِ في الشُفْعَةِ ونَحْوِهِ تَوْسِعَةٌ، وهي هُنا تَوْقِيفٌ عَلى الخِزْيِ والتَعْذِيبِ، ورَوى قَتادَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ قالَ: "لَوْ صَعَدْتُمْ عَلى القارَّةِ لَرَأيْتُمْ عِظامَ الفَصِيلِ".

11:66–68Page 229

فَلَمَّا جَآءَ أَمۡرُنَا نَجَّيۡنَا صَٰلِحٗا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ بِرَحۡمَةٖ مِّنَّا وَمِنۡ خِزۡيِ يَوۡمِئِذٍۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ ٱلۡقَوِيُّ ٱلۡعَزِيزُ ٦٦

So when Our command came, We saved Ṣāliḥ and those who believed with him, by mercy from Us, and [saved them] from the disgrace of that day.1 Indeed, it is your Lord who is the Powerful, the Exalted in Might.

وَأَخَذَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ ٱلصَّيۡحَةُ فَأَصۡبَحُواْ فِي دِيَٰرِهِمۡ جَٰثِمِينَ ٦٧

And the shriek1 seized those who had wronged, and they became within their homes [corpses] fallen prone

كَأَن لَّمۡ يَغۡنَوۡاْ فِيهَآۗ أَلَآ إِنَّ ثَمُودَاْ كَفَرُواْ رَبَّهُمۡۗ أَلَا بُعۡدٗا لِّثَمُودَ ٦٨

As if they had never prospered therein. Unquestionably, Thamūd denied their Lord; then, away with Thamūd.

قوله عزّ وجلّ:

﴿فَلَمّا جاءَ أمْرُنا نَجَّيْنا صالِحًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا ومِن خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إنَّ رَبَّكَ هو القَوِيُّ العَزِيزُ﴾ ﴿وَأخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَيْحَةُ فَأصْبَحُوا في دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ ﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها ألا إنَّ ثَمُودا كَفَرُوا رَبَّهم ألا بُعْدًا لِثَمُودَ﴾

الأمْرُ جائِزٌ أنْ يُرادَ بِهِ المَصْدَرُ مِن أمَرَ، وجائِزٌ أنْ يُرادَ بِهِ: واحِدُ الأُمُورِ. وقَوْلُهُ: ﴿بِرَحْمَةٍ مِنّا﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَقْصِدَ أنَّ التَنْجِيَةَ إنَّما كانَتْ بِمُجَرَّدِ الرَحْمَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ وصْفَ حالٍ فَقَطْ: أخْبَرَ أنَّهُ رَحِمَهم في حالِ التَنْجِيَةِ. وقَوْلُهُ: "مِنّا" الظاهِرُ أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِرَحْمَةٍ ويُحْتَمَلُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ: "نَجَّيْنا".

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَمِن خِزْيٍ يَوْمَئِذٍ" بِتَنْوِينِ "خِزْيٍ" وفَتْحِ المِيمِ مِن "يَوْمَئِذٍ"، وذَلِكَ يَجُوزُ فِيهِ أنْ تَكُونَ فَتْحَةُ المِيمِ إعْرابًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بُنِيَ الظَرْفُ لَمّا أُضِيفَ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ، فَأنْتَ مُخَيَّرٌ في الوَجْهَيْنِ، والرِوايَتانِ في قَوْلِ الشاعِرِ:

؎ عَلى حِينَ عاتَبْتُ المَشِيبَ عَلى الصِبا ∗∗∗ وقُلْتُ ألَمّا أصْحُ والشَيْبُ وازِعُ

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: "وَمِن خِزْيٍ يَوْمِئِذٍ" بِإضافَةِ "خِزْيٍ" وكَسْرِ المِيمِ مِن "يَوْمِئِذٍ"، وهَذا تَوَسُّعٌ في إضافَةِ المُصْدَرِ إلى الظَرْفِ كَما قالَ: "مَكْرُ اللَيْلِ والنَهارِ"، ونَحْوُ هَذا، وقِياسُ هَذِهِ القِراءَةِ أنْ يُقالَ "سِيرَ عَلَيْهِ يَوْمُئِذٍ" (p-٦٠٤)بِرَفْعِ المِيمِ، وهَذِهِ قِراءَتُهم في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن عَذابِ يَوْمِئِذٍ﴾ [المعارج: ١١]، و﴿مِن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ﴾ [النمل: ٨٩]، وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ كَذَلِكَ إلّا في قَوْلِهِ: "مِن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ" فَإنَّهُما نَوَّنا العَيْنَ وفَتَحا المِيمَ واخْتُلِفَتْ عن نافِعٍ في كَسْرِ المِيمِ وفَتْحِها، وهو يُضِيفُ في الوَجْهَيْنِ، وقَرَأ الكِسائِيُّ: "مِن خِزْيِ يَوْمَئِذٍ" بِتُرْكِ التَنْوِينِ وفَتْحِ المِيمِ مِن يَوْمَئِذٍ وهَذا جَمْعٌ بَيْنَ الإضافَةِ وبِناءِ الظَرْفِ. وقَرَأ: "وَمِن فَزَعٍ"كَعاصِمٍ وحَمْزَةَ، وأمّا "إذْ" فَكانَ حَقُّها: "إذْ" ساكِنَةً إلّا أنَّها مِن حَقِّها أنْ تَلِيَها الجُمَلُ فَلَمّا حُذِفَتْ لَها هاهُنا الجُمْلَةُ عُوِّضَتْ بِالتَنْوِينِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: "يَوْمِئِذٍ" إلى يَوْمِ التَعْذِيبِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَيْحَةُ﴾ الآيَةُ، رُوِيَ «أنَّ صالِحًا عَلَيْهِ السَلامُ قالَ لَهم حِينَ رَغا الفَصِيلُ: سَتَصْفَرُّ وُجُوهُكم في اليَوْمِ الأوَّلِ وتَحْمَرُّ في الثانِي وتَسْوَدُّ في الثالِثِ، فَلَمّا كانَ كَذَلِكَ تَكَفَّنُوا في الأنْطاعِ واسْتَعَدُّوا لِلْهَلاكِ وأخَذَتْهم صَيْحَةٌ فِيها مِن كُلِّ صَوْتٍ مَهُولٍ، صَدَعَتْ قُلُوبَهم وأصابَتْ كُلَّ مَن كانَ مِنهم في شَرْقِ الأرْضِ وغَرْبِها، إلّا رَجُلًا كانَ في الحَرَمِ فَمَنَعَهُ الحَرَمُ مِن ذَلِكَ ثُمَّ هَلَكَ بَعْدَ ذَلِكَ،» فَفي مُصَنَّفِ أبِي داوُدَ: «قِيلَ: يا رَسُولَ اللهِ مَن ذَلِكَ الرَجُلُ؟ قالُوا أبُو رُغالٍ.»

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وفِي هَذا نَظَرٌ، وخِلافُهُ في السِيَرِ. وذَكَّرَ الفِعْلَ المُسْنَدَ إلى الصَيْحَةِ إذْ هي بِمَعْنى (p-٦٠٥)الصِياحِ، وتَأْنِيثُها غَيْرُ حَقِيقِيٍّ. وقِيلَ: جازَ ذَلِكَ وهي مُؤَنَّثَةٌ لَمّا فَصَلَ بَيْنَ الفِعْلِ وبَيْنَها. كَما قالُوا: "حَضَرَ القاضِيَ اليَوْمَ امْرَأةٌ"، والأوَّلُ أصْوَبُ، و"الصَيْحَةُ" إنَّما تَجِيءُ مُسْتَعْمَلَةً في ذِكْرِ العَذابِ لِأنَّها فَعْلَةٌ تَدُلُّ عَلى مَرَّةٍ واحِدَةٍ شاذَّةٍ، والصِياحُ يَدُلُّ عَلى مَصْدَرٍ مُتَطاوِلٍ، وشَذَّ في كَلامِهِمْ قَوْلُهُمْ: "لَقِيتُهُ لِقاءَةً واحِدَةً"، والقِياسُ لَقْيَةٌ.

و"جاثِمِينَ" أيْ: بارِكِينَ قَدْ صَعِقَ بِهِمْ، وهو تَشْبِيهٌ بِجُثُومِ الطَيْرِ، وبِذَلِكَ يُشْبِهُ جُثُومَ الأثافِيِّ وجُثُومَ الرَمادِ.

و"يَغْنَوْا": مُضارِعٌ مَن غَنِيَ في المَكانِ إذا أقامَ فِيهِ في خَفْضِ عَيْشٍ وهي المَغانِي: وقَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ: "ألا إنَّ ثَمُودَ" وكَذَلِكَ في "الفُرْقانِ والعنكَبُوتِ والنَجْمِ"، وصَرَفَها الكِسائِيُّ كُلَّها. وقَوْلُهُ: "ألا بُعْدًا لِثَمُودَ"، واخْتُلِفَ عن عاصِمٍ، فَرَوى عنهُ حَفْصٌ تَرْكَ الإجْراءِ كَحَمْزَةَ، ورَوى عنهُ أبُو بَكْرٍ إجْراءَ الأرْبَعَةِ وتَرْكَهُ في قَوْلِهِ: "ألا بُعْدًا لِثَمُودَ"، وقَرَأ الباقُونَ: "ألا إنَّ ثَمُودًا" فَصُرِفَتْ، "ألا بُعْدًا لِثَمُودَ" غَيْرَ مَصْرُوفٍ، والقِراءَتانِ فَصِيحَتانِ، وكَذَلِكَ صَرَفُوا في "الفُرْقانِ والعنكَبُوتِ والنَجْمِ".

11:69–71Page 229

وَلَقَدۡ جَآءَتۡ رُسُلُنَآ إِبۡرَٰهِيمَ بِٱلۡبُشۡرَىٰ قَالُواْ سَلَٰمٗاۖ قَالَ سَلَٰمٞۖ فَمَا لَبِثَ أَن جَآءَ بِعِجۡلٍ حَنِيذٖ ٦٩

And certainly did Our messengers [i.e., angels] come to Abraham with good tidings; they said, "Peace." He said, "Peace," and did not delay in bringing [them] a roasted calf.

فَلَمَّا رَءَآ أَيۡدِيَهُمۡ لَا تَصِلُ إِلَيۡهِ نَكِرَهُمۡ وَأَوۡجَسَ مِنۡهُمۡ خِيفَةٗۚ قَالُواْ لَا تَخَفۡ إِنَّآ أُرۡسِلۡنَآ إِلَىٰ قَوۡمِ لُوطٖ ٧٠

But when he saw their hands not reaching for it, he distrusted them and felt from them apprehension.1 They said, "Fear not. We have been sent to the people of Lot."

وَٱمۡرَأَتُهُۥ قَآئِمَةٞ فَضَحِكَتۡ فَبَشَّرۡنَٰهَا بِإِسۡحَٰقَ وَمِن وَرَآءِ إِسۡحَٰقَ يَعۡقُوبَ ٧١

And his wife was standing, and she smiled.1 Then We gave her good tidings of Isaac and after Isaac, Jacob.

(p-٦٠٦)قوله عزّ وجلّ:

﴿وَلَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إبْراهِيمَ بِالبُشْرى قالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ فَما لَبِثَ أنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ ﴿فَلَمّا رَأى أيْدِيَهم لا تَصِلُ إلَيْهِ نَكِرَهم وأوجَسَ مِنهم خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ ﴿وامْرَأتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾

"الرُسُلُ": المَلائِكَةُ وهم جِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ وإسْرافِيلُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَدَلَ إسْرائِيلَ: عِزْرائِيلُ- مَلَكُ المَوْتِ- ورُوِيَ أنَّ جِبْرِيلَ مِنهم كانَ مُخْتَصًّا بِإهْلاكِ قَرْيَةِ لُوطٍ، ومِيكائِيلُ مُخْتَصًّا بِتَبْشِيرِ إبْراهِيمَ بِإسْحاقَ.

وإسْرافِيلُ مُخْتَصًّا بِإنْجاءِ لُوطٍ ومَن مَعَهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذِهِ الآيَةُ تَقْضِي بِاشْتِراكِهِمْ في البِشارَةِ بِإسْحاقَ وقالَتْ فِرْقَةٌ -وَهِيَ الأكْثَرُ-: "البُشْرى" هي بِإسْحاقَ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: "البُشْرى" هي بِإهْلاكِ قَوْمِ لُوطٍ.

وقَوْلُهُ: "سَلامًا" نَصْبٌ عَلى المَصْدَرِ، والعامِلُ فِيهِ فِعْلٌ مُضْمَرٌ مِن لَفْظِهِ كَأنَّهُ قالَ: أُسَلِّمُ سَلامًا، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ: سَلامًا حِكايَةً لِمَعْنى ما قالُوهُ لا لِلَفْظِهِمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ والسُدِّيُّ، فَلِذَلِكَ عَمِلَ فِيهِ القَوْلُ، كَما تَقُولُ- الرَجُلُ قالَ:،لا إلَهَ إلّا اللهُ": "قَلْتَ حَقًّا أو إخْلاصًا"، ولَوْ حَكَيْتَ لَفْظَهم لَمْ يَصِحَّ أنْ تُعْمِلَ فِيهِ القَوْلَ وقَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿قالَ سَلامٌ﴾ حِكايَةٌ لِلَفْظِهِ، و"سَلامٌ" مُرْتَفِعٌ إمّا عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: عَلَيْكم وإمّا عَلى خَبَرِ ابْتِداءٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: أمْرِي سَلامٌ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ [يوسف: ١٨] إمّا عَلى تَقْدِيرِ فَأمْرِي صَبْرٌ جَمِيلٌ، وإمّا عَلى تَقْدِيرِ: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ أجْمَلُ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ: "قالُوا سَلامًا قالَ: سَلامٌ" وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "قالُوا سَلامًا، قالَ: سَلْمٌ" وكَذَلِكَ اخْتِلافُهم في سُورَةِ الذارِياتِ. وذَلِكَ عَلى وجْهَيْنِ: يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ السَلامَ بِعَيْنِهِ، كَما قالُوا حِلٌّ وحَلالٌ وحِرْمٌ وحَرامٌ ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ:

؎ مَرَرْنا فَقُلْنا إيهِ سِلْمٌ فَسَلَّمَتْ ∗∗∗ كَما اكْتَلَّ بِالبَرْقِ الغَمامُ اللَوائِحُ

(p-٦٠٧)اكْتَلَّ: اتَّخَذَ إكْلِيلًا أو نَحْوَ هَذا، قالَ الطَبَرِيُّ: ورُوِيَ: كَما انْكَلَّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِـ "السِلْمِ": ضِدَّ الحَرْبِ، تَقُولُ نَحْنُ سِلْمٌ لَكم. وكانَ سَلامُ المَلائِكَةِ دُعاءً مَرْجُوًّا- فَلِذَلِكَ نَصَبَ- وحَيّا الخَلِيلُ بِأحْسَنَ مِمّا حُيِّيَ وهو الثابِتُ المُتَقَرِّرُ ولِذَلِكَ جاءَ مَرْفُوعًا.

وقَوْلُهُ: ﴿فَما لَبِثَ أنْ جاءَ﴾ يَصِحُّ أنْ تَكُونَ "ما" نافِيَةً، وفي "لَبِثَ" ضَمِيرُ إبْراهِيمَ، و"أنْ جاءَ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ، أيْ: بِأنْ جاءَ، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ "ما" نافِيَةً وإنْ جاءَ بِتَأْوِيلِ المَصْدَرِ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِـ "لَبِثَ" أيْ: ما لَبِثَ مَجِيئُهُ، ولَيْسَ في "لَبِثَ" -عَلى هَذا- ضَمِيرُ إبْراهِيمَ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ "ما" بِمَعْنى الَّذِي، وُفي لَبِثَ ضَمِيرُ إبْراهِيمَ، و"أنْ جاءَ" خَبَرُ "ما"، أيْ: فَلَبِثَ إبْراهِيمُ مَجِيئَهُ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ، وفي أدَبِ الضَيْفِ أنْ يَجْعَلَ قِراهُ مِن هَذِهِ الآيَةِ.

و"الحَنِيذُ" بِمَعْنى المَحْنُوذِ ومَعْناهُ: بِعِجْلٍ مَشْوِيٍّ نَضِجٍ يُقَطَّرُ ماؤُهُ، وهَذا القَطْرُ يَفْصِلُ الحَنِيذَ مِن جُمْلَةِ المَشْوِيّاتِ، ولَكِنْ هَيْئَةُ المَحْنُوذِ في اللُغَةِ الَّذِي يُغَطّى بِحِجارَةٍ أو رَمْلٍ مَحْمِيٍّ أو حائِلٍ بَيْنَهُ وبَيْنَ النارِ يُغَطّى بِهِ والمُعَرَّضُ مِنَ الشِواءِ: الَّذِي (p-٦٠٨)يُصَفَّفُ عَلى الجَمْرِ، والمُهْضَّبُ: الشِواءُ الَّذِي بَيْنَهُ وبَيْنَ النارِ حائِلٌ، يَكُونُ الشِواءُ عَلَيْهِ لا مَدْفُونًا لَهُ، والتَحْنِيذُ في تَضْمِيرِ الخَيْلِ هو أنْ يُغَطّى الفَرَسُ بِجُّلٍّ عَلى جُلٍّ لِيَتَصَبَّبَ عَرَقُهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا رَأى أيْدِيَهُمْ﴾ الآيَةُ، رُوِيَ أنَّهم كانُوا يَنْكُتُونَ بِقِداحٍ كانَتْ في أيْدِيهِمْ في اللَحْمِ ولا تَصِلُ أيْدِيهِمْ إلَيْهِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ مِن أدَبِ الطَعامِ أنَّ لِصاحِبِ الضَيْفِ أنْ يَنْظُرَ مِن ضَيْفِهِ هَلْ يَأْكُلُ أمْ لا؟

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وذَلِكَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ بِتَلَفُّتٍ ومُسارَقَةٍ لا بِتَحْدِيدِ النَظَرِ، فَرُوِيَ أنَّ أعْرابِيًّا أكَلَ مَعَ سُلَيْمانَ بْنِ عَبْدِ المَلِكِ، فَرَأى سُلَيْمانَ في لُقْمَةِ الأعْرابِيِّ شَعْرَةً فَقالَ لَهُ: أزِلِ الشَعْرَةَ عن لُقْمَتِكَ، فَقالَ لَهُ: أتُنْظَرُ إلَيَّ نَظَرَ مَن يَرى الشَعْرَ في لُقْمَتِي واللهِ لا أكَلْتُ مَعَكَ.

و"نَكِرَهُمْ" -عَلى ما ذَكَرَ كَثِيرٌ مِنَ الناسِ- مَعْناهُ: أنْكَرَهُمْ، واسْتَشْهَدَ لِذَلِكَ بِالبَيْتِ الَّذِي نَحَلَهُ أبُو عَمْرِو بْنِ العَلاءِ الأعْشى وهُوَ:

؎ وأنْكَرَتْنِي وما كانَ الَّذِي نَكِرَتْ ∗∗∗ ∗∗∗ مِنَ الحَوادِثِ إلّا الشَيْبُ والصَلَعا

وقالَ بَعْضُ الناسِ: "نَكِرَ" هو مُسْتَعْمَلٌ فِيما يُرى بِالبَصَرِ فَيُنْكَرُ، و"أنْكَرَ" هي مُسْتَعْمَلَةٌ فِيما لا يُقَرَّرُ مِنَ المَعانِي، فَكَأنَّ الأعْشى قالَ: وأنْكَرْتَنِي مَوَدَّتِي وأدْمَتِي (p-٦٠٩)وَنَحْوَهُ، ثُمَّ جاءَ بِـ "نَكِرَ" في الشَيْبِ والصَلَعِ الَّذِي هو مَرْئِيٌّ بِالبَصَرِ، ومِن هَذا قَوْلُ أبِي ذُؤَيْبٍ:

؎ فَنَكِرْنَهُ فَنَفَرْنَ وامْتَرَسَتْ بِهِ ∗∗∗ ∗∗∗ هَوْجاءُ هادِيَةٌ وهادٍ جُرْشَعُ

والَّذِي خافَ مِنهُ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ امْتِناعُهم مِنَ الأكْلِ، فَعُرْفُ مَن جاءَ بِشَرٍّ ألّا يَأْكُلَ طَعامَ المَنزُولِ بِهِ، و"أوجَسَ" مَعْناهُ: أحَسَّ في نَفْسِهِ خِيفَةً مِنهُمْ، و"الوَجِيسُ": ما يَعْتَرِي النَفْسَ عِنْدَ الحَذَرِ وأوائِلِ الفَزَعِ، فَأمَّنُوهُ بِقَوْلِهِمْ: "لا تَخَفْ"، وعَلِمَ أنَّهُمُ المَلائِكَةُ.

ثُمَّ خَرَجَتِ الآيَةُ إلى ذِكْرِ المَرْأةِ وبِشارَتِها، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: قائِمَةٌ خَلْفَ سِتْرٍ تَسْمَعُ مُحاوَرَةَ إبْراهِيمَ مَعَ أضْيافِهِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: قائِمَةٌ في صَلاةٍ، وقالَ السُدِّيُّ مَعْناهُ: قائِمَةٌ تَخْدِمُ القَوْمَ، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَهِيَ قائِمَةٌ وهو جالِسٌ". وقَوْلُهُ: ﴿فَضَحِكَتْ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: مَعْناهُ: حاضَتْ، وأنْشَدَ عَلى ذَلِكَ اللُغَوِيُّونَ:

؎ وضِحْكُ الأرانِبِ فَوْقَ الصَفا ∗∗∗ ∗∗∗ كَمِثْلِ دَمِ الجَوْفِ يَوْمَ اللِقا

وهَذا القَوْلُ ضَعِيفٌ قَلِيلُ التَمَكُّنِ، وقَدْ أنْكَرَ بَعْضُ اللُغَوِيِّينَ أنْ يَكُونَ في كَلامِ العَرَبِ ضَحِكَتْ بِمَعْنى: حاضَتْ، وقَرَّرَهُ بَعْضُهُمْ، ويُقالُ ضَحِكَ إذا امْتَلَأ وفاضَ، ورَدَّ الزَجّاجُ قَوْلَ مُجاهِدٍ، وقالَ الجُمْهُورُ: هو الضَحِكُ المَعْرُوفُ، واخْتُلِفَ مِمَّ ضَحِكَتْ؟ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: ضَحِكَتْ مِن تَأْمِينِهِمْ لِإبْراهِيمَ بِقَوْلِهِمْ: لا تَخَفْ. وقالَ قَتادَةُ: ضَحِكَتْ هُزُؤًا مِن قَوْمِ لُوطٍ أنْ يَكُونُوا عَلى غَفْلَةٍ وقَدْ نَفَذَ مِن أمْرِ اللهِ تَعالى فِيهِمْ ما نَفَذَ.

وقالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: ضَحِكَتْ مِنَ البِشارَةِ بِإسْحاقَ، وقالَ: هَذا مُقَدَّمٌ بِمَعْنى التَأْخِيرِ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ قَيْسٍ: ضَحِكَتْ لِظَنِّها بِهِمْ أنَّهم يُرِيدُونَ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ قالَ القاضِيَ: وهَذا قَوْلٌ خَطَأٌ لا يَنْبَغِي أنْ يُلْتَفَتَ إلَيْهِ، وقَدْ حَكاهُ الطَبَرِيُّ، وإنَّما ذَكَرْتُهُ لِمَعْنى التَنْبِيهِ عَلى فَسادِهِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: ضَحِكَتْ مِن فَزَعِ إبْراهِيمَ مِن ثَلاثَةٍ وهي تَعْهَدُهُ يَغْلِبُ الأرْبَعِينَ مِنَ الرِجالِ، وقِيلَ: المِائَةُ. وقالَ السُدِّيُّ: ضَحِكَتْ مِن أنْ تَكُونَ هي تَخْدِمُ وإبْراهِيمُ يَحْفِدُ ويَسْعى والأضْيافُ لا يَأْكُلُونَ. وقِيلَ: ضَحِكَتْ سُرُورًا بِصِدْقِ ظَنِّها، لِأنَّها كانَتْ تَقُولُ لِإبْراهِيمَ، إنَّهُ لا بُدَّ أنْ يَنْزِلَ العَذابُ بِقَوْمِ لُوطٍ، ورُوِيَ أنَّ المَلائِكَةَ مَسَحَتِ العِجْلَ فَقامَ حَيًّا فَضَحِكَتْ لِذَلِكَ.

وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ زِيادٍ الأعْرابِيُّ: "فَضَحَكَتْ" بِفَتْحِ الحاءِ.

وامْرَأةُ إبْراهِيمَ هَذِهِ هي سارَّةُ بِنْتُ هارُونَ بْنِ ناحُورَ، وهو إبْراهِيمُ بْنُ آزَرَ بْنِ ناحُورَ فَهي ابْنَةُ عَمِّهِ، وقِيلَ: هي أُخْتُ لُوطٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وما أظُنُّ ذَلِكَ إلّا أُخُوَّةَ القَرابَةِ لِأنَّ إبْراهِيمَ هو عَمُّ لُوطٍ فِيما رُوِيَ: وذَكَرَ الطَبَرِيُّ أنَّ إبْراهِيمَ لَمّا قَدَّمَ العِجْلَ قالُوا لَهُ: إنّا لا نَأْكُلُ طَعامًا إلّا بِثَمَنٍ، فَقالَ لَهُمْ: ثَمَنُهُ أنْ تَذْكُرُوا اللهَ تَعالى عَلَيْهِ في أوَّلَ، وتَحْمَدُوهُ في آخِرٍ، فَقالَ جِبْرِيلُ لِأصْحابِهِ: بِحَقٍّ اتَّخَذَ اللهُ هَذا خَلِيلًا.

وقَوْلُهُ: فَبَشَّرْناها أضافَ فِعْلَ المَلائِكَةِ إلى ضَمِيرِ اسْمِ اللهِ تَعالى إذْ كانَ بِأمْرِهِ ووَحْيِهِ، وبَشَّرَ المَلائِكَةُ سارَّةَ بِإسْحاقَ وبِأنَّ إسْحاقَ سَيَلِدُ يَعْقُوبَ، ويُسَمّى ولَدُ الوَلَدِ مِنَ الوَراءِ، وهو قَرِيبٌ مِن مَعْنى وراءٍ في الظُرُوفِ إذْ هو ما يَكُونُ خَلْفَ الشَيْءِ وبَعْدَهُ ورَأى ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما رَجُلًا مَعَهُ شابٌّ، فَقالَ لَهُ: مَن هَذا؟ فَقالَ لَهُ: ولَدُ ولَدِي، فَقالَ: هو ولَدُكَ مِنَ الوَراءِ، فَغَضِبَ الرَجُلُ، فَذَكَرَ لَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما الآيَةَ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ "يَعْقُوبُ" بِالرَفْعِ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرُ المُقَدَّمُ، وهو -عَلى هَذا- دَخَلَ في البُشْرى، وقالَتْ فِرْقَةٌ: رَفْعُهُ عَلى القَطْعِ بِمَعْنى: ومِن وراءِ إسْحاقَ يَحْدُثُ يَعْقُوبُ، وعَلى هَذا لا يَدْخُلُ في البِشارَةِ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ "يَعْقُوبَ" بِالنَصْبِ واخْتُلِفَ عن عاصِمٍ، فَمِنهم مَن جَعَلَهُ مَعْطُوفًا عَلى "إسْحاقَ" إلّا أنَّهُ لَمْ يَنْصَرِفْ، واسْتَسْهَلَ هَذا القائِلُ أنْ فُرِّقَ بَيْنَ حَرْفِ العَطْفِ والمَعْطُوفِ بِالمَجْرُورِ، وسِيبَوَيْهِ لا يُجِيزُ هَذا إلّا عَلى إعادَةِ حَرْفِ الجَرِّ، وهو كَما تَقُولُ: مَرَرْتُ بِزَيْدٍ اليَوْمَ وأمْسِ عَمْرٍو، فالوَجْهُ عِنْدَهُ: وأمْسِ بِعَمْرٍو، وإذا لَمْ يَعُدْ فَفِيهِ كَبِيرُ قُبْحٍ، والوَجْهُ في نُصْبِهِ أنْ يَنْتَصِبَ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، تَدُلُّ عَلَيْهِ البِشارَةُ وتَقْدِيرُهُ: ومِن وراءِ إسْحاقَ وهَبْنا يَعْقُوبَ، وهَذا رَجَّحَهُ أبُو عَلِيٍّ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

ورُوِيَ أنَّ سارَّةَ كانَتْ في وقْتِ هَذِهِ البِشارَةِ بِنْتَ تِسْعٍ وتِسْعِينَ سَنَةً، وإبْراهِيمُ ابْنَ مِائَةِ سَنَةٍ.

وهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الذَبِيحَ هو إسْماعِيلُ وأنَّهُ أسَنُّ مِن إسْحاقَ وذَلِكَ أنَّ سارَةَ كانَتْ في وقْتِ إخْدامِ المَلِكِ الجائِرِ هاجَرُ أمُّ إسْماعِيلَ امْرَأةً شابَّةً جَمِيلَةً حَسَبَما في الحَدِيثِ، فاتَّخَذَها إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ أمَّ ولَدٍ، فَغارَتْ بِها سارَّةُ، فَخَرَجَ بِها وبِابْنِها إسْماعِيلَ مِنَ الشامِ عَلى البُراقِ وجاءَ مِن يَوْمِهِ مَكَّةَ فَتَرَكَهُما- حَسَبَما في السِيَرِ- وانْصَرَفَ إلى الشامِ مِن يَوْمِهِ ثُمَّ كانَتِ البِشارَةُ بِإسْحاقَ، وسارَّةُ عَجُوزٌ مُتَجالَّةٌ، وأمّا وجْهُ دَلالَةِ الآيَةِ عَلى أنَّ إسْحاقَ لَيْسَ بِالذَبِيحِ فَهو أنَّ سارَّةَ وإبْراهِيمَ بُشِّرا بِإسْحاقَ وأنَّهُ يُولَدُ لَهُ يَعْقُوبُ، ثُمَّ أُمِرَ بِالذَبْحِ حِينَ بَلَغَ ابْنُهُ مَعَهُ السَعْيَ، فَكَيْفَ يُؤْمَرُ بِذَبْحِ ولَدٍ قَدْ بُشِّرَ قَبْلُ أنَّهُ سَيُولَدُ لِابْنِهِ ذَلِكَ، وأيْضًا فَلَمْ يَقَعْ قَطُّ في أثَرٍ أنَّ إسْحاقَ دَخَلَ الحِجازَ وإجْماعٌ أنَّ أمْرَ الذَبْحِ كانَ بِمِنًى، ويُؤَيِّدُ هَذا الغَرَضَ قَوْلُ رَسُولِ اللهِ ﷺ: « "أنا ابْنُ الذَبِيحَيْنِ"» يُرِيدُ أباهُ عَبْدَ اللهِ وأباهُ إسْماعِيلَ، ويُؤَيِّدُهُ ما نَزَعَ بِهِ مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ مِنَ الِاحْتِجاجِ بِرُتْبَةِ سُورَةِ الصافّاتِ فَإنَّهُ بَعْدَ كَمالِ أمْرِ الذَبِيحِ قالَ: ﴿وَبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصالِحِينَ﴾ [الصافات: ١١٢].

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وفِي هَذا كُلِّهِ مَوْضِعُ مُعارَضاتٍ لِقائِلِ القَوْلِ الآخَرِ: إنَّ الذَبِيحَ هو إسْحاقُ، ولَكِنَّ هَذا الَّذِي ذَكَرْناهُ هو الأرْجَحُ واللهُ أعْلَمُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском