Ibn 'Atiyya · Tafsir · in Arabic
Al-Hijr 15:22–44
15:22–27Page 263
وَأَرۡسَلۡنَا ٱلرِّيَٰحَ لَوَٰقِحَ فَأَنزَلۡنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَسۡقَيۡنَٰكُمُوهُ وَمَآ أَنتُمۡ لَهُۥ بِخَٰزِنِينَ ٢٢
And We have sent the fertilizing winds1 and sent down water from the sky and given you drink from it. And you are not its retainers.
وَإِنَّا لَنَحۡنُ نُحۡيِۦ وَنُمِيتُ وَنَحۡنُ ٱلۡوَٰرِثُونَ ٢٣
And indeed, it is We who give life and cause death, and We are the Inheritor.1
وَلَقَدۡ عَلِمۡنَا ٱلۡمُسۡتَقۡدِمِينَ مِنكُمۡ وَلَقَدۡ عَلِمۡنَا ٱلۡمُسۡتَـٔۡخِرِينَ ٢٤
And We have already known the preceding [generations] among you, and We have already known the later [ones to come].
وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحۡشُرُهُمۡۚ إِنَّهُۥ حَكِيمٌ عَلِيمٞ ٢٥
And indeed, your Lord will gather them; indeed, He is Wise and Knowing.
وَلَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ مِن صَلۡصَٰلٖ مِّنۡ حَمَإٖ مَّسۡنُونٖ ٢٦
And We did certainly create man out of clay from an altered black mud.
وَٱلۡجَآنَّ خَلَقۡنَٰهُ مِن قَبۡلُ مِن نَّارِ ٱلسَّمُومِ ٢٧
And the jinn We created before from scorching fire.
(p-٢٨٢)قوله عزّ وجلّ:
﴿وَأرْسَلْنا الرِياحَ لَواقِحَ فَأنْزَلْنا مِنَ السَماءِ ماءً فَأسْقَيْناكُمُوهُ وما أنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ﴾ ﴿وَإنّا لَنَحْنُ نُحْيِي ونُمِيتُ ونَحْنُ الوارِثُونَ﴾ ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَقْدِمِينَ مِنكم ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَأْخِرِينَ﴾ ﴿وَإنَّ رَبَّكَ هو يَحْشُرُهم إنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ ﴿والجانَّ خَلَقْناهُ مِن قَبْلُ مِن نارِ السَمُومِ﴾
يُقالُ: لُقِّحَتِ الناقَةُ والشَجَرَةُ فَهي لاقِحَةٌ إذا حَمَلَتْ، والرِياحُ تُلَقِّحُ الشَجَرَ والسَحابَ، فالوَجْهُ في الرِيحِ أنَّها مُلَقِّحَةٌ لا لاقِحَةٌ، وتَتَّجِهُ صِفَةُ الرِياحِ بِـ [لَواقِحَ] عَلى أرْبَعَةِ أوجُهٍ: أوَّلُها وأُولاها أنَّ جَعْلَها لاقِحَةً حَقِيقَةً، وذَلِكَ أنَّ الرِيحَ مِنها ما فِيهِ عَذابٌ أو ضُرٌّ أو نارٌ، ومِنها ما فِيهِ رَحْمَةٌ أو مَطَرٌ أو نَصْرٌ أو غَيْرُ ذَلِكَ، فَإذا بِها تَحْمِلُ ما حَمَّلَتْها القُدْرَةُ، أو ما عَلَّقَتْهُ مِنَ الهَواءِ أوِ التُرابِ أوِ الماءِ الَّذِي مَرَّتْ عَلَيْهِ، فَهي لاقِحَةٌ بِهَذا الوَجْهِ، وإنْ كانَتْ أيْضًا تُلَقِّحُ غَيْرَها وتُصَيِّرُ إلَيْهِ نَفْعَها، والعَرَبُ تُسَمِّي الجَنُوبَ الحامِلَ واللاقِحَةَ، وتُسَمِّي الشَمالَ الحائِلَ والعَقِيمَ ومَحْوَةً لَأنَّها تَمْحُو السَحابَ، رَوى أبُو هُرَيْرَةَ أنَّ النَبِيَّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ قالَ: « "الرِيحُ الجَنُوبُ مِنَ الجَنَّةِ، وهي اللَواقِحُ الَّتِي ذَكَرَ اللهُ، وفِيها مَنافِعُ لِلنّاسِ"،» ومِن هَذا قَوْلٌ الطِرْماحِ:
؎ قَلِقٌ لِأفْنانِ الرِيا ∗∗∗ حِ لِلاقِحٍ مِنها وحائِلِ
وقَوْلُ أبِي وجْزَةَ:
.......................
؎ مِن نَسْلِ جَوّابَةِ الآفاقِ..
(p-٢٨٣)فَجَعَلَها حامِلًا بِنَسْلٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ويَخْرُجُ هَذا عَلى أنَّها مُلَقِّحَةٌ فَلا حُجَّةَ فِيهِ.
والثانِي أنْ يَكُونَ وصْفُها بِـ [لَواقِحَ] مِن بابِ قَوْلِهِمْ: "لَيْلٌ نائِمٌ"، أيْ: فِيهِ نَوْمٌ ومَعَهُ، "وَيَوْمٌ عاصِفٌ"، ونَحْوَهُ، فَهَذا عَلى طَرِيقِ المَجازِ. والثالِثُ أنْ تُوصَفَ الرِياحُ بِـ [لَواقِحَ] عَلى جِهَةِ النَسَبِ، أيْ: ذاتُ لُقَحٍ، كَقَوْلِ النابِغَةِ:
؎ كَلِينِي لِهَمٍّ يا أُمَيْمَةَ ناصِبِ
أيْ: ذِي نَصْبٍ. والرابِعُ أنْ يَكُونَ [لَواقِحَ] جَمْعَ "مُلَقِّحَةٍ" عَلى حَذْفِ زَوائِدِهِ، فَكَأنَّهُ "لَقِحَةٌ" فَجَمَعَها كَما تَجْمَعُ "لاقِحَةٌ"، ومِثْلُهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ لَبَّيْكَ يَزِيدٌ ضارِعٌ لِخُصُومَةٍ ∗∗∗ ∗∗∗ وأشْعَثُ مِمَّنْ طَوَّحَتْهُ الطَوائِحُ
وإنَّما طَوَّحَتْهُ المَطاوِحُ، وعَلى هَذا النَحْوِ فَسَّرَها أبُو عُبَيْدَةَ في قَوْلِهِ: "لَواقِحَ مَلاقِحَ"، وكَذَلِكَ العِبارَةُ عنها في كِتابِ البُخارِيٍّ: "لَواقِحَ مَلاقِحَ مُلَقِّحَةً".
(p-٢٨٤)وَقَرَأ الجُمْهُورُ: "الرِياحَ" بِالجَمْعِ، وقَرَأ الكُوفِيُّونَ: حَمْزَةُ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، والأعْمَشُ، ويَحْيى بْنُ وثّابٍ: "الرِيحَ" بِالإفْرادِ، وهي لِلْجِنْسِ فَهي في مَعْنى الجَمْعِ، ومَثَّلَها الطَبَرِيُّ بِقَوْلِهِمْ: "قَمِيصُ أخْلاقٍ، وأرْضُ أغْفالٍ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا كُلُّهُ مِن حَيْثُ هو أجْزاءٌ كَثِيرَةٌ تَجْمَعُ صِفَتَهُ، فَكَذَلِكَ "رِيحٌ لَواقِحٌ" لَأنَّها مُتَفَرِّقَةُ الهُبُوبِ، وكَذَلِكَ "دارٌ بِلاقِعَ"، أيْ: كُلُّ مَوْضِعٍ مِنها بَلْقَعٌ. وقالَ الأعْمَشُ: إنَّ في قِراءَةِ عَبْدِ اللهِ "وَأرْسَلْنا الرِياحَ تَلْقَحُ"، ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "الرِيحُ مِن نَفَسِ الرَحْمَنِ".» ومَعْنى الإضافَةِ هُنا إضافَةُ خَلْقٍ إلى خالِقٍ، كَما قالَ: "مِن رُوحِي"، ومَعْنى "مِن نَفْسِ الرَحْمَنِ" أيْ مِن تَنْفِيسِهِ وإزالَتِهِ الكُرَبَ والشَدائِدَ، فَمِنَ التَنْفِيسِ بِالرِيحِ النَصْرُ بِالصَبا، ودُرُورُ الأرْزاقِ بِها، وما لَها مِنَ الخِدْمَةِ في الأرْزاقِ وجَلْبِ الأمْطارِ وغَيْرَ ذَلِكَ مِمّا يَكْثُرُ عَدُّهُ، ولَقَدْ حُدِّثَتْ أنَّ ابْنَ أبِي قُحافَةَ رَحِمَهُ اللهُ فَسَّرَ هَذا الحَدِيثَ نَحْوَ هَذا، وأنْشَدَ في تَفْسِيرِهِ:
؎ فَإنَّ الصِبا رِيحٌ إذا ما تَنَفَّسَتْ ∗∗∗ ∗∗∗ عَلى نَفْسِ مَهْمُومٍ تَجَلَّتْ هُمُومُها
وهَذا مِن جُمْلَةِ التَنْفِيسِ.
(p-٢٨٥)والعَرَبُ تَقُولُ: أسْقى وسَقى بِمَعْنى واحِدٍ، وقالَ لَبِيدٌ:
؎ سَقى قَوْمِي بَنِي مَجْدٍ وأسْقى ∗∗∗ ∗∗∗ نُمَيْرًا والقَبائِلَ مِن هِلالِ
فَجاءَ بِاللُغَتَيْنِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أمّا إذا كانَ مِن سَقْيِ الشَفَةِ خاصَّةً فَلا يُقالُ إلّا سَقى، وأمّا إنْ كانَ لِسَقْيِ الأرْضِ والثِمارِ وجُمْلَةِ الأشْياءِ فَيُقالُ: أسْقى، وأمّا الداعِي لِأرْضٍ أو غَيْرِها بِالسَقْيِ فَإنَّما يُقالُ فِيهِ: أسْقى، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُمَّةِ:
؎ وقَفَتْ عَلى رَسْمٍ لِمِيَّةَ ناقَتِي ∗∗∗ ∗∗∗ فَما زِلْتُ أبْكِي عِنْدَهُ وأُخاطِبُهْ
؎ وأسْقِيهِ حَتّى كادَ مِمّا أبُثُّهُ ∗∗∗ ∗∗∗ تُكَلِّمُنِي أحْجارُهُ ومَلاعِبُهْ
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
عَلى أنَّ بَيْتَ لَبِيدٍ دُعاءٌ، وفِيهِ اللُغَتانِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنّا لَنَحْنُ نُحْيِي ونُمِيتُ﴾ الآيَةُ. هَذِهِ الآيَةُ مَعَ الآياتِ الَّتِي قَبْلَها تَضَمَّنَتِ العِبْرَةَ والدَلالَةَ عَلى قُدْرَةِ اللهِ تَعالى، وما يُوجِبُ تَوْحِيدَهُ وعِبادَتَهُ، فَمَعْنى هَذِهِ الآيَةِ: وإنّا لَنَحْنُ نُحْيِي مَن نَشاءُ بِإخْراجِهِ مِنَ العَدَمِ إلى وُجُودِ الحَياةِ، ونَرُدُّهُ عِنْدَ البَعْثِ مِن مَرْقَدِهِ مَيِّتًا، ونُمِيتُ بِإزالَةِ الحَياةِ عَمَّنْ كانَ حَيًّا. ﴿وَنَحْنُ الوارِثُونَ﴾ أيْ: لا يَبْقى شَيْءٌ سِوانا، وكُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهُهُ، لا رَبَّ غَيْرُهِ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى بِإحاطَةِ عِلْمِهِ بِمَن تُقَدَّمَ مِنَ الأُمَمِ وبِمَن تَأخَّرَ في الزَمَنِ، مِن لَدُنْ أُهْبِطَ آدَمُ إلى الأرْضِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وأعْلَمَ أنَّهُ هو الحاشِرُ لَهُمُ، الجامِعُ لِعَرْضِ يَوْمِ القِيامَةِ عَلى تَباعُدِهِمْ في الأقْطارِ والأزْمانِ، وأنَّ حِكْمَتَهُ وعِلْمَهُ يَأْتِيانِ بِهَذا كُلِّهِ عَلى أتَمِّ غاياتِهِ الَّتِي قَدَّرَها وأرادَها. وقَرَأ الأعْرَجُ: "يَحْشِرُهُمْ" بِكَسْرِ الشِينِ.
(p-٢٨٦)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
بِهَذا سِياقُ مَعْنى الآيَةِ، وهو قَوْلُ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ. وقالَ الحَسَنُ: مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَقْدِمِينَ﴾ أيْ: في الطاعَةِ والبِدارِ إلى الإيمانِ والخَيْراتِ، و"المُسْتَأْخِرِينَ" بِالمَعاصِي.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وإنْ كانَ اللَفْظُ يَتَناوَلُ كُلَّ مَن تَقَدَّمَ وتَأخَّرَ عَلى جَمِيعِ وُجُوهِهِ، فَلَيْسَ يَطَّرِدُ سِياقُ مَعْنى الآيَةِ إلّا كَما قَدَّمْنا. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومَرْوانُ بْنُ الحَكَمِ، وأبُو الجَوْزاءِ: نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَقْدِمِينَ﴾ الآيَةُ في «قَوْمٍ كانُوا يُصَلُّونَ مَعَ النَبِيِّ ﷺ، وكانَتِ امْرَأةٌ جَمِيلَةٌ تُصَلِّي وراءَهُ، فَكانَ بَعْضُ القَوْمُ يَتَقَدَّمُ في الصُفُوفِ لِئَلّا تَفْتِنَهُ، وكانَ بَعْضُهم يَتَأخَّرُ لِيَسْرِقَ النَظَرَ إلَيْها في الصَلاةِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ فِيهِمْ.»
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وما تَقَدَّمَ الآيَةَ مِن قَوْلِهِ: ﴿وَنَحْنُ الوارِثُونَ﴾ وما تَأخَّرَ مِن قَوْلِهِ: ﴿وَإنَّ رَبَّكَ هو يَحْشُرُهُمْ﴾ يُضَعِّفُ هَذِهِ التَأْوِيلاتِ، لَأنَّها تُذْهِبُ إيصالَ المَعْنى، وقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ لِعَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ﴾ الآيَةُ. "الإنْسانَ" هُنا لِلْجِنْسِ، والمُرادُ آدَمُ عَلَيْهِ السَلامُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: سُمِّيَ بِذَلِكَ لَأنَّهُ عَهِدَ إلَيْهِ فَنَسِيَ، ودَخَلَ مِن بَعْدَهُ في ذَلِكَ إذْ هو مِن نَسَلُهُ. و"الصَلْصالُ" الطِينُ الَّذِي إذا جَفَّ صَلْصَلَ، هَذا قَوْلُ فِرْقَةٍ، مِنها مَن قالَ: هو طِينُ الخَزَفِ، ومِنها قَوْلُ الفَرّاءِ: هو الطِينُ الحُرِّ يُخالِطُهُ رَمْلٌ دَقِيقٌ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: خُلِقَ مِن ثَلاثَةٍ: مِن طِينٍ لازِبٍ، وهو اللازِقُ والجَيِّدُ، ومِن (p-٢٨٧)صَلْصالٍ، وهو الأرْضُ الطَيِّبَةُ يَقَعُ عَلَيْها الماءُ ثُمَّ يَنْحَسِرُ فَتُشَقَّقُ وتَصِيرُ مِثْلَ الخَزَفِ، ومِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ، وهو الطِينُ في الحَمْأةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وكانَ الوَجْهُ -عَلى هَذا المَعْنى- أنْ يُقالَ: "صَلّالٌ"، لَكِنْ ضُوعِفَ الفِعْلُ مِن فائِهِ، وأُبْدِلَتْ إحْدى اللامَيْنِ مِن "صَلّالٍ" صادا، وهَذا مَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ، وقالَهُ ابْنُ جِنِّيٍّ والزُبَيْدِيُّ، ونَحْوَهُما عَلى نَحْوِ البَصْرَةِ، ومَذْهَبُ جُمْهُورِ البَصْرِيِّينَ أنَّهُما فِعْلانِ مُتَبايِنانِ، وكَذَلِكَ قالُوا في ثَرّارٍ وثَرْثارَةٍ، قالَ بَعْضُهُمْ: تَقُولُ: صَلَّ الخَزَفُ ونَحْوَهُ إذا صَوَّتَ بِتَمْدِيدٍ، فَإذا كانَ في صَوْتِهِ تَرْجِيعٌ كالجَرَسِ ونَحْوَهُ قُلْتَ: صَلْصَلَ، ومِنهُ قَوْلُ الكُمَيْتِ:
؎ فِيها العَناجِيجُ تَرْدِي في أعِنَّتِها ∗∗∗ ∗∗∗ شُعْثًا تُصَلْصِلُ في أشْداقِها اللُجُمُ
وقالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: "صَلْصالٍ" هُنا إنَّما هو مِن: "صَلَّ اللَحْمُ" إذا أنْتَنَ، فَجَعَلُوا مَعْنى "صَلْصالٍ" و"حَمَأٍ" في لُزُومِ النَتَنِ شَيْئًا واحِدًا.
و"المَسْنُونُ" قالَ مَعْمَرٌ: مَعْناهُ: المُنْتِنُ، وهو مَن "أسِنَ الماءُ" إذا تَغَيَّرَ، والتَصْرِيفُ يَرُدُّ هَذا القَوْلَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: المَسْنُونُ: الرَطْبُ، وهَذا تَفْسِيرٌ لا يَخُصُّ اللَفْظَةَ، وقالَ الحَسَنُ: المَعْنى: سَنَّ ذُرِّيَّتَهُ عَلى خَلْقِهِ، الَّذِي يَتَرَتَّبُ في "مَسْنُونٍ" إمّا أنْ يَكُونَ: مَحْكُوكٌ مُحْكَمُ العَمَلِ أمْلَسُ السَطْحِ، فَيَكُونُ مِن مَعْنى المُسِنِّ والسِنّانِ، وقَوْلُهُمْ: "سَنَنْتُ السِكِّينَ، وسَنَنْتُ الحَجَرَ" إذا أحْكَمْتَ مَلْسَهُ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ ثُمَّ دافَعْتُها إلى القُبَّةِ الخَضْـ ∗∗∗ ∗∗∗ ـراءِ تَمْشِي في مَرْمَرٍ مَسْنُونٍ
(p-٢٨٨)أيْ: مُحْكَمُ الإمْلاسِ، وإمّا أنْ يَكُونَ بِمَعْنى المَصْبُوبِ: تَقُولُ: "سَنَنْتُ التُرابَ والماءَ" إذا صَبَبْتُهُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، ومِنهُ قَوْلُ عَمْرِو بْنِ العاصِ رَضِيَ اللهُ عنهُ لِمَن حَضَرَ وفاتَهُ: "إذا أدْخَلْتُمُونِي في قَبْرِي فَسُنُّوا عَلَيَّ التُرابَ سَنًّا"، ومِن هَذا سَنُّ الغارَةِ. وقالَ الزَجّاجُ: هو مَأْخُوذٌ مِن كَوْنِهِ عَلى سُنَّةِ الطَرِيقِ، لَأنَّهُ إنَّما يَتَغَيَّرُ إذا فارَقَ الماءَ، فَمَعْنى الآيَةِ عَلى هَذا: مَنَّ حَمَأٍ مَصْبُوبٍ يُوضَعُ بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ عَلى مِثالٍ وصُورَةٍ.
"والجانَّ" يُرادُ بِهِ جِنْسُ الشَياطِينِ، ويُسَمَّوْنَ جِنَّةً وجانًّا وجِنًّا لِاسْتِتارِهِمْ عَنِ العَيْنِ، وسُئِلَ وهَبُ بْنُ مُنَبِّهٍ عنهم فَقالَ: هم أجْناسٌ، فَأمّا خالِصُ الجِنِّ فَهم رِيحٌ لا يَأْكُلُونَ ولا يَشْرَبُونَ ولا يَمُوتُونَ ولا يَتَوالَدُونَ، ومِنهم أجْناسٌ تَفْعَلُ هَذا كُلَّهُ، مِنها السَعالِي والغُولُ وأشْباهُ ذَلِكَ. وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "الجَأْنَ" بِالهَمْزِ، والمُرادُ بِهَذِهِ الخِلْقَةِ إبْلِيسُ أبُو الجِنِّ، وفي الحَدِيثِ: « "إنَّ اللهَ تَعالى خَلَقَ آدَمَ مِن جَمِيعِ أنْواعِ التُرابِ، الطَيِّبِ والخَبِيثِ، والأسْوَدِ والأحْمَرِ"،» وفي سُورَةِ البَقَرَةِ إيعابُ هَذا. وقَوْلُهُ: "مِن قَبْلُ" لَأنَّ إبْلِيسَ خُلِقَ قَبْلَ آدَمَ بِمُدَّةٍ، وخُلِقَ آدَمُ آخِرَ الخَلْقِ. و"السَمُومِ" (p-٢٨٩)فِي كَلامِ العَرَبِ إفْراطُ الحَرِّ حَتّى يَقْتُلَ، مِن نارٍ أو شَمْسٍ أو رِيحٍ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: السَمُومُ بِاللَيْلِ، والحَرُورُ بِالنَهارِ، وأمّا إضافَةُ النارِ إلى السَمُومِ في هَذِهِ الآيَةِ فَيُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ النارُ أنْواعًا ويَكُونُ السَمُومُ أمْرًا يَخْتَصُّ بِنَوْعٍ مِنها فَتَصِحُّ الإضافَةُ حِينَئِذٍ، وإنْ لَمْ يَكُنْ هَذا فَيُخَرَّجُ هَذا عَلى قَوْلِهِمْ: "مَسْجِدُ الجامِعِ" و"دارُ الآخِرَةِ" عَلى حَذْفِ مُضافٍ.
15:28–33Page 263
وَإِذۡ قَالَ رَبُّكَ لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ إِنِّي خَٰلِقُۢ بَشَرٗا مِّن صَلۡصَٰلٖ مِّنۡ حَمَإٖ مَّسۡنُونٖ ٢٨
And [mention, O Muḥammad], when your Lord said to the angels, "I will create a human being out of clay from an altered black mud.
فَإِذَا سَوَّيۡتُهُۥ وَنَفَخۡتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُۥ سَٰجِدِينَ ٢٩
And when I have proportioned him and breathed into him of My [created] soul,1 then fall down to him in prostration."
فَسَجَدَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ كُلُّهُمۡ أَجۡمَعُونَ ٣٠
So the angels prostrated - all of them entirely,
إِلَّآ إِبۡلِيسَ أَبَىٰٓ أَن يَكُونَ مَعَ ٱلسَّٰجِدِينَ ٣١
Except Iblees;1 he refused to be with those who prostrated.
قَالَ يَٰٓإِبۡلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ ٱلسَّٰجِدِينَ ٣٢
[Allāh] said, "O Iblees, what is [the matter] with you that you are not with those who prostrate?"
قَالَ لَمۡ أَكُن لِّأَسۡجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقۡتَهُۥ مِن صَلۡصَٰلٖ مِّنۡ حَمَإٖ مَّسۡنُونٖ ٣٣
He said, "Never would I prostrate to a human whom You created out of clay from an altered black mud."
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ ﴿فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهم أجْمَعُونَ﴾ ﴿إلا إبْلِيسَ أبى أنْ يَكُونَ مَعَ الساجِدِينَ﴾ ﴿قالَ يا إبْلِيسُ ما لَكَ ألا تَكُونَ مَعَ الساجِدِينَ﴾ ﴿قالَ لَمْ أكُنْ لأسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾
"إذْ" نُصِبَتْ بِإضْمارِ فِعْلٍ مُقَدَّرٍ، تَقْدِيرُهُ: واذْكُرْ إذْ قالَ رَبُّكَ، و"البَشَرُ" ها هَنا آدَمُ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ البَشَرَةِ، وهي وجْهُ الجِلْدِ في الأشْهَرِ مِنَ القَوْلِ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "وَأنْقُوا البَشَرَةَ".» وقِيلَ: البَشَرَةُ ما يَلِي اللَحْمَ، ومِنهُ قَوْلُهم في المَثَلِ: "إنَّما يُعاتَبُ الأدِيمُ ذُو البَشَرَةِ"، لَأنَّ تِلْكَ الجِهَةَ هي الَّتِي تُبَشِّرُ، وأخْبَرَ اللهُ تَعالى المَلائِكَةَ بِعَجَبٍ عِنْدَهُمْ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا مَخْلُوقِينَ مِن نُورٍ، فَهي أجْسامٌ لِطافٌ، فَأخْبَرَهم أنَّهُ لا يَخْلُقُ جِسْمًا حَيًّا ذا بَشَرَةٍ، وأنَّهُ يَخْلُقُهُ مِن صَلْصالٍ، والبِشْرُ والبِشارَةُ أيْضًا أصْلُهُما البَشَرَةُ لَأنَّهُما فِيها يَظْهَرانِ.
و"سَوَّيْتُهُ" مَعْناهُ: كَمَّلْتُهُ وأتْقَنَتْهُ حَتّى إذا اسْتَوَتْ أجْزاؤُهُ عَلى ما يَجِبُ، وقَوْلُهُ: ﴿مِن رُوحِي﴾ إضافَةُ خَلْقٍ ومُلْكٍ إلى خالِقٍ مالِكٍ، أيْ: مِنَ الرُوحِ الَّذِي هو لِي، ولَفْظَةُ الرُوحِ هُنا لِلْجِنْسِ، وقَوْلُهُ: "فَقَعُوا" مَن وقَعَ يَقَعُ، وفُتِحَتِ القافُ لِأجْلِ حَرْفِ الحَلْقِ، وهَذِهِ اللَفْظَةُ تُقَوِّي أنَّ سُجُودَ المَلائِكَةِ إنَّما كانَ عَلى المَعْهُودِ عِنْدَنا، لا أنَّهُ خُضُوعٌ وتَسْلِيمٌ وإشارَةٌ كَما قالَ بَعْضُ الناسِ، وشَبَّهُوهُ بِقَوْلِ الشاعِرِ:(p-٢٩٠)
؎ فَكِلْتاهُما خَرَّتْ وأسْجَدَ رَأْسُها ∗∗∗ كَما سَجَدَتْ نَصْرانَةٌ لَمْ تَحَنَّفِ
وهَذا البَيْتُ يُشْبِهُ أنْ يَكُونَ السُجُودُ فِيهِ كالمَعْهُودِ عِنْدَنا، وحَكى الطَبَرِيُّ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ قالَ: "خَلَقَ اللهُ مَلائِكَةً وأمَرَهم بِالسُجُودِ لِآدَمَ فَأبَوْا، فَأرْسَلَ عَلَيْهِمْ نارًا فَأحْرَقَتْهُمْ، ثُمَّ خَلَقَ آخَرِينَ فَكَذَلِكَ، ثُمَّ خَلَقَ آخَرِينَ فَأمَرَهم بِالسُجُودِ فَأطاعُوا إلّا إبْلِيسَ فَإنَّهُ كانَ مِنَ الأوَّلِينَ"، وقَوْلُهُ: "مِنَ الأوَّلِينَ" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: مِنَ الأوَّلِينَ في حالِهِمْ وكُفْرِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ في أنَّهُ بَقِيَ مِنهم.
وقَوْلُهُ: ﴿كُلُّهم أجْمَعُونَ﴾ هو عِنْدَ سِيبَوَيْهِ تَأْكِيدٌ بَعْدَ تَأْكِيدٍ، يَتَضَمَّنُ الآخَرُ ما تَضَمَّنَ الأوَّلُ، وقالَ غَيْرُهُ: "كُلُّهُمْ" لَوْ وقَفَ عَلَيْهِ لَصَلَحَتْ لِلِاسْتِثْناءِ، وصَلَحَتْ عَلى مَعْنى المُبالَغَةِ مَعَ أنْ يَكُونَ البَعْضُ لَمْ يَسْجُدْ، وهَذا كَما يَقُولُ القائِلُ: "كُلُّ الناسِ يَعْرِفُ كَذا"، وهو يُرِيدُ أنَّ المَذْكُورَ أمْرٌ مُشْتَهِرٌ، فَلَمّا قالَ: "أجْمَعُونَ" رَفَعَ الِاحْتِمالَ في أنْ يَبْقى مِنهم أحَدٌ، واقْتَضى الكَلامُ أنْ جَمِيعَهم سَجَدَ، وقالَ المُبَرِّدُ: لَوْ وقَفَ عَلى" كُلُّهُمْ" لاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ سُجُودُهم في مَواطِنَ كَثِيرَةٍ، فَلَمّا قالَ: "أجْمَعُونَ" دَلَّ عَلى أنَّهم سَجَدُوا في مَوْطِنٍ واحِدٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
واعْتَرِضَ قَوْلُ المُبَرِّدُ بِأنَّهُ جَعَلَ قَوْلَهُ تَعالى: "أجْمَعُونَ" حالًا. بِمَعْنى "مُجْتَمِعِينَ"، ويَلْزَمُهُ -عَلى هَذا- أنْ يَكُونَ "أجْمَعُونَ" هُنا عَلى أنْ يَقْرُبَ مِنَ التَنْكِيرِ إذْ هو مَعْرِفَةٌ لِكَوْنِهِ يُلْزِمُ اتِّباعَ المَعارِفِ، والقِراءَةُ بِالرَفْعِ تَأْبى قَوْلَهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا إبْلِيسَ﴾، قِيلَ: إنَّهُ اسْتِثْناءٌ مِنَ الأوَّلِ، وقِيلَ: إنَّهُ لَيْسَ مَنَ (p-٢٩١)الأوَّلِ، وهَذا مُتَرَكِّبٌ عَلى الخِلافِ في إبْلِيسَ، هَلْ هو مِنَ المَلائِكَةِ أمْ لا؟ والظاهِرُ مِن كَثِيرٍ مِنَ الأحادِيثِ ومِن هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ مِنَ المَلائِكَةِ، وذَلِكَ أنَّ اللهَ تَعالى أمْرَ المَلائِكَةَ بِالسُجُودِ، ولَوْ لَمْ يَكُنْ إبْلِيسُ مِنَ المَلائِكَةِ لَمْ يُذْنِبْ في تَرْكِ السُجُودِ، وقَدْ رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ بْنِ أبِي الحَسَنِ أنَّ إبْلِيسَ إنَّما كانَ مِن قَبِيلِ الجِنِّ، ولَمْ يَكُنْ قَطُّ مَلِكًا، ونَسَبَ ابْنُ فَوْرِكٍ القَوْلَ إلى المُعْتَزِلَةِ، وتَعَلَّقَ مَن قالَ هَذا بِقَوْلِهِ تَعالى في صِفَتِهِ: " كانَ مِنَ الجِنِّ "، وقالَتِ الفِرْقَةُ الأُخْرى: لا حُجَّةَ في هَذا لَأنَّ المَلائِكَةَ قَدْ تُسَمّى جِنًّا لِاسْتِتارِها وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾ [الصافات: ١٥٨].
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ يا إبْلِيسُ﴾، قِيلَ: إنَّهُ حِينَئِذٍ سَمّاهُ إبْلِيسَ، وإنَّما كانَ اسْمُهُ قَبْلُ عَزازِيلُ، وهو مِنَ الإبْلاسِ، وهو الإبْعادُ، أيْ: يا مُبْعَدُ. وقالَتْ طائِفَةٌ: إبْلِيسُ كانَ اسْمُهُ، ولَيْسَ بِاسْمٍ مُشْتَقٍّ، بَلْ هو أعْجَمِيٌّ، ويَقْضِي بِذَلِكَ أنَّهُ لا يَنْصَرِفُ، ولَوْ كانَ عَرَبِيًّا مُشْتَقًّا لَكانَ كَإجْفِيلٍ، مِن أجَفَلَ، وغَيْرَهُ، ولَكانَ مُنْصَرِفًا، قالَهُ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ. وقَوْلُهُ: ﴿ألا تَكُونَ﴾، "أنْ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ، وقِيلَ: في مَوْضِعِ خَفْضٍ، والأصْلُ: "مالَكَ ألّا تَكُونَ"، وقَوْلُ إبْلِيسَ: ﴿لَمْ أكُنْ لأسْجُدَ لِبَشَرٍ﴾ لَيْسَ هَذا مَوْضِعُ كُفْرِهِ عِنْدَ الحُذّاقِ، لَأنَّ إبايَتَهُ إنَّما هي مَعْصِيَةٌ فَقَطْ، وأمّا تَعْلِيلُهُ فَإنَّما يَقْتَضِي أنَّ اللهَ خَلَقَ خَلْقًا مَفْضُولًا وكَلَّفَ خَلْقًا أفْضَلَ مِنهُ أنْ يَذِلَّ لَهُ، فَكَأنَّهُ قالَ: "وَهَذا جَوْرٌ"، وذَلِكَ أنَّ إبْلِيسَ لِما ظَنَّ أنَّ النارَ أفْضَلُ مِنَ الطِينِ ظَنَّ أنَّ نَفْسَهُ أفْضَلُ مِن آدَمَ مِن حَيْثُ النارُ يَأْكُلُ الطِينَ، فَقاسَ وأخْطَأ في قِياسِهِ، وجَهِلَ أنَّ الفَضائِلَ إنَّما هي حَيْثُ جَعَلَها اللهُ المالِكُ لِلْجَمِيعِ، لا رَبَّ غَيْرُهُ.
15:34–44Page 264
قَالَ فَٱخۡرُجۡ مِنۡهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٞ ٣٤
[Allāh] said, "Then depart from it,1 for indeed, you are expelled.
وَإِنَّ عَلَيۡكَ ٱللَّعۡنَةَ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلدِّينِ ٣٥
And indeed, upon you is the curse until the Day of Recompense."
قَالَ رَبِّ فَأَنظِرۡنِيٓ إِلَىٰ يَوۡمِ يُبۡعَثُونَ ٣٦
He said, "My Lord, then reprieve me until the Day they are resurrected."
قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ ٱلۡمُنظَرِينَ ٣٧
[Allāh] said, "So indeed, you are of those reprieved
إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡوَقۡتِ ٱلۡمَعۡلُومِ ٣٨
Until the Day of the time well-known."
قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغۡوَيۡتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَأُغۡوِيَنَّهُمۡ أَجۡمَعِينَ ٣٩
[Iblees] said, "My Lord, because You have put me in error, I will surely make [disobedience] attractive to them [i.e., mankind] on earth, and I will mislead them all
إِلَّا عِبَادَكَ مِنۡهُمُ ٱلۡمُخۡلَصِينَ ٤٠
Except, among them, Your chosen servants."
قَالَ هَٰذَا صِرَٰطٌ عَلَيَّ مُسۡتَقِيمٌ ٤١
[Allāh] said, "This is a path [of return] to Me [that is] straight.
إِنَّ عِبَادِي لَيۡسَ لَكَ عَلَيۡهِمۡ سُلۡطَٰنٌ إِلَّا مَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلۡغَاوِينَ ٤٢
Indeed, My servants - no authority will you have over them, except those who follow you of the deviators.
وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوۡعِدُهُمۡ أَجۡمَعِينَ ٤٣
And indeed, Hell is the promised place for them all.
لَهَا سَبۡعَةُ أَبۡوَٰبٖ لِّكُلِّ بَابٖ مِّنۡهُمۡ جُزۡءٞ مَّقۡسُومٌ ٤٤
It has seven gates; for every gate is of them [i.e., Satan's followers] a portion designated."
قوله عزّ وجلّ:
﴿قالَ فاخْرُجْ مِنها فَإنَّكَ رَجِيمٌ﴾ ﴿وَإنَّ عَلَيْكَ اللَعْنَةَ إلى يَوْمِ الدِينِ﴾ ﴿قالَ رَبِّ فَأنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿قالَ فَإنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ ﴿إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾ ﴿قالَ رَبِّ بِما أغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهم في الأرْضِ ولأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ ﴿قالَ هَذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾ (p-٢٩٢)﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إلا مَنِ اتَّبَعَكَ مَنِ الغاوِينَ﴾ ﴿وَإنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿لَها سَبْعَةُ أبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنهم جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾
الضَمِيرُ في "مِنها" لِلْجَنَّةِ وإنْ لَمْ يَجْرِ ذِكْرُها، في القِصَّةِ تَتَضَمَّنُها، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ الضَمِيرُ عَلى صِيغَةِ المَلائِكَةِ. و"الرَجِيمُ" المَشْؤُومُ، أيِ: المَرْجُومُ بِالقَوْلِ والشَتْمِ، و﴿يَوْمِ الدِينِ﴾ يَوْمُ الجَزاءِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ ولَمْ يَبْقَ سِوى العُدْوا ∗∗∗ نِ دِنّاهم كَما دانُوا
وسَألَ إبْلِيسُ النَظِرَةَ إلى يَوْمِ البَعْثِ فَأعْطاهُ اللهُ إيّاها إلى وقْتٍ مَعْلُومٍ، واخْتُلِفَ فِيهِ- فَقِيلَ: إلى يَوْمِ القِيامَةِ، أيْ يَكُونُ آخِرَ مَن يَمُوتُ مِنَ الخَلْقِ، قالَهُ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ. وقِيلَ إلى وقْتٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ ولا مَرْسُومٍ بِقِيامَةٍ ولا غَيْرَها، بَلْ عِلْمُهُ عِنْدَ اللهِ وحْدَهُ. وقِيلَ: بَلْ أمْرُهُ كانَ إلى يَوْمِ بَدْرٍ، وأنَّهُ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ، وهَذا -وَإنْ كانَ رُوِيَ- فَهو ضَعِيفٌ. والمُنْظَرُ: المُؤَخَّرُ. وقَوْلُهُ: "رَبِّ" مَعَ كُفْرِهِ يُخَرَّجُ عَلى أنَّهُ يُقِرُّ بِالرُبُوبِيَّةِ والخَلْقِ، وهو الظاهِرُ مِن حالِهِ وما تَقْتَضِيهِ فِيهِ الآياتُ والأحادِيثُ، وهَذا لا يَدْفَعُ في صَدْرِ كُفْرِهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿بِما أغْوَيْتَنِي﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، وغَيْرُهُ: "أقْسَمَ بِالإغْواءِ"، كَأنَّهُ جَعَلَهُ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ: "رَبِّ بِقُدْرَتِكَ عَلَيَّ وقَضائِكَ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِالسَبَبِ، كَأنَّهُ قالَ: "رَبِّ واللهِ لَأُغْوِيَنَّهم بِسَبَبِ إغْوائِكَ لِي ومِن أجْلِهِ وكَفاءً لَهُ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى تَجَلُّدًا مِنهُ ومُبالَغَةً في الجِدِّ، أيْ: "بِحالِي هَذِهِ وبُعْدِي مِنَ الخَيْرِ واللهِ لَأفْعَلَنَّ ولَأُغْوِيَنَّ"، ومَعْنى ﴿لأُزَيِّنَنَّ لَهم في الأرْضِ﴾ أيِ الشَهَواتُ والمَعاصِي. والضَمِيرُ في "لَهُمْ" لِذُرِّيَّةِ آدَمَ وإنْ كانَ لَمْ يَجْرِ لَهم ذِكْرٌ، فالقِصَّةُ بِجُمْلَتِها حَيْثُ وقَعَتْ كامِلَةً تَتَضَمَّنُهُمْ، والإغْواءُ: الإضْلالُ".
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، والحَسَنُ، والأعْرَجُ: "المُخْلَصِينَ" بِفَتْحِ (p-٢٩٣)اللامِ، أيِ الَّذِينَ أخْلَصْتَهم أنْتَ لِعِبادَتِكَ وتَقْواكَ، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ اللامِ، أيِ الَّذِينَ أخْلَصُوا الإيمانَ بِكَ وبِرُسُلِكَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ هَذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾، القائِلُ هو اللهُ تَبارَكَ وتَعالى، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِواسِطَةٍ، وقَرَأ الضِحاكُ، وحُمَيْدٌ، والنَخَعِيُّ، وأبُو رَجاءٍ، وابْنُ سِيرِينَ، وقَتادَةُ، وقَيْسُ بْنُ عَبّادٍ، ومُجاهِدٌ، وغَيْرُهُمْ: "عَلِيٌّ مُسْتَقِيمٌ" مِنَ العُلُوِّ والرِفْعَةِ، والإشارَةُ بِـ "هَذا" -عَلى هَذِهِ القِراءَةِ- إلى الإخْلاصِ، لَمّا اسْتُثْنِيَ إبْلِيسُ مِن أخْلَصَ قالَ اللهُ لَهُ: هَذا الإخْلاصُ طَرِيقٌ رَفِيعٌ مُسْتَقِيمٌ لا تَنالُ أنْتَ بِإغْوائِكَ أهْلَهُ. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "عَلَيَّ" بِياءٍ مُشَدَّدَةٍ مَفْتُوحَةٍ، والإشارَةُ بِـ "هَذا" -عَلى هَذِهِ القِراءَةِ- إلى انْقِسامِ الناسِ إلى غاوٍ ومُخْلِصٍ، لَمّا قَسَّمَ إبْلِيسُ الناسَ هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ قالَ اللهُ لَهُ: هَذا طَرِيقٌ إلَيَّ، أيْ: هَذا أمْرٌ مَصِيرُهُ إلَيَّ، والعَرَبُ تَقُولُ: "طَرِيقُكَ في هَذا الأمْرِ عَلى فُلانٍ"، أيْ: إلَيْهِ يَصِيرُ النَظَرُ في أمْرِكَ. وهَذا نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرْصادِ﴾ [الفجر: ١٤]، والآيَةُ -عَلى هَذِهِ القِراءَةِ- خَبَرٌ تَتَضَمَّنُ وعِيدًا.
ثُمَّ ابْتَدَأ الإخْبارَ عن سَلامَةِ عِبادِهِ المُتَّقِينَ مِن إبْلِيسَ، وخاطَبَهُ بِأنَّهُ لا حُجَّةَ لَهُ عَلَيْهِمْ ولا مَلَكَةَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
والظاهِرُ مِن قَوْلِهِ: "عِبادِي" الخُصُوصُ في أهْلِ الإيمانِ والتَقْوى لا عُمُومُ الخَلْقِ، وبِحَسْبِ هَذا يَكُونُ ﴿إلا مَنِ اتَّبَعَكَ﴾ مُسْتَثْنى مِن غَيْرِ الأوَّلِ، والتَقْدِيرُ: لَكِنْ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغاوِينَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ، وإنْ أخَذْنا العِبادَ عامًّا في عُبّادِ الناسِ، إذْ لَمْ يُقَدِّرُ اللهُ لِإبْلِيسَ سَلَّطانا عَلى أحَدٍ، فَإنّا نُقَدِّرُ الِاسْتِثْناءَ في الأقَلِّ في القَدْرِ مِن حَيْثُ لا قَدْرَ لِلْكُفّارِ، والنَظَرُ الأوَّلُ أصْوَبُ، وإنَّما الغَرَضُ ألّا نَقَعَ في اسْتِثْناءِ الأكْثَرِ مِنَ الأقَلِّ وإنْ (p-٢٩٤)كانَ الفُقَهاءُ قَدْ جَوَّزُوهُ، وقالَ أبُو المَعالِي: لَيْسَ مَعْرُوفًا في اسْتِعْمالِ العَرَبِ، وهَذِهِ الآيَةُ أمْثَلُ ما احْتَجَّ بِهِ مُجَوِّزُوهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ولا حُجَّةَ لَهم في الآيَةِ عَلى ما بَيَّنْتُهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ﴾ أيْ مَوْضِعُ اجْتِماعِهِمْ، والمَوْعِدُ يَتَعَلَّقُ بِزَمانٍ ومَكانٍ، وقَدْ يُذْكَرُ المَكانُ ولا يُحَدَّدُ زَمانُ المَوْعِدِ. و"أجْمَعِينَ" تَأْكِيدٌ، وفِيهِ مَعْنى الحالِ، وقَوْلُهُ: ﴿لَها سَبْعَةُ أبْوابٍ﴾ قِيلَ: إنَّ النارَ بِجُمْلَتِها سَبْعَةُ أطْباقٍ، أعْلاها جَهَنَّمُ، ثُمَّ لَظى، ثُمَّ الحَطْمَةُ، ثُمَّ السَعِيرُ، ثُمَّ سَقَرُ، ثُمَّ الجَحِيمُ وفِيهِ أبُو جَهْلٍ، ثُمَّ الهاوِيَةُ، وإنَّ في كُلِّ طِبْقِ مِنها بابًا، فالأبْوابُ -عَلى هَذا- بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ، وعَبَّرَ في هَذِهِ الآيَةِ عَنِ النارِ جُمْلَةً بِجَهَنَّمَ، إذْ هي أشْهَرُ مَنازِلَها وأوَّلُها، وهي مَوْضِعُ عُصاةِ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ لا يَخْلُدُونَ، ولِهَذا رُوِيَ أنَّ جَهَنَّمَ تُخَرَّبُ وتَبْلى. وقِيلَ: إنَّ النارَ أطْباقٌ كَما ذَكَرْنا، لَكِنَّ الأبْوابَ السَبْعَةَ كُلَّها في جَهَنَّمَ عَلى خَطِّ اسْتِواءٍ، ثُمَّ يُنْزَلُ مِن كُلِّ بابٍ إلى طَبَقَةِ الَّذِي يُفْضِي إلَيْهِ. واخْتَصَرْتُ ما ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ في المَسافاتِ الَّتِي بَيْنَ الأبْوابِ، وفي هَواءِ النارِ، وفي كَيْفِيَّةِ الحالِ، إذْ هي أقْوالٌ كَثِيرَةٌ أكْثَرُها لا يَسْتَنِدُ، وهي في حَيِّزِ الجائِزِ، والقُدْرَةُ أعْظَمُ مِنها، عافانا اللهُ مِن نارِهِ، وتَغَمَّدَنا بِرَحْمَتِهِ بِمَنِّهِ.
وقَوْلُهُ: "جُزْءٌ"، قَرَأ الجُمْهُورُ بِالهَمْزِ، وقَرَأ ابْنُ شِهابٍ بِضَمِّ الزايِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ "جُزٌّ" بِشَدِّ الزايِ دُونَ هَمْزٍ، وهي قِراءَةُ ابْنِ القَعْقاعِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences