Ibn 'Atiyya · Tafsir · in Arabic
Al-Hijr 15:66–86
15:66–77Page 265
وَقَضَيۡنَآ إِلَيۡهِ ذَٰلِكَ ٱلۡأَمۡرَ أَنَّ دَابِرَ هَٰٓؤُلَآءِ مَقۡطُوعٞ مُّصۡبِحِينَ ٦٦
And We conveyed to him [the decree] of that matter: that those [sinners] would be eliminated by early morning.
وَجَآءَ أَهۡلُ ٱلۡمَدِينَةِ يَسۡتَبۡشِرُونَ ٦٧
And the people of the city came rejoicing.1
قَالَ إِنَّ هَٰٓؤُلَآءِ ضَيۡفِي فَلَا تَفۡضَحُونِ ٦٨
[Lot] said, "Indeed, these are my guests, so do not shame me.
وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلَا تُخۡزُونِ ٦٩
And fear Allāh and do not disgrace me."
قَالُوٓاْ أَوَلَمۡ نَنۡهَكَ عَنِ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٧٠
They said, "Have we not forbidden you from [protecting] people?"
قَالَ هَٰٓؤُلَآءِ بَنَاتِيٓ إِن كُنتُمۡ فَٰعِلِينَ ٧١
[Lot] said, "These are my daughters1 - if you would be doers [of lawful marriage]."
لَعَمۡرُكَ إِنَّهُمۡ لَفِي سَكۡرَتِهِمۡ يَعۡمَهُونَ ٧٢
By your life, [O Muḥammad], indeed they were, in their intoxication, wandering blindly.
فَأَخَذَتۡهُمُ ٱلصَّيۡحَةُ مُشۡرِقِينَ ٧٣
So the shriek1 seized them at sunrise.
فَجَعَلۡنَا عَٰلِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمۡطَرۡنَا عَلَيۡهِمۡ حِجَارَةٗ مِّن سِجِّيلٍ ٧٤
And We made the highest part [of the city] its lowest and rained upon them stones of hard clay.
إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّلۡمُتَوَسِّمِينَ ٧٥
Indeed in that are signs for those who discern.
وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٖ مُّقِيمٍ ٧٦
And indeed, they [i.e., those cities] are [situated] on an established road.
إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّلۡمُؤۡمِنِينَ ٧٧
Indeed in that is a sign for the believers.
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَقَضَيْنا إلَيْهِ ذَلِكَ الأمْرَ أنَّ دابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾ ﴿وَجاءَ أهْلُ المَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ ﴿قالَ إنَّ هَؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ﴾ ﴿واتَّقُوا اللهَ ولا تُخْزُونِ﴾ ﴿قالُوا أوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ العالَمِينَ﴾ ﴿قالَ هَؤُلاءِ بَناتِي إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ ﴿لَعَمْرُكَ إنَّهم لَفي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَيْحَةُ مُشْرِقِينَ﴾ ﴿فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ ﴿وَإنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾
المَعْنى: وقَضَيْنا ذَلِكَ الأمْرَ، أيْ: أمْضَياهُ وحَتَّمْناهُ، ثُمَّ أدْخَلَ في الكَلامِ "إلَيْهِ" مِن حَيْثُ أوحى ذَلِكَ إلَيْهِ وأعْلَمَهُ اللهُ بِهِ، فَجَلَبَ هَذا المَعْنى بِإيجازٍ، وحَذَفَ ما يَدُلُّ الظاهِرُ عَلَيْهِ. و"أنَّ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ، قالَ الأخْفَشُ: هي بَدَلٌ مِن "ذَلِكَ"، وقالَ الفِراءَ: التَقْدِيرُ: "بِأنَّ دابِرَ" فَحَذَفَ حَرْفَ الجَرِّ، والأوَّلُ أصْوَبُ.
و"الدابِرُ": الَّذِي يَأْتِي آخِرَ القَوْمِ، أيْ في أدْبارِهِمْ، وإذا قُطِعَ ذَلِكَ وأُتِيَ عَلَيْهِ فَقَدْ أتى العَذابُ مِن أوَّلِهِمْ إلى آخِرِهِمْ، وهَذِهِ ألْفاظٌ دالَّةٌ عَلى الِاسْتِئْصالِ والهَلاكِ التامِّ، يُقالُ: "قَطَعَ اللهُ دابِرَهُ"، و"اسْتَأْصَلَ شَأْفَتَهُ"، و"أسْكَتَ نَأْمَتَهُ" بِمَعْنى. و"مُصْبِحِينَ" مَعْناهُ: إذا أصْبَحُوا ودَخَلُوا في الصَباحِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجاءَ أهْلُ المَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَرْجِعَ إلى وصْفِ أمْرٍ جَرى قَبْلَ إعْلامِ لُوطٍ بِهَلاكِ أُمَّتِهِ، ويَدُلُّ عَلى هَذا أنَّ مُحاجَّةَ لُوطٍ لِقَوْمِهِ تَقْتَضِي ضَعْفَ مَن لَمْ يَعْلَمْ إهْلاكَهم وأنَّ الأضْيافَ مَلائِكَةٌ. ويُحْتَمَلُ قَوْلُهُ: (p-٣٠٧)﴿وَجاءَ أهْلُ المَدِينَةِ﴾ بَعْدَ عِلْمِهِ بِهَلاكِهِمْ، وكانَ قَوْلُهم ما يَأْتِي مِنَ المُحاوَرَةِ عَلى جِهَةِ التَهَكُّمِ عنهُمْ، والإمْلاءِ لَهُمْ، والتَرَبُّصِ بِهِمْ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
والِاحْتِمالُ الأوَّلُ عِنْدِي أرْجَحُ، وهو الظاهِرُ مِن آياتِ غَيْرِ هَذِهِ السُورَةِ. وقَوْلُهُ: "يَسْتَبْشِرُونَ" أيْ: بِالأضْيافِ طَمَعًا مِنهم في الفاحِشَةِ، والضَيْفُ مُصَدَرٌ وُصِفَ بِهِ فَهو يَقَعُ لِلْواحِدِ والجَمِيعِ والمُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ.
وقَوْلُهُمْ: ﴿أوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ العالَمِينَ﴾، رُوِيَ أنَّهم كانُوا قَدْ تَقَدَّمُوا إلَيْهِ في ألّا يَضِيفَ أحَدًا ولا يُجِيرَهُ، لَأنَّهم لا يُراعُونَهُ ولا يَكُفُّونَ عن طَلَبِ الفاحِشَةِ فِيهِ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "إنَّ دابِرَ" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، ورُوِيَ أنَّ في قِراءَةِ عَبْدِ اللهِ: "وَقَضَيْنا إلَيْهِ ذَلِكَ الأمْرَ وقُلْنا إنَّ دابِرَ هَؤُلاءِ"، وذَكَرَ السُدِّيُّ أنَّهم إنَّما كانُوا يَفْعَلُونَ الفاحِشَةَ مَعَ الغُرَباءِ ولا يَفْعَلُونَها بَعْضَهم بِبَعْضٍ، فَكانُوا يَعْتَرِضُونَ الطُرُقَ.
وقَوْلُ لُوطٍ عَلَيْهِ السَلامُ: ﴿هَؤُلاءِ بَناتِي﴾ اخْتُلِفَ في تَأْوِيلِهِ فَقِيلَ: أرادَ نِساءَ أُمَّتِهِ، لَأنَّ زَوْجاتِ النَبِيِّينَ أُمَّهاتُ الأُمَمِ وهو أبُوهُمْ، فالنِساءُ بَناتُهُ في الحُرْمَةِ، والمُرادُ بِالتَزْوِيجِ، ويَلْزَمُ هَذا التَأْوِيلُ أنْ يَكُونَ في شَرْعِهِ جَوازُ زَواجِ الكافِرِ لِلْمُؤْمِنَةِ، وقَدْ ورَدَ أنَّ المُؤْمِناتِ بِهِ قَلِيلٌ جِدًّا. وقِيلَ: إنَّما أرادَ بَناتِ صُلْبِهِ، ودَعا إلى التَزْوِيجِ أيْضًا، قالَهُ قَتادَةُ، ويَلْزَمُ هَذا التَأْوِيلُ أيْضًا ما لَزِمَ المُتَقَدِّمَ في تَرْتِيبِنا، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ عَلَيْهِ السَلامُ بِقَوْلِهِ: ﴿هَؤُلاءِ بَناتِي﴾ بَناتِ صُلْبِهِ، ويَكُونُ ذَلِكَ عَلى طَرِيقِ المَجازِ، وهو لا يُحَقِّقُ في إباحَةِ بَناتِهِ، وهَذا كَما تَقُولُ لِإنْسانٍ تَراهُ يُرِيدُ قَتْلَ آخَرَ: اقْتُلْنِي ولا تَقْتُلْهُ، فَإنَّما ذَلِكَ عَلى جِهَةِ التَشْنِيعِ عَلَيْهِ، والِاسْتِنْزالِ مِن جِهَةٍ ما، واسْتِدْعاءِ الحَياءِ مِنهُ، وهَذا كُلُّهُ مِن مُبالَغَةِ القَوْلِ الَّذِي لا يَدْخُلُهُ مَعْنى الكَذِبِ، بَلِ الغَرَضُ مِنهُ مَفْهُومٌ، وعَلَيْهِ قَوْلُ النَبِيِّ صَلِيَ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: « "وَلَوْ كَمَفْحَصِ قَطاةٍ"،» إلى غَيْرِ هَذا مِنَ الأمْثِلَةِ.
و"العَمْرُ" و"العُمْرُ" بِفَتْحِ العَيْنِ وضَمِّها واحِدٌ، وهُما عُمْرُ الحَياةِ ومُدَّتْها، ولا يُسْتَعْمَلُ في القَسَمِ إلّا بِالفَتْحِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ شَرَفٌ لِمُحَمَّدٍ صَلِيَ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَأنَّ اللهَ تَعالى أقْسَمَ (p-٣٠٨)بِحَياتِهِ، ولَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ مَعَ بَشَرٍ سِواهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، والقَسَمُ بِـ "لَعَمْرُكَ" في القُرْآنِ وبِـ "لَعَمْرِي" ونَحْوَهُ في أشْعارِ العَرَبِ وفَصِيحِ كَلامِها في غَيْرِ مَوْضِعٍ، كَقَوْلِهِ:
؎ لَعَمْرِي وما عَمْرِي عَلَيَّ بِهَيِّنٍ
وقَوْلُ الآخَرِ:
؎ لَعَمْرُ أبِيكَ ما نُسِبَ المُعَلّى
وكَقَوْلِ الآخَرِ:
؎ لَعَمْرُكَ إنَّ المَوْتَ ما أخْطَأ الفَتى ∗∗∗ ∗∗∗ لَكالطِوَلِ المُرْخى وثِنْياهُ بِاليَدِ
(p-٣٠٩)والعَرَبُ تَقُولُ: "لَعَمْرُ اللهِ"، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ إذا رَضِيَتْ عَلَيَّ بَنُو قُشَيْرٍ ∗∗∗ ∗∗∗ لَعَمْرُ اللهِ أعْجَبَنِي رِضاها
وقالَ الأعْشى:
؎ ولَعَمْرُ مَن جَعْلَ الشُهُورَ عَلامَةً ∗∗∗ ∗∗∗ فِينا فَبَيَّنَ نِصْفَها وكَمالها
وقالَ بَعْضُ أصْحابِ المَعانِي: لا يَجُوزُ هَذا لَأنَّهُ لا يُقالُ: لِلَّهِ تَعالى عُمْرٌ، وإنَّما يُقالُ: بَقاءٌ أزَلِيٌّ، ذَكَرَهُ الزَهْراوِيُّ، وكَرِهَ إبْراهِيمُ النَخَعِيُّ أنْ يَقُولَ الرَجُلُ: "لَعَمْرِي"، لَأنَّهُ حَلَفَ بِحَياةِ نَفْسِهِ، وذَلِكَ مِن كَلامِ ضَعَفَةِ الرِجالِ، ونَحْوَ هَذا. وقَوْلُ مالِكٍ في (p-٣١٠)"لَعَمْرِي ولَعَمْرُكَ" أنَّها لَيْسَتْ بِيَمِينٍ، وقالَ ابْنُ حَبِيبٍ: يَنْبَغِي أنْ تُصْرَفَ "لَعَمْرُكَ" في الكَلامِ اقْتِداءً بِهَذِهِ الآيَةِ.
و"يَعْمَهُونَ" أيْ يَرْتَبِكُونَ ويَتَحَيَّرُونَ، والضَمائِرُ في "سَكْرَتِهِمْ" يُرادُ بِها قَوْمُ لُوطٍ المَذْكُورُونَ، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ أنَّ المُرادَ قُرَيْشٌ، وهَذا بَعِيدٌ لَأنَّهُ يَنْقَطِعُ مِمّا قَبْلَهُ ومِمّا بَعْدَهُ. وقَوْلُهُ:"فِي سَكْرَتِهِمْ" مَجازٌ وتَشْبِيهٌ، أيْ: في ضَلالَتِهِمْ وغَفْلَتِهِمْ عَنِ الحَقِّ ولَهْوِهِمْ، و"يَعْمَهُونَ" مَعْناهُ: يَتَرَدَّدُونَ في حَيْرَتِهِمْ، و"مُشْرِقِينَ" مَعْناهُ: قَدْ دَخَلُوا في الإشْراقِ، وهو سُطُوعُ ضَوْءِ الشَمْسِ وظُهُورُهُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، وهَذِهِ الصَيْحَةُ هي صَيْحَةُ الوَجْبَةِ، ولَيْسَتْ كَصَيْحَةِ ثَمُودَ، وأُهْلِكُوا بَعْدَ الفَجْرِ مُصْبِحِينَ، واسْتَوْفاهُمُ الهَلاكُ مُشْرِقَيْنِ. وخَبَرُ قَوْلِهِ: "لَعَمْرُكَ" مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: لَعَمْرُكَ قَسَمِي أو يَمِينِي، وفي هَذا نَظَرٌ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: "وَعَمْرُكَ"، وقَرَأ الأشْهَبُ العُقَيْلِيُّ: "لَفِي سُكْرَتِهِمْ" بِضَمِّ السِينِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "سَكَراتِهِمْ"، وقَرَأ الأعْمَشُ: "لَفِي سُكْرِهِمْ" بِغَيْرِ تاءٍ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ الجَهْضَمِيِّ: "أنَّهُمْ" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ "فِي سَكْرَتِهِمْ".
ورُوِيَ في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها﴾ أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ اقْتَلَعَ المَدِينَةَ بِجَناحِهِ ورَفَعَها حَتّى سَمِعَتْ مَلائِكَةُ السَماءِ صُراخَ الدِيَكَةِ ونُباحَ الكِلابِ، ثُمَّ قَلَبَها وأرْسَلَ الكُلَّ، فَمَن سَقَطَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن رَدْمِ المَدِينَةِ ماتَ، ومَن أفْلَتَ مِنهم أصابَتْهُ حِجارَةٌ مِن سِجِّيلٍ، و"سِجِّيلٍ" اسْمٌ مِن أسْماءِ سَماءِ الدُنْيا، وقِيلَ: هي لَفْظَةٌ فارِسِيَّةٌ، وهي الحِجارَةُ المَطْبُوخَةُ مِنَ الطِينِ كالآجُرِّ ونَحْوَهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في هَذا.
و"المُتَوَسِّمُونَ" قالَ مُجاهِدٌ: المُتَفَرَّسُونَ، وقالَ الضِحاكُ: الناظِرُونَ، وقالَ قَتادَةُ: المُعْتَبِرُونَ، وقِيلَ غَيْرُ هَذا مِمّا هو قَرِيبٌ مِنهُ، وهَذا كُلُّهُ تَفْسِيرٌ لَها بِالمَعْنى، وإنَّما تَفْسِيرُها بِاللَفْظِ، فَإنَّ المَعانِيَ الَّتِي تَكُونُ في الإنْسانِ وغَيْرِهِ مِن خَيْرٍ أو شَرٍّ يَلُوحُ عَلَيْهِ وسْمٌ عن تِلْكَ المَعانِي كالسُكُونِ والدِيانَةِ والهَيْبَةِ الَّتِي تَكُونُ عَنِ الخَيْرِ ونَحْوَ هَذا، فالمُتَوَسِّمُ هو الَّذِي يَنْظُرُ في وسْمِ المَعْنى لِيَسْتَدِلَّ بِهِ عَلى المَعْنى، وكَأنَّ مَعْصِيَةَ هَؤُلاءِ أبْقَتْ مِنَ العَذابِ والإهْلاكِ وسْمًا، فَمَن رَأى الوَسْمَ اسْتَدَلَّ عَلى المَعْصِيَةِ بِهِ، واقْتادَهُ (p-٣١١)النَظَرُ إلى تَجَنُّبِ المَعاصِي لِئَلّا يَنْزِلَ بِهِ ما نَزَلَ بِهِمْ، ومِنَ الشِعْرِ في هَذِهِ اللَفْظَةِ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ تَوَسَّمْتُهُ لَمّا رَأيْتُ مَهابَةً ∗∗∗ ∗∗∗ عَلَيْهِ وقُلْتُ المَرْءُ مِن آلِ هاشِمِ
وقالَ آخَرُ:
؎ وظَلَلْتُ فِيها واقِفًا أتَوَسَّمُ
وقالَ آخَرُ:
؎ إنِّي تَوَسَّمْتُ فِيكَ الخَيْرَ نافِلَةً
والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "وَإنَّها" يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى المَدِينَةِ المُهْلَكَةِ، أيْ: أنَّها في طَرِيقٍ ظاهِرٍ لِلْمُعْتَبِرِ، وهَذا تَأْوِيلُ مُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، وابْنِ زَيْدٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى الآياتِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى الحِجارَةِ، ويُقَوِّي هَذا التَأْوِيلُ ما رُوِيَ أنَّ النَبِيَّ صَلِيَ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: « "إنَّ حِجارَةَ العَذابِ مُعَلَّقَةٌ بَيْنَ السَماءِ والأرْضِ مُنْذُ ألْفَيْ سَنَةٍ لِعُصاةِ أُمَّتِي".» وقَوْلُهُ: "لَآيَةً" أيْ أمارَةً وعَلامَةً، كَما تَقُولُ: آيَةٌ ما بَيْنِي وبَيْنَكَ كَذا وكَذا.
15:78–86Page 266
وَإِن كَانَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡأَيۡكَةِ لَظَٰلِمِينَ ٧٨
And the companions of the thicket [i.e., the people of Madyan] were [also] wrongdoers,
فَٱنتَقَمۡنَا مِنۡهُمۡ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٖ مُّبِينٖ ٧٩
So We took retribution from them, and indeed, both [cities] are on a clear highway.
وَلَقَدۡ كَذَّبَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡحِجۡرِ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ٨٠
And certainly did the companions of al-Ḥijr1 [i.e., the Thamūd] deny the messengers.
وَءَاتَيۡنَٰهُمۡ ءَايَٰتِنَا فَكَانُواْ عَنۡهَا مُعۡرِضِينَ ٨١
And We gave them Our signs, but from them they were turning away.
وَكَانُواْ يَنۡحِتُونَ مِنَ ٱلۡجِبَالِ بُيُوتًا ءَامِنِينَ ٨٢
And they used to carve from the mountains, houses, feeling secure.
فَأَخَذَتۡهُمُ ٱلصَّيۡحَةُ مُصۡبِحِينَ ٨٣
But the shriek seized them at early morning,
فَمَآ أَغۡنَىٰ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ ٨٤
So nothing availed them [from] what they used to earn.
وَمَا خَلَقۡنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَآ إِلَّا بِٱلۡحَقِّۗ وَإِنَّ ٱلسَّاعَةَ لَأٓتِيَةٞۖ فَٱصۡفَحِ ٱلصَّفۡحَ ٱلۡجَمِيلَ ٨٥
And We have not created the heavens and earth and that between them except in truth. And indeed, the Hour is coming; so forgive with gracious forgiveness.
إِنَّ رَبَّكَ هُوَ ٱلۡخَلَّٰقُ ٱلۡعَلِيمُ ٨٦
Indeed, your Lord - He is the Knowing Creator.
(p-٣١٢)قوله عزّ وجلّ:
﴿وَإنْ كانَ أصْحابُ الأيْكَةِ لَظالِمِينَ﴾ ﴿فانْتَقَمْنا مِنهم وإنَّهُما لَبِإمامٍ مُبِينٍ﴾ ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أصْحابُ الحِجْرِ المُرْسَلِينَ﴾ ﴿وَآتَيْناهم آياتِنا فَكانُوا عنها مُعْرِضِينَ﴾ ﴿وَكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا آمِنِينَ﴾ ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَيْحَةُ مُصْبِحِينَ﴾ ﴿فَما أغْنى عنهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ﴿وَما خَلَقْنا السَماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلا بِالحَقِّ وإنَّ الساعَةَ لآتِيَةٌ فاصْفَحِ الصَفْحَ الجَمِيلَ﴾ ﴿إنَّ رَبَّكَ هو الخَلاقُ العَلِيمُ﴾
"الأيْكَةُ": الغَيْضَةُ والشَجَرُ المُلْتَفُّ المُخْضَرُّ، يَكُونُ السِدْرَ ونَحْوَهُ، قالَ قَتادَةُ: رُوِيَ أنَّ أيْكَةَ هَؤُلاءِ كانَتْ مِن شَجَرِ الدُومِ، وقِيلَ: مِنَ المُقْلِ، وقِيلَ: مِنَ السِدْرِ، وكانَ هَؤُلاءِ قُومًا يَسْكُنُونَ غَيْضَةً ويَرْتَفِقُونَ بِها في مَعايِشِهِمْ، فَبَعَثَ اللهُ إلَيْهِمْ شُعَيْبًا عَلَيْهِ السَلامُ فَكَفَرُوا، فَسَلَّطَ اللهُ عَلَيْهِمُ الحَرَّ فَدامَ عَلَيْهِمْ سَبْعَةَ أيّامٍ، ثُمَّ رَأوا سَحابَةً فَخَرَجُوا فاسْتَظَلُّوا تَحْتَها فاضْطَرَمَتْ عَلَيْهِمْ نارًا، وحَكى الطَبَرِيُّ قالَ: بُعِثَ شُعَيْبٌ إلى أُمَّتَيْنِ كَفَرَتا فَعُذِّبَتا بِعَذابَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ: أهْلُ مَدْيَنَ عُذِّبُوا بِالصَيْحَةِ، وأصْحابُ الأيْكَةِ عَذَّبُوا بِالظُلَّةِ، ولَمْ يَخْتَلِفِ القُرّاءُ في هَذا المَوْضِعِ في إدْخالِ الألِفِ واللامِ عَلى "أيْكَةٍ"، وأكْثَرُهم هَمَزَ ألْفَ "أيْكَةٍ" بَعْدَ اللامِ، ورُوِيَ عن بَعْضِهِمْ أنَّهُ سَهَّلَها ونَقَلَ حَرَكَتَها إلى اللامِ فَقَرَأ: "الأيْكَةَ" دُونَ هَمْزٍ، واخْتَلَفُوا في سُورَةِ الشُعَراءِ، وفي سُورَةِ ص.
و"إنْ" هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَقِيلَةِ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ، وقالَ الفَرّاءُ: "إنْ" بِمَعْنى "ما"، واللامُ في قَوْلِهِ: "لَظالِمِينَ" بِمَعْنى "إلّا"، قالَ أبُو عَلِيٍّ: الأيْكُ: جَمْعُ أيْكَةٍ كَتَمْرَةٍ وتَمْرٍ، ومِنَ الشاهِدِ عَلى اللَفْظَةِ قَوْلُ أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَلْتِ:
؎ كَبُكاءِ الحَمامِ عَلى غُصُو.... نِ الأيْكِ في الطَيْرِ الجَوانِحِ
(p-٣١٣)وَقَوْلُ جَرِيرٍ:
؎ وقَفْتُ بِها فَهاجَ الشَوْقُ مِنِّي ∗∗∗ ∗∗∗ حَمامُ الأيْكِ يُسْعِدُها حَمامُ
ومِنهُ قَوْلٌ الآخَرُ:
؎ ألّا إنَّما الدُنْيا غَضارَةُ أيْكَةٍ ∗∗∗ ∗∗∗ إذا اخْضَرَّ مِنها جانِبٌ جَفَّ جانِبُ
ومِنهُ قَوْلُ الهُذَلِيِّ:
؎ مُوَشَّحَةٌ بِالطُرَّتَيْنِ دَنا لَها ∗∗∗ ∗∗∗ جَنى أيْكَةٍ يَضْفُو عَلَيْها قِصارُها
وأنْشَدَ الأصْمَعِيُّ:
؎ وما خَلِيجٌ مِن ذُو حَدَبٍ ∗∗∗ ∗∗∗ يَرْمِي الصَعِيدَ بِخُشْبِ الأيِكِ والضالِّ
(p-٣١٤)والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "وَإنَّهُما" يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى المَدِينَتَيْنِ اللَتَيْنِ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُما، مَدِينَةُ قَوْمِ لُوطٍ، ومَدِينَةُ أصْحابِ الأيْكَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى النَبِيَّيْنِ لُوطٍ وشُعَيْبٍ في أنَّهُما عَلى طَرِيقٍ مِنَ اللهِ وشَرْعٍ مُبِينٍ.
و"الإمامُ" في كَلامِ العَرَبِ: الشَيْءُ الَّذِي يُهْتَدى بِهِ ويُؤْتَمُّ، يَقُولُونَهُ لِخَيْطِ البِناءِ، وقَدْ يَكُونُ الطَرِيقَ، وقَدْ يَكُونُ الكِتابَ المُفِيدَ، وقَدْ يَكُونُ القِياسَ الَّذِي يَعْمَلُ عَلَيْهِ الصُنّاعُ، وقَدْ يَكُونُ الرَجُلَ المُقْتَدى بِهِ، ونَحْوَ هَذا، ومَن رَأى عَوْدَ الضَمِيرِ في "إنَّهُما" عَلى المَدِينَتَيْنِ قالَ: الإمامُ: الطَرِيقُ، وقِيلَ عَلى ذَلِكَ: الإمامُ: الكِتابُ الَّذِي سَبَقَ فِيهِ إهْلاكَهُما.
و﴿أصْحابُ الحِجْرِ﴾ ثَمُودُ، وقَدْ تَقَدَّمَ قَصَصُهُمْ، و"الحِجْرِ" مَدِينَتُهُمْ، وهي ما بَيْنَ المَدِينَةِ وتَبُوكَ، وقالَ: "المُرْسَلِينَ" مِن حَيْثُ يَجِبُ بِتَكْذِيبِ رَسُولٍ واحِدٍ تَكْذِيبُ الجَمِيعِ، إذِ القَوْلُ في المُعْتَقَداتِ واحِدٌ لِلرُّسُلِ أجْمَعَ، فَهَذِهِ العِبارَةُ أشْنَعُ عَلى المُكَذِّبِينَ.
والآياتُ الَّتِي آتاهُمُ اللهُ هي الناقَةُ وما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِن خَرْقِ العادَةِ حَسْبَ ما تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ وبَسْطُهُ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: "وَآتَيْناهم آيَتَنا" مُفْرَدَةً.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكانُوا يَنْحِتُونَ﴾ الآيَةُ. يَصِفُ قَوْمَ صالِحٍ بِشِدَّةِ النَظَرِ لِلدُّنْيا والتَكَسُّبِ مِنها، فَذَكَرَ مِن ذَلِكَ مِثالًا أنَّ بُيُوتَهم كانُوا يَنْحِتُونَها في حِجْرِ الجِبالِ، والنَحْتُ: النَقْرُ بِالمَعاوِلِ ونَحْوَها في الحِجارَةِ والعُودِ ونَحْوَهُ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ بِكَسْرِ الحاءِ، وقَرَأ الحَسَنُ بِفَتْحِها وذَلِكَ لِأجْلِ حَرْفِ الحَلْقِ، وهي قِراءَةُ أبِي حَيْوَةَ، وقَوْلُهُ: "آمِنِينَ"، قِيلَ: مَعْناهُ: مِنَ انْهِدامِها، وقِيلَ: مِن حَوادِثَ الدُنْيا، وقِيلَ: مِنَ المَوْتِ لِاغْتِرارِهِمْ بِطُولِ الأعْمالِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا كُلُّهُ ضَعِيفٌ، وأصَحُّ ما يَظْهَرُ في ذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَأْمَنُونَ عَواقِبَ الآخِرَةِ، (p-٣١٥)فَكانُوا لا يَعْمَلُونَ بِحَسَبِها، بَلْ كانُوا يَعْمَلُونَ بِحَسَبِ الأمْنِ مِنها.
ومَعْنى "مُصْبِحِينَ" أيْ عِنْدِ دُخُولِهِمْ في الصَباحِ، وذُكِرَ أنَّ ذَلِكَ كانَ يَوْمَ سَبْتٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ قَصَصُ عَذابِهِمْ ومِيعادُهم وتَغَيُّرُ ألْوانِهِمْ، ولَمْ تُغْنِ عنهم شِدَّةُ نَظَرِهِمْ لِلدُّنْيا وتَكَسُّبِهِمْ شَيْئًا، ولا دَفَعَ عَذابَ اللهِ.
و"ما" الأُولى لِلنَّفْيِ، وتَحْتَمِلُ التَقْرِيرَ، والثانِيَةُ مَصْدَرِيَّةٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما خَلَقْنا السَماواتِ والأرْضَ﴾ الآيَةُ. المُرادُ أنَّ هَؤُلاءِ المُكْتَسِبِينَ لِلدُّنْيا الَّذِينَ لَمَّ يُغْنِ عنهُمُ اكْتِسابُهم لَيْسُوا في شَيْءٍ، فَإنَّ السَماواتِ والأرْضَ وجَمِيعَ الأشْياءِ لَمْ تُخْلَقْ عَبَثًا ولا سُدًى ولا لِتَكُونَ طاعَةً اللهِ كَما فَعَلَ هَؤُلاءِ ونُظَراؤُهُمْ، وإنَّما خُلِقَتْ بِالحَقِّ، ولِواجِبٍ مَقْصُودٍ وأغْراضٍ لَها نِهاياتٌ مِن عَذابٍ ونَعِيمٍ، وإنَّ الساعَةَ آتِيَةٌ عَلى جَمِيعِ أُمُورِ الدُنْيا، أيْ: فَلا تَهْتَمُّ يا مُحَمَّدُ بِأعْمالِ قَوْمِكِ، فَإنَّ الجَزاءَ لَهم بِالمِرْصادِ، فاصْفَحْ عن أعْمالِهِمْ، أيْ: ولِّها صَفْحَةَ عُنُقِكَ بِالإعْراضِ عنها، وأكَّدَ الصَفْحَ بِنَعْتِ الجَمالِ إذِ المُرادُ مِنهُ أنْ يَكُونَ لا عَتَبَ فِيهِ ولا تَعْرُّضَ. وهَذِهِ الآيَةُ تَقْتَضِي مُهادَنَةً، ونَسْخَها في آيَةِ السَيْفِ، قالَهُ قَتادَةُ.
ثُمَّ سَلّاهُ في آخِرِ الآيَةِ بِأنَّ اللهَ تَعالى يَخْلُقُ مَن شاءَ لِمَن شاءَ، ويَعْلَمُ تَعالى وجْهَ الحِكْمَةِ في ذَلِكَ، لا هَذِهِ الأوثانُ الَّتِي تَعْبُدُونَها. وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "الخَلّاقُ"، وقَرَأ الأعْمَشُ والجَحْدَرِيُّ: "الخالِقُ".
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences