Ibn 'AtiyyaAl‑Isra · 17:41–51

Ibn 'Atiyya · Tafsir · in Arabic

Al-Isra 17:41–51

17:41–44Page 286

وَلَقَدۡ صَرَّفۡنَا فِي هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ لِيَذَّكَّرُواْ وَمَا يَزِيدُهُمۡ إِلَّا نُفُورٗا ٤١

And We have certainly diversified [the contents] in this Qur’ān that they [i.e., mankind] may be reminded, but it does not increase them [i.e., the disbelievers] except in aversion.

قُل لَّوۡ كَانَ مَعَهُۥٓ ءَالِهَةٞ كَمَا يَقُولُونَ إِذٗا لَّٱبۡتَغَوۡاْ إِلَىٰ ذِي ٱلۡعَرۡشِ سَبِيلٗا ٤٢

Say, [O Muḥammad], "If there had been with Him [other] gods, as they say, then they [each] would have sought to the Owner of the Throne a way."1

سُبۡحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوّٗا كَبِيرٗا ٤٣

Exalted is He and high above what they say by great sublimity.

تُسَبِّحُ لَهُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ ٱلسَّبۡعُ وَٱلۡأَرۡضُ وَمَن فِيهِنَّۚ وَإِن مِّن شَيۡءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمۡدِهِۦ وَلَٰكِن لَّا تَفۡقَهُونَ تَسۡبِيحَهُمۡۚ إِنَّهُۥ كَانَ حَلِيمًا غَفُورٗا ٤٤

The seven heavens and the earth and whatever is in them exalt Him. And there is not a thing except that it exalts [Allāh] by His praise, but you do not understand their [way of] exalting. Indeed, He is ever Forbearing1 and Forgiving.

(p-٤٨٤)قوله عزّ وجلّ:

﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنا في هَذا القُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وما يَزِيدُهم إلا نُفُورًا﴾ ﴿قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ إذًا لابْتَغَوْا إلى ذِي العَرْشِ سَبِيلا﴾ ﴿سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَماواتُ السَبْعُ والأرْضُ ومَن فِيهِنَّ وإنْ مِن شَيْءٍ إلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ولَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهم إنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾

قَرَأ الجُمْهُورُ: "صَرَّفْنا" بِتَشْدِيدِ الراءِ، عَلى مَعْنى: صَرَّفْنا فِيهِ الحِكَمَ والمَواعِظَ. وقَرَأ الحَسَنُ: "صَرَفْنا" بِتَخْفِيفِ الراءِ عَلى مَعْنى: صَرَفْنا فِيهِ الناسَ إلى الهُدى بِالدُعاءِ إلى اللهِ، وقالَ بَعْضُ مَن شَدَّدَ الراءَ: إنَّ قَوْلَهُ: "فِي" زائِدٌ، والتَقْدِيرُ: صَرَّفْنا هَذا القُرْآنَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا ضَعِيفٌ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "لِيَذَّكَّرُوا"، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "لِيَذْكُرُوا" بِسُكُونِ الذالِ وضَمِّ الكافِ، وهي قِراءَةُ طَلْحَةَ، ويَحْيى، والأعْمَشِ. وما في ضِمْنِ الآيَةِ مِن تَرَجٍّ وطَماعِيَةٍ فَهو في حَقِّ البَشَرِ وبِحَسَبِ ظَنِّهِمْ فِيمَن يَفْعَلُ اللهُ مَعَهُ هَذا.

و"النُفُورُ" عِبارَةٌ عن شِدَّةِ الإعْراضِ، تَشْبِيهًا بِنُفُورِ الدابَّةِ، وهو في هَذِهِ الآيَةِ مَصْدَرٌ لا غَيْرَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

ورُوِيَ أنَّ في الإنْجِيلِ في مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ: "يا بَنِي إسْرائِيلَ شَوَّقْناكم فَلَمْ تَشْتاقُوا، ونُحْنا لَكم فَلَمْ تَبْكُوا".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ﴾ الآيَةُ، إحْبارٌ بِالحُجَّةِ. واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿لابْتَغَوْا إلى ذِي العَرْشِ سَبِيلا﴾ فَحَكى الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّ مَعْناهُ: لِطَلَبِ هَؤُلاءِ الآلِهَةِ الزُلْفى إلى ذِي العَرْشِ، والقِرْبَةِ إلَيْهِ بِطاعَتِهِ، فَيَكُونُ "السَبِيلُ" -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- بِمَعْناها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن شاءَ اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلا﴾ [المزمل: ١٩]، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ، والنَقّاشُ وقالَهُ المُتَكَلِّمُونَ، أبُو مَنصُورُ وغَيْرُهُ-: إنَّ مَعْنى الكَلامِ: لابْتَغَوْا إلَيْهِ سَبِيلًا في إفْسادِ مُلْكِهِ ومُضاهاتِهِ في قُدْرَتِهِ.

(p-٤٨٥)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وعَلى هَذا التَأْوِيلِ تَكُونُ الآيَةُ بَيانًا لِلتَّمانُعِ، وجارِيَةً مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلا اللهُ لَفَسَدَتا﴾ [الأنبياء: ٢٢]، وتَقْتَضِبُ شَيْئًا مِنَ الدَلِيلِ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى غَيْرُهُ، وذَلِكَ عَلى ما قالَ أبُو المَعالِي وغَيْرُهُ: إنّا لَوْ فَرَضْناهُ لِفَرْضِنا أنْ يُرِيدَ أحَدُهُما تَسْكِينَ جِسْمٍ، والآخِرُ تَحْرِيكَهُ، ومُسْتَحِيلٌ أنْ تَنْفُذَ الإرادَتانِ، ومُسْتَحِيلٌ ألّا تَنْفُذَ جَمِيعًا، فَيَكُونُ الجِسْمُ لا مُتَحَرِّكًا ولا ساكِنًا، فَإذا تَمَّتْ إرادَةُ أحَدِهِما دُونَ الآخَرِ فَإنَّ الَّذِي لَمْ تَتِمُّ إرادَتُهُ لَيْسَ بِإلَهٍ، فَإنْ قُلْنا نَفْرِضُهُما لا يَخْتَلِفانِ، قُلْنا: اخْتِلافُهُما جائِزٌ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ عَقْلًا، والجائِزُ في حُكْمِ الواقِعِ. ودَلِيلٌ آخَرُ، إنَّهُ لَوْ كانَ الِاثْنانِ لَمْ يَمْتَنِعْ أنْ يَكُونُوا ثَلاثَةً، وكَذَلِكَ إلى ما لا نِهايَةَ لَهُ، ودَلِيلٌ آخَرُ: إنَّ الجُزْءَ الَّذِي لا يَتَجَزَّأُ مِنَ المُخْتَرَعاتِ لا تَتَعَلَّقُ بِهِ إلّا قُدْرَةٌ واحِدَةٌ لا يَصِحُّ فِيها اشْتِراكٌ، والآخَرُ كَذَلِكَ، والآخِرُ كَذَلِكَ دَأبًا، فَكُلُّ جُزْءٍ فِيها اشْتِراكٌ، والآخَرُ كَذَلِكَ، والآخِرُ كَذَلِكَ دَأبًا، فَكُلُّ جُزْءٍ يَخْتَرِعُهُ واحِدٌ، وهَذِهِ نُبْذَةٌ شَرْحُها بِحَسَبِ التَقَصِّي يَطُولُ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَفَصٌ عن عاصِمٍ: "كَما يَقُولُونَ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "كَما تَقُولُونَ" بِالتاءِ.

و"سُبْحانَهُ" مَصْدَرٌ لِفِعْلٍ مَتْرُوكٌ إظْهارُهُ، فَهو بِمَعْنى التَنْزِيهِ، فَمَوْضِعُها هُنا مَوْضِعُ "تَنَزَّهَ"، فَلِذَلِكَ عُطِفَ الفِعْلُ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ: "وَتَعالى". و"التَعالِي" تَفاعُلٌ، أمّا في المُشاهِدِ في الأجْرامِ فَهو مِنَ اثْنَيْنِ؛ لِأنَّ الإنْسانَ إذا صَعَدَ في مَنزِلِهِ أو في جَبَلٍ، فَكَأنَّ ذَلِكَ يُعالِيهِ، وهو يُعالِي ويَرْتَقِي، وأمّا في جِهَةِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ فالتَعالِي هو بِالقَدَرِ لا بِالإضافَةِ إلى شَيْءٍ آخَرَ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرُو: "عَمّا يَقُولُونَ" بِالياءِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "عَمّا تَقُولُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ. و"عُلُوًّا" مَصْدَرٌ عَلى غَيْرِ الفِعْلِ، فَهو كَقَوْلِهِ سُبْحانُهُ ﴿واللهُ أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا﴾ [نوح: ١٧]، وهَذا كَثِيرٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَماواتُ السَبْعُ والأرْضُ﴾ الآيَةُ. المَعْنى: يُنَزِّهُهُ عن هَذِهِ المَقالَةِ الَّتِي لَكُمْ، والِاشْتِراكِ الَّذِي أنْتُمْ بِسَبِيلِهِ، السَماواتُ السَبْعُ والأرْضُ، ثُمَّ أعادَ عَلى السَماواتِ والأرْضِ ضَمِيرَ مَن يَعْقِلُ لَمّا أسْنَدَ إلَيْها فِعْلَ العاقِلِ وهو التَسْبِيحُ، وقَوْلُهُ: (p-٤٨٦)﴿وَمَن فِيهِنَّ﴾ يُرِيدُ المَلائِكَةَ والإنْسَ والجِنَّ، ثُمَّ عَمَّ بَعْدَ ذَلِكَ الأشْياءَ كُلَّها في قَوْلِهِ: ﴿وَإنْ مِن شَيْءٍ إلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ أيْ: يُنَزِّهُ اللهَ ويَحْمَدُهُ ويُمَجِّدُهُ.

واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في التَسْبِيحِ -فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هو تَجُوُّزٌ، ومَعْناهُ إنْ كُلَّ شَيْءٍ تَبْدُو فِيهِ صَنْعَةُ الصانِعِ الدالَّةُ عَلَيْهِ، فَتَدْعُو رُؤْيَةُ ذَلِكَ إلى التَسْبِيحِ مِنَ المُعْتَبَرِ، ومِن حُجَّةِ هَذا التَأْوِيلِ قَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿إنّا سَخَّرْنا الجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالعَشِيِّ﴾ [ص: ١٨].

وقالَتْ فِرْقَةٌ: "مِن شَيْءٍ" لَفْظُ عُمُومٍ، ومَعْناهُ الخُصُوصُ في كُلِّ حَيٍّ ونامٍ، ولَيْسَ ذَلِكَ في الجَماداتِ البَحْتَةِ، فَمِن هَذا قَوْلُ عِكْرِمَةَ: الشَجَرَةُ تُسَبِّحُ، والأُسْطُوانَةُ لا تُسَبِّحُ، وقالَ يَزِيدُ الرَقاشِي لِلْحَسَنِ وهُما في طَعامٍ، وقَدْ قُدِّمَ الخِوانُ: أيُسَبِّحُ هَذا الخِوانُ يا أبا سَعِيدٍ؟ قالَ: قَدْ كانَ يُسَبِّحُ مَرَّةً، يُرِيدُ أنَّ الشَجَرَةَ في زَمانِ نُمُوِّها واعْتِدالِها كانَتْ تُسَبِّحُ، فَمُذْ صارَتْ خِوانًا مَدْهُونًا أو نَحْوَهُ صارَتْ جَمادًا.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: هَذا التَسْبِيحُ حَقِيقَةٌ، وكُلُّ شَيْءٍ عَلى العُمُومِ يُسَبِّحُ تَسْبِيحًا لا يَسْمَعُهُ البَشَرُ ولا يَفْقَهُونَهُ، ولَوْ كانَ التَسْبِيحُ ما قالَهُ الآخَرُونَ مِن أنَّهُ أثَرُ الصَنْعَةِ لَكانَ أمْرًا مَفْهُومًا، والآيَةُ تَنْطِقُ بِأنَّ هَذا التَسْبِيحَ لا يُفْقَهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

ويَنْفَصِلُ عن هَذا الِاعْتِراضِ بِأنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿لا تَفْقَهُونَ﴾ الكُفّارَ والغَفَلَةَ، أيْ أنَّهم يُعْرِضُونَ عَنِ الِاعْتِبارِ فَلا يَفْقَهُونَ حِكْمَةَ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى في الأشْياءِ.

وقالَ الحَسَنُ: بَلَغَنِي أنَّ مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ في التَوْراةِ، ذَكَرَ فِيهِ ألْفَ شَيْءٍ مِمّا يُسَبِّحُ، سَبَّحَتْ لَهُ السَماواتُ، سَبَّحَتْ لَهُ الأرْضُ، سَبَّحَ كَذا، سَبَّحَ كَذا.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ -فِي رِوايَةٍ أبِي بَكْرٍ - وابْنِ عامِرٍ: "يُسَبِّحُ لَهُ" بِالياءِ، وقَرَأ أبُو عَمْرُو، وعاصِمٌ -فِي رِوايَةِ حَفْصٍ - وحَمْزَةَ والكِسائِيِّ: "تُسَبِّحُ لَهُ" بِالتاءِ. والقِراءَتانِ حَسَنَتانِ. وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ: "سَبَّحَتْ لَهُ السَماواتُ". وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى إمْلائِهِ لَهُمْ، وصَفْحِهِ عنهم في الدُنْيا، وإمْهالِهِ لَهُمْ، مَعَ شَنِيعِ هَذِهِ المَقالَةِ، أيْ: تَقُولُونَ قَوْلًا يُنَزِّهُهُ عنهُ كُلِّ شَيْءٍ مِنَ المَخْلُوقاتِ، إنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا، فَلِذَلِكَ أمْهَلَكم.

17:45–47Page 286

وَإِذَا قَرَأۡتَ ٱلۡقُرۡءَانَ جَعَلۡنَا بَيۡنَكَ وَبَيۡنَ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ حِجَابٗا مَّسۡتُورٗا ٤٥

And when you recite the Qur’ān, We put between you and those who do not believe in the Hereafter a concealed partition.1

وَجَعَلۡنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ أَكِنَّةً أَن يَفۡقَهُوهُ وَفِيٓ ءَاذَانِهِمۡ وَقۡرٗاۚ وَإِذَا ذَكَرۡتَ رَبَّكَ فِي ٱلۡقُرۡءَانِ وَحۡدَهُۥ وَلَّوۡاْ عَلَىٰٓ أَدۡبَٰرِهِمۡ نُفُورٗا ٤٦

And We have placed over their hearts coverings, lest they understand it, and in their ears deafness. And when you mention your Lord alone in the Qur’ān, they turn back in aversion.

نَّحۡنُ أَعۡلَمُ بِمَا يَسۡتَمِعُونَ بِهِۦٓ إِذۡ يَسۡتَمِعُونَ إِلَيۡكَ وَإِذۡ هُمۡ نَجۡوَىٰٓ إِذۡ يَقُولُ ٱلظَّٰلِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلٗا مَّسۡحُورًا ٤٧

We are most knowing of how they listen to it when they listen to you and [of] when they are in private conversation, when the wrongdoers say, "You follow not but a man affected by magic."

(p-٤٨٧)قوله عزّ وجلّ:

﴿وَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجابًا مَسْتُورًا﴾ ﴿وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ وفي آذانِهِمْ وقْرًا وإذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ في القُرْآنِ وحْدَهُ ولَّوْا عَلى أدْبارِهِمْ نُفُورًا﴾ ﴿نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ إذْ يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ وإذْ هم نَجْوى إذْ يَقُولُ الظالِمُونَ إنْ تَتَّبِعُونَ إلا رَجُلا مَسْحُورًا﴾

هَذِهِ الآيَةُ تَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما أنَّ اللهَ تَعالى أخْبَرَ نَبِيَّهُ ﷺ أنَّهُ يَحْمِيهِ مِنَ الكَفَرَةِ؛ أهْلِ مَكَّةَ الَّذِينَ كانُوا يُؤْذُونَهُ في وقْتِ قِراءَتِهِ القُرْآنَ وصَلاتِهِ في المَسْجِدِ، ويُرِيدُونَ مَدَّ اليَدِ إلَيْهِ، وأحْوالُهم في هَذا المَعْنى مَشْهُورَةٌ. والمَعْنى الآخَرُ أنَّهُ تَعالى أعْلَمَهُ أنَّهُ يَجْعَلُ بَيْنَ الكَفَرَةِ وبَيْنَ فَهْمِ ما يَقْرَؤُهُ مُحَمَّدٌ ﷺ حِجابًا، فالآيَةُ -عَلى هَذا التَأْوِيلِ- في مَعْنى الَّتِي بَعْدَها، وعَلى التَأْوِيلِ الأوَّلِ هُما آيَتانِ لِمَعْنَيَيْنِ.

وقَوْلُهُ: "مَسْتُورًا" أظْهَرَ ما فِيهِ أنْ يَكُونَ نَعْتًا لِلْحِجابِ، أيْ مَسْتُورًا عن أعْيُنِ الخَلْقِ، فَلا يُدْرِكُهُ أحَدٌ بِرُؤْيَةِ كَسائِرِ الحُجُبِ، وإنَّما هو مِن قُدْرَةِ اللهِ وكِفايَتِهِ وإضْلالِهِ بِحَسَبِ التَأْوِيلَيْنِ المَذْكُورَيْنِ، وقِيلَ: التَقْدِيرُ: مَسْتُورًا بِهِ، عَلى حَذْفِ العائِدِ، وقالَ الأخْفَشُ: "مَسْتُورًا" بِمَعْنى: ساتِرٍ، كَمَشْؤُمِ ومَيْمُونِ، بِمَعْنى: شائِمٍ ويَأْمَنُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا -لِغَيْرٍ داعِيَةٍ إلَيْهِ- تَكَلُّفٌ، ولَيْسَ مِثالُهُ بِمُسَلَّمٍ. وقِيلَ: هو عَلى جِهَةِ المُبالَغَةِ، كَما قالُوا: شِعْرٌ شاعِرٌ، وهَذا مُعْتَرَضٌ بِأنَّ المُبالَغَةَ أبَدًا إنَّما تَكُونُ بِاسْمِ الفاعِلِ ومِنَ اللَفْظِ الأوَّلِ، فَلَوْ قالَ حِجابًا حاجِبًا لَكانَ التَنْظِيرُ صَحِيحًا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً﴾ الآيَةُ. "الأكِنَّةُ": جَمْعُ كِنانٍ، وهو ما غَطّى الشَيْءَ، ومِنهُ كِنانَةُ النُبْلِ، و"الوَقْرُ": الثِقْلُ في الأُذُنِ المانِعُ مِنَ السَمْعِ، فَهو الصَمَمُ، وهَذِهِ كُلُّها اسْتِعاراتٌ لِلْإضْلالِ الَّذِي حَفَّهُمُ اللهُ بِهِ، فَعَبَّرَ عن كَثْرَةٍ ذَلِكَ وعِظَمِهِ بِأنَّهم بِمَثابَةٍ مَن غُطِّيَ قَلَبُهُ وصُمَّتْ أُذُنُهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ﴾ الآيَةُ، يُرِيدُ: إذا جاءَتْ مَواضِعُ التَوْحِيدِ في القُرْآنِ أثْناءَ قِراءَتِكَ فَرَّ كُفّارُ مَكَّةَ مِن سَماعِ ذَلِكَ إنْكارًا لَهُ واسْتِبْشاعًا؛ إذْ فِيهِ رَفْضُ آلِهَتِهِمْ واطْراحِها، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: «إنْ مَلَأ قُرَيْشٍ دَخَلُوا عَلى أبِي طالِبٍ يَزُورُونَهُ، فَدَخَلَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَقَرَأ ومَرَّ بِالتَوْحِيدِ، ثُمَّ قالَ: يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ: قُولُوا: "لا إلَهَ (p-٤٨٨)إلّا اللهَ" تَمْلِكُونَ بِها العَرَبَ، وتَدِينُ لَكُمُ العَجَمُ، فَوَلَّوْا ونَفَرُوا،» فَنَزَلَتِ الآيَةُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وأنْ تَكُونَ الآيَةُ وصْفَ حالِ الفارِّينَ عنهُ في وقْتِ تَوْحِيدِهِ في قِراءَتِهِ أبْيَنُ وأجْرى مَعَ اللَفْظِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "نُفُورًا" يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا في مَوْضِعِ الحالِ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ جَمْعَ نافِرٍ، كَشاهِدٍ وشُهُودٍ؛ لِأنَّ فَعَوْلًا مِن أبْنِيَةِ فاعِلٍ في الصِفاتِ، ونَصْبُهُ عَلى الحالِ، أيْ: نافِرِينَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ يَفْقَهُوهُ﴾، "أنْ" نُصِبَ عَلى المَفْعُولِ، أيْ: كَراهَةَ أنْ، أو مُنِعَ أنْ، والضَمِيرُ في "يَفْقَهُوهُ" عائِدٌ عَلى القُرْآنِ. وحَكى الطَبَرِيُّ عن فِرْقَةٍ أنَّها قالَتْ: إنَّما عَنى بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَّوْا عَلى أدْبارِهِمْ نُفُورًا﴾ الشَياطِينَ، وأنَّهم يَفِرُّونَ مِن قِراءَةِ القُرْآنِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

يُرِيدُ أنَّ المَعْنى يَدُلُّ عَلَيْهِمْ وإنْ لَمْ يَجْرِ لَهم ذِكْرٌ في اللَفْظِ، وهَذا نَظِيرُ قَوْلِ النَبِيِّ ﷺ: « "إذا نُودِيَ بِالصَلاةِ أدْبَرَ الشَيْطانُ لَهُ خُصاصٌ"».

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ﴾ الآيَةُ. هَذا كَما تَقُولُ: فُلانٌ يَسْتَمِعُ بِحِرْصٍ وإقْبالٍ، أو بِإعْراضٍ وتَغافُلٍ واسْتِخْفافٍ، فالضَمِيرُ في "بِهِ" عائِدٌ عَلى "ما" وهي بِمَعْنى "الَّذِي"، والمُرادُ بِالَّذِي ما ذَكَرْناهُ مِنَ الِاسْتِخْفافِ والإعْراضِ، فَكَأنَّهُ قالَ: نَحْنُ أعْلَمُ بِالِاسْتِخْفافِ والِاسْتِهْزاءِ الَّذِي يَسْتَمِعُونَ بِهِ، أيْ هو مُلازِمُهُمْ، يَفْضَحُ اللهُ بِهَذِهِ الآيَةِ سِرَّهُمْ، والعامِلُ في "إذِ" الأُولى وفي المَعْطُوفَةِ عَلَيْها "يَسْتَمِعُونَ" الأُولى. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ هم نَجْوى﴾ وصَفَهم بِالمَصْدَرِ، كَما قالُوا: قَوْمُ رِضى وعَدْلٍ، وقِيلَ: (p-٤٨٩)المُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذْ هم نَجْوى﴾ اجْتِماعُهم في دارِ النَدْوَةِ، ثُمَّ انْتَشَرَتْ عنهم.

وقَوْلُهُ تَعالى: "مَسْحُورًا" الظاهِرُ فِيهِ أنْ يَكُونَ مِنَ السِحْرِ، فَشَبَّهُوا الخِبالَ الَّذِي عِنْدَهُ بِزَعْمِهِمْ وأقْوالَهُ الوَخِيمَةَ بِرَأْيِهِمْ بِما يَكُونُ مِنَ المَسْحُورِ الَّذِي قَدْ خَبَلَ السِحْرُ عَقَلَهُ وأفْسَدَ كَلامُهُ. وتَكُونُ الآيَةُ -عَلى هَذا- شَبِيهَةً بِقَوْلِ بَعْضِهِمْ: "بِهِ جِنَّةٌ" ونَحْوَ هَذا، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: "مَسْحُورًا" مَعْناهُ: ذا سَحْرٍ، وهي الرِئَةُ، يُقالُ لَها: "سَحْرٌ وسُحْرٌ" بِضَمِّ السِينِ، ومِنهُ «قَوْلُ عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها: "تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْنَ سِحْرِي ونَحْرِي".» ومِنهُ قَوْلُهم لِلْجَبانِ "انْتَفَخَ سَحْرُهُ" لِأنَّ الجازِعَ تَنْتَفِخُ رِئَتُهُ، فَكَأنَّ مَقْصِدَ الكُفّارِ بِهَذا التَشْبِيهِ عَلى أنَّهُ بَشَرٌ، أيْ: ذا رِئَةٍ، قالَ: ومِن هَذا يُقالُ لِكُلِّ مَن يَأْكُلُ ويَشْرَبُ مِن آدَمِيٍّ وغَيْرِهِ: "مَسْحُورٌ ومُسَحَّرٌ"، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:

؎ ونُسْحَرُ بِالطَعامِ وبِالشَرابِ

وقَوْلُ لَبِيدِ:

؎ فَإنْ تَسْألِينا فِيمَ نَحْنُ فَإنَّنا ∗∗∗ ∗∗∗ عَصافِيرُ مِن هَذا الأنامِ المُسَحَّرِ

(p-٤٩٠)وَمِنهُ: السُحُورُ، وهو إلى هَذِهِ اللَفْظَةِ أقْرَبُ مِنهُ إلى السِحْرِ، ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ مِنَ السِحْرِ كالصَبُوحِ مِنَ الصَباحِ، والآيَةُ الَّتِي بَعْدَ هَذا تُقَوِّي أنَّ اللَفْظَةَ الَّتِي في الآيَةِ مِنَ السِحْرِ بِكَسْرِ السِينِ، لِأنَّ (......) حِينَئِذٍ في قَوْلِهِمْ ضُرِبَ مَثَلٌ لَهُ، وأمّا عَلى أنَّها مِنَ السِحْرِ الَّذِي هو الرِئَةِ، ومِنَ التَغَذِّي وأنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى أنَّهُ بَشَرٌ، فَلَمْ يُضْرَبْ لَهُ في ذَلِكَ مَثَلٌ، بَلْ هي صِفَةُ حَقِيقَةٌ لَهُ.

17:48–51Page 286

ٱنظُرۡ كَيۡفَ ضَرَبُواْ لَكَ ٱلۡأَمۡثَالَ فَضَلُّواْ فَلَا يَسۡتَطِيعُونَ سَبِيلٗا ٤٨

Look how they strike for you comparisons;1 but they have strayed, so they cannot [find] a way.

وَقَالُوٓاْ أَءِذَا كُنَّا عِظَٰمٗا وَرُفَٰتًا أَءِنَّا لَمَبۡعُوثُونَ خَلۡقٗا جَدِيدٗا ٤٩

And they say, "When we are bones and crumbled particles, will we [truly] be resurrected as a new creation?"

۞ قُلۡ كُونُواْ حِجَارَةً أَوۡ حَدِيدًا ٥٠

Say, "Be you stones or iron1

أَوۡ خَلۡقٗا مِّمَّا يَكۡبُرُ فِي صُدُورِكُمۡۚ فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَاۖ قُلِ ٱلَّذِي فَطَرَكُمۡ أَوَّلَ مَرَّةٖۚ فَسَيُنۡغِضُونَ إِلَيۡكَ رُءُوسَهُمۡ وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هُوَۖ قُلۡ عَسَىٰٓ أَن يَكُونَ قَرِيبٗا ٥١

Or [any] creation of that which is great1 within your breasts." And they will say, "Who will restore us?" Say, "He who brought you forth the first time." Then they will nod their heads toward you2 and say, "When is that?" Say, "Perhaps it will be soon -

قوله عزّ وجلّ:

﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلا﴾ ﴿وَقالُوا أإذا كُنّا عِظامًا ورُفاتًا أإنّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ ﴿قُلْ كُونُوا حِجارَةً أو حَدِيدًا﴾ ﴿أو خَلْقًا مِمّا يَكْبُرُ في صُدُورِكم فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنا قُلِ الَّذِي فَطَرَكم أوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إلَيْكَ رُءُوسَهم ويَقُولُونَ مَتى هو قُلِ عَسى أنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾

ضَرْبُ المَثَلِ لَهُ هو قَوْلُهُمْ: مَسْحُورٌ، ساحِرٌ، مَجْنُونٌ، مُتَكَهِّنٌ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهم مُتَيَقِّنًا بِأحَدِ هَذِهِ، فَإنَّما كانَتْ مِنهم عَلى جِهَةِ التَشْبِيهِ، ثُمَّ رَأى الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةَ أنَّ أقْرَبَ هَذِهِ الأُمُورُ عَلى تَخَيُّلِ الطارِئِينَ عَلَيْهِمْ هو أنَّهُ ساحِرٌ، ثُمَّ حَكَمَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى عَلَيْهِمْ بِالضَلالِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلا﴾ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: لا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا إلى الهُدى والنَظَرِ المُؤَدِّي إلى الإيمانِ، فَتَجْرِي الآيَةُ مَجْرى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً﴾ [الإسراء: ٤٦] ونَحْوَ هَذا. والآخَرُ: لا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا إلى إفْسادِ أمْرِكَ، (p-٤٩١)وَإطْفاءِ نُورِ اللهِ بِضَرْبِهِمُ الأمْثالَ لَكَ، واتِّباعِهِمْ كُلَّ حِيلَةٍ في جِهَتِكَ.

وحَكى الطَبَرِيُّ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ وأصْحابِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالُوا أإذا كُنّا عِظامًا ورُفاتًا﴾. هَذِهِ الآيَةُ في إنْكارِهِمُ البَعْثَ، وهَذا مِنهم تَعَجُّبٌ وإنْكارٌ واسْتِبْعادٌ. و"الرُفاتُ" مِنَ الأشْياءِ: ما مَرَّ عَلَيْهِ الزَمَنُ حَتّى بَلَغَ بِهِ غايَةَ البِلى، وقَرَّبَهُ مِن حالَةِ التُرابِ، يُقالُ: رُفِتَ رَفْتًا فَهو مَرْفُوتٌ، وفُعالٌ بِناءُها لِهَذا المَعْنى، كالحُطامِ والفُتاتِ والرُضاضِ والدُقاقِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "رُفاتًا": غُبارًا، وقالَ مُجاهِدٌ: تُرابًا.

واخْتَلَفَ القُرّاءُ في هَذَيْنِ الاسْتَفْهامَيْنِ، فَقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرُو: "أئَذا، أئَنا" جَمِيعًا بِالِاسْتِفْهامِ، غَيْرَ أنَّ أبا عَمْرُو يَمُدُّ الهَمْزَةَ، ثُمَّ يَأْتِي بِالياءِ ساكِنَةً، وابْنُ كَثِيرٍ يَأْتِي بِياءٍ ساكِنَةٍ بَعْدَ الهَمْزَةِ مِن غَيْرِ مَدَّةٍ. وقَرَأ نافِعٌ الأُولى مِثْلَ أبِي عَمْرُو، واخْتَلَفَ عنهُ في المَدِّ، وقَرَأ الثانِيَةَ: "إنّا" مَكْسُورَةً عَلى الخَبَرِ، ووافَقَهُ الكِسائِيُ في اكْتِفائِهِ بِالِاسْتِفْهامِ الأوَّلِ مِنَ الثانِي، غَيْرَ أنَّهُ كانَ يَهْمِزُ بِهَمْزَتَيْنِ، وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ: "أئِذا كُنّا". "أئِنّا" بِهَمْزَتَيْنِ فِيهِما، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: "إذا كُنّا" مَكْسُورَةَ الألْفِ مِن غَيْرِ اسْتِفْهامٍ "آئِنّا" يَهْمِزُ ثُمَّ يَمُدُّ ثُمَّ يَهْمِزُ، ورُوِيَ عنهُ مِثْلُ قِراءَةِ حَمْزَةَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وفِي سُورَةِ الرَعْدِ تَوْجِيهُ هَذِهِ القِراءاتِ

و"جَدِيدٌ" صِفَةٌ لِما قَرُبَ حُدُوثُهُ مِنَ الأشْياءِ، وهَكَذا يُوصَفُ بِهِ المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ، فَيُقالُ: مِلْحَفَةٌ جَدِيدُ، وقَوْلُهُمْ: جَدِيدَةٌ لُغَةٌ ضَعِيفَةٌ، كَذا قالَ سِيبَوَيْهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ كُونُوا حِجارَةً أو حَدِيدًا﴾ الآيَةُ. المَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ: كُونُوا إنِ اسْتَطَعْتُمْ هَذِهِ الأشْياءَ الصَعْبَةَ المُمْتَنِعَةَ التَأتِّي لا بُدَّ مِن بَعْثِكم. وقَوْلُهُ: "كُونُوا" هو الَّذِي يُسَمِّيهِ المُتَكَلِّمُونَ التَعْجِيزَ، مِن أنْواعِ لَفْظَةِ: افْعَلْ، وبِهَذِهِ الآيَةِ مَثَّلَ بَعْضُهُمْ، وفي هَذا عِنْدِي نَظَرٌ، وإنَّما التَعْجِيزُ حَيْثُ يُقْضى بِالأمْرِ فِعْلُ ما لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ المُخاطَبُ، (p-٤٩٢)كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فادْرَءُوا عن أنْفُسِكُمُ المَوْتَ﴾ [آل عمران: ١٦٨] ونَحْوَهُ، وأمّا هَذِهِ الآيَةُ فَمَعْناها: كُونُوا بِالتَوَهُّمِ والتَقْدِيرِ كَذا وكَذا، الَّذِي فَطَرَكم كَذَلِكَ هو يُعِيدُكُمْ، وقالَ مُجاهِدٌ: أرادَ بِالخَلْقِ الَّذِي يَكْبُرُ في الصُدُورِ السَماواتُ والأرْضُ والجِبالُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، والحَسَنُ وابْنُ جُبَيْرٍ، والضَحّاكُ: أرادَ المَوْتَ، وقالَ قَتادَةَ ومُجاهِدٌ: بَلْ أحالَ عَلى فِطْرَتِهِمْ عُمُومًا، ورَجَّحَهُ الطَبَرِيُّ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا هو الأصَحُّ؛ لِأنَّهُ بَدَأ بِشَيْءٍ صُلْبٍ، ثُمَّ تَدَرَّجَ القَوْلُ إلى أقْوى مِنهُ، ثُمَّ أحالَ عَلى فِطْرَتِهِمْ إنْ شاءَ، وفي أشَدَّ مِنَ الحَدِيدِ فَلا وجْهَ لِلتَّخْصِيصِ بِشَيْءٍ دُونَ شَيْءٍ. ثُمَّ احْتَجَّ عَلَيْهِمْ عَزَّ وجَلَّ في الإعادَةِ بِالفِطْرَةِ الأُولى مِن حَيْثُ خَلَقَهم واخْتَرَعَهم مِن تُرابٍ، وكَذَلِكَ يُعِيدُهم إذا شاءَ، لا رَبَّ غَيْرُهُ. وقَوْلُهُ: "فَسَيُنْغِضُونَ" مَعْناهُ: يَرْفَعُونَ ويَخْفِضُونَ يُرِيدُ عَلى جِهَةِ التَكْذِيبِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: والِاسْتِهْزاءُ. قالَ الزَجّاجُ: تَحْرِيكُ مَن يُبْطِلُ الشَيْءَ ويَسْتَبْطِئُهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:

؎ أنَغْضَ نَحْوِي رَأسَهُ وأقْنَعا ∗∗∗ كَأنَّما أبْصَرَ شَيْئًا أطْمَعا

ويُقالُ: نَغَضَتِ السِنُّ إذا تَحَرَّكَتْ، وقالَ ذُو الرُمَّةِ:

؎ ظَعائِنُ لَمْ يَسْكُنَّ أكْنافَ قَرْيَةٍ ∗∗∗ ∗∗∗ بِسَيْفٍ ولَمْ تَنْغُضْ بِهِنَّ القَناطِرُ

قالَ الطَبَرِيُّ، وابْنُ سَلّامٍ: و"عَسى" مِنَ اللهِ واجِبَةٌ، فالمَعْنى: وهو قَرِيبٌ.

(p-٤٩٣)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذِهِ إنَّما هي مِنَ النَبِيِّ ﷺ، ولَكِنَّها بِأمْرِ اللهِ تَعالى لَهُ، فَيُقَرِّبُها ذَلِكَ مِنَ الوُجُوبِ، ولِذَلِكَ قالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "بُعِثْتُ أنا والساعَةُ كَهاتَيْنِ"،» وفي ضِمْنِ اللَفْظَةِ تَوَعُّدٌ لَهم.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском