Ibn 'Atiyya · Tafsir · in Arabic
An-Nahl 16:13–27
16:13–15Page 268
وَمَا ذَرَأَ لَكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُخۡتَلِفًا أَلۡوَٰنُهُۥٓۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّقَوۡمٖ يَذَّكَّرُونَ ١٣
And [He has subjected] whatever He multiplied for you on the earth of varying colors. Indeed in that is a sign for a people who remember.
وَهُوَ ٱلَّذِي سَخَّرَ ٱلۡبَحۡرَ لِتَأۡكُلُواْ مِنۡهُ لَحۡمٗا طَرِيّٗا وَتَسۡتَخۡرِجُواْ مِنۡهُ حِلۡيَةٗ تَلۡبَسُونَهَاۖ وَتَرَى ٱلۡفُلۡكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِهِۦ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ١٤
And it is He who subjected the sea for you to eat from it tender meat and to extract from it ornaments which you wear. And you see the ships plowing through it, and [He subjected it] that you may seek of His bounty; and perhaps you will be grateful.
وَأَلۡقَىٰ فِي ٱلۡأَرۡضِ رَوَٰسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمۡ وَأَنۡهَٰرٗا وَسُبُلٗا لَّعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ ١٥
And He has cast into the earth firmly set mountains, lest it shift with you, and [made] rivers and roads, that you may be guided,
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَما ذَرَأ لَكم في الأرْضِ مُخْتَلِفًا ألْوانُهُ إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ البَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنهُ لَحْمًا طَرِيًّا وتَسْتَخْرِجُوا مِنهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وتَرى (p-٣٣٦)الفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ ﴿وَألْقى في الأرْضِ رَواسِيَ أنْ تَمِيدَ بِكم وأنْهارًا وسُبُلا لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾
﴿وَما ذَرَأ لَكم في الأرْضِ﴾ مَعْناهُ: بَثَّ ونَشَرَ، و"الذُرِّيَّةُ" مِن هَذا في أحَدِ الأقْوالِ في اشْتِقاقِها، وقَوْلُهُ: "ألْوانُهُ" مَعْناهُ: أصْنافُهُ، كَما تَقُولُ: هَذِهِ ألْوانٌ مِنَ الثَمَرِ ومِنَ الطَعامِ، ومِن حَيْثُ كانَتْ هَذِهِ المَبْثُوثاتُ في الأرْضِ أصْنافًا عُدَّتْ في النِعْمَةِ، وظَهَرَ الِانْتِفاعُ بِها أنَّهُ عَلى وُجُوهٍ، ولا يَظْهَرُ ذَلِكَ مِن حَيْثُ هي مُتَلَوِّنَةٌ حُمْرَةً وصُفْرَةً وغَيْرَ ذَلِكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التَنْبِيهُ عَلى اخْتِلافِ الألْوانِ حُمْرَةً وصُفْرَةً، والأوَّلُ أبْيَنُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ البَحْرَ﴾ الآيَةُ، تَعْدِيدُ نِعَمِ اللهِ، وتَسْخِيرُ البَحْرِ هو تَمْكِينُ البَشَرِ مِنَ التَصَرُّفِ فِيهِ، وتَذْلِيلِهِ لِلرُّكُوبِ والأرْفادِ وغَيْرِهِ.
والبَحْرُ: الماءُ الكَثِيرُ مِلْحًا كانَ أو عَذْبًا، كُلُّهُ يُسَمّى بَحْرًا، والبَحْرُ هُنا اسْمُ جِنْسٍ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَمِنهُ أكْلُ اللَحْمِ الطَرِيِّ، ومِنهُ اسْتِخْراجُ الحِلْيَةٍ، وأكْلُ اللَحْمِ يَكُونُ مِن مِلْحِهِ وعَذْبِهِ، وإخْراجُ الحِلْيَةِ إنَّما هو -فِيما عُرِفَ- مِنَ المِلْحِ فَقَطْ، ومِمّا عُرِفَ مِن ذَلِكَ اللُؤْلُؤُ والمَرْجانُ والصَدَفُ والصُوفُ البَحَرِيُّ، وقَدْ يُوجَدُ في العَذْبِ لُؤْلُؤٌ لا يَلْبَسُ إلّا قَلِيلًا، وإنَّما يُتَداوى بِهِ، ويُقالُ: إنَّ في الزُمُرُّدِ بَحْرِيًّا، وقَدْ خُطِّئَ الهُذَلِيُّ في قَوْلِهِ في وصْفِ الدُرَّةِ.
؎ فَجاءَ بِها مِن دُرَّةٍ لَطَمِيَّةٍ ∗∗∗ عَلى وجْهِها ماءُ الفُراتِ يَمُوجُ
(p-٣٣٧)فَجَعَلَها مِنَ الماءِ الحُلْوِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وتَأمَّلْ قَوْلُهُ: "يَمُوجُ" عَلى أنَّهُ وصَّفٌ بِرِيقِها ومائِيَّتِها فَشَبَّهَهُ بِماءِ الفُراتِ، ولَمْ يَذْهَبْ إلى الغَرَضِ الَّذِي خُطِّئَ فِيهِ. و"اللَحْمُ الطَرِيُّ": السَمَكُ، و"الحِلْيَةُ": ما تُقَدِّمُ، و"الفُلْكَ" هُنا جَمْعٌ، و"مَواخِرَ" جُمَعُ ماخِرَةٍ، و"المَخْرُ" في اللُغَةِ الصَوْتُ الَّذِي يَكُونُ مِن هُبُوبِ الرِيحِ عَلى شَيْءٍ يُشَقُّ، أو يَصْحَبُ في الجُمْلَةِ الماءَ، فَيَتَرَتَّبُ مِنهُ أنْ يَكُونَ "المَخْرُ" مِنَ الرِيحِ، وأنْ يَكُونَ مِنَ السَفِينَةِ ونَحْوَها، وهو في هَذِهِ الآيَةِ مِنَ السُفُنِ، ويُقالُ لِلسَّحابِ: "بَناتٌ مَخْرٌ" تَشْبِيهًا، إذْ في جَرْيِها ذَلِكَ الصَوْتُ الَّذِي هو عَنِ الرِيحِ، والماءُ الَّذِي في السَحابِ وأمْرُها يُشْبِهُ أمْرَ البَحْرِ، عَلى أنَّ الزَجاجَ قَدْ قالَ: "بَناتُ البَحْرِ": سَحابٌ بَيْضٌ لا ماءَ فِيها، وقالَ بَعْضُ اللُغَوِيِّينَ: المَخْرُ في كَلامِ العَرَبِ: الشَقُّ، يُقالُ: مَخَرَ الماءُ الأرْضَ، فَهَذا بَيِّنٌ أنْ يُقالَ فِيهِ لِلْفُلْكِ: مَواخِرَ، وقالَ قَوْمٌ: "مَواخِرَ" مَعْناهُ: تَجِيءُ وتَذْهَبُ بِرِيحٍ واحِدَةٍ، وهَذِهِ الأقْوالُ لَيْسَتْ تَفْسِيرًا لِلَّفْظَةِ، وإنَّما أرادُوا أنَّها مَواخِرُ بِهَذِهِ الأحْوالِ، فَنَصُّوا عَلى هَذِهِ الأحْوالِ؛ إذْ هي مَوْضِعُ النِعَمِ المَعْدُدَةِ؛ إذْ نَفْسُ كَوْنِ الفُلْكِ ماخِرَةً لا نِعْمَةَ فِيهِ، وإنَّما النِعْمَةُ في مَخْرِها بِهَذِهِ الأحْوالِ في التِجاراتِ، والسَفَرِ فِيها، وما يَمْنَحُ اللهُ فِيها مِنَ الأرْباحِ والمِنَنِ، وقالَ الطَبَرِيُّ: "المَخْرُ" في اللُغَةِ: صُوتُ هُبُوبِ الرِيحِ، ولَمْ يُقَيِّدْ ذَلِكَ بِكَوْنٍ في ماءٍ، وقالَ: إنَّ مِن ذَلِكَ قَوْلَ واصِلٍ مَوْلى أبِي عُيَيْنَةَ: إذا أرادَ أحَدُكُمُ البَوْلَ فَلْيَتَمَخَّرَ الرِيحَ؛ أيْ: لِيَنْظُرَ في صَوْتِها في الأجْسامِ مِن أيْنَ تُهِبُّ، فَيَتَجَنَّبَ اسْتِقْبالَها لِئَلّا تَرُدُّ عَلَيْهِ بَوْلَهُ.
وقَوْلُهُ: "وَلِتَبْتَغُوا" عُطِفٌ عَلى قَوْلِهِ: "تَأْكُلُوا"، وهَذا ذِكْرُ نِعْمَةٍ لَها تَفاصِيلُ لا تُحْصى، وفِيهِ رُكُوبُ البَحْرِ لِلتِّجارَةِ وطَلَبِ الأرْباحِ، فَهَذِهِ ثَلاثَةُ أسْبابٍ في تَسْخِيرِ البَحْرِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَألْقى في الأرْضِ﴾ الآيَةُ. قالَ المُتَأوِّلُونَ: "ألْقى" بِمَعْنى خَلْقَ وجَعْلَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
(p-٣٣٨)وَهِيَ عِنْدِي أخَصُّ مِن خَلَقَ وجَعَلَ، وذَلِكَ أنَّ ألْقى تَقْتَضِي أنَّ اللهَ أحْدَثَ الجِبالَ لَيْسَ مِنَ الأرْضِ، لَكِنْ مِن قُدْرَتِهِ واخْتِراعِهِ، ويُؤَيِّدُ هَذا النَظَرُ ما رُوِيَ في القِصَصِ عَنِ الحَسَنِ عن قَيْسِ بْنِ عِبادٍ أنَّ اللهَ تَعالى لِما خَلَقَ الأرْضَ جَعَلَتْ تَمُورُ، فَقالَتِ المَلائِكَةُ: ما هَذِهِ بِمُقِرَّةٍ عَلى ظَهْرِها أحَدًا، فَأصْبَحَتْ ضُحًى وفِيها رَواسِيها، و"الرَواسِي": الثَوابِتُ، رَسا الشَيْءُ يَرْسُو إذا ثَبَتَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ في صِفَةِ الوَتَدِ:
؎ وأشْعَثَ تُرْسِيهِ الوَلِيدَةَ بِالفِهْرِ
و"أنْ" مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، و"المَيَدُ": الِاضْطِرابُ، وقَوْلُهُ: "أنْهارًا" مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، تَقْدِيرُهُ: وجَعَلَ أو خَلَقَ أنْهارًا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وإجْماعُهم عَلى إضْمارِ هَذا الفِعْلِ دَلِيلٌ عَلى خُصُوصِ "ألْقى"، ولَوْ كانَ "ألْقى" بِمَعْنى "خَلَقَ" لَمْ يَحْتَجْ إلى الإضْمارِ. و"السُبُلُ": الطُرُقُ، وقَوْلُهُ: "لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ: ﴿لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ في مَشْيِكم وتَصَرُّفِكم في السُبُلِ، ويُحْتَمَلُ ﴿لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ بِالنَظَرِ في هَذِهِ المَصْنُوعاتِ عَلى صانِعِها، وهَذا التَأْوِيلُ هو البارِعُ؛ أيْ: سَخَّرَ وألْقى وجَعَلَ أنْهارًا وسُبُلًا لَعَلَّ البَشَرَ يَعْتَبِرُونَ ويَرْشِدُونَ، ولِتَكُونَ عَلاماتٍ.
16:16–21Page 269
وَعَلَٰمَٰتٖۚ وَبِٱلنَّجۡمِ هُمۡ يَهۡتَدُونَ ١٦
And landmarks. And by the stars they are [also] guided.1
أَفَمَن يَخۡلُقُ كَمَن لَّا يَخۡلُقُۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ١٧
Then is He who creates like one who does not create? So will you not be reminded?
وَإِن تَعُدُّواْ نِعۡمَةَ ٱللَّهِ لَا تُحۡصُوهَآۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَغَفُورٞ رَّحِيمٞ ١٨
And if you should count the favors of Allāh, you could not enumerate them. Indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.
وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعۡلِنُونَ ١٩
And Allāh knows what you conceal and what you declare.
وَٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَا يَخۡلُقُونَ شَيۡـٔٗا وَهُمۡ يُخۡلَقُونَ ٢٠
And those they invoke other than Allāh create nothing, and they [themselves] are created.
أَمۡوَٰتٌ غَيۡرُ أَحۡيَآءٖۖ وَمَا يَشۡعُرُونَ أَيَّانَ يُبۡعَثُونَ ٢١
They are [in fact] dead,1 not alive, and they do not perceive when they will be resurrected.
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَعَلاماتٍ وبِالنَجْمِ هم يَهْتَدُونَ﴾ ﴿أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿وَإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصُوها إنَّ اللهِ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿واللهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وما تُعْلِنُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ (p-٣٣٩)يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهم يَخْلُقُونَ﴾ ﴿أمْواتٌ غَيْرُ أحْياءٍ وما يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾
"عَلاماتٍ" نَصَبَ عَلى المَصْدَرِ، أيْ: فَعَلَ هَذِهِ الأشْياءَ لَعَلَّكم تَعْتَبِرُونَ بِها، وعَلاماتٌ، أيْ عِبْرَةً وإعْلامًا في كُلِّ سُلُوكٍ، فَقَدْ يُهْتَدى بِالجِبالِ والأنْهارِ والسُبُلِ، واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى قَوْلِهِ: "وَعَلاماتٍ" عَلى أنَّ الأظْهَرَ عِنْدِي ما ذَكَرْتُ -فَقالَ ابْنُ الكَلْبِي: العَلاماتُ: الجِبالُ، وقالَ إبْراهِيمُ النَخْعِيُّ ومُجاهِدٌ: العَلاماتُ: النُجُومُ، مِنها ما سُمِّيَ عَلاماتٌ، ومِنها ما يُهْتَدى بِها، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: العَلاماتُ: مَعالِمُ الطُرُقِ بِالنَهارِ، والنُجُومُ هِدايَةُ اللَيْلِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
والصَوابُ -إذا قَدَّرْنا الكَلامَ غَيْرَ مُعَلَّقٍ بِما قَبْلَهُ- أنَّ اللَفْظَةَ تَعُمُّ هَذا وغَيْرَهُ، وذَلِكَ أنَّ كُلَّ ما دَلَّ عَلى شَيْءٍ وعُلِمَ بِهِ فَهو عَلّامَةٌ، وأحْسَنُ الأقْوالِ المَذْكُورَةِ قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما لِأنَّهُ عُمُومٌ في المَعْنى فَتَأمَّلَهُ، وحَدَّثَنِي أبِي رَحِمَهُ اللهُ عنهُ أنَّهُ سَمِعَ بَعْضَ أهْلِ العِلْمِ بِالمَشْرِقِ يَقُولُ: إنَّ في بَحْرِ الهِنْدِ الَّذِي يَجْرِيِ فِيهِ مِنَ اليَمَنِ إلى الهِنْدِ حِيتانًا طِوالًا رُقاقًا كالحَيّاتِ في ألْوانِها وحَرَكَتِها والتِوائِها، وأنَّها تُسَمّى العَلاماتِ، وذَلِكَ أنَّها عَلامَةُ الوُصُولِ إلى بَلادِ الهِنْدِ، وأمارَةٌ إلى النَجاةِ والِانْتِهاءِ إلى الهِنْدِ لِطُولِ ذَلِكَ البَحْرِ وصُعُوبَتِهِ، وأنَّ بَعْضَ الناسِ قالَ: إنَّها الَّتِي أرادَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ، قالَ أبِي رَضِيَ اللهُ عنهُ: وأنا مِمَّنْ شاهَدَ تِلْكَ العَلاماتِ في البَحْرِ المَذْكُورِ وعايَنَها، فَحَدَّثَنِي مِنهم عَدَدٌ كَثِيرٌ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَبِالنَجْمِ" عَلى أنَّهُ اسْمُ الجِنْسِ، وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثابٍ: "وَبِالنَجْمِ" بِضَمِّ النُونِ وإسْكانِ الجِيمِ عَلى التَخْفِيفِ مِن ضَمِّها، وقَرَأ الحَسَنُ بِضَمِّها، وذَلِكَ جَمْعٌ، كَسَقْفٌ وسُقُفٌ، ورَهْنٌ ورُهُنٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ النُجُومُ، فَحُذِفَتِ الواوُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا عِنْدِي تَوْجِيهُ ضَعِيفٌ.
(p-٣٤٠)وَقالَ الفِراءَ: المُرادُ الجَدْيُ والفَرْقَدانِ، وقالَ غَيْرُهُ: المُرادُ القُطْبُ الَّذِي لا يَجْرِي، وقالَ قَوْمٌ غَيْرَ هَذا، وقالَ قَوْمٌ: هو اسْمُ الجِنْسِ، وهَذا هو الصَوابُ.
ثُمَّ قَرَّرَهم تَعالى عَلى التَفْرِقَةِ بَيْنَ مَن يَخْلُقُ الأشْياءَ ويَخْتَرِعُها وبَيْنَ مَن لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ، وعَبَّرَ عَنِ الأصْنامِ بِـ "مَن" لِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنَّ الآيَةَ تَضَمَّنَتِ الرَدَّ عَلى جَمِيعِ مَن عَبَدَ غَيْرَ اللهِ، وقَدْ عَبَدَتْ طَوائِفَ مِمَّنْ تَقَعُ عَلَيْهِ العِبارَةُ بِـ "مَن"، والآخِرُ أنَّ العِبارَةَ جَرَتْ في الأصْنامِ بِحَسَبِ اعْتِقادِ الكَفَرَةِ فِيها مِن أنَّ لَها تَأْثِيرًا وأفْعالًا، ثُمَّ وبَّخَهم بِقَوْلِهِ: ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصُوها﴾، أيْ: إنْ حاوَلْتُمْ إحْصاءَها عَدَدًا حَتّى لا يَشِذَّ شَيْءٌ مِنها لَمْ تَقْدِرُوا عَلى ذَلِكَ، ولا اتَّفَقَ لَكم إحْصاؤُها؛ إذْ هي في كُلِّ دَقِيقَةٍ مِن أحْوالِكُمْ، و"النِعْمَةُ" هُنا مُفْرَدَةٌ يُرادُ بِها الجَمْعُ، وبِحَسَبِ العَجْزِ عن عَدَدِ نِعَمِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ الشاكِرُ لَها مُقَصِّرًا عن بَعْضِها، فَلِذَلِكَ قالَ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إنَّ اللهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أيْ تَقْصِيرِكم في الشُكْرِ عن جَمِيعِها، نَحا هَذا المَنحى الطَبَرِيُّ، ويَرُدُّ عَلَيْهِ أنَّ نِعْمَةَ اللهِ تَعالى في قَوْلِ العَبْدِ: "الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ" مَعَ شَرْطِها مِنَ النِيَّةِ والطاعَةِ يُوازِي جَمِيعَ النِعَمِ، ولَكِنْ أيْنَ قَوْلُها بِشُرُوطِها؟ والمُخاطَبَةُ: ﴿وَإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصُوها﴾ عامَّةٌ لِجَمِيعِ الناسِ.
وقَوْلُهُ: ﴿واللهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وما تُعْلِنُونَ﴾، مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَهُ، أيْ: إنَّ اللهَ لِغَفُورٌ في تَقْصِيرِكم عن شُكْرِ ما لا تُحْصُونَهُ مِن نِعَمِ اللهِ، وإنَّ اللهَ تَعالى يَعْلَمُ سِرَّكم وعَلَنَكُمْ، فَيُغْنِي ذَلِكَ عَنِ التِزامِكم بِشُكْرِ كُلِّ نِعْمَةٍ، هَذا عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ: "تُسِرُّونَ" بِالتاءِ مُخاطَبَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، فَإنَّ جُمْهُورَ القُرّاءِ قَرَأ: "تُسِرُّونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، "وَتُعْلِنُونَ" و"تَدْعُونَ" كَذَلِكَ، وهي قِراءَةُ الأعْرَجِ، وشَيْبَةَ، وأبِي جَعْفَرٍ، ومُجاهِدٍ، عَلى (p-٣٤١)مَعْنى: قُلْ يا مُحَمَّدُ لِلْكُفّارِ. وقَرَأ عاصِمٌ: "تُسِرُّونَ" و"تُعْلِنُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، و"يَدْعُونَ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ عَلى غَيْبَةِ الكُفّارِ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ بْنِ أبِي الحَسَنِ. ورَوى هُبَيْرَةُ عن حَفْصٍ عن عاصِمٍ كُلَّ ذَلِكَ بِالياءِ عَلى غَيْبَةِ الكَفّارِ، ورُوِيَ عَنِ الكِسّائِيُّ، وأبِي بَكْرٍ عن عاصِمٍ كُلُّ ذَلِكَ بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، وقَرَأ الأعْمَشُ وأصْحابُ عَبْدِ اللهِ: "يَعْلَمُ الَّذِي تُبْدُونَ وما تَكْتُمُونَ" و"تَدْعُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ في الثَلاثَةِ. وقَرَأ طَلْحَةُ: "ما تُخْفُونَ وما تُعْلِنُونَ" و"تَدْعُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ في الثَلاثَةِ. و"يَدْعُونَ" مَعْناهُ: يَدْعُونَهُ إلَهًا، وعَبَّرَ عَنِ الأصْنامِ بِـ "الَّذِينَ" عَلى ما قَدَّمْناهُ مِن أنَّ ذَلِكَ يَعُمُّ الأصْنامَ ومَن عُبِدَ مِن دُونِ اللهِ ومِن غَيْرِها.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهم يَخْلُقُونَ﴾ أجْمَعُ عِبارَةٍ في أحْوالِ الرُبُوبِيَّةِ عنهُمْ، وقَرَأ مُحَمَّدٌ اليَمانِيُّ: "والَّذِينَ يُدْعُونَ" بِضَمِّ الياءِ وفَتَحِ العَيْنِ عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ.
و"أمْواتٌ" يُرادُ بِهِ الَّذِينَ يَدْعُونَ مَن دُونِ اللهِ، ورُفِعَ عَلى ابْتِداءِ خَبَرٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: هم أمْواتٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا لِقَوْلِهِ: "والَّذِينَ" بَعْدَ خَبَرٍ في قَوْلِهِ: "لا يَخْلُقُونَ"، ووَصَفَهم بِالمَوْتِ مَجازًا، وإنَّما المُرادُ لَمْ يَقْبَلُوا حَياةً قَطٌّ ولا اتَّصَفُوا بِها، وعَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ: "والَّذِينَ يَدْعُونَ" بِالياءِ عَلى غَيْبَةِ الكَفّارِ يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالأمْواتِ الكُفّارِ الَّذِينَ ضَمِيرُهم في "يَدْعُونَ"، شَبَّهَهم بِالأمْواتِ غَيْرِ الأحْياءِ مِن حَيْثُ هم ضَلالٌ غَيْرُ مُهْتَدِينَ، ويَسْتَقِيمُ -عَلى هَذا- فِيهِمْ قَوْلُهُ: ﴿وَما يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾ والبَعْثُ هُنا هو الحَشْرُ مِنَ القُبُورِ. و"أيّانَ" ظَرْفُ زَمانٍ مَبْنِيٌّ، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ السِلْمِيُّ: "إيّانَ" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، والفَتْحُ فِيها والكَسْرُ لُغَتانِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: ﴿وَما يَشْعُرُونَ﴾ أيِ الكُفّارِ ﴿أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾ الضَمِيرانِ لَهُمْ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: ﴿وَما يَشْعُرُونَ﴾ أيِ الأصْنامِ أيّانَ يُبْعَثُ الكُفّارُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَمِيرانِ لِلْأصْنامِ الأمارَةِ، كَما تَقُولُ: "بَعَثْتُ النائِمَ مِن نَوْمِهِ" إذا نَبَّهَتْهُ، وكَما تَقُولُ: "بَعَثَ الرامِي سَهْمَهُ"، فَكَأنَّهُ وصَفَهم بِغايَةِ الجُمُودِ، أيْ: وإنْ طَلَبْتَ حَرَكاتِهِمْ بِالتَحْرِيكِ لَمْ يَشْعُرُوا لِذَلِكَ، وعَلى تَأْوِيلِ مَن يَرى الضَمِيرَيْنِ لِلْكُفّارِ يَنْبَغِي أنْ يَعْتَقِدَ في الكَلامِ الوَعِيدَ، أيْ: وما يَشْعُرُ الكُفّارُ مَتى يُبْعَثُونَ إلى التَعْذِيبِ، ولَوِ اخْتَصَرَ هَذا المَعْنى لَمْ يَكُنْ في وصْفِهِمْ بِأنَّهم لا يَشْعُرُونَ وأيّانَ يُبْعَثُونَ طائِلٌ؛ لِأنَّ المَلائِكَةَ والأنْبِياءَ والصالِحِينَ كَذَلِكَ هم في الجَهْلِ بِوَقْتِ البَعْثِ. وذَكَرَ (p-٣٤٢)بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾ ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ: ﴿إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ [النحل: ٢٢]، وأنَّ الكَلامَ تَمَّ في قَوْلِهِ: ﴿وَما يَشْعُرُونَ﴾، ثُمَّ أخْبَرَ عن يَوْمِ القِيامَةِ أنَّ الإلَهَ فِيهِ واحِدٌ، وفي هَذا تَوَعُّدٌ.
16:22–25Page 269
إِلَٰهُكُمۡ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞۚ فَٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٞ وَهُم مُّسۡتَكۡبِرُونَ ٢٢
Your god is one God. But those who do not believe in the Hereafter - their hearts are disapproving, and they are arrogant.
لَا جَرَمَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعۡلِنُونَۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُسۡتَكۡبِرِينَ ٢٣
Assuredly, Allāh knows what they conceal and what they declare. Indeed, He does not like the arrogant.
وَإِذَا قِيلَ لَهُم مَّاذَآ أَنزَلَ رَبُّكُمۡ قَالُوٓاْ أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ ٢٤
And when it is said to them, "What has your Lord sent down?" they say, "Legends of the former peoples,"
لِيَحۡمِلُوٓاْ أَوۡزَارَهُمۡ كَامِلَةٗ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَمِنۡ أَوۡزَارِ ٱلَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيۡرِ عِلۡمٍۗ أَلَا سَآءَ مَا يَزِرُونَ ٢٥
That they may bear their own burdens [i.e., sins] in full on the Day of Resurrection and some of the burdens of those whom they misguide without [i.e., by lack of] knowledge. Unquestionably, evil is that which they bear.
قوله عزّ وجلّ:
﴿إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ فالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهم مُنْكِرَةٌ وهم مُسْتَكْبِرُونَ﴾ ﴿لا جَرَمَ أنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْتَكْبِرِينَ﴾ ﴿وَإذا قِيلَ لَهم ماذا أنْزَلَ رَبُّكم قالُوا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿لِيَحْمِلُوا أوزارَهم كامِلَةً يَوْمَ القِيامَةِ ومِن أوزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم بِغَيْرِ عِلْمٍ ألا ساءَ ما يَزِرُونَ﴾
لَمّا تَقَدَّمَ وصْفُ الأصْنامِ جاءَ الخَبَرُ الحَقُّ بِالوَحْدانِيَّةِ، وهَذِهِ مُخاطَبَةٌ لِجَمِيعِ الناسِ مُعْلِمَةً بِأنَّ اللهَ تَعالى مُتَّحِدٌ وِحْدانِيَّةً تامَّةً، لا يَحْتاجُ لِكَمالِها إلى مُضافٍ إلَيْها، ثُمَّ أخْبَرَ عن إنْكارِ قُلُوبِ الكافِرِينَ، وأنَّهم يَعْتَقِدُونَ إلَهِيَّةَ أشْياءَ أُخَرَ، ويَسْتَكْبِرُونَ عن رَفْضِ مُعْتَقَدِهِمْ فِيها واطِّراحِ طَرِيقَةِ آبائِهِمْ في عِبادَتِها، ووَسَمَهم بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ، إذْ هي أقْوى رُتَبِ الكُفْرِ، أعْنِي الجَمْعَ بَيْنَ التَكْذِيبِ بِاللهِ تَبارَكَ وتَعالى وبِالبَعْثِ، لِأنَّ كُلَّ صِدْقٍ بِالبَعْثِ فَمُحالٌ أنْ يُكَذِّبَ بِاللهِ تَبارَكَ وتَعالى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا جَرَمَ﴾ عَبَّرَتْ فِرْقَةٌ مِنَ اللُغَوِيِّينَ عن مَعْناها بِـ "لا بُدَّ، ولا مَحالَةَ"، وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناها: "حَقٌّ أنَّ اللهَ"، ومَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّ "لا" نَفْيٌ لِما تَقَدَّمَ مِنَ الكَلامِ، و"جَرَمَ" مَعْناهُ: وجَبَ أو حَقَّ، ونَحْوَ هَذا مِن مَذْهَبِ الزَجاجِ، ولَكِنْ مَعَ مَذْهَبِهِما "لا" مُلازِمَةٌ لِـ "جَرَمَ"، لا تَنْفَكُّ هَذِهِ مِن هَذِهِ، وفي جَرَمَ لُغاتٌ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرَها في سُورَةِ هُودٍ، وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ:
؎ جَرَمَتْ فَزارَةُ
(p-٣٤٣)وَقالَ: مَعْناها: حَقَّتْ عَلَيْهِمْ وأوجَبَتْ أنْ يَغْضَبُوا. و"أنَّ" عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ فاعِلَةِ بِـ "جَرَمَ". وقَرَأ الجُمْهُورُ: "أنَّ" مَفْتُوحَةً، وقَرَأ عِيسى الثَقَفِيُّ: "إنَّ" بِكَسْرِ الألْفِ عَلى القَطْعِ، قالَ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ، والنَقاشُ: المُرادُ هُنا بِـ "ما يُسِرُّونَ" تَشاوُرُهم في دارِ النَدْوَةِ في قَتْلِ النَبِيِّ ﷺ، وقَوْلُهُ: "إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْتَكْبِرِينَ" عامُّ في الكافِرِينَ والمُؤْمِنِينَ، يَأْخُذُ كُلٌّ واحِدٍ مِنهم بِقِسْطِهِ، وفي الحَدِيثِ: « "لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ وفي قَلْبِهِ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن كِبَرٍ"،» وفِيهِ "إنَّ الكِبْرَ مَنعُ الحَقِّ وغَمْطُ الناسِ"، ويُرْوى عَنِ الحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ أنَّهُ كانَ يَجْلِسُ مَعَ المَساكِينِ ويُحَدِّثُهم ثُمَّ يَقْرَأُ: ﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْتَكْبِرِينَ﴾، ورُوِيَ في الحَدِيثِ أنَّهُ « "مَن سَجَدَ لِلَّهِ سَجْدَةً مِنَ المُؤْمِنِينَ فَقَدَ بَرِئَ مِنَ الكِبْرِ".»
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا قِيلَ لَهم ماذا أنْزَلَ رَبُّكُمْ﴾ الآيَةُ. الضَمِيرُ في "لَهُمْ" لِكُفّارِ مَكَّةَ، ويُقالُ: إنَّ سَبَبَ الآيَةِ كانَ أنَّ النَضِرَ بْنَ الحارِثِ سافَرَ عن مَكَّةَ إلى الحَيْرَةِ وغَيْرِها، فَجاءَ إلى مَكَّةَ وكانَ قَدِ اتَّخَذَ كُتُبَ التارِيخِ "كَلَيْلَةُ ودِمْنَةُ"، وأخْبارُ إسْفِنْدِيارَ ورُسْتَمَ"، فَكانَ يَقُولُ: إنَّما يُحَدِّثُ مُحَمَّدٌ بِأساطِيرَ الأوَّلِينَ، وحَدِيثِي أجْمَلُ مِن حَدِيثِهِ. وقَوْلُهُ: "ماذا" يَجُوزُ أنْ تَكُونَ (ما) اسْتِفْهامًا و"ذا" بِمَعْنى: الَّذِي، وفي "أنْزَلَ" ضَمِيرٌ عائِدٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ "ما" و"ذا" اسْمًا واحِدًا مُرَكَّبًا، كَأنَّهُ قالَ: أيُّ شَيْءٍ؟ وقَوْلُهُمْ: "أساطِيرُ (p-٣٤٤)الأوَّلِينَ" لَيْسَ بِجَوابٍ عَلى السُؤالِ الأوَّلِ، لِأنَّهم لَمْ يُرِيدُوا أنَّهُ نَزَّلَ شَيْءٌ، ولا أنْ تَمَّ مَنزِلًا، ولَكِنَّهُمُ ابْتَدَءُوا الخَبَرَ بِأنَّ هَذِهِ أساطِيرُ الأوَّلِينَ، وإنَّما الجَوابُ عَنِ السُؤالِ قَوْلُ المُؤْمِنِينَ في الآيَةِ المُسْتَقْبِلَةِ: خَيْرًا، وقَوْلُهُمْ: "أساطِيرُ الأوَّلِينَ" إنَّما هو جَوابٌ بِالمَعْنى. فَأمّا عَلى السُؤالِ وبِحَسَبِهِ فَلا.
واللامُ في قَوْلِهِ: "لِيَحْمِلُوا" يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لامَ العاقِبَةِ، لِأنَّهم لَمْ يَقْصِدُوا بِقَوْلِهِمْ: "أساطِيرُ الأوَّلِينَ" أنْ يَحَمِلُوا الأوزارَ، ويُحْتَمَلَ أنْ تَكُونَ صَرِيحَ لامِ كَيْ عَلى مَعْنى: قَدَّرَ هَذا، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لامَ الأمْرِ عَلى مَعْنى الحَتْمِ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ والصِغارُ المُوجِبُ لَهم. و"الأوزارُ: الأثْقالُ، وقَوْلُهُ: "وَمِن" لِلتَّبْعِيضِ، وذَلِكَ أنَّ هَذا الرَأْسَ المُضِلَّ يَحْمِلُ وزَرَ نَفْسِهِ كامِلًا، ويَحْمِلُ وِزْرًا مِن أوزارِ كُلِّ مُضِلٍّ بِسَبَبِهِ، ولا تَنْقُصُ أوزارُ أُولَئِكَ. وقَوْلُهُ: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ يَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِها المُضِلَّ، أيْ: أضَلَّ بِغَيْرِ بُرْهانٍ قامَ عِنْدَهُ، ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ: بِغَيْرِ عِلْمٍ مِنَ المُقَلِّدِينَ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم. ثُمَّ اسْتَفْتَحَ اللهَ تَعالى الإخْبارَ عن سُوءِ ما يَتَحَمَّلُونَهُ لِلْآخِرَةِ، وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ في مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ حَدِيثًا نَصُّهُ: « "أيَّما داعٍ دَعا إلى ضَلالَةٍ فاتَّبَعَ فَإنَّ عَلَيْهِ مِثْلَ أوزارِ مَنِ اتَّبَعَهُ مِن غَيْرِ أنْ يَنْقُصَ مِن أوزارِهِمْ شَيْءٌ، وأيَّما داعٍ دَعا إلى الهُدى فاتَّبَعَ فَلَهُ مَثَلُ أُجُورِهِمْ مِن غَيْرِ أنْ يُنْقَصُ مِن أُجُورِهِمْ شَيْءٌ"،» و"ساءَ" فِعْلٌ مُسْنَدٌ إلى "ما"، ولا يَحْتاجُ في ذَلِكَ هُنا إلى صِلَةٍ.
16:26–27Page 269
قَدۡ مَكَرَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ فَأَتَى ٱللَّهُ بُنۡيَٰنَهُم مِّنَ ٱلۡقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيۡهِمُ ٱلسَّقۡفُ مِن فَوۡقِهِمۡ وَأَتَىٰهُمُ ٱلۡعَذَابُ مِنۡ حَيۡثُ لَا يَشۡعُرُونَ ٢٦
Those before them had already plotted, but Allāh came at [i.e., uprooted] their building from the foundations, so the roof fell upon them from above them,1 and the punishment came to them from where they did not perceive.
ثُمَّ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ يُخۡزِيهِمۡ وَيَقُولُ أَيۡنَ شُرَكَآءِيَ ٱلَّذِينَ كُنتُمۡ تُشَٰٓقُّونَ فِيهِمۡۚ قَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ إِنَّ ٱلۡخِزۡيَ ٱلۡيَوۡمَ وَٱلسُّوٓءَ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ ٢٧
Then on the Day of Resurrection He will disgrace them and say, "Where are My 'partners' for whom you used to oppose [the believers]?" Those who were given knowledge will say, "Indeed disgrace, this Day, and evil are upon the disbelievers" -
قوله عزّ وجلّ:
﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأتى اللهُ بُنْيانَهم مِن القَواعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَقْفُ مِن فَوْقِهِمْ وأتاهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يُخْزِيهِمْ ويَقُولُ أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشاقُّونَ فِيهِمْ قالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ إنَّ الخِزْيَ اليَوْمَ والسُوءَ عَلى الكافِرِينَ﴾
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما- وغَيْرُهُ مِنَ المُفَسِّرِينَ: الإشارَةُ بِـ ﴿الَّذِينَ مِن (p-٣٤٥)قَبْلِهِمْ﴾ إلى نَمْرُوذٍ الَّذِي بَنى الصَرْحَ لِيَصْعَدَ فِيهِ إلى السَماءِ عَلى زَعْمِهِ، فَلَمّا أفْرَطَ في غُلُوِّهِ وطُولِهِ في السَماءِ فَرْسَخَيْنِ عَلى ما حَكى النَقاشُ بَعَثَ اللهُ عَلَيْهِ رِيحًا فَهَدَمَهُ، وخَرَّ سَقْفُهُ عَلَيْهِ وعَلى أتْباعِهِ، وقِيلَ: إنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ هَدَمَهُ بِجَناحِهِ، وألْقى أعْلاهُ في البَحْرِ، وانْجَعَفَ مَن أسْلَفَهُ. وقالَتْ فِرْقَةٌ أُخْرى: المُرادُ بِـ " الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ " جَمِيعُ مَن كَفَرَ مِنَ الأُمَمِ المُتَقَدِّمَةِ ومَكَرَ، ونَزَلَتْ بِهِ عُقُوبَةٌ مِنَ اللهِ تَعالى، وقَوْلُهُ -عَلى هَذا-: ﴿فَأتى اللهُ بُنْيانَهم مِنَ القَواعِدِ﴾ إلى آخَرِ الآيَةِ تَمْثِيلٌ وتَشْبِيهٌ، أيْ: حالُهم كَحالِ مِن فَعَلَ بِهِ هَذا. وقالَتْ فِرْقَةٌ: المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَقْفُ مِن فَوْقِهِمْ﴾ أيْ: جاءَهُمُ العَذابُ مِن قِبَلِ السَماءِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا يَنْحُو إلى اللُغْزِ.
ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿مِن فَوْقِهِمْ﴾ رَفْعُ الِاحْتِمالِ في قَوْلِهِ: ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَقْفُ﴾، فَإنَّكَ تَقُولُ: "انْهَدَمَ عَلى فُلانٍ بِناؤُهُ" وهو لَيْسَ تَحْتَهُ، كَما تَقُولُ: "انْفَسَدَ عَلَيْهِ مَتاعُهُ". وقَوْلُهُ: "مِن فَوْقِهِمْ" ألْزَمَ أنَّهم كانُوا تَحْتَهُ.
وقَوْلُهُ: "فَأتى" أيْ: فَأتى أمْرُ اللهِ وسُلْطانُهُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "بُنْيانَهُمْ"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ "بِنْيَتَهُمْ"، وقَرَأ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ: "بَنِيَّتَهُمْ"، وقَرَأ الضِحاكُ: "بُيُوتَهُمْ". وقَرَأ الجُمْهُورُ: "السَقْفُ" بِسُكُونِ القافِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بِضَمِّها، وهي لُغَةٌ فِيهِ، وقَرَأ الأعْرَجُ بِضَمِّ السِينِ والقافِ، وقَرَأ مُجاهِدٌ بِضَمِّ السِينِ وسُكُونِ القافِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ الآيَةُ، ذَكَرَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ حالَ هَؤُلاءِ الماكِرِينَ في الدُنْيا، ذَكَرَ في هَذِهِ حالَهم في الآخِرَةِ، وقَوْلُهُ: "يُخْزِيهِمْ" لَفْظٌ يَعُمُّ جَمِيعَ المَكارِهِ الَّتِي تَنْزِلُ بِهِمْ، وذَلِكَ راجِعٌ إلى إدْخالِهِمُ النارَ، وهَذا نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَبَّنا إنَّكَ مَن تُدْخِلِ النارَ فَقَدْ أخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران: ١٩٢]. وقَوْلُهُ: ﴿أيْنَ شُرَكائِيَ﴾ تَوْبِيخٌ لَهُمْ، وأضافَهم إلى نَفْسِهِ في مُخاطَبَةِ الكُفّارِ، أيْ: عَلى زَعْمِكم ودَعْواكُمْ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: وهَذا كَما قالَ (p-٣٤٦)تَعالى حِكايَةً: ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩]، وكَما قالَ تَعالى: ﴿يا أيُّهَ الساحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ﴾ [الزخرف: ٤٩].
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
والإضافاتُ تَتَرَتَّبُ مَعْقُولَةً ومَلْفُوظًا بِها بِأرَقِّ سَبَبٍ، وهَذا كَثِيرٌ في كَلامِهِمْ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ إذا قُلْتُ قُدْنِي قالَ باللهِ حَلْفَةً ∗∗∗ لِتُغْنِيَ عَنِّي ذا إنائِكَ أجْمَعا
فَأضافَ الإناءَ إلى حاسِيهِ. وقَرَأ البَزِيُ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: "شُرَكايَ" بِقِصْرِ الشُرَكاءِ وفَتْحِ الياءِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِالمَدِّ وفَتْحِ الياءِ بَعْدَ الهَمْزَةِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بِالمَدِّ وياءِ ساكِنَةٍ.
وقَوْلُهُ: "تُشاقُّونَ" مَعْناهُ: تُحارِبُونَ وتُحاجُّونَ، أيْ: تَكُونُ في شَقٍّ والحَقُّ في شَقٍّ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "تُشاقُّونَ" بِفَتْحِ النُونِ، وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ بِكَسْرِها، ورُوِيَتْ عَنِ الحُسْنِ بِخِلافٍ، وضَعَّفَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو حاتِمٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في مَثَلِهِ في "الحَجَرِ" في "تُبَشِّرُونَ"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "تُشاقُّونِّي" بِشَدِّ النُونِ وكَسْرِها وياءٍ بَعْدَها. و﴿الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ هُمِ المَلائِكَةُ فِيما قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ، وقالَ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ: "هُمُ المُؤْمِنُونَ، وهَذا الخِطابُ مِنهم يَوْمَ القِيامَةِ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
والصَوابُ أنْ يَعُمَّ جَمِيعَ مَن آتاهُ اللهُ عِلْمَ ذَلِكَ مِن جَمِيعِ مَن حَضَرَ المَوْقِفَ مَن مَلَكٍ وإنْسِيٍّ وغَيْرِ ذَلِكَ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences