Ibn 'Atiyya · Tafsir · in Arabic
An-Nahl 16:41–55
16:41–44Page 271
وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي ٱللَّهِ مِنۢ بَعۡدِ مَا ظُلِمُواْ لَنُبَوِّئَنَّهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا حَسَنَةٗۖ وَلَأَجۡرُ ٱلۡأٓخِرَةِ أَكۡبَرُۚ لَوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ ٤١
And those who emigrated for [the cause of] Allāh after they had been wronged - We will surely settle them in this world in a good place; but the reward of the Hereafter is greater, if only they could know.
ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَلَىٰ رَبِّهِمۡ يَتَوَكَّلُونَ ٤٢
[They are] those who endured patiently and upon their Lord relied.
وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ إِلَّا رِجَالٗا نُّوحِيٓ إِلَيۡهِمۡۖ فَسۡـَٔلُوٓاْ أَهۡلَ ٱلذِّكۡرِ إِن كُنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ ٤٣
And We sent not before you except men to whom We revealed [Our message]. So ask the people of the message [i.e., former scriptures] if you do not know.
بِٱلۡبَيِّنَٰتِ وَٱلزُّبُرِۗ وَأَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلذِّكۡرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيۡهِمۡ وَلَعَلَّهُمۡ يَتَفَكَّرُونَ ٤٤
[We sent them] with clear proofs and written ordinances. And We revealed to you the message [i.e., the Qur’ān] that you may make clear to the people what was sent down to them and that they might give thought.
قوله عزّ وجلّ:
﴿والَّذِينَ هاجَرُوا في اللهِ مِن بَعْدِ ما ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهم في الدُنْيا حَسَنَةً ولأجْرُ الآخِرَةِ أكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ ﴿وَما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلا رِجالا نُوحِي إلَيْهِمْ فاسْألُوا أهْلَ الذِكْرِ إنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿بِالبَيِّناتِ والزُبُرِ وأنْزَلْنا إلَيْكَ الذِكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إلَيْهِمْ ولَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾
لِمّا ذَكَرَ اللهُ تَعالى كُفّارَ مَكَّةَ الَّذِينَ أقْسَمُوا أنَّ اللهَ لا يَبْعَثُ مَن يَمُوتُ ورَدَ عَلَيْهِمْ قَوْلَهم ذَكَرَ مُؤْمِنِي مَكَّةَ المُعاصِرِينَ لَهُمْ، وهُمُ الَّذِينَ هاجَرُوا إلى أرْضِ الحَبَشَةِ، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ، وهو الصَحِيحُ في سَبَبِ هَذِهِ الآيَةِ، لِأنَّ هِجْرَةَ المَدِينَةِ لَمْ تَكُنْ وقْتَ نُزُولِ الآيَةِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: سَبَبُ الآيَةِ أبُو جَنْدَلِ بْنُ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرُو، وهَذا ضَعِيفٌ، لِأنَّ أمْرَ أبِي جَنْدَلٍ إنَّما كانَ والنَبِيِّ ﷺ بِالمَدِينَةِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: نَزَلَتْ في عَمّارٍ وصُهَيْبٍ وخَبّابٍ وأصْحابِهِمُ الَّذِينَ أُوذُوا بِمَكَّةَ وخَرَجُوا عنها، وعَلى كُلِّ قَوْلٍ فالآيَةُ تَتَناوَلُ بِالمَعْنى كُلَّ مَن هاجَرَ أوَّلًا وآخِرًا.
وقَرَأ الجُمْهُورُ "لِنُبَوِّئَنَّهُمْ"، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، ونَعِيمُ بْنُ مَيْسَرَةَ، والرَبِيعُ بْنُ خَثْيَمٍ، (p-٣٥٧)وَأمِيرُ المُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "لَنُثْوِيَنَّهُمْ"، وهاتانِ اللَفْظَتانِ مَعْناهُما التَقْرِيرُ في مَوْضِعٍ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: "الحَسَنَةُ" عِدَةٌ بِبُقْعَةٍ شَرِيفَةٍ كَشَفَ الغَيْبَ أنَّها كانَتِ المَدِينَةَ، وإلَيْها كانَتِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: "حَسَنَةً"، وقالَتْ فِرْقَةٌ: الحَسَنَةُ لِسانُ الصِدْقِ الباقِي عَلَيْهِمْ في غابِرِ الدَهْرِ، وفي قَوْلِهِ: "لَنُبَوِّئَنَّهُمْ" أو "لَنُثْوِيَنَّهُمْ" عَلى هَذا التَأْوِيلِ في لِسانِ الصِدْقِ تَجَوُّزٌ كَثِيرٌ واسْتِعارَةٌ بَعِيدَةٌ، وهَذا عَلى أنَّ "الحَسَنَةَ" هي الحَياةُ والمَثْوى، وأنَّ الفِعْلَ الظاهِرَ عامَلٌ فِيها، وقالَأبُو الفَتْحِ: نَصَبَها عَلى مَعْنى: "نُحْسِنُ إلَيْهِمْ في ذَلِكَ إحْسانًا"، وجُعِلَتْ "حَسَنَةٌ" مَوْضِعَ "إحْسانًا"، وذَهَبَتْ فِرْقَةٌ إلى أنَّ الحَسَنَةَ عامَّةٌ في كُلِّ أمْرٍ مُسْتَحْسَنٍ يَنالُهُ ابْنُ آدَمَ، وتُخْفى الِاسْتِعارَةُ المَذْكُورَةُ عَلى هَذا التَأْوِيلِ، وفي هَذا القَوْلِ يَدْخُلُ ما رُوِيَ عن عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ كانَ يُعْطِي المالَ وقْتَ القِسْمَةِ لِلرَّجُلِ مِنَ المُهاجِرِينَ ويَقُولُ لَهُ: خُذْ ما وعَدَكَ اللهُ في الدُنْيا ولَأجْرُ الآخِرَةِ أكْبَرُ، ثُمَّ يَتْلُو هَذِهِ الآيَةَ، ويَدْخُلُ في هَذا القَوْلِ النَصْرُ عَلى العَدْوِ وفَتْحُ البِلادِ وكُلُّ أمَلٍ بَلَغَهُ المُهاجِرُونَ، و"أجْرُ الآخِرَةِ" هُنا إشارَةٌ إلى الجَنَّةِ، والضَمِيرُ في "يَعْلَمُونَ" عائِدٌ إلى كُفّارِ قُرَيْشٍ، وجَوابُ "لَوْ" مُقَدَّرٌ مَحْذُوفٌ، ومَفْعُولُ "يَعْلَمُونَ" كَذَلِكَ، وفي هَذا نَظَرٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ مِن صِفَةِ المُهاجِرِينَ الَّذِينَ وعَدَهُمُ اللهُ، والصَبْرُ يَجْمَعُ: عَنِ الشَهَواتِ، وعَلى المَكارِهِ في اللهِ تَعالى، والتَوَكُّلِ بِتَفاصِيلِ مَراتِبِهِ، فَمُطِيلٌ فِيهِ وذَلِكَ مُباحٌ حَسَنٌ، ما لَمْ يَغُلْ حَتّى يُسَبِّبَ الهَلاكَ، ومُتَوَسِّطُ يَسْعى جَمِيلًا ويَتَوَكَّلُ، وهَذا مَعَ قَوْلِ النَبِيِّ ﷺ: « "قَيِّدْها وتَوَكَّلَ"،» ومُقَصِّرٌ لا نَفْعَ في تَقْصِيرِهِ، وإنَّما لَهُ ما قُدِّرَ لَهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ﴾ الآيَةُ، هَذِهِ رَدٌّ عَلى كُفّارِ قُرَيْشٍ الَّذِينَ (p-٣٥٨)اسْتَبْعَدُوا أنْ يَكُونَ البَشَرُ رَسُولًا مِنَ اللهِ تَعالى، فَأعْلَمَهُمُ اللهُ مُخاطِبًا لِمُحَمَّدٍ ﷺ أنَّهُ لَمْ يُرْسِلْ إلى الأُمَمِ إلّا رِجالًا، ولَمْ يُرْسِلْ مَلِكًا ولا غَيْرَ ذَلِكَ، و"رِجالًا" مَنصُوبٌ بِـ "أرْسَلْنا"، و"إلّا" إيجابٌ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يُوحى" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الحاءِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الحاءِ، وقَرَأ عاصِمٌ مِن طَرِيقٍ حَفَصٍ وحْدَهُ "نُوحِي" بِالنُونِ وكَسْرِ الحاءِ، وهي قِراءَةُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وطَلْحَةُ بْنُ مَصْرِفٍ، وأبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ. ثُمَّ قالَ تَعالى: "فَسْألُوا؛ أيْ: قُلْ لَهم فاسْألُوا، و"أهْلُ الذِكْرِ" هُنا اليَهُودُ والنَصارى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، والحَسَنُ. وقالَ الأعْمَشُ، وسُفْيانُ بْنُ عُيَيِنَةَ: المُرادُ مِن أسْلَمِ مِنهُمْ، وقالَ أبُو جَعْفَرٍ، وابْنُ زَيْدٍ: "أهْلُ الذِكْرِ": أهَّلُ القُرْآنِ، وهَذانَ القَوْلانِ فِيهِما ضَعْفٌ؛ لِأنَّهُ لا حُجَّةَ عَلى الكُفّارِ في إخْبارِ المُؤْمِنِينَ بِما ذَكَرَ، لِأنَّهم يَكْذِبُونَ هَذِهِ الصَنائِفَ، وقالَ الزَجاجُ: "أهْلُ الذِكْرِ" عامٌ في كُلِّ مَن يُعَزّى إلى عِلْمٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
والأظْهَرُ في هَذا كُلِّهِ قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنْ يَكُونَ أهْلُ الذِكْرِ هُنا أحْبارَ اليَهُودِ والنَصارى الَّذِينَ لَمْ يُسْلِمُوا، وهم في هَذِهِ النازِلَةِ خاصَّةٌ إنَّما يُخْبِرُونَ بِأنَّ الرُسُلَ مِنَ البَشَرِ، وأخْبارُهم حُجَّةٌ عَلى هَؤُلاءِ، فَإنَّهم لَمْ يَزالُوا مُصَدِّقِينَ لَهُمْ، ولا يَتَّهِمُونَ بِشَهادَةِ لَنا لِأنَّهم مُدافِعُونَ في صَدْرِ مِلَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ قاتَلَهُمُ اللهُ، وهَذا هو كَسْرُ حُجَّتِهِمْ مِن مَذْهَبِهِمْ، لا أنّا افْتَقَرْنا إلى شَهادَةِ هَؤُلاءِ، بَلِ الحَقُّ واضِحٌ في نَفْسِهِ، وقَدْ أرْسَلَتْ قُرَيْشٌ إلى يَهُودِ يَثْرِبِ يَسْألُونَهم ويَسْتَنِدُونَ إلَيْهِمْ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "بِالبَيِّناتِ" مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: أرْسَلْناهم بِالبَيِّناتِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّها مُتَعَلِّقَةٌ بِـ "أرْسَلْنا" في أوَّلِ الآيَةِ، والتَقْدِيرُ -عَلى هَذا-: وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ بِالبَيِّناتِ والزُبُرِ إلّا رِجالًا، فَفي الآيَةِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، و"الزُبُرُ": الكُتُبُ المَزْبُورَةُ، (p-٣٥٩)تَقُولُ: "زَبَرْتَ ودَبَّرْتَ" إذا كَتَبَتْ، و"الذِكْرَ" في هَذِهِ الآيَةِ القُرْآنُ. وقَوْلُهُ: "لِتُبَيِّنَ" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: لِتُبَيِّنَ بِسَرْدِكَ نَصَّ القُرْآنِ ما نَزَلَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: لِتُبَيِّنَ بِتَفْسِيرِكَ المُجْمَلَ وبِشَرْحِكَ ما أُشْكِلَ مِمّا نَزَلَ، فَيَدْخُلُ في هَذا ما بَيَّنَتْهُ السُنَّةُ مِن أمْرِ الشَرِيعَةِ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.
16:45–48Page 272
أَفَأَمِنَ ٱلَّذِينَ مَكَرُواْ ٱلسَّيِّـَٔاتِ أَن يَخۡسِفَ ٱللَّهُ بِهِمُ ٱلۡأَرۡضَ أَوۡ يَأۡتِيَهُمُ ٱلۡعَذَابُ مِنۡ حَيۡثُ لَا يَشۡعُرُونَ ٤٥
Then, do those who have planned evil deeds feel secure that Allāh will not cause the earth to swallow them or that the punishment will not come upon them from where they do not perceive?
أَوۡ يَأۡخُذَهُمۡ فِي تَقَلُّبِهِمۡ فَمَا هُم بِمُعۡجِزِينَ ٤٦
Or that He would not seize them during their [usual] activity, and they could not cause failure [i.e., escape from Him]?
أَوۡ يَأۡخُذَهُمۡ عَلَىٰ تَخَوُّفٖ فَإِنَّ رَبَّكُمۡ لَرَءُوفٞ رَّحِيمٌ ٤٧
Or that He would not seize them gradually [in a state of dread]?1 But indeed, your Lord is Kind and Merciful.2
أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ إِلَىٰ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَيۡءٖ يَتَفَيَّؤُاْ ظِلَٰلُهُۥ عَنِ ٱلۡيَمِينِ وَٱلشَّمَآئِلِ سُجَّدٗا لِّلَّهِ وَهُمۡ دَٰخِرُونَ ٤٨
Have they not considered what things Allāh has created? Their shadows incline to the right and to the left, prostrating to Allāh, while they [i.e., those creations] are humble.
قوله عزّ وجلّ:
﴿أفَأمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَيِّئاتِ أنْ يَخْسِفَ اللهُ بِهِمُ الأرْضَ أو يَأْتِيَهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿أو يَأْخُذَهم في تَقَلُّبِهِمْ فَما هم بِمُعْجِزِينَ﴾ ﴿أو يَأْخُذَهم عَلى تَخَوُّفٍ فَإنَّ رَبَّكم لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى ما خَلَقَ اللهُ مِن شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ عَنِ اليَمِينِ والشَمائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وهم داخِرُونَ﴾
هَذِهِ الآيَةُ تَهْدِيدٌ لِأهْلِ مَكَّةَ، وهُمُ المُرادُ "الَّذِينَ" في قَوْلِ الأكْثَرِينَ، وقالَ مُجاهِدٌ: المُرادُ نَمْرُوذُ بْنُ كَنْعانِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
والأوَّلُ أظْهَرَ، ونَصْبُ "السَيِّئاتِ" يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ، أحَدُهُما أنْ يُنْصَبَ بِقَوْلِهِ: ﴿أفَأمِنَ الَّذِينَ﴾، وتَكُونُ السَيِّئاتُ -عَلى هَذا- العُقُوباتِ الَّتِي تَسُوءُ مَن تَنْزِلُ بِهِ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿أنْ يَخْسِفَ﴾ بَدَلًا مِنها، والوَجْهُ الثانِي أنْ تُنْصَبَ بِـ "مَكَرُوا"، وعْدِّي "مَكَرُوا" لِأنَّهُ بِمَعْنى "عَمِلُوا" أو "فَعَلُوا"، و"السَيِّئاتُ" -عَلى هَذا- مَعاصِي الكُفْرِ وغَيْرِهِ، قالَهُ قَتادَةُ. ثُمَّ تَوَعَّدَهم بِما أصابَ الأُمَمَ قَبْلَهم مِنَ الخَسْفِ، وهو أنْ تَبْتَلَعَ الأرْضُ المَخْسُوفَ بِهِ ويُقَعَدَ بِهِ إلى أسْفَلَ، وأسْنَدَ النَقاشُ عن بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ أنَّ قَوْمًا في هَذِهِ الأُمَّةِ أُقِيمَتِ الصَلاةُ فَتَدافَعُوا الإمامَةَ وتَصَلَّفُوا في ذَلِكَ فَما زالُوا كَذَلِكَ حَتّى خُسِفَ بِهِمْ.
و"تَقَلُّبِهِمْ": سَفَرُهم ومُحاوَلَتُهُمُ المَعايِشَ بِالسَفَرِ وبِالرِعايَةِ وغَيْرِها، و"المُعْجِزُ": المُفْلِتُ هَرَبًا، كَأنَّهُ عَجَّزَ طالِبَهُ، وقَوْلُهُ: ﴿عَلى تَخَوُّفٍ﴾، أيْ: عَلى جِهَةِ التَخَوُّفِ، والتَخَوُّفُ: التَنَقُّصُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ يَصِفُ ناقَةً:(p-٣٦٠)
؎ تَخَوُّفَ السَيْرَ مِنها تامِكًا قَرِدًا ∗∗∗ كَما تَخَوَّفَ عُودَ النَبْعَةِ السَفَنُ
فالسَفَنُ: المِبْرَدُ، ويُرْوى أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ خَفِيَ عَلَيْهِ مَعْنى "التَخَوُّفِ" في هَذِهِ الآيَةِ، وأرادَ الكُتُبَ إلى الأمْصارِ يَسْألُ عن ذَلِكَ حَتّى سَمِعَ هَذا البَيْتِ، ويُرْوى أنَّهُ جاءَ فَتًى مِنَ العَرَبِ وهو قَدْ أشْكَلَ عَلَيْهِ أمْرُ لَفْظَةِ التَخَوُّفِ، فَقالَ لَهُ: يا أمِيرُ المُؤْمِنِينَ، إنْ أبِي يَتَخَوَّفَنِي مالِي، فَقالَ عُمْرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ: اللهُ أكْبَرُ ﴿أو يَأْخُذَهم عَلى تَخَوُّفٍ﴾، ومِنهُ قَوْلُ طُرْفَةَ:
؎ وجامِلٍ خَوَّفَ مِن نِيبِهِ ∗∗∗ ∗∗∗ زُجْرُ المُعَلّى أُصُلًا والسَفِيحْ
ويُرْوى: مِن نَفْسِهِ، ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ:
؎ أُلامُ عَلى الهِجاءِ وكُلَّ يَوْمٍ ∗∗∗ ∗∗∗ يُلاقِينِي مِنَ الجِيرانِ غُولُ
؎ تَخَوُّفَ عَدُّوَهم مالِي وأهْدى ∗∗∗ ∗∗∗ سَلاسِلَ في الحُلُوقِ لَها صَلِيلُ
يُرِيدُ الأهاجِي. ومِنهُ قَوْلُ النابِغَةِ:(p-٣٦١)
؎ تَخَوُّفَهم حَتّى أذَلَّ سَراتِهِمْ ∗∗∗ ∗∗∗ بِطَعْنٍ ضِرارٍ بَعْدَ نَفْحِ الصَفائِحِ
وهَذا التَنْقِصُ يَتَّجِهُ الوَعِيدُ بِهِ عَلى مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يُهْلِكَهم ويُخْرِجَ أرْواحَهم عَلى تَخَوُّفٍ، أيْ أفْذاذًا، يَتَنَقَّصُهم بِذَلِكَ الشَيْءَ بَعْدَ الشَيْءِ، وهَذا لا يَدَّعِي أحَدٌ أنَّهُ يَأْمَنُهُ، وكَأنَّ هَذا الوَعِيدَ إنَّما يَكُونُ بِعَذابِ ما يُلْقُونَ بَعْدَ المَوْتِ، وإلّا فَهَكَذا تَهْلَكُ الأُمَمُ كُلُّها، ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ: ﴿فَإنَّ رَبَّكم لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾، أيْ أنَّ هَذِهِ الرُتْبَةَ الثالِثَةَ مِنَ الوَعِيدِ فِيها رَأْفَةٌ ورَحْمَةٌ وإمْهالٌ لِيَتُوبَ التائِبُ ويَرْجِعَ الراجِعُ، والآخِرُ: ما قالَ الضَحاكُ: أنْ يُأْخَذَ بِالعَذابِ طائِفَةٌ أو قَرْيَةٌ ويُتْرَكُ أُخْرى، ثُمَّ كَذَلِكَ حَتّى يَهْلَكَ الكُلُّ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: التَخَوُّفُ هُنا مِنَ الخَوْفِ، أيْ: يَأْخُذُهم بَعْدَ تَخَوُّفٍ يَنالُهم فَيُعَذِّبُهم بِهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وفِي هَذا تَكَلُّفٌ ما.
وقَوْلُهُ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى ما خَلَقَ اللهُ مِن شَيْءٍ﴾ الآيَةُ، قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرُو، وابْنُ عامِرٍ: "أو لَمْ يَرَوْا" بِالياءِ، عَلى لَفْظِ الغائِبِ، وكَذَلِكَ في العنكَبُوتِ، فَهي جارِيَةٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿أو يَأْخُذَهُمْ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿أو يَأْتِيَهُمُ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿لا يَشْعُرُونَ﴾، ورَجَّحَها الطَبَرِيُّ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيٌّ: "أو لَمْ تَرَوْا" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ في المَوْضِعَيْنِ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، والأعْرَجِ، وأبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ، وذاكَ يَحْتَمِلُ مِنَ المَعْنى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما عَلى مَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ أو لَمْ تَرَوْا، والوَجْهُ الثانِي أنْ يَكُونَ خِطابًا عامًّا لِجَمِيعِ الخَلْقِ ابْتَدَأ بِهِ القَوْلَ آنِفًا، وقَرَأ عاصِمٌ في النَحْلِ بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، واخْتَلَفَ عنهُ في العنكَبُوتِ. وقَوْلُهُ: ﴿مِن شَيْءٍ﴾ [النحل: ٣٥] لَفْظٌ عامٌّ في كُلِّ ما اقْتَضَتْهُ الصِفَةُ في قَوْلِهِ: ﴿يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ﴾ لِأنَّ ذَلِكَ صِفَةٌ لِما عُرِضَ لِلْعِبْرَةِ في جَمِيعِ الأشْخاصِ الَّتِي لَها (p-٣٦٢)ظِلٌّ، والرُؤْيَةُ هُنا هي رُؤْيَةُ القَلْبِ، ولَكِنَّ الِاعْتِبارَ بِرُؤْيَةِ القَلْبِ إنَّما تَكُونُ في مَرْئِيّاتٍ بِالعَيْنِ، وقَرَأ أبُو عَمْرُو وحْدَهُ: "تَتَفَيَّأُ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، وهي قِراءَةُ عِيسى ويَعْقُوبٍ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يَتَفَيَّأُ"، قالَ أبُو عَلِيٍّ: إذا تَقَدَّمَ الفِعْلُ المُسْنَدُ إلى مِثْلِ هَذا الجَمْعِ فالتَذْكِيرُ والتَأْنِيثُ فِيهِ حُسْنانِ. و"فاءَ الظِلُّ": رَجَعَ بِعَكْسِ ما كانَ إلى الزَوالِ، وذَلِكَ أنَّ الشَمْسَ مِن وقْتِ طُلُوعِها إلى وقْتِ الزَوالِ إنَّما هي في نَسْخِ الظِلِّ العامِّ قَبْلَ طُلُوعِها، فَإذا زالَتِ ابْتَدَأ رُجُوعُ الظِلِّ العامِّ، ولا يَزالُ يَنْمُو حَتّى تَغِيبَ الشَمْسُ فَيَعُمُّ، والظِلُّ المَمْدُودُ في الجَنَّةِ لَمْ يَذْكُرِ اللهُ فَيْئًا لِأنَّهُ لَمْ يَرْجِعْ بَعْدَ أنْ ذَهَبَ، وكَذَلِكَ قَوْلُ حُمَيْدِ بْنِ ثَوْرٍ:
؎ فَلا الظِلُّ مِن بَرْدِ الضُحى تَسْتَطِيعُهُ ∗∗∗ ∗∗∗ ولا الفَيْءُ مِن بَرْدِ العَشِيِّ تَذَوُقُ
فَهُوَ عَلى المَهْيَعِ، وكَذَلِكَ قَوْلُ عَلْقَمَةَ بْنِ عَبْدَةَ:
؎ تَتَبُّعُ أفْياءَ الظِلالِ عَشِيَّةً ∗∗∗ ∗∗∗ عَلى طُرُقٍ كَأنَّهُنَّ سُيُوبُ
وكَذَلِكَ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎ يَفِيءُ عَلَيْها الظِلُّ
(p-٣٦٣)وَأمّا النابِغَةُ الجَعْدِيِّ فَقالَ:
؎ فَسَلامُ الإلَهِ يَغْدُو عَلَيْهِمْ ∗∗∗ ∗∗∗ وفُيُوءُ الفِرْدَوْسِ ذاتُ الظِلالِ
فَتَجَوَّزَ في أنْ جَعَلَ الفَيْءَ حَيْثُ لا رُجُوعَ، وقالَ رُؤْبَةُ بْنُ العَجّاجِ: يُقالُ بَعْدَ الزَوالِ: فَيْءٌ وظِلٌّ، ولا يُقالُ قَبْلَهُ إلّا ظِلٌّ فَقَطْ، ويُقالُ: فاءَ الظِلُّ إذا رَجَعَ مِنَ النُقْصانِ إلى الزِيادَةِ، ويُعَدّى "فاءَ" بِالهَمْزَةِ، كَقَوْلِهِ تَبارَكَ تَعالى: ﴿ما أفاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ﴾ [الحشر: ٧]، ويُعَدّى بِالتَضْعِيفِ، فَيُقالُ: أفاءَهُ اللهُ وفَيَّأهُ، وتَفَيَّأ مُطاوِعُ فَيَّأ، ولا يُقالُ الفَيْءُ إلّا مِن بَعْدِ الزَوالِ في مَشْهُورِ كَلامِ العَرَبِ، لَكِنَّ هَذِهِ الآيَةَ الِاعْتِبارُ فِيها مِن أوَّلِ النَهارِ إلى آخِرِهِ، فَكَأنَّ الآيَةَ جارِيَةٌ في بَعْضِ التَأْوِيلاتِ عَلى تَجَوُّزِ كَلامِ العَرَبِ واقْتِضائِهِ وضْعَ "تَتَفَيَّأُ" مَكانَ "تَتَنَقَّلُ" و"تَمِيلُ"، وأضافَ الظِلالَ إلى ضَمِيرٍ مُفْرَدٍ حَمْلًا عَلى لَفْظِ "ما"، أو لَفْظِ "شَيْءٍ"، وهو بِالمَعْنى لِجَمِيعِ، وقَرَأ الثَقَفِيُّ: "ظُلَلُهُ" بِفَتْحِ اللامِ الأُولى وضَمِّ الثانِيَةِ وضَمِّ الظاءِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَنِ اليَمِينِ والشَمائِلِ﴾، أفْرَدَ "اليَمِينَ" وهو يُرادُ بِهِ الجَمْعُ فَكَأنَّهُ لِلْجِنْسِ، والمُرادُ: عَنِ الأيْمانِ والشَمائِلِ، كَما قالَ الشاعِرُ:
؎ الوارِدُونَ وثَيْمٌ في ذُرى سَبَأٍ ∗∗∗ ∗∗∗ قَدْ عَضَّ أعْناقَهم جِلْدُ الجَوامِيسِ
قالَ الآخَرُ:
؎ بِفي الشامِتِينَ الصَخْرُ إنْ كانَ هَدَّنِي ∗∗∗ ∗∗∗ رَزِيَّةُ شِبْلَيْ مُخَدَرٍ في الضَراغِمِ
(p-٣٦٤)والمَنصُوبُ لِلْعِبْرَةِ في هَذِهِ الآيَةِ هو كُلُّ شَخْصٍ وجِرْمٍ لَهُ ظِلٌّ كالجِبالِ والشَجَرِ وغَيْرِ ذَلِكَ، والَّذِي يَتَرَتَّبُ فِيهِ أيْمانٌ وشَمائِلُ إنَّما هو البَشَرُ فَقَطْ، ولَكِنَّ ذِكْرَ الأيْمانِ والشَمائِلِ هُنا هو عَلى جِهَةِ الِاسْتِعارَةِ لِغَيْرِ البَشَرِ، أيْ: تُقَدِّرُهُ ذا يَمِينٍ وشِمالٍ، وتُقَدِّرُهُ يَسْتَقْبِلُ أيَّ جِهَةٍ شِئْتَ ثُمَّ تَنْظُرُ ظِلَّهُ فَتَراهُ يَمِيلُ إمّا إلى جِهَةِ اليَمِينِ وإمّا إلى جِهَةِ الشَمالِ، وذَلِكَ في كُلِّ أقْطارِ الدُنْيا، فَهَذا وجْهٌ يُعَمِّمُ لَكَ ألْفاظَ الآيَةِ، وفِيهِ تَجَوُّزٌ واتِّساعٌ، ومَن ذَهَبَ إلى أنَّ اليَمِينِ مِن غَدْوَةِ النَهارِ إلى الزَوالِ، ثُمَّ يَكُونُ مِنَ الزَوالِ إلى المَغِيبِ عَنِ الشِمالِ، -وَهُوَ قَوْلُ قَتادَةُ، وابْنُ جُرَيْجٍ - فَإنَّما يَتَرَتَّبُ لَهُ ذَلِكَ فِيما قَدَّرَهُ مُسْتَقْبِلُ الجَنُوبِ، والِاعْتِبارُ في هَذِهِ الآيَةِ عِنْدِي إنَّما هو في مُسْتَقْبِلِ الجَنُوبِ، وما قالَ بَعْضُ الناسِ مِن "أنَّ اليَمِينَ أوَّلُ دَفْعَةٍ لِلظِّلِّ بَعْدَ الزَوالِ، ثُمَّ الآخَرُ إلى الغُرُوبِ هي عَنِ الشَمائِلِ، ولِذَلِكَ جَمَعَ الشَمائِلَ وأفْرَدَ اليَمِينَ" فَتَخْلِيطٌ مِنَ القَوْلِ يُبْطِلُ مِن جِهاتٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: إذا صَلَّيْتَ الفَجْرَ كانَ ما بَيْنَ مَطْلَعِ الشَمْسِ إلى مَغْرِبِها ظِلًّا، ثُمَّ بَعَثَ اللهُ الشَمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا فَقَبَضَ إلَيْهِ الظِلَّ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وعَلى هَذا فَأوَّلُ ذُرُورِ الشَمْسِ فالظِلُّ عن يَمِينٍ مُسْتَقْبِلُ الجَنُوبِ، ثُمَّ يَبْدَأُ الِانْحِرافُ فَهو عَنِ الشَمائِلِ، لِأنَّها حَرَكاتٌ كَثِيرَةٌ وظِلالٌ مُقَطَّعَةٌ، فَهي شَمائِلُ كَثِيرَةٌ، وكانَ الظِلُّ عَنِ اليَمِينِ مُتَّصِلًا واحِدًا عامًّا لِكُلِّ شَيْءٍ، وفي هَذا القَوْلِ تَجَوُّزٌ في تَفَيَّأ، وعَلى ما قَدَّرْنا مِنَ اسْتِقْبالِ الجَنُوبِ يَكُونُ الظِلُّ أبَدًا مُنْدَفِعًا عَنِ اليَمِينِ إلى الزَوالِ، فَإذا تَحَرَّكَ بَعْدَ فارِقِ الأيْمانِ جُمْلَةً وصارَ انْدِفاعُهُ عَنِ الشَمائِلِ، وقالَتْ فَرِقَّةٌ: الظِلالُ هُنا: الأشْخاصُ، وهي المُرادُ أنْفُسُها، والعَرَبُ تُعَبِّرُ أحْيانًا عَنِ الأشْخاصِ بِالظِلِّ، ومِنهُ قَوْلُ عَبَدَةَ بْنِ الطِيبِ:(p-٣٦٥)
؎ إذا نَزَلْنا نَصَبْنا ظِلَّ أخْبِيَةٍ ∗∗∗ ∗∗∗ وفارَ لِلْقَوْمِ بِاللَحْمِ المَراجِيلُ
وإنَّما تُنْصَبُ الأخْبِيَةُ، ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ:
؎ تَتَبَّعُ أفْياءَ الظِلالِ عَشِيَّةً
أيْ أفْياءَ الأشْخاصِ، وهَذا كُلُّهُ مُحْتَمَلٌ غَيْرُ صَرِيحٍ، وإنْ كانَ أبُو عَلِيٍّ قَدْ قَرَّرَهُ.
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في هَذا السُجُودِ -فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هو سُجُودُ عِبادَةٍ حَقِيقَةٍ، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ عَنِ الضَحاكِ قالَ: إذا زالَتِ الشَمْسُ سَجَدَ كُلُّ شَيْءٍ قَبْلَ القِبْلَةِ مِن نَبْتٍ أو شَجَرٍ، ولِذَلِكَ كانَ الصالِحُونَ يَسْتَحِبُّونَ الصَلاةَ في ذَلِكَ الوَقْتِ، وقالَ مُجاهِدٌ: إنَّما تَسْجُدُ الظِلالُ لا الأشْخاصُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ -مِنهُمُ الطَبَرِيُّ -: عَبَّرَ عَنِ الخُضُوعِ والطاعَةِ ومَيَلانِ الظِلالِ ودَوَرانِها بِالسُجُودِ، وكَما يُقالُ لِلْمُشِيرِ بِرَأْسِهِ نَحْوَ الأرْضِ عَلى جِهَةِ الخُضُوعِ: ساجِدٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ فَكِلْتاهُما خَرَّتْ وأسْجَدَ رَأْسُها ∗∗∗ ∗∗∗ كَما سَجَدَتْ نَصْرانَةٌ لَمْ تَحْنَفِ
و"الداخِرُ": المُتَصاغِرُ المُتَواضِعُ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُمَّةِ:
؎ فِلَمْ يَبْقَ إلّا داخِرٌ في مُخَيَّسٍ ∗∗∗ ∗∗∗ ومُنْجَحِرٍ في غَيْرِ أرْضِكَ في جُحْرِ
16:49–55Page 272
وَلِلَّهِۤ يَسۡجُدُۤ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ مِن دَآبَّةٖ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ وَهُمۡ لَا يَسۡتَكۡبِرُونَ ٤٩
And to Allāh prostrates whatever is in the heavens and whatever is on the earth of creatures, and the angels [as well], and they are not arrogant.
يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوۡقِهِمۡ وَيَفۡعَلُونَ مَا يُؤۡمَرُونَ۩ ٥٠
They fear their Lord above them, and they do what they are commanded.
۞ وَقَالَ ٱللَّهُ لَا تَتَّخِذُوٓاْ إِلَٰهَيۡنِ ٱثۡنَيۡنِۖ إِنَّمَا هُوَ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞ فَإِيَّٰيَ فَٱرۡهَبُونِ ٥١
And Allāh has said, "Do not take for yourselves two1 deities. He [i.e., Allāh] is but one God, so fear only Me."
وَلَهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَلَهُ ٱلدِّينُ وَاصِبًاۚ أَفَغَيۡرَ ٱللَّهِ تَتَّقُونَ ٥٢
And to Him belongs whatever is in the heavens and the earth, and to Him is [due] worship constantly. Then is it other than Allāh that you fear?
وَمَا بِكُم مِّن نِّعۡمَةٖ فَمِنَ ٱللَّهِۖ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ ٱلضُّرُّ فَإِلَيۡهِ تَجۡـَٔرُونَ ٥٣
And whatever you have of favor - it is from Allāh. Then when adversity touches you, to Him you cry for help.
ثُمَّ إِذَا كَشَفَ ٱلضُّرَّ عَنكُمۡ إِذَا فَرِيقٞ مِّنكُم بِرَبِّهِمۡ يُشۡرِكُونَ ٥٤
Then when He removes the adversity from you, at once a party of you associates others with their Lord
لِيَكۡفُرُواْ بِمَآ ءَاتَيۡنَٰهُمۡۚ فَتَمَتَّعُواْ فَسَوۡفَ تَعۡلَمُونَ ٥٥
So they will deny what We have given them. Then enjoy yourselves, for you are going to know.
(p-٣٦٦)قوله عزّ وجلّ
﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ مِن دابَّةٍ والمَلائِكَةُ وهم لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ ﴿يَخافُونَ رَبَّهم مِن فَوْقِهِمْ ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ ﴿وَقالَ اللهُ لا تَتَّخِذُوا إلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ فَإيّايَ فارْهَبُونِ﴾ ﴿وَلَهُ ما في السَماواتِ والأرْضِ ولَهُ الدِينُ واصِبًا أفَغَيْرَ اللهِ تَتَّقُونَ﴾ ﴿وَما بِكم مِن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ ثُمَّ إذا مَسَّكُمُ الضُرُّ فَإلَيْهِ تَجْأرُونَ﴾ ﴿ثُمَّ إذا كَشَفَ الضُرَّ عنكم إذا فَرِيقٌ مِنكم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ ﴿لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهم فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾
وقَعَتْ "ما" في هَذِهِ الآيَةِ لِما يَعْقِلُ، قالَ الزَجاجُ: قَوْلُهُ: ﴿ما في السَماواتِ﴾ يَعُمُّ مَلائِكَةَ السَماءِ وما في السَحابِ وما في الجَوِّ مِن حَيَوانٍ، وقَوْلُهُ: ﴿وَما في الأرْضِ مِن دابَّةٍ﴾ بَيِّنٌ، ثُمَّ ذَكَرَ مَلائِكَةَ الأرْضِ في قَوْلِهِ: "والمَلائِكَةُ".
وقالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: "والمَلائِكَةُ" هو الَّذِي يَعُمُّ مَلائِكَةَ السَماواتِ والأرْضِ، وما قَبْلَ ذَلِكَ لا يَدْخُلُ فِيهِ مَلَكٌ، إنَّما هو الحَيَوانُ أجْمَعُ. وقَوْلُهُ: "مِن فَوْقِهِمْ" يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما الفَوْقِيَّةٌ الَّتِي يُوصَفُ بِها اللهُ تَعالى، فَهي فَوْقِيَّةُ القَدَرِ والعَظْمَةِ والقَهْرِ والسُلْطانِ، والآخَرُ أنْ يَتَعَلَّقَ قَوْلُهُ: ﴿مِن فَوْقِهِمْ﴾ بِقَوْلِهِ: "يَخافُونَ"، أيْ: يَخافُونَ عَذابَ رَبِّهِمْ مِن فَوْقِهِمْ، وذَلِكَ أنَّ عادَةَ عَذابِ اللهِ لِلْأُمَمِ إنَّما أتى مِن جِهَةِ فَوْقٍ. وقَوْلُهُ: ﴿وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾، أمّا المُؤْمِنُونَ فَبِحَسَبِ الشَرْعِ والطاعَةِ، وأمّا غَيْرُهم مِنَ الحَيَوانِ فَبِالتَسْخِيرِ والقَدْرِ الَّذِي يَسُوقُهم إلى ما تَقَدَّمَ مِن أمْرِ اللهِ تَبارَكَ تَعالى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالَ اللهُ لا تَتَّخِذُوا إلَهَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ نَهْيٌ مِنَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى عَنِ الإشْراكِ بِهِ، ومَعْناها: لا تَتَّخِذُوا إلَهَيْنِ اثْنَيْنِ فَصاعِدًا بِما يَنِصُّهُ قَوْلُهُ: ﴿إنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ﴾، قالَتْ فِرْقَةٌ: المَفْعُولُ الأوَّلُ لِـ "تَتَّخِذُوا" قَوْلُهُ: "إلَهَيْنِ" وقَوْلُهُ: "اثْنَيْنِ" تَأْكِيدٌ وبَيانٌ بِالعَدَدِ، وهَذا مَعْرُوفٌ في كَلامِ العَرَبِ، أنْ يُبَيِّنَ المَعْدُودَ بِذِكْرِ عَدَدِهِ تَأْكِيدًا، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿إلَهٌ واحِدٌ﴾، لِأنَّ لَفْظَةَ الإلَهِ تَقْتَضِي الِانْفِرادَ، وقالَ قَوْمٌ مِنهُمُ: المَفْعُولُ الثانِي مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: مُفْرَدًا، أو مَعْبُودًا، أو مُطاعًا، ونَحْوَ هَذا، وقالَتْ فِرْقَةٌ: (p-٣٦٧)المَفْعُولُ الأوَّلُ قَوْلُهُ: "اثْنَيْنِ"، والثانِي قَوْلُهُ: "إلَهَيْنِ"، وتَقْدِيرُ الكَلامِ: لا تَتَّخِذُوا اثْنَيْنِ إلَهَيْنِ، ولا يَحْتاجُ إلى اعْتِذارٍ بِالتَأْكِيدِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألا تَتَّخِذُوا مِن دُونِي وكِيلا﴾ [الإسراء: ٢] ﴿ذُرِّيَّةَ مَن حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ﴾ [الإسراء: ٣]، فَفي هَذِهِ الآيَةِ -عَلى بَعْضِ الأقْوالِ- تَقْدِيمُ المَفْعُولِ الأوَّلِ لِـ "تَتَّخِذُوا"، وقَوْلُهُ: "فَإيّايَ" مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: فارْهَبُوا إيّايَ فارْهَبُونِ، ولا يَعْمَلُ فِيهِ الفِعْلُ الظاهِرُ، لِأنَّهُ قَدْ عَمِلَ في الضَمِيرِ المُتَّصِلِ بِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَهُ ما في السَماواتِ﴾ الآيَةُ، الواوُ في قَوْلِهِ: "وَلَهُ" عاطِفَةٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿إلَهٌ واحِدٌ﴾، وجائِزٌ أنْ تَكُونَ واوَ ابْتِداءٍ، و"ما" عامَّةُ جَمِيعِ الأشْياءِ مِمّا يَعْقِلُ ومِمّا لا يَعْقِلُ، والسَماواتُ هُنا كُلُّ ما ارْتَفَعَ مِنَ الخَلْقِ في جِهَةِ فَوْقٍ، فَيَدْخُلُ فِيهِ العَرْشُ والكُرْسِيُّ، و"الدِينُ": الطاعَةُ والمُلْكُ كَما قالَ زُهَيْرٌ:
؎ في دِينِ عَمْرُو وحالَتْ بَيْنَنا فَدَكُ.
فِي طاعَتِهِ ومُلْكِهِ. و"الواصِبُ": الدائِمُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، والضَحاكُ، وقالَ الشاعِرُ:
؎ لا أبْتَغِي الحَمْدَ القَلِيلَ بَقاؤُهُ ∗∗∗ ∗∗∗ يَوْمًا بِذَمِّ الدَهْرِ أجْمَعَ واصِبًا
(p-٣٦٨)وَمِنهُ قَوْلُ حَسّانِ بْنِ ثابِتٍ:
؎ غَيَّرَتْهُ الرِيَحُ تَسْفِي بِهِ ∗∗∗ ∗∗∗ وهَزِيمٌ رَعْدُهُ واصِبُ
وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو مِنَ الوَصْبِ وهو التَعَبُ: أيْ: ولَهُ الدِينُ عَلى تَعَبِهِ ومَشَقَّتِهِ. فَـ "واصِبٌ" -عَلى هَذا- جارٍ عَلى النَسَبِ، أيْ: ذا وصَبٍ، كَما قالَ:
؎ أضْحى فُؤادِي بِهِ فاتِنا
وهَذا كَثِيرٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عنهُما- أيْضًا: الواصِبُ: الواجِبُ، وهَذا نَحْوَ قَوْلِهِ: الواصِبُ: الدائِمُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَغَيْرَ اللهِ﴾ تَوْبِيخٌ ولَفْظُ اسْتِفْهامٍ، ونَصَبَ "غَيْرُ" بِـ "تَتَّقُونَ"، لِأنَّهُ فِعْلٌ لَمْ يَعْمَلْ في سِوى "غَيْرِ" المَذْكُورَةِ.
والواوُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما بِكُمْ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ واوَ ابْتِداءٍ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ واوَ الحالِ ويَكُونُ الكَلامُ مُتَّصِلًا بِقَوْلِهِ: ﴿أفَغَيْرَ اللهِ تَتَّقُونَ﴾، كَأنَّهُ يَقُولُ عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ: أتُتَّقَوْنَ غَيْرَ اللهِ ولا مُنْعِمَ عَلَيْكم سِواهُ؟ والباءُ في قَوْلِهِ: "بِكُمْ" مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: وما نَزَلَ أو ألَمَّ، ونَحْوَ هَذا، و"ما" بِمَعْنى "الَّذِي"، والفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَمِنَ اللهِ﴾ دَخَلَتْ بِسَبَبِ الإبْهامِ الَّذِي في "ما" الَّتِي هي بِمَعْنى "الَّذِي"، فَأشْبَهَ الكَلامُ الشَرْطَ، ومَعْنى الآيَةِ التَذْكِيرُ بِأنَّ الإنْسانَ في جَلِيلِ أمْرِهِ ودَقِيقِهِ إنَّما هو في نِعْمَةِ اللهِ (p-٣٦٩)وَأفْضالِهِ، إيجادُهُ داخِلٌ في ذَلِكَ فَما بَعْدَهُ، ثُمَّ ذَكَّرَ تَعالى بِأوقاتِ المَرَضِ لِكَوْنِ الإنْسانِ الجاهِلِ يُحِسُّ فِيها قَدْرَ الحاجَةِ إلى لُطْفِ اللهِ تَعالى، و"الضُرُّ -وَإنْ كانَ يَعُمُّ كُلَّ مَكْرُوهِ- فَأكْثَرُ ما يَجِيءُ عِبارَةً عن أرْزاءِ البَدَنِ. و"تَجْأرُونَ" مَعْناهُ تَرْفَعُونَ أصْواتَكم بِاسْتِغاثَةٍ وتَضَرُّعٍ، وأصْلُهُ في جُؤارِ الثَوْرِ والبَقَرَةِ وصِياحِهِما، وهو عِنْدُ جُهْدٍ يَلْحَقُها، أو في أثَرِ دَمٍ يَكُونُ مِن بَقَرٍ تُذْبَحُ، فَذَلِكَ الصُراخُ يُشَبِّهُ بِهِ انْتِحابَ الداعِي المُسْتَغِيثِ بِاللهِ إذْ رَفَعَ صَوْتَهُ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى:
؎ يُراوِحُ مِن صَلَواتٍ المَلِيـ ∗∗∗ ∗∗∗ ـكِ طَوْرًا سُجُودًا وطَوْرًا جُؤارًا
وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ:
؎ بِأبِيلٍ كُلَّما صَلّى جَأرْ
(p-٣٧٠)والأصْواتُ تَأْتِي غالِبًا عَلى فِعالٍ أو فَعَيْلٍ. وقَرَأ الزَهْرِيُّ "تَجَرُونَ" بِفَتْحِ الجِيمِ دُونَ هَمْزٍ، حُذِفَتْ وأُلْقِيَتْ حَرَكُتُها عَلى الجِيمِ، كَما خُفِّفَ تَسَلُونَ مَن تَسْألُونَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ إذا كَشَفَ الضُرَّ عنكُمْ﴾، قَرَأ الجُمْهُورُ: "كَشَفَ"، وقَرَأ قَتادَةٌ: "كاشِفٌ"، ووَجْهُها أنَّها فاعِلٌ مِن واحِدٍ بِمَعْنى "كَشَفَ"، وهي ضَعِيفَةٌ. و"الفَرِيقُ" هُنا يُرادُ بِهِ المُشْرِكُونَ الَّذِينَ يَرَوْنَ أنَّ لِلْأصْنامِ أفْعالًا مِن شِفاءِ المَرَضى وجَلْبِ الخَيْرِ ودَفْعِ الضُرِّ، فَهم إذا شَفاهُمُ اللهُ عَظَّمُوا أصْنامَهُمْ، وأضافُوا ذَلِكَ الشِفاءَ إلَيْها.
وقَوْلُهُ تَعالى: "لِيَكْفُرُوا" يَجُوزُ أنْ تَكُونَ اللامُ لامَ الصَيْرُورَةِ، أيْ: فَصارَ أمْرُهم لِيَكْفُرُوا، وهم لَمْ يَقْصِدُوا بِأفْعالِهِمْ تِلْكَ أنْ يَكْفُرُوا، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ لامَ أمْرٍ عَلى مَعْنى التَهْدِيدِ والوَعِيدِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠]، والكُفْرُ هُنا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كُفْرَ الجُحْدِ بِاللهِ والشِرْكِ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: ﴿بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كُفْرُ النِعْمَةِ، وهو الأظْهَرُ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿لِيَكْفُرُوا بِما﴾، أيْ: بِما أنْعَمْنا عَلَيْهِمْ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: "فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ" عَلى مَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ، ورَوى أبُو رافِعٍ «عَنِ النَبِيِّ صَلِيَ اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: "فَيُمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ "» بِياءٍ مِن تَحْتٍ مَضْمُومَةً، و"فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ" عَلى مَعْنى ذِكْرِ الغائِبِ، وكَذَلِكَ في الرُومِ، وهي قِراءَةُ أبِي العالِيَةِ، وقَرَأ الحَسَنُ: "فَتَمَتَّعُوا" كالجَماعَةِ عَلى الأمْرِ "فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ" بِالياءِ عَلى ذِكْرِ الغائِبِ، كَقِراءَةِ أبِي رافِعٍ، فَيَكُونُ "يُمَتِّعُوا" في قِراءَةِ أبِي رافِعٍ في مَوْضِعٍ نَصْبٍ عَطْفًا عَلى "يَكْفُرُوا" إنْ كانَتِ اللامُ لامَ "كَيْ"، ونُصْبًا بِالفاءِ في جَوابِ الأمْرِ إنَّ كانَتِ اللامُ لامَ أمْرٍ، ومَعْنى "التَمَتُّعِ" في هَذِهِ الآيَةِ: بِالحَياةِ الدُنْيا الَّتِي مَصِيرُها إلى الفَناءِ والزَوالِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences