Ibn 'AtiyyaAr‑Ra'd · 13:30–39

Ibn 'Atiyya · Tafsir · in Arabic

Ar-Ra'd 13:30–39

13:30–32Page 253

كَذَٰلِكَ أَرۡسَلۡنَٰكَ فِيٓ أُمَّةٖ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهَآ أُمَمٞ لِّتَتۡلُوَاْ عَلَيۡهِمُ ٱلَّذِيٓ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ وَهُمۡ يَكۡفُرُونَ بِٱلرَّحۡمَٰنِۚ قُلۡ هُوَ رَبِّي لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ عَلَيۡهِ تَوَكَّلۡتُ وَإِلَيۡهِ مَتَابِ ٣٠

Thus have We sent you to a community before which [other] communities have passed on so you might recite to them that which We revealed to you, while they disbelieve in the Most Merciful. Say, "He is my Lord; there is no deity except Him. Upon Him I rely, and to Him is my return."

وَلَوۡ أَنَّ قُرۡءَانٗا سُيِّرَتۡ بِهِ ٱلۡجِبَالُ أَوۡ قُطِّعَتۡ بِهِ ٱلۡأَرۡضُ أَوۡ كُلِّمَ بِهِ ٱلۡمَوۡتَىٰۗ بَل لِّلَّهِ ٱلۡأَمۡرُ جَمِيعًاۗ أَفَلَمۡ يَاْيۡـَٔسِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَن لَّوۡ يَشَآءُ ٱللَّهُ لَهَدَى ٱلنَّاسَ جَمِيعٗاۗ وَلَا يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ قَارِعَةٌ أَوۡ تَحُلُّ قَرِيبٗا مِّن دَارِهِمۡ حَتَّىٰ يَأۡتِيَ وَعۡدُ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُخۡلِفُ ٱلۡمِيعَادَ ٣١

And if there was any Qur’ān [i.e., recitation] by which the mountains would be removed or the earth would be broken apart or the dead would be made to speak,1 [it would be this Qur’ān], but to Allāh belongs the affair entirely. Then have those who believed not accepted that had Allāh willed, He would have guided the people, all of them? And those who disbelieve do not cease to be struck, for what they have done, by calamity - or it will descend near their home - until there comes the promise of Allāh. Indeed, Allāh does not fail in [His] promise.

وَلَقَدِ ٱسۡتُهۡزِئَ بِرُسُلٖ مِّن قَبۡلِكَ فَأَمۡلَيۡتُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ثُمَّ أَخَذۡتُهُمۡۖ فَكَيۡفَ كَانَ عِقَابِ ٣٢

And already were [other] messengers ridiculed before you, and I extended the time of those who disbelieved; then I seized them, and how [terrible] was My penalty.

قوله عزّ وجلّ:

﴿كَذَلِكَ أرْسَلْناكَ في أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِها أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أوحَيْنا إلَيْكَ وهم يَكْفُرُونَ بِالرَحْمَنِ قُلْ هو رَبِّي لا إلَهَ إلا هو عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإلَيْهِ مَتابِ﴾ ﴿وَلَوْ أنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ أو قُطِّعَتْ بِهِ الأرْضُ أو كُلِّمَ بِهِ المَوْتى بَلْ لِلَّهِ الأمْرُ جَمِيعًا أفَلَمْ يَيْأسِ الَّذِينَ آمَنُوا أنَّ لَوْ يَشاءُ اللهُ لَهَدى الناسَ جَمِيعًا ولا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهم بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ أو تَحُلُّ قَرِيبًا مِن دارِهِمْ حَتّى يَأْتِيَ وعْدُ اللهُ إنَّ اللهُ لا يُخْلِفُ المِيعادَ﴾ ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ فَأمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أخَذْتُهم فَكَيْفَ كانَ عِقابِ﴾

الكافُ في قَوْلِهِ: "كَذَلِكَ" مُتَعَلِّقَةٌ بِالمَعْنى الَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنَّ اللهَ يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي إلَيْهِ مَن أنابَ﴾ [الرعد: ٢٧]، أيْ: كَما أنْفَذَ اللهُ هَذا كَذَلِكَ أرْسَلْناكَ، هَذا قَوْلٌ، والَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّ المَعْنى: كَما أجْرَيْنا العادَةَ بِأنَّ اللهَ يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي، لا الآياتُ المُقْتَرَحَةُ، فَكَذَلِكَ أيْضًا فِعْلُنا في هَذِهِ الأُمَّةِ، أرْسَلْناكَ إلَيْها بِوَحْيٍ لا بِالآياتِ المُقْتَرَحَةِ، فَيُضِلُّ اللهُ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهم يَكْفُرُونَ بِالرَحْمَنِ﴾، قالَ قَتادَةُ، وابْنُ جُرَيْجٍ: نَزَلَتْ في قُرَيْشٍ حِينَ عاهَدَهم رَسُولُ اللهِ ﷺ عامَ الحُدَيْبِيَةِ، فَكَتَبَ الكِتابَ: "بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ"، فَقالَ قائِلُهُمْ: نَحْنُ لا نَعْرِفُ الرَحْمَنَ ولا نَقْرَأُ اسْمَهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

والَّذِي أقُولُ في هَذا: إنَّ "الرَحْمَنَ" هُنا يُرادُ بِهِ اللهُ تَعالى وذاتُهُ، ونَسَبَ إلَيْهِمُ الكُفْرَ بِهِ عَلى الإطْلاقِ، وقِصَّةُالحُدَيْبِيَةَ وقِصَّةُ أُمِّيَّةَ بْنِ خَلَفٍ مَعَ عَبْدِ الرَحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، إنَّما هي عن إبايَةِ الِاسْمِ فَقَطْ، وهُرُوبٌ عن هَذِهِ العِبارَةِ الَّتِي لَمْ يَعْرِفُوها إلّا مِن قِبَلِ مُحَمَّدٍ ﷺ، ثُمَّ أمَرَ اللهُ نَبِيَّهُ بِالتَصْرِيحِ بِالدِينِ والإفْصاحِ بِالدَعْوَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ هو (p-٢٠٥)رَبِّي لا إلَهَ إلا هو عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإلَيْهِ مَتابِ﴾، و"المَتابُ": المَرْجِعُ كالمَآبِ، لِأنَّ التَوْبَةَ: الرُجُوعُ.

ويُحْتَمَلُ قَوْلُهُ: ﴿وَلَوْ أنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ﴾ الآيَةُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ: ﴿وَهم يَكْفُرُونَ بِالرَحْمَنِ﴾ فَيَكُونُ مَعْنى الآيَةِ الإخْبارَ عنهم أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ ولَوْ نَزَلَ قُرْآنٌ سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ أو قُطِّعَتْ بِهِ الأرْضُ، هَذا تَأْوِيلُ الفَرّاءِ وفِرْقَةٍ مِنَ المُتَأوِّلِينَ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ جَوابُ "لَوْ" مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: ولَوْ أنَّ قُرْآنًا يَكُونُ صِفَتُهُ كَذا لَما آمَنُوا بِوَجْهٍ، وقالَ أهْلُ هَذا التَأْوِيلِ: ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وغَيْرُهُما: «إنَّ الكُفّارَ قالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ: أزِحْ عَنّا، أو سَيِّرْ جَبَلَيْ مَكَّةَ فَقَدْ ضَيَّقا عَلَيْنا، واجْعَلْ لَنا أرْضًا قِطَعَ غِراسَةٍ وحَرْثٍ، وأحْيِ لَنا آباءَنا وأجْدادَنا وفُلانًا وفُلانًا، فَنَزَلَتِ الآيَةُ» في ذَلِكَ مُعْلِمَةً أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ ولَوْ كانَ ذَلِكَ كُلُّهُ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: جَوابُ "لَوْ" مَحْذُوفٌ ولَكِنَّهُ لَيْسَ في هَذا المَعْنى، بَلْ تَقْدِيرُهُ: لَكانَ هَذا القُرْآنُ الَّذِي يُصْنَعُ بِهِ هَذا، وتَتَضَمَّنُ الآيَةُ -عَلى هَذا- تَعْظِيمَ القُرْآنِ، وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ يُحَرِّرُ فَصاحَةَ الآيَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ لِلَّهِ الأمْرُ جَمِيعًا﴾ يُعَضِّدُ التَأْوِيلَ الأخِيرَ ويَتَرَتَّبُ مَعَ الآخَرِينَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَلَمْ يَيْأسِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بِمَعْنى: يَعْلَمْ، وهي لُغَةُ هَوازِنَ، قالَهُ القاسِمُ بْنُ مَعْنٍ، وقالَ ابْنُ الكَلْبِيِّ: هي لُغَةُ "هَبِيلٍ" حَيٌّ مِنَ النَخَعِ، ومِنهُ قَوْلُ سُحَيْمِ بْنِ وثِيلٍ الرِياحِيِّ:

؎ أقُولُ لَهم بِالشِعْبِ إذْ يَيْسِرُونَنِي ∗∗∗ ألَمْ تَيْأسُوا أنِّي ابْنُ فارِسِ زَهْدَمِ؟

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

(p-٢٠٦)وَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "اليَأْسُ" في هَذِهِ الآيَةِ عَلى بابِهِ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا أبْعَدَ إيمانَهم في قَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ أنَّ قُرْآنًا﴾ الآيَةُ، عَلى التَأْوِيلَيْنِ في المَحْذُوفِ المُقَدَّرِ قالَ في هَذِهِ: أفَلَمْ يَيْأسِ المُؤْمِنُونَ مِن إيمانِ هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ، عِلْمًا مِنهم أنْ لَوْ شاءَ اللهُ لَهَدى الناسَ جَمِيعًا؟

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ "يَأْيَسْ"، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ أبِي مُلَيْكَةَ، وعِكْرِمَةُ، والجَحْدَرِيُّ، وعَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ: "أفَلَمْ يَتَبَيَّنْ".

ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عن كُفّارِ قُرَيْشٍ والعَرَبِ أنَّهم لا يَزالُونَ تُصِيبُهم قَوارِعُ مِن سَرايا رَسُولِ اللهِ ﷺ وغَزَواتِهِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ ومُجاهِدٌ: "وَلا يَزالُ الَّذِينَ ظَلَمُوا"، ثُمَّ قالَ: ﴿أو تَحُلُّ﴾ أنْتَ يا مُحَمَّدُ قَرِيبًا مِن دارِهِمْ، هَذا تَأْوِيلُ فِرْقَةٍ مِنهُمُ الطَبَرِيُّ، وعَزاهُ إلى ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: المَعْنى: أو تَحُلُّ القارِعَةُ قَرِيبًا مِن دارِهِمْ، وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ: "أو تَحُلُّ قَرِيبًا مِن دِيارِهِمْ" بِالجَمْعِ.

(p-٢٠٧)وَوَعْدُ اللهِ -عَلى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَوْمٍ- فَتْحُ مَكَّةَ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: الآيَةُ عامَّةٌ في الكُفّارِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وإنَّ حالَ الكَفَرَةِ هَكَذا هي أبَدًا، ووَعْدُ اللهِ قِيامُ الساعَةِ، و"القارِعَةُ": الرَزِيَّةُ الَّتِي تَقْرَعُ قَلْبَ صاحِبِها بِفَظاعَتِها كالقَتْلِ والأسْرِ ونَهْبِ المالِ وكَشْفِ الحَرِيمِ ونَحْوِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ﴾. هَذِهِ آيَةُ تَأْنِيسٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ، أيْ: لا يَضِيقُ صَدْرُكُ يا مُحَمَّدُ بِما تَرى مِن قَوْمِكَ وتَلْقى مِنهُمْ، فَلَيْسَ ذَلِكَ بِبِدْعٍ ولا نَكِيرٍ، قَدْ تَقَدَّمَ هَذا في الأُمَمِ، و"أمْلَيْتُ لَهُمْ": أيْ: مَدَدْتُ المُدَّةَ وأطَلْتُ، والإمْلاءُ: الإمْهالُ عَلى جِهَةِ الِاسْتِدْراجِ، وهو مِنَ المُلاوَةِ مِنَ الزَمَنِ، ومِنهُ: تَمَلَّيْتُ حَسَنَ العَيْشِ.

وقَوْلُهُ: ﴿فَكَيْفَ كانَ عِقابِ﴾ تَقْرِيرٌ وتَعْجِيبٌ، في ضِمْنِهِ وعِيدٌ لِلْكُفّارِ المُعاصِرِينَ لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ.

13:33–35Page 253

أَفَمَنۡ هُوَ قَآئِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفۡسِۭ بِمَا كَسَبَتۡۗ وَجَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَكَآءَ قُلۡ سَمُّوهُمۡۚ أَمۡ تُنَبِّـُٔونَهُۥ بِمَا لَا يَعۡلَمُ فِي ٱلۡأَرۡضِ أَم بِظَٰهِرٖ مِّنَ ٱلۡقَوۡلِۗ بَلۡ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مَكۡرُهُمۡ وَصُدُّواْ عَنِ ٱلسَّبِيلِۗ وَمَن يُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنۡ هَادٖ ٣٣

Then is He who is a maintainer of every soul, [knowing] what it has earned, [like any other]? But to Allāh they have attributed partners. Say, "Name them. Or do you inform Him of that1 which He knows not upon the earth or of what is apparent [i.e., alleged] of speech?"2 Rather, their [own] plan has been made attractive to those who disbelieve, and they have been averted from the way. And whomever Allāh sends astray - there will be for him no guide.

لَّهُمۡ عَذَابٞ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَعَذَابُ ٱلۡأٓخِرَةِ أَشَقُّۖ وَمَا لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن وَاقٖ ٣٤

For them will be punishment in the life of [this] world, and the punishment of the Hereafter is more severe. And they will not have from Allāh any protector.

۞ مَّثَلُ ٱلۡجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلۡمُتَّقُونَۖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۖ أُكُلُهَا دَآئِمٞ وَظِلُّهَاۚ تِلۡكَ عُقۡبَى ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْۚ وَّعُقۡبَى ٱلۡكَٰفِرِينَ ٱلنَّارُ ٣٥

The example [i.e., description] of Paradise, which the righteous have been promised, is [that] beneath it rivers flow. Its fruit is lasting, and its shade. That is the consequence for the righteous, and the consequence for the disbelievers is the Fire.

قوله عزّ وجلّ:

﴿أفَمَن هو قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ قُلْ سَمُّوهم أمْ تُنَبِّئُونَهُ بِما لا يَعْلَمُ في الأرْضِ أمْ بِظاهِرٍ مِنَ القَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهم وصُدُّوا عَنِ السَبِيلِ ومَن يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنَ هادٍ﴾ ﴿لَهم عَذابٌ في الحَياةِ الدُنْيا ولَعَذابُ الآخِرَةِ أشَقُّ وما لَهم مِنَ اللهِ مِنَ واقٍ﴾ ﴿مَثَلُ الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ أُكُلُها دائِمٌ وظِلُّها تِلْكَ عُقْبى الَّذِينَ اتَّقَوْا وعُقْبى الكافِرِينَ النارُ﴾

هَذِهِ الآيَةُ بِالمَعْنى راجِعَةٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿وَهم يَكْفُرُونَ بِالرَحْمَنِ﴾ [الرعد: ٣٠]، والمَعْنى: أفَمَن هو هَكَذا أحَقُّ بِالعِبادَةِ أمِ الجَماداتُ الَّتِي لا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ؟ هَذا تَأْوِيلٌ، ويَظْهَرُ أنَّ القَوْلَ مُرْتَبِطٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ﴾، كَأنَّ المَعْنى: أفَمَن لَهُ القُدْرَةُ والوَحْدانِيَّةُ ويُجْعَلُ لَهُ شَرِيكٌ أهْلٌ أنْ يَنْتَقِمَ ويُعاقِبَ أمْ لا؟ و"الأنْفُسُ" مِن مَخْلُوقاتِهِ وهو قائِمٌ عَلى الكُلِّ (p-٢٠٨)أيْ مُحِيطٌ بِهِ لِيُقَرِّبَ المَوْعِظَةَ مِن حِسِّ السامِعِ، ثُمَّ خَصَّ مِن أحْوالِ الأنْفُسِ حالَ كَسْبِها لِيَتَفَكَّرَ الإنْسانُ عِنْدَ نَظَرِ الآيَةِ في أعْمالِهِ وكَسْبِهِ.

وقَوْلُهُ: ﴿قُلْ سَمُّوهُمْ﴾ أيْ: سَمُّوا مَن لَهُ صِفاتٌ يَسْتَحِقُّ بِها الأُلُوهِيَّةَ، ثُمَّ أضْرَبَ عَنِ القَوْلِ وقَرَّرَ: هَلْ تُعْلِمُونَ اللهَ بِما لا يَعْلَمُ، وقَرَأالحَسَنُ: "هَلْ تُنْبِئُونَهُ" بِإسْكانِ النُونِ وتَخْفِيفِ الباءِ. و"أمْ" هي بِمَعْنى "بَلْ"، و"ألِفُ الِاسْتِفْهامِ"، هَذا مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ، وهي كَقَوْلِهِمْ: "إنَّها لَإبِلٌ أمْ شاءٌ". ثُمَّ قَرَّرَهم بَعْدُ، هَلْ يُرِيدُونَ تَجْوِيزَ ذَلِكَ بِظاهِرٍ مِنَ الأمْرِ؟ لِأنَّ ظاهِرَ الأمْرِ لَهُ إلْباسٌ ما ومَوْضِعٌ مِنَ الِاحْتِمالِ، وما لَمْ يَكُنْ إلّا بِظاهِرٍ مِنَ القَوْلِ فَقَطْ فَلا شُبْهَةَ لَهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "زُيِّنَ" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ "مَكْرُهُمْ" بِالرَفْعِ، وقَرَأ مُجاهِدٌ: "زَيَّنَ" عَلى بِنايَةٍ لِلْفاعِلِ "مَكْرَهُمْ" بِالنَصْبِ، أيْ: زَيَّنَ اللهُ. و"مَكْرُهُمْ": لَفْظٌ يَعُمُّ أقْوالَهم وأفْعالَهُمُ الَّتِي كانَتْ بِسَبِيلِ مُناقَضَةِ الشَرْعِ. وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "وَصُدُّوا" بِضَمِّ الصادِ، وهَذا عَلى تَعَدِّي الفِعْلِ، وقَرَأ الباقُونَ هُنا وفي "حم المُؤْمِنِ" "وَصَدُّوا" بِفَتْحِها، وذَلِكَ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ: صَدُّوا أنْفُسَهم أو صَدُّوا غَيْرَهُمْ، وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ: "وَصِدُّوا" بِكَسْرِ الصادِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهم عَذابٌ﴾ الآيَةٌ وعِيدٌ، أيْ: لَهم عَذابٌ في دُنْياهم بِالقَتْلِ والأسْرِ والجُدُوبِ والبَلايا في أجْسامِهِمْ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا امْتَحَنَهُمُ اللهُ بِهِ، ثُمَّ لَهم عَذابٌ أشَقُّ مِن هَذا كُلِّهِ وهو الِاحْتِراقُ بِالنارِ. و"أشَقُّ" أصْعَبُ، مِنَ المَشَقَّةِ، و"الواقِي": هو الساتِرُ عَلى جِهَةِ الحِمايَةِ، مِنَ الوِقايَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَثَلُ الجَنَّةِ﴾ الآيَةُ، قالَ قَوْمٌ: "مَثَلُ" مَعْناهُ: صِفَةُ، وهَذا مِن قَوْلِكَ: (p-٢٠٩)"مَثَّلْتُ الشَيْءَ" إذا وصَفْتَهُ لِأحَدٍ وقَرَّبْتَ عَلَيْهِ فَهْمَ أمْرِهِ، ولَيْسَ بِضَرْبِ مَثَلٍ لَها، وهو كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وَلَهُ المَثَلُ الأعْلى﴾ [الروم: ٢٧] أيِ الوَصْفُ الأعْلى، ويَظْهَرُ أنَّ المَعْنى الَّذِي يَتَحَصَّلُ في النَفْسِ مِثالًا لِلْجَنَّةِ هو جَرْيُ الأنْهارِ وأنَّ أُكُلَها دائِمٌ، ورافِعُهُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ مُقَدَّرٌ قِيلَ: تَقْدِيرُهُ: فِيما يُتْلى عَلَيْكم أو يُنَصُّ عَلَيْكم مَثَلُ الجَنَّةِ، ورافِعُهُ عِنْدَ الفَرّاءِ قَوْلُهُ: "تَجْرِي" أيْ: صِفَةُ الجَنَّةِ أنَّها تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ، ونَحْوُ هَذا مَوْجُودٌ في كَلامِ العَرَبِ، وتَأوَّلَ عَلَيْهِ قَوْمٌ أنَّ "مَثَلُ" مُقْحَمٌ، وأنَّ التَقْدِيرَ: الجَنَّةُ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ بِها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا قَلِقٌ، وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ: "أمْثالَ الجَنَّةِ"، وقَدْ تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾.

وقَوْلُهُ: "أُكُلُها" مَعْناهُ: ما يُؤْكَلُ فِيها، و"العُقْبى" والعاقِبَةُ والعاقِبُ: حالٌ تَتْلُو أُخْرى قَبْلَها. وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.،وَقِيلَ: التَقْدِيرُ في صَدْرِ الآيَةِ: "مَثَلُ الجَنَّةِ جَنَّةٌ تَجْرِي"، قالَهُ الزَجّاجُ، فَتَكُونُ الآيَةُ -عَلى هَذا- ضَرْبَ مَثَلٍ لِجَنَّةِ النَعِيمِ في الآخِرَةِ.

13:36–39Page 254

وَٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ يَفۡرَحُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَۖ وَمِنَ ٱلۡأَحۡزَابِ مَن يُنكِرُ بَعۡضَهُۥۚ قُلۡ إِنَّمَآ أُمِرۡتُ أَنۡ أَعۡبُدَ ٱللَّهَ وَلَآ أُشۡرِكَ بِهِۦٓۚ إِلَيۡهِ أَدۡعُواْ وَإِلَيۡهِ مَـَٔابِ ٣٦

And [the believers among] those to whom We have given the [previous] Scripture rejoice at what has been revealed to you, [O Muḥammad], but among the [opposing] factions are those who deny part of it [i.e., the Qur’ān]. Say, "I have only been commanded to worship Allāh and not associate [anything] with Him. To Him I invite, and to Him is my return."

وَكَذَٰلِكَ أَنزَلۡنَٰهُ حُكۡمًا عَرَبِيّٗاۚ وَلَئِنِ ٱتَّبَعۡتَ أَهۡوَآءَهُم بَعۡدَ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلۡعِلۡمِ مَا لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن وَلِيّٖ وَلَا وَاقٖ ٣٧

And thus We have revealed it as an Arabic legislation.1 And if you should follow their inclinations after what has come to you of knowledge, you would not have against Allāh any ally or any protector.

وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا رُسُلٗا مِّن قَبۡلِكَ وَجَعَلۡنَا لَهُمۡ أَزۡوَٰجٗا وَذُرِّيَّةٗۚ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأۡتِيَ بِـَٔايَةٍ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۗ لِكُلِّ أَجَلٖ كِتَابٞ ٣٨

And We have already sent messengers before you and assigned to them wives and descendants. And it was not for a messenger to come with a sign except by permission of Allāh. For every term is a decree.

يَمۡحُواْ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثۡبِتُۖ وَعِندَهُۥٓ أُمُّ ٱلۡكِتَٰبِ ٣٩

Allāh eliminates what He wills or confirms, and with Him is the Mother of the Book.1

(p-٢١٠)قوله عزّ وجلّ:

﴿والَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ ومِنَ الأحْزابِ مَن يُنْكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إنَّما أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللهَ ولا أُشْرِكَ بِهِ إلَيْهِ أدْعُو وإلَيْهِ مَآبِ﴾ ﴿وَكَذَلِكَ أنْزَلْناهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا ولَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهم بَعْدَما جاءَكَ مِنَ العِلْمِ ما لَكَ مِنَ اللهِ مِنَ ولِيٍّ ولا واقٍ﴾ ﴿وَلَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلا مِن قَبْلِكَ وجَعَلْنا لَهم أزْواجًا وذُرِّيَّةً وما كانَ لِرَسُولٍ أنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إلا بِإذْنِ اللهِ لِكُلِّ أجَلٍ كِتابٌ﴾ ﴿يَمْحُو اللهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ وعِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ﴾

اخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ فِيمَن عُنِيَ بِهَذِهِ الآيَةِ -فَقالَ ابْنُ زَيْدٍ: عُنِيَ بِهِ مَن آمَنَ مِن أهْلِ الكِتابِ، كَعَبْدِ اللهِ بْنِ سَلامٍ وشَبَهِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

والمَعْنى مَدَحَهم بِأنَّهم لِشِدَّةِ إيمانِهِمْ يُسَرُّونَ بِما يَرِدُ عَلى النَبِيِّ ﷺ مِن مُباحاتِ الشَرْعِ، وقالَ قَتادَةُ: عُنِيَ بِهِ جَمِيعُ المُؤْمِنِينَ، و"الكِتابُ" هو القُرْآنُ، و" ما أُنْزِلَ إلَيْكَ " يُرادُ بِهِ جَمِيعُ الشَرْعِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: المُرادُ:" بِالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ" اليَهُودُ والنَصارى، وذَلِكَ أنَّهم لَهم فَرَحٌ بِما يُنْزَلُ عَلى النَبِيِّ ﷺ مِن تَصْدِيقِ شَرائِعِهِمْ وذِكْرِ أوائِلِهِمْ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

ويَضْعُفُ هَذا التَأْوِيلُ بِأنَّ هَمَّهم بِهِ أكْثَرُ مِن فَرَحِهِمْ فَلا يُعْتَدُّ بِفَرَحِهِمْ، ويَضْعُفُ أيْضًا بِأنَّ اليَهُودَ والنَصارى يُنْكِرُونَ بَعْضَهُ وقَدْ فَرَّقَ اللهُ في هَذِهِ الآيَةِ بَيْنَ الَّذِينَ يُنْكِرُونَ بَعْضَهُ وبَيْنَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ.

و"الأحْزابُ" قالَ مُجاهِدٌ: هُمُ اليَهُودُ والنَصارى والمَجُوسُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: أحْزابُ الجاهِلِيَّةِ مِنَ العَرَبِ، وأمَرَهُ اللهُ تَعالى أنْ يَطْرَحَ اخْتِلافَهُمْ، وأنْ يَصْدَعَ بِأنَّهُ إنَّما أُمِرَ بِعِبادَةِ اللهِ وتَرْكِ الإشْراكِ والدُعاءِ إلَيْهِ، اعْتِقادُ المَآبِ إلَيْهِ، وهو الرُجُوعُ عِنْدَ البَعْثِ يَوْمَ القِيامَةِ.

وقَوْلُهُ: "وَكَذَلِكَ"، المَعْنى: كَما يَسَّرْنا هَؤُلاءِ لِلْفَرَحِ وهَؤُلاءِ لِإنْكارِ البَعْضِ، كَذَلِكَ (p-٢١١)﴿أنْزَلْناهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا﴾، ويُحْتَمَلُ المَعْنى: والمُؤْمِنُونَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَفْرَحُونَ بِهِ لِفَهْمِهِمْ لَهُ وسُرْعَةَ تَلَقِّيهِمْ، ثُمَّ عَدَّدَ النِعْمَةَ بِقَوْلِهِ: كَذَلِكَ جَعَلْناهُ، أيْ: سَهَّلْناهُ عَلَيْهِمْ في ذَلِكَ وتَفَضَّلْنا. و"حُكْمًا" نُصِبَ عَلى الحالِ، والحُكَمُ: ما تَضَمَّنَهُ القُرْآنُ مِنَ المَعانِي، وجَعَلَهُ عَرَبِيًّا لَمّا كانَتِ العِبارَةُ عنهُ بِالعَرَبِيَّةِ. ثُمَّ خاطَبَ مُحَذِّرًا مِنِ اتِّباعِ أهْواءِ هَذِهِ الفِرَقِ الضالَّةِ، والخِطابُ لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ وهو بِالمَعْنى يَتَناوَلُ المُؤْمِنِينَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. ووَقَفَ ابْنُ كَثِيرٍ وحْدَهُ عَلى: "واقِي" و"هادِي" و"والِي" بِالياءِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: "والجُمْهُورُ يَقِفُونَ بِغَيْرِ ياءٍ، وهو الوَجْهُ"، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلا مِن قَبْلِكَ﴾ الآيَةُ. في صَدْرِها تَأْنِيسٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ، ورَدٌّ عَلى المُقْتَرَحِينَ مِن قُرَيْشٍ بِالمَلائِكَةِ، المُتَعَجِّبِينَ مِن بَعْثَةِ اللهِ بَشَرًا رَسُولًا، فالمَعْنى: أنَّ بَعْثَكَ يا مُحَمَّدُ لَيْسَ بِبِدْعٍ، فَقَدْ تَقَدَّمَ هَذا في الأُمَمِ، ثُمَّ جاءَ قَوْلُهُ: ﴿وَما كانَ لِرَسُولٍ أنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إلا بِإذْنِ اللهِ﴾ الآيَةُ، لَفْظُهُ لَفْظُ النَهْيِ والزَجْرِ، والمَقْصِدُ بِهِ إنَّما هو النَفْيُ المَحْضُ، لَكِنَّهُ نَفْيُ تَأْكِيدٍ بِهَذِهِ العِبارَةِ، ومَتى كانَتْ هَذِهِ العِبارَةُ عن أمْرٍ واقِعٍ تَحْتَ قُدْرَةِ المَنهِيِّ فَهي زَجْرٌ، ومَتى لَمْ يَقَعْ ذَلِكَ تَحْتَ قُدْرَتِهِ فَهو نَفْيٌ مَحْضٌ مُؤَكِّدٌ. و﴿بِإذْنِ اللهِ﴾ مَعْناهُ: إلّا أنْ يَأْذَنَ اللهُ في ذَلِكَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِكُلِّ أجَلٍ كِتابٌ﴾ لَفْظٌ عامٌّ في جَمِيعِ الأشْياءِ الَّتِي لَها آجالٌ، وذَلِكَ أنَّهُ لَيْسَ كائِنٌ فِيها إلّا ولَهُ أجْلٌ في بَدْئِهِ وفي خاتِمَتِهِ، وكُلُّ أجَلٍ مَكْتُوبٌ مَحْصُورٌ، فَأخْبَرَ اللهُ تَعالى عن كَتْبِهِ الآجالَ الَّتِي لِلْأشْياءِ عامَّةً، وقالَ الضَحّاكُ، والفَرّاءُ: المَعْنى: لِكُلِّ كِتابٍ أجَلٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا العَكْسُ غَيْرُ لازِمٍ، ولا وجْهَ لَهُ، إذِ المَعْنى تامٌّ في تَرْتِيبِ القُرْآنِ، بَلْ يُمْكِنُ (p-٢١٢)هَدْمُ قَوْلِهِما بِأنَّ الأشْياءَ الَّتِي كَتَبَها اللهُ أزَلِيَّةً باقِيَةً كَتَنْعِيمِ أهْلِ الجَنَّةِ وغَيْرِهِ يُوجَدُ كِتابُها ولا أجْلَ لَهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَمْحُو اللهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ﴾، قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "وَيُثَبِّتُ" بِتَشْدِيدِ الباءِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ بِتَخْفِيفِها، وقَدْ تَخَبَّطَ الناسُ في مَعْنى هَذِهِ الألْفاظِ، والَّذِي يَتَلَخَّصُ بِهِ مُشْكِلُها: أنْ نَعْتَقِدَ أنَّ الأشْياءَ الَّتِي قَدَّرَها اللهُ تَعالى في الأزَلِ، وعَلِمَها بِحالٍ ما، لا يَصِحُّ فِيها مَحْوٌ ولا تَبْدِيلٌ، وهي الَّتِي كُتِبَتْ في أُمِّ الكِتابِ، وسَبَقَ بِها القَضاءُ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ مِن أهْلِ العِلْمِ، وأمّا الأشْياءُ الَّتِي قَدْ أخْبَرَ اللهُ تَعالى أنَّهُ يُبَدِّلُ فِيها ويَنْقُلُ كَغَفْرِ الذُنُوبِ بَعْدَ تَقْرِيرِها، وكَنَسْخِ آيَةٍ بَعْدَ تِلاوَتِها واسْتِقْرارِ حُكْمِها فَفِيها يَقَعُ المَحْوُ والتَثْبِيتُ فِيما يُقَيِّدُهُ الحَفَظَةُ ونَحْوِ ذَلِكَ، وأمّا إذا رُدَّ الأمْرُ إلى القَضاءِ والقَدَرِ فَقَدْ مَحا اللهُ ما مَحا وثَبَّتَ ما ثَبَّتَ، وجاءَتِ العِبارَةُ مُسْتَقْبَلَةً لِمَحْيِ الحَوادِثِ، وهَذِهِ الأُمُورُ فِيما يُسْتَأْنَفُ مِنَ الزَمانِ، فَيَنْتَظِرُ البَشَرُ ما يَمْحُو أو ما يُثْبِتُ، وبِحَسْبِ ذَلِكَ خَوْفُهم ورَجاؤُهم ودُعاؤُهُمْ، وقالَتْ فُرْقَةٌ مِنهُمُ الحَسَنُ: هي في آجالِ بَنِي آدَمَ، وذَلِكَ أنَّ اللهَ تَعالى في لَيْلَةِ القَدْرِ -وَقِيلَ: لَيْلَةَ نِصْفِ شَعْبانَ- يَكْتُبُ آجالَ المَوْتى، فَيُمْحى ناسٌ مِن دِيوانِ الأحْياءِ ويُثْبَتُونَ في دِيوانِ المَوْتى، وقالَ قَيْسُ بْنُ عُبادٍ: العاشِرُ مِن رَجَبٍ هو يَوْمُ يَمْحُوا اللهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا التَخْصِيصُ في الآجالِ أو غَيْرِها لا مَعْنى لَهُ، وإنَّما يَحْسُنُ مِنَ الأقْوالِ هُنا ما كانَ عامًّا في جَمِيعِ الأشْياءِ، فَمِن ذَلِكَ أنْ يَكُونَ مَعْنى الآيَةِ: أنَّ اللهَ تَعالى يُغَيِّرُ الأُمُورَ عَلى أحْوالِها، أعْنِي ما مِن شَأْنِهِ أنْ يُغَيَّرَ عَلى ما قَدَّمْناهُ، فَيَمْحُو مِن تِلْكَ الحالَةِ ويُثْبِتُهُ في الَّتِي نَقَلَهُ إلَيْها، ورُوِيَ عن عُمْرَ، وابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُما كانا يَقُولانِ في دُعائِهِما: "اللهُمَّ إنْ كُنْتَ كَتَبْتَنا في دِيوانِ الشَقاوَةِ فامْحُنا وأثْبِتْنا في دِيوانِ السَعادَةِ، فَإنَّكَ تَمْحُو ما تَشاءُ (p-٢١٣)وَتُثْبِتُ"، وهَذا دُعاءُ في غُفْرانِ الذُنُوبِ وعَلى جِهَةِ الجَزَعِ مِنهُما. أيِ: اللهُمَّ إنْ كُنّا شَقِينا بِمَعْصِيَتِكَ، وكُتِبَتْ عَلَيْنا ذُنُوبٌ وشَقاوَةٌ فامْحُها عَنّا بِالمَغْفِرَةِ والطاعَةِ، وفي لَفْظِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ -فِي بَعْضِ الرِواياتِ- بَعْضٌ مِن هَذا، ولَمْ يَكُنْ دُعاؤُهُما البَتَّةَ في تَبْدِيلٍ سابِقِ القَضاءِ، ولا يُتَأوَّلُ عَلَيْهِما ذَلِكَ.

وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ لِأنَّ قُرَيْشًا لَمّا سَمِعَتْ قَوْلَ اللهِ تَعالى: ﴿وَما كانَ لِرَسُولٍ أنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إلا بِإذْنِ اللهِ﴾ قالُوا: لَيْسَ لِمُحَمَّدٍ في هَذا الأمْرِ قُدْرَةٌ ولا حَظٌّ، فَنَزَلَتْ ﴿يَمْحُو اللهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ﴾ أيْ: رُبَّما أذِنَ اللهُ مِن ذَلِكَ كَما تَكْرَهُونَ بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ يَأْذَنُ.

وحَكى الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ قالَ: يَمْحُو اللهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ مِن أُمُورِ عِبادِهِ، إلّا السَعادَةَ والشَقاوَةَ والآجالَ فَإنَّهُ لا مَحْوَ فِيها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا نَحْوُ ما أصَّلْناهُ أوَّلًا في الآيَةِ.

وحُكِيَ عن فِرْقَةٍ أنَّها قالَتْ: يَمْحُو اللهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ مِن كِتابٍ حاشى أُمِّ الكِتابِ الَّذِي عِنْدَهُ الَّذِي لا يُغَيِّرُ مِنهُ شَيْئًا، وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ: يَمْحُو كُلَّ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ كُلَّ ما أرادَ، ونَحْوُ هَذِهِ الأقْوالِ الَّتِي هي سَهْلَةُ المُعارَضَةِ. وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ عن إبْراهِيمَ النَخَعِيِّ أنَّ كَعْبًا قالَ لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، لَوْلا آيَةٌ في كِتابِ اللهِ لَأنْبَأتُكَ بِما هو كائِنٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، قالَ: وما هِيَ؟ قالَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَمْحُو اللهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ وعِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ﴾، وذَكَرَ أبُو المَعالِي في التَلْخِيصِ أنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللهُ عنهُ هو الَّذِي قالَ هَذِهِ المَقالَةَ المَذْكُورَةَ عن كَعْبٍ، وذَلِكَ عِنْدِي- لا يَصِحُّ عن عَلِيٍّ.

واخْتَلَفَتْ أيْضًا عِبارَةُ المُفَسِّرِينَ في تَفْسِيرِ ﴿أُمُّ الكِتابِ﴾ -فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هو الذِكْرُ، وقالَ كَعْبٌ: هو عِلْمُ اللهِ ما هو خالِقٌ وما خَلْقُهُ عامِلُونَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وأصْوَبُ ما يُفَسَّرُ بِهِ ﴿أُمُّ الكِتابِ﴾ أنَّهُ دِيوانُ الأُمُورِ المُحْدَثَةِ الَّتِي قَدْ سَبَقَ (p-٢١٤)القَضاءُ فِيها بِما هو كائِنٌ، وسَبَقَ ألّا يُبَدَّلَ، ويَبْقى المَحْوُ والتَثْبِيتُ في الأُمُورِ الَّتِي سَبَقَ في القَضاءِ أنْ تُبَدَّلَ وتُمْحى وتُثْبَتَ، قالَ نَحْوَهُ قَتادَةُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْنى ﴿أُمُّ الكِتابِ﴾: الحَلالُ والحَرامُ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ بْنِ أبِي الحَسَنِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском